قائمة المواضيع :
ما هي الدواعي التي أدّت إلى اختيار الهجرة النبوية الشريفة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟ ومن هو صاحب الفكرة، أي مَن الذي قرّر اعتبار الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟
الجواب: في الواقع لاتوجد بين أوساط المسلمين شخصية أكبر من شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يوجد حدث ومنعطف عاد على الأُمّة الإسلامية بالنفع والبركة، كحدث الهجرة النبوية، وذلك لأنّه ـ و من خلال الهجرة ـ طوى المسلمون صفحة من تاريخهم وشرعوا في صفحة جديدة وخطوا خطوة مهمة في معترك الصراع الفكري والتحوّل الحضاري، حيث تمكّنوا من الانتقال والتحوّل من محيط ضاغط وظروف قاهرة وعزلة سياسية تامة إلى محيط آخر يمتلكون فيه حرية الحركة والمناورة والتحرك بالنحو الذي يخدم المصالح الإسلامية الكبرى، وهذا المحيط هو أرض المدينة المنوّرة، وليس من المصادفة أن يطلق الرسول الأكرم وصف «طيبة» على هذه البقعة المباركة من أرض الجزيرة، حيث استقبل أبناء المدينة المسلمين وقائدهم الأكبر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ووفّروا لهم جميع  مستلزمات القدرة والطاقة، ووضعوا تحت اختيارهم كلّ ما يحتاجون إليه في مجال تحركهم، حسب إمكانات ومقتضيات ذلك العصر.
ولم تمض فترة على تلك الهجرة الميمونة إلاّ ونور الرسالة المحمدية يغمر جميع بقاع شبه الجزيرة العربية، وظهر الإسلام كقوّة سياسية وعسكرية يحسب لها حسابها، ثمّ وبعد فترة وجيزة تحوّل ذلك الكيان إلى حكومة قوية في الساحة العالمية، ووضع الأسس الرئيسية لحضارة عظمى لم يُرَ مثلها  من قبل ذلك، واستطاعت أن تغطي قسماً كبيراً من أرجاء المعمورة، كلّ ذلك حدث ببركة الهجرة النبوية الميمونة، وإلاّ لبقي المسلمون يعيشون في ذلك المحيط المكّي الضاغط الذي يحصي عليهم أنفاسهم ويتابع خطواتهم بدقّة ومراقبة صارمة.
من هنا اهتمّ  المسلمون بحادث الهجرة واعتبروه بداية تاريخهم، منذ ذلك اليوم وإلى الآن، حيث مضى أكثر من ألف وأربعمائة سنة  طوت الأُمّة الإسلامية أربعة عشر قرناً من تاريخها الزاهر وماضيها النيّر، وقد دخلنا وللّه الحمد العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري. هذا تمام الكلام في هذه المسألة وبقي الكلام في البحث الثاني وهو:
مَن الذي جعل الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟
المشهور بين المؤرّخين أنّ الخليفة الثاني هو الذي اعتبر الهجرة النبوية الشريفة مبدأ للتاريخ الإسلامي، باقتراح وتأييد من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وأمر أن تؤرّخ  الدواوين والرسائل والعهود وما شابه ذلك بذلك التاريخ.( [1])
إلاّ أنّ الإمعان في مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومراسلاته ـ والتي نقل لنا التاريخ وكتب السيرة والمصنفات الحديثية القسم الأعظم منها ـ و الأدلّة الأُخرى، يظهر وبجلاء انّ واضع ذلك التاريخ هو الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، حيث اعتمد تلك الحادثة المهمة والمنعطف الكبير مبدأ للتاريخ الإسلامي، فكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤرّخ رسائله وكتبه إلى أُمراء العرب وكبار الشخصيات وزعماء القبائل بالتاريخ الهجري.
فإذا  اتّضح ذلك نحاول أن ندعم ما ذكرناه بدرج بعض النماذج من تلك الرسائل النبوية والتي كانت مؤرّخة بذلك التاريخ، ثمّ نعمد إلى ذكر بعض الأدلّة الأُخرى التي تؤيّد ما ذهبنا إليه، وليس من المستبعد وجود أدلّة أُخرى على ذلك لم نعثر عليها هنا.
نماذج من رسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤرّخة هجرياً
1. طلب سلمان من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب له ولأخيه (ماه بنداذ) ولأهله وصية مفيدة ينتفعون بها، فاستدعى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً وأملى عليه أُموراً، وكتبها علي(عليه السلام) ثمّ جاء في آخر تلك الوصية:
«وَكَتَبَ عَليّ بن أَبي طالب بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) في رَجَبِ سَنَةِ تِسْع مِنَ الْهِجْرَةِ».
2. نقل المحدّ( [2])ثون الإسلاميون عن الزهري قوله: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ، فكتب في ربيع الأوّل (أي شهر قدومه المدينة).( [3])
3. روى «الحاكم» عن «ابن عباس» أنّ التاريخ الهجري بدأ من السنة التي قدم فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة.( [4])
هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة التي لم نذكرها روماً للاختصار تحكي وبوضوح تام انّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي حدّد التاريخ الإسلامي بهجرته المباركة، وهو الذي حلّ للمسلمين مشكلة تاريخهم. نعم هناك  نكتة جديرة بالاهتمام وهي انّ هذا التاريخ كان إلى فترة من الزمن يكتب بالأشهر، ثمّ حلّ العدُّ والكتابة بالأعوام في العام الخامس من الهجرة المباركة.
الإجابة عن سؤال
ولكن يبقى هنا سؤال يطرح نفسه وهو: إذا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الواضع للتاريخ وهو الذي حدّده بالهجرة المباركة، فكيف يُحل الإشكال الوارد هنا والذي يعتبر انّ الواضع للتاريخ هو الخليفة الثاني، كما ورد في الخبر الذي رواه الكثير من المؤرّخين والمحدّثين حيث قالوا: رفع رجل إلى عمر صكّاً مكتوباً على آخر بدين يحلّ عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها أم التي بعدها؟
ثمّ جمع الناس:(أي أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ) فقالوا: ضعوا للناس شيئاً يعرفون به حلول ديونهم، فيقال: إنّ بعضهم أراد أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم كلّما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك.
ومنهم من قال: أرّخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر، فكرهوا ذلك لطوله أيضاً.
وقال آخرون: أرّخوا من مولد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقال آخرون: أرّخوا من مبعثه.
وأشار علي بن أبي طالب(عليه السلام) أن يؤرّخ  من هجرته إلى المدينة لظهوره على كلّ أحد، فإنّه أظهر من المولد والمبعث، فاستحسن عمر ذلك والصحابة، فأمر عمر أن يؤرّخ من هجرة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) .( [5])
الجواب: إنّ هذا المقدار من  النقل التاريخي لا يمكن الاستناد إليه في مقابل النصوص الكثيرة التي أكّدت كون الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو واضع التاريخ الهجري ومؤسسه الأوّل.
هذا، و من الممكن أن يكون التاريخ الهجري الذي وضعه النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تعرّض للترك، وفقد رسميته بمرور الزمن وقلّة الحاجة إلى التاريخ، ولكنه جُدّد في زمن الخليفة الثاني، بسبب اتّساع نطاق العلاقات وأُعيد الاهتمام به لاشتداد الحاجة إليه في هذا العهد.( [6])

[1] . تاريخ اليعقوبي:2/ 145.
[2] . أخبار اصفهان تأليف أبي نعيم الاصفهاني:1/52ـ 53.
[3] . فتح الباري في شرح صحيح البخاري:7/208، تاريخ الطبري:2/288 ط دار المعارف.
[4] . مستدرك الحاكم:3/13و14 وقد صححه على شرط مسلم.
[5] . البداية والنهاية:7/73و 74; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:12/74; الكامل لابن الأثير:1/ 10.
[6] . منشور جاويد:6/198ـ 200.