قائمة المواضيع :
من البحوث التي كثر تداولها في المصنّفات التي تبحث في مجال فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع مسألة أصالة الفرد أو أصالة المجتمع، ما المراد من ذلك؟ وهل هناك بُعدٌ ثالث؟ وما هي النظرية الإسلامية في هذا المجال؟
الجواب: انّ طبيعة الحياة الاجتماعية للإنسان تقتضي أن ترتبط حياته ـ و بنحوما ـ بالمجتمع الذي يحيا فيه، ولكن البحث عن نوعية هذه العلاقة وحقيقتها وما هو شكلها؟ وقد ذكرت هنا مجموعة من النظريات المختلفة ونحن نشير هنا إليها بصورة مختصرة.
الف: أصالة الفرد
المراد من أصالة الفرد هو أنّ الحياة الاجتماعية والعيش بصورة جماعية ينبغي أن يكون بنحو لا تتوجّه إلى حياة الفرد وشؤونه الشخصية فيه أيّة ضربة، ولا تشكل الحياة الاجتماعية أيّة مزاحمة أو مضايقة لوجوده وحرّياته الفردية، وليس المجتمع ـ وفقاً لهذه النظرية ـ في الواقع إلاّ مجموعة من الأفراد، وانّ العامل الأساسي والسبب الرئيسي لهذا الاجتماع وهذه العلاقات والحياة الاجتماعية هو تأمين وتلبية متطلبات وحاجات الفرد، والوصول إليها في ظل الحياة الاجتماعية لا غير.
وإذا ما أقدم الإنسان على سن سلسلة من القوانين والمقرّرات لتوفير النظام الاجتماعي والخضوع لها، فانّما يفعل ذلك لسبب أساسي وهو انّه يبغي من خلال هذه المقررات والرضوخ لها الوصول إلى مصالح أكبر ومنافع أفضل.
إذن وفقاً لهذه النظرية يكون فساد المجتمع هو في الحقيقة وليد فساد الفرد، كما أنّ إصلاح المجتمع يتحقّق من خلال إصلاح الفرد لا غير.
خلاصة القول: إنّ الفاعل والمحرك في جميع الميادين هو إرادة الفرد وميوله ورغباته ومصالحه، وانّه انّما يقوم بإنشاء نظم وقوانين ليتسنّى له من خلالها وتحت غطائها الوصول إلى مقاصده وميوله الشخصية الكبرى.
ب: أصالة المجتمع
المراد من  أصالة المجتمع هنا أنّ الحياة الفردية للإنسان تابعة وخاضعة للمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وذلك لأنّ الإنسان إذا كان خاضعاً للمحيط الطبيعي الذي يعيش فيه من عدّة جهات، فلا ريب أنّه كذلك يقع تحت قبضة المحيط الاجتماعي من عدّة جهات أيضاً.
وبعبارة أوضح: انّ الشيء الذي له تحقّق وواقعية وعينية في الخارج هو المجتمع والإنسان الاجتماعي لا الإنسان المستقلّ عن الآخرين، وانّ ما نراه في الواقع هم الناس الاجتماعيون الذين تربطهم علاقات وروابط اجتماعية ويحيون بصورة جماعية.
وبعبارة أُخرى: كما أنّ النظام الطبيعي تشكّل فيه الظواهر الطبيعية جزءاً من النظام العام وليس لها استقلالية خاصة، فعلى سبيل المثال الأرض تعتبر جزءاً من المنظومة الشمسية وانّ ظواهر الأرض داخلة ضمن النظام العام لتلك المنظومة، كذلك الأمر بالنسبة إلى الإنسان فإنّ كلّ فرد من أفراد النوع الإنساني إنّما هو جزء من المجتمع وتابع له، وإذا ما كانت للفرد رؤية أو إرادة أو غنى أو ما شابه ذلك، فليس ذلك إلاّ انعكاساً لصدى المجتمع والعوامل الاجتماعية.
إنّ مثل الفرد في المجتمع الإنساني مثل الخلية في الجسم، إذ من الصحيح انّ للخلية حياة ونشوءاً وشكلاً خاصاً بها، ولكنّها في نفس الوقت تابعة وخاضعة في حالات الاعتدال والانحراف والصحّة والمرض إلى البدن التي تُعد جزءاً منه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الفرد في المجتمع حيث إنّه يسير ويتحرك بالاتجاه الذي يسير ويتحرك فيه المجتمع.
إنّ أصحاب هذه النظرية يذهبون تارة ما إلى حدّ بعيد جداً حيث يرون أنّ الفرد تابع للمجتمع وخاضع له بدرجة مائة بالمائة، وانّه لا سبيل أمامه إلاّ الحياة ضمن إطار المجتمع، وأنّ إصلاح الفرد وسداده لا يتم، إلاّ من خلال إحداث انقلاب وتحوّل في المجتمع، فإذا ما أردنا أن نصلح الفرد فلابدّ من إحداث انقلاب في النظام الفاسد أوّلاً لكي يتسنّى لنا من خلال ذلك إصلاح الفرد.
نعم هناك نظرية ثالثة يمكن طرحها هنا. وهذه النظرية في الواقع تمثّل منهجاً معتدلاً بين النظريتين السابقتين، وهذه النظرية تؤيدها روح التعاليم الإسلامية، ويمكن أن نطلق عليها أنّها مزيج من «أصالة الفرد وأصالة المجتمع».
إنّ القرآن الكريم يؤكد أنّ للمجتمع الإنساني ـ وبالإضافة إلى البعدين المذكورين ـ بُعداً ثالثاً، وهو ما نطلق عليه اسم «البعد العالمي» أو «البعد الإلهي».
وخلاصة ذلك: انّ عالم الوجود لا يقف موقف اللا مبالاة من عمل الإنسان وتصرّفاته، بل انّ عمل الإنسان وتصرفه يستدعي ردة فعل مناسبة من قبل عالم الوجود فالعمل الصالح يستدعي ردة فعل حسنة، والسيّئ ردة فعل سيّئة، فالحسنة تجزى بالحسنة والسيّئة بالسيّئة.
توضيح ذلك: أنّ جميع  الاتّجاهات الفكرية، تنظر إلى العالم ـ باستثناء الإنسان وباقي الحيوانات ـ على أنّها وجودات جامدة فاقدة للشعور والإدراك، ويرون أنّ موقف العالم بالنسبة إلى الأعمال الصالحة والحسنة هو موقف اللامبالاة، فسواء قام الإنسان بالأعمال الحسنة أو اقترف الموبقات والسيّئات فلا يحدث ذلك أيّ ردة فعل من قبل الأرض ولا من قبل السماء، فلا فرق بالنسبة إلى المجتمع بين ظلم الحكام وعدوانهم واستهتارهم بالقيم وتهوّرهم وبين عدل الصالحين والطاهرين واستقامتهم.
إلاّ أنّ النظرية القرآنية على العكس من ذلك تماماً حيث يرى القرآن الكريم أنّ جميع الموجودات ذات شعور وإدراك خاص، وأنّ العالم لا يعيش حالة اللامبالاة بالنسبة إلى عمل الإنسان وتصرفاته. كما أنّ القرآن الكريم يعتقد أيضاً انّ هذا البُعد من أبعاد المجتمع غير قابل للإدراك من خلال مرآة القلب فقط، يقول سبحانه:
( ...وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسبيحَهُمْ... ) .( [1])
ولكن  ما هي كيفية هذا الإدراك والشعور، وكيفية هيمنته على العالم؟ وما هو نوع العلاقة بين العمل الصالح والطالح للإنسان وردة الفعل الكونية الصالحة والسيّئة؟ انّ كلّ ذلك من الأُمور الخفية التي لا سبيل لنا لإدراكها إلاّ من خلال طريق واحد وهو  الذي عبّرت عنه الآية : ( الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب... )( [2]) وإن كانت حقيقة ذلك بالنسبة إلينا واضحة وجلية، ولكن الكلام في الكيفية ونوع العلاقة.
وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تشهد على وجود هذا البعد الثالث نذكر منها على سبيل المثال:
1. ( ولَوْ أَنَّ أَهْـل القُـرى آمَنُـوا وَاتَّقَـوا لَفَتَحْنـا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون ) .( [3])
فالآية صريحة في أنّ لأعمالنا الحسنة والسيّئة تأثيراً في فتح أبواب رحمة اللّه سبحانه وإغلاقها، وفتح وغلق بركات السماوات والأرض، كما أنّ الإنسان لم يتوصّل بالفعل إلى جميع علل وأسباب وأسرار العالم حتّى يمكنه حينئذ إنكار تأثير تلك الأعمال وعلّيتها.
يقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :«إذا كثر الزنا، كثر موت الفجأة»،ولا ريب انّ الإنسان لم يدرك حتى الآن العلاقة بين الزنا و بين الموت المفاجئ ـ أو ما يصطلح عليه علمياً السكتة القلبية أو الدماغية ـ و لا طريق للإنسان لكشف هذه الحقيقة المجهولة إلاّ من خلال الوحي الذي يقدر على إزاحة الستار عنها وكشف الحقيقة التي لم يتمكّن العلم ـ مع تطوره الفائق ـ إلى الوصول  إليها، وليست هذه هي الحالة الوحيدة التي لم يدركها الإنسان، بل توجد الكثير من العوامل الخفية التي لها تأثيرها في حياة الإنسان ولم يتوصل إليها الإنسان ذلك المغرور بعقله وعلمه الناقص.
إذن هذا الحديث الشريف ونظائره في الروايات الكثيرة تكشف لنا انّ الحياة الاجتماعية هي حياة قائمة على أساس علاقات عضوية( [4]) بحيث تتأثّر المجاميع فيما بينها فعلاً وانفعالاً، وإن كان بعضها متنفّراً و متبرّماً من البعض الآخر.
2. إنّ الإسلام يؤكّد من جهة على تزكية النفس وتهذيب الأخلاق والحثّ على العبادات والطاعات الفردية والدعاء والتوسّل ويؤكد دائماً على حرية الإنسان وانتخابه واستقلاليته حيث يقول سبحانه:
( ...لا يضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ... ) .( [5])
ولا يسمح للإنسان الفرد أن يتدرّج ـ لتبرير انحرافه ـ بانحراف المجتمع وفساده وانّه تابع للمجتمع وخاضع له، ولا يسمح للإنسان أن يغفل عن تطهير نفسه وتزكيتها  تحت هذه الذريعة.
إنّه سبحانه يخاطب يوم القيامة  الناس الذين وقع عليهم الظلم والعدوان واستضعفوا في الأرض وتلوّثوا بقذارات المجتمع الظالم وعيوبه، بقوله سبحانه:
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ فِي الأرضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّه واسِعَة فَتُهاجِروا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ) .( [6])
إنّ  هذه الآية ونظائرها تصرح بأنّ الإنسان هو الذي يصنع مصيره وتصرّح بإرادته واختياره، ولذلك لا يمكن أن نقول بأنّ شخصية الفرد تذوب وتفنى في المجتمع بصورة كاملة.
3. ولكن من جهة أُخرى نرى القرآن يؤكد أنّ العوامل الاجتماعية تؤثر في حياة الإنسان، ولذلك يدعو ويحثّ الناس لتطهير المجتمع من خلال فريضة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ويحذر الناس من فتنة خطرة تعمّ الجميع حيث يقول سبحانه:
( واتّقوا فِتنة لا تُصيبنّ الّذينَ ظلموا مِنْكُمْ خاصّة... ) .( [7])
كما  أنّ  للإمام الباقر(عليه السلام) في هذا المجال كلاماً قيّماً يُعدّ من جواهر الكلام ودرره حيث يقول(عليه السلام) :
«فأنكروا بقلوبكم، وألفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في اللّه لومة لائم... فجاهدوهم بأبدانكم، وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً».( [8])
فإذا كانت إرادة الفرد أسيرة لإرادة المجتمع وذائبة فيها، فلا معنى حينئذ لمثل هذا الطلب والحثّ على الجد والمثابرة والسعي من أجل تزكية النفس ومواجهة الظالمين والمنحرفين.
وأخيراً نؤكّد على نكتة مهمة جداً  وهي انّ الاعتقاد بوجود هذا البعد
(الثالث) في المجتمع له تأثير عجيب في إصلاح المجتمع واستقامته، فأيّ الاتجاهين الفكريّين يصلح المجتمع ويقوّمه؟ هل هو المنهج الذي يرى أنّ العالم يعيش حالة اللامبالاة وعدم الاهتمام بما يصدر من الإنسان من أفعال حسنة كانت أو سيّئة، ويرى أنّ العالم موجود أعمى وأصم ولا شعور له ولا حياة فلذلك لا يفعل ولا ينفعل بعمل الإنسان وما يصدر منه من ظلم أو عدل؟ أم انّ الذي يصلح المجتمع المنهج الفكري الذي يرى أنّ للعالم شعوراً وإدراكاً وانفعالاً وانّ كلّ عمل يصدر من الإنسان لا يفلت من قبضة العالم أبداً، بل لابدّ أن  يقابل بردة فعل تتناسب مع الفعل حسنة وسيّئة صالحة وطالحة؟
وعلى هذا الأساس ووفقاً لهذه النظرية لابدّ أن يتصدّى لحكومة المجتمع وإدارة شؤونه طبقة من الناس الذين يدركون وجود هذا البعد في المجتمع وهذه العلاقات والروابط الاجتماعية لكي يتسنّى لهم سن القوانين والمقررات الصحيحة والمناسبة آخذين بنظر الاعتبار هذا العنصر الفاعل.
وبتعبير آخر: أي لا يغفلون هذا البعد حال رسمهم الخطط والبرامج الحياتية وسنّهم للقوانين التي تقوم عليها حركة المجتمع.( [9])

[1] . الإسراء: 44.
[2] . البقرة: 3.
[3] . الأعراف: 96.
[4] . إنّ العلاقات العضوية تقابل العلاقات الميكانيكية، ففي النحو الأوّل من العلاقات يكون للمجتمع روح واحدة تحكمه وتهيمن عليه، ولكن في العلاقات الميكانيكية يفتقد المجتمع هذا النوع من العلاقة والرابطة وتكون العلاقة فيه مجرّد علاقة آلية لا غير.
[5] . المائدة: 105.
[6] . النساء: 97.
[7] . الأنفال: 25.
[8] . الكافي:5/ 56.
[9] . منشور جاويد:1/324ـ 331بتلخيص.