قائمة المواضيع :
إذا أخذنا بنظر الاعتبار العاطفة الإنسانية والعقل البشري اللّذين ينظران إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح نظرة اشمئزار وتنفّر، ويعتبران ذلك العمل من الأعمال القبيحة والشنيعة، فكيف ياترى نوجّه فكرة الأمر بالجهاد، وما هي فلسفة هذا الحكم؟
الجواب: لا ريب أنّ الإنسان وانطلاقاً من غريزة حب النوع، يعتبر الحرب عملاً وحشياً بعيداً عن قيم الإنسانية، بنحو حينما يتذكّر الحرب وما تجرّه من المصائب والويلات والعواقب الوخيمة تعتريه الدهشة ويهتز من الأعماق، ولذلك يدين في الظروف الاعتيادية الحرب ويعتبرها عملاً مستهجناً، انّ هذا هو الإحساس البشري تجاه الحرب وإراقة الدماء، وبما أنّ الإسلام دين الفطرة والواقعية نراه يعترف بذلك الواقع وهذا الإحساس ويبيّن الرؤية البشرية للحرب والقتال حيث يقول سبحانه:
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) .( [1]) ولكن لابدّ  من النظر إلى هذه المسألة البالغة الحساسية نظرة فاحصة، وبدقّة متناهية لنرى هل أنّ العقل ينظر إلى الحرب ـ و تحت مختلف الظروف والشروط ـ نظرة ذامّة؟ وهل الموقف العقلي من الحرب هو موقف الإدانة دائماً بحيث لا يحق لأمّة من الأُمم ـ مهما كانت الظروف ـ أن تحمل السيف والجهاد وتخوض غمار الحرب؟
أو أنّ العقل يرى في بعض الحالات وتحت سلسلة من الشروط الموضوعية انّه لا مفرّ ولا طريق أمام الأُمّة إلاّ حمل السلاح والتوسّل بالحرب لإعادة حقوقها المهدورة وكرامتها المنتهكة، ويرى أنّ الإعراض والنكوص عن الحرب في مثل تلك الظروف يُعدّ لوناً من ألوان الذلّ والهوان والجبن الذي لا ينبغي للإنسان الحر الاتّصاف به؟
لا شكّ أنّ الأُمّة أو المجتمع إذا تعرض كلّ منهما للاعتداء والتجاوز على حقوقه وهدرت  كرامته، فحينئذ يحكم العقل والفطرة أنّه يحق لذلك المجتمع وتلك الأُمّة الدفاع عن حقوقها، بل يرى العقل أنّ الحرب في هذه الحالة أمرٌ لازم لا يمكن التنصّل منه، وانّه الحق الطبيعي لذلك المجتمع أو تلك الأُمّة.
ونحن  إذا نظرنا إلى جميع الأُمم وعلى مرّ التاريخ، لا نراها تنظر إلى الحرب نظرة ذامّة حينما تستنفد جميع الحلول السلمية ويصرّ الخصم على التمادي في غيّه ولم يبق أمام هذه الأُمّة إلاّ طريقان: إمّا القتل والإبادة، أو الدفاع عن نفسها وإشهار السلاح بوجه المتجاوز لردعه عن تجاوزه.
ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذا الدليل نرى أنّ العالم المعاصر ـ بالرغم من ذمّه للحرب وسفك الدماء ـ قد اعتبر الحرب في بعض الحالات  أمراً مشروعاً وعملاً قانونياً. كذلك الأمر بالنسبة للإسلام الذي هو دين الفطرة والذي تقوم أحكامه على أساس التناسق بين قانون الخلقة والفطرة، يرى أنّ «الجهاد» وفي بعض الظروف والمتغيّرات أمرٌ واجب يلزم المسلمين القيام به والنهوض بأمره.
إذا اتّضح ذلك فلابدّ من البحث عن مسألة أُخرى، وهي معرفة الغاية والهدف الذي يتوخّاه الإسلام من خلال تشريع الجهاد.
ما هي فلسفة الجهاد؟ وما هو الهدف منه؟
أوّل الآيات التي وردت في تشريع حكم الجهاد هي الآيات الأربعة التي وردت في سورة الحج، وانّ الإمعان والدقّة في مفاد تلك الآيات يرشدنا إلى أنّ الهدف الحقيقي من وراء تشريع الجهاد هو الدفاع عن النفوس والأموال.
لا ريب أنّ المسلمين عاشوا في مكة تحت ظروف  قاهرة حيث تعرضوا إلى أنواع الضرب والتعذيب والتنكيل من قبل خصومهم المشركين، وكذلك تجاوز المشركون  على أرواحهم وأموالهم، ثمّ اضطرارهم للهجرة والنزوح وترك الأهل والأوطان والعيش في بلاد الغربة بعيداً عن الأحبة والأصدقاء، فلمّا استقر المسلمون في المدينة وتشكّل المجتمع الإسلامي الذي يمتلك الوسائل الكافية للدفاع عن نفسه وعن حقوقه المهدورة، في تلك الأثناء صدر الأمر الإلهي للمسلمين في القيام بالمطالبة واسترداد حقّهم الضائع، ومواجهة العدو في ميادين الوغى وساحات القتال، ولا ريب أنّ هذا الأمر من الحقوق الطبيعية للأُمّة الإسلامية التي لا يشك فيها  منصف أبداً، والآيات التي وردت في هذا الصدد هي قوله تعالى:
( إِنَّ اللّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّان كَفُور ) . ثمّ قال سبحانه:
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا  وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَديرٌ ) .
وقال سبحانه:
( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللّهُ وَلَولا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثيراً وَلَيَنْصُرنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ ) .( [2])
وجاء في آية أُخرى:
( الَّذِينَ إِنْ مَكَّناهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِوَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ) .( [3])
إنّ هذه  الآيات الأربعة هي الآيات الأُولى التي شرّعت أمر الجهاد، وقد أُشير فيها إلى فلسفة الجهاد والغرض المتوخّى من تشريع ذلك الحكم، ولذلك  يكون الإمعان في تلك الآيات أمراً ضرورياً لمعرفة هدف الجهاد وفلسفته، وهي:
أوّلاً: أنّ الآيات تبيّن وبوضوح أنّ المسلمين لم يكونوا هم الذين اختاروا طريق الحرب والقتال وشهر السلاح  في وجه خصومهم، بل انّ المسلمين اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم وأموالهم ومعتقدهم، فهم في الواقع مدافعون لا مهاجمون، ولا شكّ أنّ الدفاع عن النفس والمال والمعتقد حق طبيعي وأمر مشروع، بل واجب بحكم العقل، وإلاّ فانّ النكوص والهروب من الحرب لا يعني إلاّ الذل والهوان، الذي تأباه النفوس الأبيّة والرجال  الأحرار.
ثانياً: الدليل الآخر  على تجاوز العدو وتماديه في غيّه، هو انّهم إنّما  واجهوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بسبب إيمان المسلمين واعتقادهم باللّه الواحد القهار، وكأنّ الاعتقاد باللّه ـ بنظر هؤلاء المشركين ـ يُعدّ جرماً وذنباً كبيراً لا يحق لمعتقده أن يعيش بين أوساط المشركين بل يجب عليه أن يترك وطنه وداره ويفارق الأهل والأحبّة، وإلاّ فسيواجه القتل والإبادة.
ثالثاً: أنّه يجب على المؤمنين باللّه واليوم الآخر أن يطهّروا الأرض من لوث المشركين وفسادهم، وإلاّ تكون عاقبة الأمر ما أشارت إليه الآية المباركة:
( وَلَولاَ دَفْعُ اللّهِ الناسَ بَعضَهُمْ بِبَعض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثيراً ) .
رابعاً: إنّ اللّه تعالى إنّما وعد المجاهدين بالنصر والغلبة، وإنّ عاقبة الأُمور ستكون من نصيبهم، بسبب أنّهم إذا امتلكوا مقاليد الأُمور وأسباب النصر من العدّة والعدد وأصبح زمام الأُمور بأيديهم، فإنّهم حينئذ يستغلّون هذه القدرات والإمكانات المادية في سبيل اللّه وتعبيد الطريق أمام الناس للتوجّه إلى التوحيد ونشر القيم والمعارف الحقّة، لا استخدامها في القتل وسفك الدماء وإشاعة  الفحشاء والظلم والمنكر في المجتمع، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة حيث قال سبحانه:
( الَّذينَ إِنْ مَكَّناهُمْ فِي الأَرْض أَقامُوا الصَّلاة و آتَوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَر وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور ) .
لقد  سلّطت هذه الباقة العطرة من الآيات المباركة الضوء على جانب من جوانب ذلك التشريع الإلهي، وبيّنت الأهداف السامية والقيم العليا التي يتوخّاها الإسلام من وراء ذلك  التشريع، واتّضح كذلك انّ الإشكالات الواهية ـ التي أثارها المسيحيون، والحملة الشعواء التي أقاموها في وجه ذلك التشريع الحيوي ـ لا أساس لها من الصحّة، ولا تمتلك القدرة على الصمود أمام الحقّ الإسلامي في هذا الخصوص، لأنّه لا يوجد عاقل ـ على وجه الأرض وفي جميع الشعوب والأقوام ـ يحترم نفسه ولا ينطلق من التعصب الأعمى والحقد الدفين، يرى أنّ دفع المتجاوز  واسترجاع الحقوق الضائعة والكرامة المهدورة، أمرٌ غير مشروع ومخالف للوجدان والقيم.( [4])

[1] . البقرة: 216.
[2] . الحج:38ـ 40.
[3] . الحج: 41.
[4] . منشور جاويد:3/9ـ 12.