قائمة المواضيع :
ما هي العوامل الفاعلة في بعث الأمل وتنمية بذرة الرجاء في نفس الإنسان؟
الجواب: إذا كان الإيمان  وسعي الإنسان وكفاحه في مسيرة الإيمان يمثّل الأرضية المناسبة والتمهيد لبعث الأمل والرجاء في نفسه، فإنّ قبول شفاعة الأولياء، وشمولية الرحمة الإلهية وسعتها تُعدّ من العوامل التي تبزرع في قلب الإنسان بذور الأمل في المراحل اللاحقة، بمعنى أنّه بُعد الإيمان والسعي والكفاح المتواصل يأتي دور هذه العوامل التي أشار إليها القرآن، والتي اعتبرها تمثّل المرحلة الثانية في بعث الأمل وزرع الرجاء في الروح الإنسانية، وها نحن نشير إلى هذه العوامل:
1. المغفرة الإلهية الواسعة
إنّ العامل الأوّل لزرع الأمل في قلوب الناس المؤمنين ـ بعد السعي والجهد اللائق ـ هو الإيمان برحمة اللّه الواسعة، والتيقّن بأنّ رحمة اللّه سبحانه قد سبقت غضبه.( [1])
ولقد صرّح القرآن الكريم بهذا المعنى حيث قال سبحانه:
( قُلْ يا عِباديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّاللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .( [2])
وفي آية أُخرى:
( ...وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ... ) .( [3])
إنّ هذا الصنف من الآيات وخاصة الآية الثانية يشير إلى العفو والمغفرة التي تشمل تارة ما; العباد من دون توبة، وإذا ما قيل: إنّ مراد الآية هو أنّ المغفرة لا تشمل الإنسان إلاّ إذا تحقّق شرط التوبة، نقول: إنّ هذا التصوّر غير صحيح، لأنّه حينئذ لا حاجة لقوله سبحانه: ( على ظلمهم ) .
أضف إلى ذلك: انّ لحن الآية الأُولى بنحو لا يمكن تخصيصه وحمله على حالة التوبة فقط، وذلك لأنّ الآية لحنها لحن الحديث عن الرحمة الواسعة والمغفرة الإلهية العامّة، والآية تهدف إلى بذر الأمل في قلوب العباد، وتبعث في داخلهم نور الأمل والرجاء.
2. استغفار الملائكة
ومن الأُمور  الأُخرى التي تبعث الأمل في قلوب العباد علمهم بأنّ الملائكة تستغفر اللّه لهم وتطلب منه التجاوز والصفح عن ذنوب عباده والستر عليهم وهدايتهم إلى الطريق القويم، ومن هؤلاء الملائكة الذين يدعون ويستغفرون للمؤمنين هم حملة العرش الإلهي، يقول سبحانه:
( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرشَ وَمنْ حَولَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وََسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً وَعِلماً... ) .( [4])
3. شفاعة الأولياء
العامل الثالث من عوامل بعث الرجاء وبثّ الأمل في النفوس هو الاعتقاد بشفاعة الأولياء، ولقد أطلق القرآن على مقام الشفاعة الذي منحه اللّه تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنوان «المقام المحمود» حيث قال سبحانه:
( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .( [5])
وفي آية أُخرى يشير سبحانه وتعالى أنّه سيقبل شفاعة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحدّ الذي يرضى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو إشارة إلى شمولية وسعة شفاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه:
( وَلَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) .( [6])
وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه: هل الآية الأُولى التي تشير إلى سعة المغفرة واللطف الإلهي، تبعث الأمل والرجاء في نفوس العباد أكثر، أم الآية التي تتعلّق بشفاعة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
الأحاديث والروايات الواردة عن أهل بيت الوحي والرسالة تشير إلى أنّ الآية الثانية هي التي تبعث الأمل والرجاء بصورة أكثر، وإن اختار الآخرون خلاف ذلك، ولكن نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حديثاً يؤيّد القول الأوّل.( [7])
وفي الختام نشير إلى نكتة مهمة انّه بالرغم من وجود هذه الباقة العطرة والبشائر الإلهية والرحمة والمغفرة وعوامل بعث الأمل والرجاء في نفس الإنسان، إلاّ أنّه لا ينبغي للإنسان أن يخدع نفسه ويركن إلى هذه العوامل فقط ولا يحرّك ساكناً ولا يقوم بوظائفه، بل عليه أن يعمل ويكدح ويجتهد و... ثمّ يضم إلى جنب ذلك العمل الاعتماد على العوامل المذكورة، ولقد أشار أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله(عليه السلام) : «إنّما العالم الذي لا يقنِّط الناس من رحمة اللّه ولا يؤمنهم من مكر اللّه»( [8]).( [9])

[1] . يا من سبقت رحمته غضبه.
[2] . الزمر: 53.
[3] . الرعد: 6.
[4] . غافر: 7.
[5] . الإسراء: 79.
[6] . الضحى: 5.
[7] . انظر: مجمع البيان:4/503 طبع صيدا; وإحياء العلوم:4/ 167.
[8] . الكافي:1/ 36.
[9] . منشور جاويد:3/200ـ 203.