قائمة المواضيع :
من المسائل التي سلّط ا لقرآن الكريم الضوء عليها ، مسألة الأحوال الطارئة على المؤمنين والسعداء يوم القيامة، نرجو أن تعطينا صورة عن ذلك وبيان تلك الحالات؟
الجواب: لقد سلّط القرآن الكريم الضوء على حالات أصناف كثيرة من الناس الأعمّ من المؤمنين والسعداء، وبما انّ بيان حالات جميع الأصناف ومواقفهم خارج عن مجال بحثنا هنا، لذلك سنكتفي بذكر الحالات الطارئة على المؤمنين والسعداء في يوم القيامة.
السعداء يوم القيامة
إنّ الآيات  الواردة في هذا المجال يمكن تصنيفها إلى أصناف كثيرة، منها:
الف: النبي والمؤمنون
قال تعالى:
( ...يَوْمَ  لا يُخْزِي اللّهُ النَّبيَّ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْديهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ ) .( [1])
ب: المتّقون
لقد  ركّز القرآن الكريم وفي آيات كثيرة على المنزلة السامية والمكانة العالية للمتّقين عند اللّه سبحانه وتعالى، وهذا ما تعرب عنه الآيات التالية:
1. قال تعالى: ( ...وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقينَ ) .( [2])
2. وقال سبحانه: ( إِنَّ الْمُتَّقينَ في مَقام أَمين ) .( [3])
( أُدْخُلُوها بِسَلام آمِنينَ ) .( [4])
3. وقال تعالى أيضاً:
( إِنَّ الْمُتَّقينَ في ظِلال وَعُيون ) .( [5])
( إِنَّ الْمُتَّقينَ في جَنّات وَعُيُون ) .( [6])
4. وقال تعالى:
( ...لَهُمْ فيها ما يَشاءُونَ كَذلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقينَ ) .( [7])
5. وقال أيضاً:
( فاكِهينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ... ) .( [8])
6. وقال تعالى:
( وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ إِخْواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلينَ ) .( [9])
7. ووصفهم سبحانه بقوله:
( لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجينَ ) .( [10])
هذه طائفة من الصفات التي يتّصف بها المتّقون يوم القيامة، وهناك طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تشير إلى منزلتهم السامية لا مجال  لذكرها هنا.( [11])
ج: الصابرون
كذلك سلّطت الآيات الكريمة  الضوء على بيان منزلة الصابرين يوم القيامة، منها:
1. يسلّم عليهم الملائكة عند دخولهم الجنة، ويباركون لهم مقامهم الرفيع وفوزهم العظيم:
( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّار ) .( [12])
2. يعطون أجرهم مرتين، قال تعالى:
( أُولئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا... ) .( [13])
3. يجزون بأحسن وجه، قال تعالى:
( ...وَلَنَجْزِيَّنَ الَّذينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ماكانُوا يَعْمَلُونَ ) .( [14])
4. جزاؤهم غرف الجنة، قال تعالى:
( أُولئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا  وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ) .( [15])
وهناك نكتة جديرة بالتنبيه عليها والاهتمام بها وهي انّه لابدّ لنا أن ندرك جيداً، انّ طائفة الصابرين لا تمثل  قسّماً خاصاً وطائفة مستقلة عن المؤمنين والمتّقين ومغايرة لهم، بل الجميع صنف واحد، ولكنّهم يمتازون بصفات متعدّدة ولكلّ صفة استحقاقاتها الخاصة بها وثوابها المعيّن لها، والشاهد على ذلك انّنا نجد الكثير من الآيات التي تتحدّث عن المؤمنين أو المتّقين تردفه بصفة الصبر، وتعتبر انّ سرّ نجاح وموفقية عباد اللّه الصالحين هو اتّصافهم بالصبر والثبات، وهذا ما ورد  في الآية 75 من سورة الفرقان التي تحدّثت عن (عباد الرحمن) أو ما ورد في سورة الدهر عند الحديث عن صفات الأبرار حيث قال سبحانه:
( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَريراً ) .( [16])
د. المصلّون
لقد أولى القرآن  الكريم والشريعة الإسلامية أهمّية خاصة للصلاة التي تُعدّ الآصرة والرابطة المباشرة بين العبد وخالقه، كما أنّه سبحانه قد امتدح المصلّين الذين يقيمون الصلاة على أكمل وجه، بمدائح كثيرة ووصفهم بأوصاف ونعوت متعدّدة، كلّها تحكي عن الأثر المهم الذي تفعله الصلاة في نفس المصلّي والثمرة التي يجنيها من خلال إقامته للصلاة، حيث قال سبحانه:
( إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاّ المُصَلّينَ * الَّذينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ * وَالَّذينَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * والَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون * وَالَّذينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ * وَالَّذينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ في جَنّات مُكْرَمُونَ ) .( [17])
وبالإمعان في الآيات المذكورة يتّضح لنا المقام الشامخ والمنزلة السامية والرفيعة للمصلّين، والصفات الجميلة والسمات الطيبة التي يتحلّون بها، وذلك من خلال النقاط التالية:
1. انّ للصلاة دوراً فاعلاً في الحدّ من حرص الإنسان وطمعه وتزكية النفس والروح، وذلك من خلال الارتباط بعالم الغيب الذي تصغر  أمامه جميع الموجودات.
2. الصلاة عامل فاعل في تحقّق العفّة والطهارة، ونقاء المجتمع من الفحشاء والفساد و التحلّل الأخلاقي.
3. انّ للصلاة دورها في خلق  روح التكافل الاجتماعي وخلق الشعور بآلام المحرومين والمعوزين، ودفع الإنسان للإنفاق والبذل في هذا الطريق.
4. الصلاة تحثّ على الأمانة والوفاء بالعهد ونبذ الخيانة، ونقض العهود.
5. الصلاة تحثّ الإنسان المصلّي إلى الشهادة بالحق، ونبذ كتمان الحق باعتباره عملاً قبيحاً لا ينبغي للمصلّي الاتّصاف به.
ونحن إذا راجعنا آيات الذكر الحكيم والأحاديث الواردة عن آل بيت العصمة والطهارة، حول الصلاة، نجد فيها الكثير من النكات الأخلاقية والمناهج التربوية المهمة جداً للفرد والمجتمع بحيث لا يمكن استيعابها بهذه العجالة، بل هي بحاجة إلى تأليف كتاب أو رسالة خاصة بها.
هـ. السابقون
لقد وصف القرآن الكريم المحشورين يوم القيامة بصفات متعدّدة منها أنّه قسّمهم إلى ثلاثة أصناف هي:
1. السابقون.
2. أصحاب اليمين.
3. أصحاب الشمال.
ونحن هنا نسلّط الضوء على الوصف الأوّل«السابقون» و معرفة صفات وخصائص هذه الطائفة .
وفي البداية لابدّ من تركيز البحث على متعلّق السبق وانّهم إلى أيّ شيء سبقوا حتّى نالوا ذلك المقام السامي وفازوا بتلك المنزلة الرفيعة؟
الذي يستفاد من بعض الآيات  انّ متعلّق السبق هو الخيرات والحسنات، بمعنى أنّهم سبقوا إلى نيل الخيرات وكسب الحسنات، قال تعالى:
( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) .( [18])
وفي آية أُخرى يقول سبحانه:
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ... ) .( [19])
وهذه الآية تقسّم العباد إلى ثلاث طوائف:
1. ( ظالِمٌ لِنفسه ) .
2. ( وَمِنْهُمْ مُقْتَصدٌ ) .
3. ( وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ ) .
ولأمير المؤمنين(عليه السلام) كلام يصلح  أن يكون تفسيراً لهذه الآية حيث قال(عليه السلام) :
1. «ساع سَريعٌ نَجا،
2. وَطالِبٌ بَطيءٌ رَجا،
3. وَمُقَصِّرٌ فِي النّارِ هَوى».( [20])  وعلى كلّ حال فإنّ متعلّق «السبق» هو الخيرات والأعمال الحسنة، وإنّما أُطلق عليهم هذا الوصف لمسارعتهم في نيل تلك الأفعال الخيّرة والأعمال الصالحة.
نعم استعمل القرآن الكريم مصطلح «السابقون» بنحو يكون المتعلّق فيه هو السبق في قبول  الإسلام وترك الكفر ونبذ الوثنية، وهذا ما أشارت إليه الآية التالية:
( والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ... ) .( [21])
وبالطبع يمكن القول ـ وبنحو ما ـ انّ السبق إلى الإسلام ونبذ  الوثنية هو من أفضل وأكمل مصاديق السبق إلى الخيرات والأعمال الحسنة، وفي الحقيقة انّ هذا القسم من السابقين أحد مصاديق «السابقون في الخيرات»، ولعلّ الآية التي وردت في سورة الواقعة والتي تكرر فيها لفظ «السابقون» حيث قال تعالى: ( السابقون السابقون ) ناظرة إلى كلا الصنفين وكلا الحالتين: «السابقون إلى الإسلام ونبذ الوثنية» و«السابقون في فعل الخيرات والأعمال الحسنة».
وخلاصة القول: السبق إلى الخير والفوز على الآخرين في ميادين السباق ونيل قصب السبق في القيام بالوظائف وفعل الخيرات، يعتبر علامة الجدارة والصفاء الروحي ونقاء العقل والفكر، لأنّ أصحاب العقول المستنيرة وذوي البصائر، يميزون الخير عن الشر ويسارعون إلى فعل الخيرات ونيل المكرمات.
إلى هنا تعرّفنا على متعلّق مصطلح «السابقون»، وكذلك اتّضح لنا ما هو المراد من «السابقون»، وحان الوقت للحديث عن خصائص «السابقون» و التي ذكرت في القرآن الكريم. إنّ القرآن الكريم ذكر لهذا الصنف من الناس الكثير من الخصائص والمميزات في الدنيا والآخرة نشير إليها بصورة مختصرة:
خصائصهم وسماتهم الدنيوية
إذا كان السبق في فعل الخيرات علامة على تنوّر العقل وصفاء القلب، فلا شكّ انّ هكذا جوهرة قيّمة تكون لها آثار أُخرى مهمة، ولذلك حينما نرى القرآن الكريم يتحدّث عن «السابقون» نراه يشير  أوّلاً إلى صفاتهم وسماتهم التي يتحلّون بها، والتي منها:
أ. ( ...مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) .
ب. ( ...بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) .
ج. ( ...بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ) .
د. ( ...يُؤْتُونَ ما آتَوا ) .
هـ. ( ...وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) .
و. ثمّ يشير القرآن  إلى السبب الذي جعلهم مشفقين ووجلين من ربّهم ألا وهو إيمانهم القاطع بالمعاد ويوم القيامة حيث قال سبحانه: ( أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِِعُونَ ) .
وبعد أن يذكر القرآن الكريم تلك الصفات ويشيد بتلك السمات، يلحق  الكلام بقوله تعالى:
( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) .( [22])
إلى هنا  تعرفنا على صفاتهم وخصائصهم الدنيوية، فلنعرج بالقلم للحديث عن صفاتهم الأُخروية ومكانتهم ومنزلتهم في ذلك العالم والتي تعتبر وبحق قطفاً لثمار خصالهم الفكرية والروحية والعملية.
منزلتهم في الآخرة
لقد تحدّث القرآن الكريم  عن منزلة ومكانة «السابقون» في الآخرة، ووصفهم بصفات كثيرة منها:
إنّ السابقين إلى الخيرات هم المقرّبون كما يقول سبحانه:
( أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) .( [23])
وبالطبع انّ مصطلح ( المقربون ) يطلق وبالإضافة إلى السابقين على طائفة أُخرى كالملائكة.
ولأجل مكا( [24])نتهم الرفيعة ومنزلتهم السامية عند اللّه تبارك وتعالى نجد القرآن الكريم يشير إلى ما لهم من الأجر والثواب، وهذا ما تحكي عنه الآيات التالية:
( فِي جَنّاتِ النَّعيمِ * ... عَلى سُرُر مَوضونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْواب وَأَباريقَ وَكأْس مِنْ مَعين * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَة مِمّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمّا يَشْتَهُونَ * وَحورٌ عينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤ الْمَكْنُونِ ) .( [25])
ثمّ يقول سبحانه: إنّ هذه النعمة وتلك الكرامة لم تمنح لهم اعتباطاً، بل جزاء لعملهم وسعيهم في الدنيا حيث قال سبحانه: ( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .( [26])
ثمّ  يردف ذلك بنعمة وكرامة أُخرى، فيقول عزّ من قائل:
( لاَ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثيماً * إِلاّقيلاً سَلاماً سَلاماً ) .( [27])
بقيت هنا نكتة أُخرى، وهي أنّه سبحانه وصف جماعة بالمقربين وقال:
( فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ  نَعِيم ) .( [28])
وحيث إنّ المراد من السابقين، هم السابقون بالخيرات، وصف المسيح بأنّه من المقرّبين، وقال:
( ...وَجيهاً في الدُّنْيا وَالآخرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبينَ ) ( [29])باعتباره (عليه السلام) ـ كباقي الأنبياء(عليهم السلام) ـ كان من السباقين إلى فعل الخيرات، وأنّه من اللحظات الأُولى ومنذ أن كان  في المهد صبيّاً سار على خط التوحيد ولم ينحرف عن الصراط المستقيم أبداً.
ثمّ إنّه سبحانه وصف المقرّبين في آية أُخرى بأنّهم شهداء كتاب الأبرار، وقال:
( إِنَّ كتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِليّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدَهُ الْمُقَرَّبُونَ ) .( [30])
وعلى هذا فالسابقون هم المقرّبون وهم شهداء كتاب الأبرار.
و. أصحاب اليمين
لقد وصف القرآن الكريم طائفة من الناس في يوم القيامة بأنّهم ( أصحاب اليمين ) .
حيث قال سبحانه:
( وَأَصْحابُ الْيَمينِ ما أَصحابُ اليَمينِ ) .( [31])
ثمّ أشار القرآن إلى صفاتهم في عشر آيات من الذكر الحكيم منها انّهم:
( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخرِينَ ) .( [32])
ولقد اختلف المفسّرون في المقصود من أصحاب اليمين من هم؟ فطرحوا نظريتين:
النظرية الأُولى: انّ المراد منهم هم الذين يعطون كتابهم بيمينهم، وقد استدلّوا على هذه النظرية بقوله تعالى:
( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناس بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتيلاً ) .( [33])
وقوله تعالى: ( فَأمّا مَنْ اُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَه ) .( [34])
النظرية الثانية: انّ المقصود  من اليمين  هو اليمن والبركة، وهم الذين جاء وصفهم في سورة الواقعة بـ (أصحاب الميمنة) حيث قال سبحانه:
( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصحابُ الْمَيْمَنَةِ ) .( [35]) وبما أنّ مصطلح (الميمنة0 جاء مقابلاً لمصطلح ( المشئمة) الذي هو بمعنى الشؤم والشقاء، فلا ريب أن  يكون أصحاب الميمنة هم الذين يرفلون بالعز والسعادة وينعمون بالبركة والنعمة.
والحاصل: انّ القرآن الكريم سلّط الضوء على أصحاب اليمين في ثلاثة مواقع، هي:
1. في الحياة الدنيا
لقد أشار الذكر الحكيم إلى أصحاب اليمين في الحياة الدنيا، وما يتحلّون به من صفة التسليم والإذعان والخضوع للأوامر والنواهي الإلهية، وما يمتازون به من الصلابة والمقاومة والثبات في تجاوز العقبات والصعاب والاختبارات والابتلاءات الدينية، بالإضافة إلى القيام بآداب ورسوم العبودية للّه سبحانه على أحسن وجه، ولا يكتفون بذلك بل يقومون بحثّ الآخرين وتحفيزهم على العمل بهذا المنهج القويم، قال تعالى:
( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَة * وَما أَدراكَ مَا الْعَقَبَةُ  * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعامٌ في يَوم ذِي مَسْغَبَة * يَتيماً ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ آمَنُوا وَتَواصَوا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولئِكَ أَصحابُ الْمَيْمَنَةِ ) .( [36])
2. حال الوفاة
في تلك اللحظات العصيبة والساعات الحرجة التي تخفق لها القلوب، وتنقلع منها الأفئدة، ويعيش فيها الإنسان غير المؤمن حالة من الهلع والقلق والاضطراب والخوف من المستقبل، يصف القرآن الكريم أصحاب اليمين بأنّهم يعيشون حالة الاطمئنان المطلق والهدوء والاستقرار التّامّين ولا يعتريهم أيّ هول أو قلق أو اضطراب، حيث قال سبحانه:
( وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِالْيَمينِ )( [37]) .( [38])
3. في عالم الآخرة
لقد وصف القرآن الكريم أصحاب اليمين في عالم الآخرة بالصفات التالية:
1. يعطون كتابهم بيمينهم: ( فَأَمّا مَنْ أُوتِي كِتابَهُ بِيَمينِهِ ) .( [39])
2. يحاسبون حساباً يسيراً: ( فَسَوفَ يُحاسبُ حِساباً يَسِيراً ) .( [40])
3. ينقلبون إلى أهلهم بحالة من الفرح والسرور: ( وَيَنْقَلِب إِلى أَهْلهِ مَسْرُوراً ) .( [41])
4. يعطون  مكاناً مرتفعاً في الجنة: ( فِي جَنَّة عالِيَة * قُطُوفُها دانِيَة ) .( [42])
5. يمنحون جميع نعم الجنة من دون عناء وتعب: ( كُلُوا وَاشْربُوا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيّامِ الخالِيّة ) .( [43])
ز. المحسنون والأبرار
من العناوين التي جاءت في القرآن الكريم في وصف الصالحين والمؤمنين عنوانا «المحسنون» و«الأبرار» ، لا يمكن اعتبار هذه الطائفة في عرض الطوائف والأصناف الأُخرى، بل في الحقيقة انّ هؤلاء لهم مراتب متعدّدة أيضاً ، فتارة يكونون في مرتبة المقربين، وأُخرى في زمرة أصحاب اليمين، وفي الحقيقة انّ الذي حدانا إلى أن نفرد لهذين العنوانين بحثاً مستقلاً هو التبعية للقرآن الكريم حيث وردا فيه بصورة مستقلة، ونحن اقتداءً بالقرآن الكريم أيضاً خصصنا لهما بحثاً مستقلاً ، وها نحن نشير إلى تلك الآيات وبصورة إجمالية، فقد جاءت الآيات بالأوصاف التالية:
( ...إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ ) .( [44])
وفي آية أُخرى:
( ...إِنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَريبٌ مِنَ الْمُحْسِنينَ ) .( [45])
وفي آية  ثالثة يأمر اللّه سبحانه نبيّه الأكرم بأن يبشر المحسنين بما جعل لهم من اللطف الإلهي:
( ...وَبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ ) .( [46])
وإنّ اللّه دائماً معهم وإلى جنبهم:
( ...إِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ ) .( [47]) وكذلك القرآن يطمئنهم بأنّهم سيقطفون ثمار عملهم قطعاً وانّ اللّه لا يضيع أجرهم،وهذا ما ورد في قوله تعالى:
( ...إِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمْحْسِنينَ ) .( [48])
وأمّا الأبرار فقد وصفهم القرآن بكثير من الأوصاف وأثنى عليهم ثناءً عظيماً ومدحهم مدحاً حسناً، فحينما يتحدّث عن المفكّرين والعابدين يشير إلى أنّهم طلبوا في دعائهم  وتضرّعهم إلى اللّه أن يجعلهم من الأبرار، قال تعالى:
( إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِوَالنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلْباب * الَّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ * ... رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الأَبْرارِ ) .( [49])
لقد  وصف القرآن الكريم الأبرار في مرحلتين، هما:
1. في دار الدنيا.
2. في دار الآخرة.
صفات الأبرار في الحياة الدنيا
لقد جاءـ في سورة الدهر ـ وصفهم في الحياة الدنيا بالصفات التالية:
1. الوفاء بالنذر أو  ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) .
2. يعيشون حالة الخوف والوجل من أهوال يوم القيامة: ( وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً ) ، ( إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَريراً ) .
3. ينفقون في سبيل اللّه وكسباً لرضاه سبحانه:
( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتيماً وَأَسيراً ) .
4. لا يهمّهم إلاّ رضا اللّه  سبحانه: ( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً )( [50]) .
5 . ينفقون ممّا يحبون: ( لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ... ) .( [51])
والذي يظهر لنا في هذه الصفات الخمسة انّهم يتّصفون بصفة أُخرى هي:
6. مراعاة التقوى والورع دائماً.
صفات الأبرار في الحياة الآخرة
بعد أن بيّنّا  صفات الأبرار  في الحياة الدنيا نشير إلى صفاتهم التي ذكرها القرآن  لبيان منزلتهم ومقامهم في الحياة الآخرة، ونكتفي بذكر طائفة من تلك الآيات:
1. ( فَوَقيهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَومِ... ) .( [52])
2. ( ...إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفي عَلّيّينَ ) .( [53])
3. ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفي نَعيم * عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ) .( [54])
4. ( تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعيمِ ) .( [55])
5. ( يُسْقَونَ مِنْ رَحيق مَخْتُوم * خِتامُهُ مِسْكٌ... ) .( [56])
( إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس كانَ مِزاجُها كافُوراً ) .( [57])
( وَيُسْقَونَ فيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبيلاً ) .( [58])
( ...وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) . ( [59])
وآيات أُخرى كثيرة في هذا المجال.( [60])

[1] . التحريم:8، وقد جاء مضمون الآية في سورة الحديد الآية 12 حيث قال سبحانه: ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم... ) .
[2] . النحل: 30.
[3] . الدخان: 51.
[4] . الحجر: 46.
[5] . المرسلات: 41.
[6] . الحجر: 45.
[7] . النحل: 31.
[8] . الطور: 18.
[9] . الحجر: 47.
[10] . الحجر: 48.
[11] . انظر: النبأ:31ـ 36، المرسلات:41ـ 43، الحجر:45ـ 48، الدخان:51ـ 57، الرعد:35، الفرقان:15، محمد:15، آل عمران:133، التوبة:123، النحل:31، الشعراء:90، الزخرف:35، الذاريات:15، الطور:17، القمر:54، القلم: 34.
[12] . الرعد: 24.
[13] . القصص: 54.
[14] . النحل: 96.
[15] . الفرقان: 75.
[16] . الدهر: 12.
[17] . المعارج:19ـ 35.
[18] . المؤمنون: 61.
[19] . فاطر: 32.
[20] . نهج البلاغة: الخطبة 161.
[21] . التوبة: 100.
[22] . المؤمنون: 61.
[23] . الواقعة: 11.
[24] . ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسيحُ أَنْ يَكُونَ عَبداً للّهِ وَلا الْمَلائِكةُ الْمُقَرَّبُون ) (النساء:172).
[25] . الواقعة:12ـ 23.
[26] . الواقعة: 24.
[27] . الواقعة:25ـ26
[28] . الواقعة:88ـ 89.
[29] . آل عمران: 45.
[30] . المطففين:18ـ 21.
[31] . الواقعة: 27.
[32] . الواقعة:39ـ 40.
[33] . الإسراء: 71.
[34] . الحاقة: 19.
[35] . الواقعة:7ـ 8.
[36] . البلد: 11ـ 18.
[37] . الواقعة:90ـ 91.
[38] . انظر مجمع البيان:5/ 228.
[39] . الانشقاق: 7.
[40] . الانشقاق: 8.
[41] . الانشقاق: 9.
[42] . الحاقة:22ـ 23.
[43] . الحاقة: 24.
[44] . انظر البقرة:195، 134، 148 وآيات أُخرى كثيرة.
[45] . الأعراف: 56.
[46] . الحج: 37.
[47] . العنكبوت: 69.
[48] . التوبة:120، هود:15 وآيات أُخرى.
[49] . آل عمران:190ـ 193.
[50] . الدهر:7ـ 10.
[51] . آل عمران: 92.
[52] . الدهر: 11.
[53] . المطففين: 18.
[54] . المطففين:22ـ 23.
[55] . المطففين: 24.
[56] . المطففين:25ـ 26.
[57] . الدهر: 5.
[58] . الدهر: 17.
[59] . الدهر: 21.
[60] . منشور جاويد:9/431ـ 447.