قائمة المواضيع :
ما هي الرؤية الإسلامية لتشكيل الحكومة وما هي الصيغة التي يجب اتّباعها؟
الجواب: انّ حقيقة الإسلام ليست إلاّ سلسلة  من «الأُصول والفروع» المنزلة من جانب اللّه والتي كلّف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوة الناس إليها وتطبيقها على الحياة في الظروف المناسبة، ولكن حيث إنّ تطبيق طائفة من الأحكام التي تكفل استقرارالنظام في المجتمع لم يكن ممكناً دون تشكيل حكومة وقيام دولة، لذلك أقدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم العقل، وبحكم ما كان له من الولاية المعطاة له من قبل اللّه، على تشكيل دولة.
على أنّ الحكومة ليست بذاتها هدف الإسلام، بل الهدف هو تنفيذ الأحكام والقوانين وضمان الأهداف الإسلامية العليا، وحيث إنّ هذه الأُمور لا تتحقّق دون أجهزة سياسية، وسلطات حكومية، لذلك قام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه بمهمة تشكيل مثل هذه الدولة وتأسيس مثل هذه الحكومة.
والخلاصة: أنّ إجراء حدّ السرقة والزنا على السارق والزاني، وتنفيذ سائر الحدود والعقوبات ومعالجة مشاكل المسلمين، وتسوية نزاعاتهم في الأُمور المالية والحقوقية، ومنع الاحتكار والغلاء، وجمع الضرائب المالية الإسلامية، وتوسيع رقعة انتشار الإسلام، ورفع الاحتياجات الأُخرى في المجتمع الإسلامي وغيرها لا يمكن أن تتحقّق دون وجود أمير جامع وزعيم حازم وبدون حكومة وزعامة مقبولة لدى الأُمّة.
وإذ يتوجب على المسلمين أن يطبقوا الأحكام الإسلامية بحذافيرها من جانب، وحيث إنّ تطبيقها على الوجه الصحيح والأكمل لا يمكن دون تأسيس سلطة يخضع لها الجميع من جانب آخر، لهذا كلّه يتحتّم أن تكون لهم أجهزة سياسية وتشكيلات حكومية، في إطار التعاليم والقيم الإسلامية ليستطيعوا من خلالها أن يتقدّموا ـ في كلّ عصر ـ جنباً إلى جنب مع المتطلّبات المستحدثة، والاحتياجات المتجدّدة.
لقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) إلى  ضرورة تشكيل مثل هذه الحكومة، بل إلى ضرورة وجود حاكم ما مرجحاً الحاكم الجائر على الفوضى الاجتماعية والهرج والمرج الناتج من عدم وجود حاكم، وأشار في نفس الوقت إلى أنّ الحكومة في منطق الإسلام ليست هي الهدف، بل هي وسيلة لاستقرار حياة كريمة آمنة حتّى يتمتّع كلّ فرد بحقوقه العادلة.
كما أشار الإمام علي(عليه السلام) إلى أنّ الدولة ـ في نظر الإسلام ـ وسيلة لحفظ النظام الاقتصادي والأمن والدفاع وأخذ حقوق المستضعفين من الأقوياء المستكبرين، إذ يقول(عليه السلام) :
«انّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، و يُبلّغ اللّه فيها الأجل، ويجمع به الفيء، و يقاتل به العدو، و تأمن به السبل، و يؤخذ به للضعيف من القوي».( [1])
وفي رواية أُخرى قال:
«أمّا الإمرة البرة فيعمل بها التقي. وأمّا الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي، إلى أن تنقطع مدته، وتدركه منيّته».( [2])
وعلى هذا الأساس يكون وجود الدولة ضرورة اجتماعية لا مناص منه.
صيغة الحكومة في الإسلام
بالرغم من الأهمية الكبرى التي تحظى بها مسألة تحديد صيغة الحكومة الإسلامية، نجد ـ و للأسف الشديد ـ انّ هذه المسألة الحسّاسة لم تدرس وعلى مرّ العصور بالنحو اللائق بها.
ونحن إذا راجعنا المصادر التي يفترض أن تبحث هذه القضية نجد أنّ الكتّاب والمفكّرين من أهل السنّة اعتبروا المعيار للحكومة الإسلامية يتمثّل في فترة«الخلافة الراشدة» الأمر الذي أدّى إلى جمود الفكر السياسي والحكومي في الإسلام بصورة واضحة حيث لم يُعمِل هذا الصنف من المفكّرين فكره ويُتعب نفسه في إيجاد  الحلول المناسبة لهذه المسألة البالغة الحسّاسية، وهذه الحقيقة قد تنبّه إليها واعترف بها أحد المفكّرين من أهل السنّة حيث قال:
وقد كان لهذا الأُسلوب أثره في تعطيل القوى المفكّرة للبحث عن أُسلوب آخر من أساليب الحكم التي جربتها الأُمم... إذ أصبحت البيعة التي ظهرت في صورتها في سقيفة بني ساعدة هي الصورة المرتسمة في ذهن المسلمين، وهي عندهم الصورة المثلى لاختيار الخليفة....( [3])
وأمّا علماء الشيعة فبما أنّهم كانوا يمثّلون ـ دائماً ـ جبهة الرفض والتصدّي والمعارضة للحكومات الجائرة، لذلك كانوا ـ وبسبب ذلك الموقف الصارم منهم ـ يعانون أشد أنواع المضايقة والملاحقة، فلم تسمح لهم تلك الظروف العصيبة في الخوض في مسألة تحديد صيغة الحكومة الإسلامية ولم يسمح لهم أيضاً في التفرغ للكتابة في هذا البحث المهم جداً، وتوضيح ملامح الحكومة الإسلامية ورسم الخطوط العامة والأُسس العلمية للحكومة.
نعم، هناك بحوث متفرقة في مطاوي بحوثهم الفقهية أو بعض البحوث المختصرة حول بعض المسائل التي تتعلّق بالمسائل الحكومية كالجهاد والدفاع وأحكام الأراضي الخراجية، أو بيان حكم التصدّي لمنصب الولاية من قبل الحاكم الجائر، والدخول في سلك الحكومات غير الشرعية .
من هنا لا نجد في النتاج الفقهي الشيعي صورة واضحة المعالم ومن  جميع الأبعاد للحكومة الإسلامية.
ولكن هذه الحالة لم تستمر فقد ظهر في القرن الرابع عشر علمان كبيران تصدّوا لإزاحة الستار عن هذه المسألة المهمة.
وهذان العلمان هما: آية اللّه النائيني(قدس سره) في كتابه«تنبيه الأُمّة»، والآخر سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره) في كتابه«ولاية الفقيه»( [4]).( [5])

[1] . نهج البلاغة: الخطبة 40.
[2] . نهج البلاغة: الخطبة 40.
[3] . الخلافةو الإمامة لعبد الكريم الخطيب:272، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط 2، 1395هـ 1975م.
[4] . لمزيد الاطلاع في هذا المجال لاحظ « معالم الحكومة الإسلامية » الجزء الثاني من موسوعة « مفاهيم القرآن » لآية اللّه الشيخ جعفر السبحاني.
[5] . منشور جاويد:2/326 ـ 331.