قائمة المواضيع :
ما هو الدور الذي يقوم به الوجدان في داخل الإنسان وطبيعته؟
الجواب: لقد أولى علماء النفس والباحثون النفسانيون هذه المسألة أهمية كبيرة في بحوثهم النفسية وسعوا إلى تحليل مسألة الوجدان وفقاً لبحوثهم التجريبية، وفي أثناء بحثهم عن الكثير من المسائل التي تتعلّق بذلك توصّلوا إلى الكثير من النتائج المهمّة في هذا المجال إلاّ أنّ النقطة التي نالت اهتماماً أكبر وحظّاً وافراً من البحث والتحليل هي مسألة دراسة وبيان الجذور الوجودية لمسألة الوجدان في الطبيعة البشرية. ونحن أيضاً نقتفي أثرهم ونركّز البحث على هذه المسألة، ونقدّم البحث فيها على سائر المسائل الأُخرى التي تتعلّق بالموضوع.
جذور الوجدان في الطبيعة البشرية
تشير التحاليل والاختبارات الكثيرة إلى وجود إدراك وقوّة خاصة في طبيعة الإنسان  يشخّص من خلالها الأُمور الحميدة والحسنة ويميّز بين الأُمور الذميمة والسيّئة، ولقد أطلقوا على هذا النوع من الإدراك عنوان «الوجدانيات» ولقد عدّها الفلاسفة المسلمون قسماً من العقل العملي.
إنّ هذه القوة الإدراكية في تشخيص الأُمور الحسنة عن السيّئة لا تحتاج إلاّ إلى تشخيص ماهية العمل أوّلاً، وفي مقام الحكم لا تحتاج إلاّ إلى محكمتها الخاصة بها، ولا تحتاج إلى قاض من الخارج ثانياً، وحينما يقال:«الوجدان هو المحكمة التي لا تحتاج إلى قاض» المقصود منه انّ الوجدان لا يحتاج إلى قاض خارج عنه، بل الوجدان مستقل في قضائه وحكمه.
لقد أثبتت التجارب انّ للوجدان جذوراً في طبيعة الإنسان وخلقته، وانّ الطفل ومنذ أوّل خطوة يخطوها على البسيطة توجد في داخله هذه القوّة وهذه الطاقة جنباً إلى جنب مع باقي الغرائز والميول والرغبات الطبيعية الأُخرى، وتأخذ هذه «القوة» أي قوة الوجدان بالتكامل والاشتداد كلّما كبر ونمت قواه الطبيعية.
وعلى هذا الأساس نعرف انّ النداء الوجداني والتحسين والثناء أو اللوم والتوبيخ والذم، لم يلق إلى الإنسان من الخارج، وحسب الاصطلاح التعليمي لا يتعلّمها الإنسان من خلال وسائل وطرق التعليم الخارجية، بل هو نداء ينبعث من داخل الإنسان وباطنه ويسمعه  في أعماقه، وهو من الأُمور الفطرية التي أُودعت في طينته  وخلقته والتي تسوقه إلى طريق السعادة والفلاح.
الفرق بين الوجدان الفطري والوجدان الأخلاقي
نطرح المثال التالي لتمييز النداء الفطري عن غيره وإن ظهر بمظهر الأُمور الفطرية : لا شكّ انّ نقض العهود، وخيانة الأمانة والتعدّي على حقوق الآخرين، تُعدّ من الأُمور القبيحة والذميمة والمستهجنة لدى جميع الملل والأقوام والشعوب في العالم، وكلّ إنسان يدرك ذلك جيداً حينما يرجع إلى داخله ووجدانه، ولذلك يذم ويوبخ القائمين بتلك الأعمال القبيحة، انّ هذا النداء العام الذي يسمع من خلال ضمير البشر وفي كلّ بقاع العالم وبين جميع الأقوام والشعوب،لا يمكن أن يكون وليد التعليم والتربية الاجتماعية، أو الشروط والتحوّلات الاقتصادية أو نتيجة وسائل التبليغ والإرشاد، وذلك لأنّ من الواضح جداً انّ شعوب العالم المختلفة لم تخضع يوماً ما إلى نظام تربوي واحد أو سياسة مشتركة أو نمط اقتصادي خاص،بل انّها دائماً تعيش تحت شروط وحالات متفاوتة ومختلفة من الناحية الاقتصادية والسياسية والتربوية، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى نجد انّ هذا الإدراك الفطري موجود في زوايا جميع أبناء البشر على اختلاف جنسياتهم وألوانهم وأوطانهم، فالكلّ ينادي: انّ الخيانة ونقض العهود والتجاوز على حقوق الآخرين أُمور قبيحة وذميمة لا ينبغي للإنسان الاتّصاف بها، وهذا ما يكشف لنا بجلاء انّ هذا الإدراك وهذا النداء والقضاء من الأُمور الفطرية التي خلقت مع الإنسان، وانّه من المستحيل أن تتمكّن  الأفكار المستوردة أو المكتسبة من عوامل خارجية أن تخلق في الإنسان تلك الظاهرة بهذه الشمولية والسعة.
في مقابل ذلك يوجد هناك الكثير من الأعمال التي تُعدّ من الأُمور القبيحة والذميمة عند أكثر الناس، ولكنّها لا تعدّ كذلك لدى طائفة أُخرى من الناس، فعلى سبيل المثال الزواج من المحارم الذي اتّفقت جميع الشرائع السماوية على تحريمه، والذي ينظر إليه أتباع الديانات السماوية نظرة اشمئزاز وتنفّر خاصة. ولكن في نفس الوقت نرى هذا العمل لا يُعدّ قبيحاً ومذموماً لدى طائفة من الناس، ولو كان قبح هذا العمل فطرياً لما اختلف فيه أبناء النوع الإنساني، ولذلك يمكن القول: إنّ قبح هذا العمل لا ينبع من حالة فطرية في داخل الإنسان وإن ظهرت بمظهر الأُمور الفطرية، بل هي في الواقع وليدة النهي المتواصل والتحذيرات المتكررة التي صدرت من أصحاب الشرائع السماوية والتي أدّت إلى استحكام ونفوذ قبحها وخسّتها في أعماقنا، ولولا وجود هذا العامل التبليغي والإرشادي المتواصل والتحذير والتحريم المتكرر لما اعتبرنا تلك الأُمور من الأُمور القبيحة والمنفورة التي يستحق فاعلها الذم والتوبيخ.
من خلال هذا التوضيح يمكن القول: لتمييز هذين النوعين، لابدّ من عدّ الإدراك الأوّل من قبيل «الوجدان الفطري»، و الثاني من قبيل «الوجدان الأخلاقي».( [1])
[1] . منشور جاويد:14/173ـ 175.