قائمة المواضيع :
الحج عمل عبادي، وملتقى سياسي
الإمعان والدقة في الآيات الواردة حول الحجّ ومناسكه وما رويت حوله من النبي الأكرم والعترة الطاهرة من الروايات وما استقرت عليه سيرة المسلمين في القرون الأُولى الإسلامية يعرب عن أمرين مهمين، يعرفان ماهية الحجّ وحقيقته وأهدافه وهما: انّ الحجّ عمل عبادي وفي الوقت نفسه ملتقى سياسي للمسلمين، ويطيب لي أن أذكر كلا الأمرين بعبارات موجزة مستشهداً بآيات الذكر الحكيم، وما أثر في ذلك المجال، والذي يدل على أنّ الحجّ عمل عبادي هو:
1. انّ الحجّ عمل يقصد به الإنسان كسب رضاه سبحانه تلبية لنداء الخليل (عليه السلام) حيث قام بدعوة الناس إلى الحجّ الذي أقامه بعد انهيار ، وعمّره بعد خراب، كما قال سبحانه: ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلّ ضامِر يَأْتينَ مِنْ كُلِّ فجّ عَميق... ) ( [722]) .
2. الحجّ تذكار وذكر للّه سبحانه في كافة مراحله ومواقفه ومراسمه ومشاهده وقد أمر سبحانه في غير واحدمن الآيات حجّاح بيته أن يذكروه في جميع المواقف، قال سبحانه: ( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفات فَاذْكُروا اللّه عِنْدَ الْمَشْعَرِالحَرامِ وَاذْكُرُوه كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّين * ثُمَّ أَفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ* فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْركُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) ( [723]) و يقول سبحانه: ( وَاذْكُرُوا اللّهَ في أَيّام مَعْدُودات فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَومَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأْخَّرَفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) ( [724]) .
3. الحجّ تطهير للنفس عن دنس الأقذار الخلقية وتوجيهها إلى المثل العليا وكبح للنفس عن اللذائذ الدانية النفسانية . قال سبحانه: ( الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ وَماتَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللّهُ ... ) ( [725]) .
ولأجل انّ الحجّ تطهير للنفوس سميت أعماله مناسكاً وهو من نسك ثوبه أو غسله، فكأنّ تلك الأعمال تغسل ما عليها من صدأ الذنوب ودرن الآثام، قال سبحانه: ( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فاذْكُرُوا اللّهَ ) ( [726]) .
4. الحجّ تدريب وتربية للنفس للغلبة على الهوى وتحصيل التقوى الذي هو خير الزاد للإنسان، قال سبحانه في ثنايا آيات الحجّ: ( فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِالتَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولي الأَلْبابِ ) ( [727]) .
5. قد كان الهدف الأسمى من تجديد بناء البيت بيد بطل التوحيد، دعوة الناس إلى عبادة اللّه وحده ورفض عبادة الأنداد والشرك بألوانه، قال سبحانه: ( وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسماعيلَ أَنْ طَهّرا بَيْتي لِلْطائفينَ وَالعاكِفينَ والرُّكَّعِ السُّجُود ) ( [728]) ،وقال سبحانه: ( إِنّ أَوّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذي بِبَكَّةَ مُباركاً وهُدىً لِلْعالَمين ) ( [729]) ولأجل ذلك كان شعار الخليل (عليه السلام) عند بناء البيت ورفع قواعده هو الطلب من اللّه سبحانه أن يجعل ذرّيته أُمّة مسلمة ويريهم مناسكهم ويتوب عليهم بالرحمة. قال سبحانه حاكياً عنه (عليه السلام) ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهيمُ القَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ ) ( [730]) .
6. انّ الخليل أنزل أُسرته بأرض قاحلة عند البيت المحرم لغاية إقامة الصلاة، وفي الوقت نفسه طلب من اللّه سبحانه أن يوجه أفئدة الناس إلى هذا البيت لتلك الغاية السامية، قال سبحانه حاكياً عن الخليل: ( رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِواد غَيْرِ ذي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ ) ( [731]) .
7. الحجّ تزهيد عن الدنيا واكتفاء من زخرفها وزبرجها بثوبين يرتدي بأحدهما ويتزر بالآخر ويردد في جميع الحالات الشكر والثناء امتثالاً لأمره سبحانه: ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) ( [732]) .
8. الحجّ عمل رمزي لكثير من العبادات والطقوس الواردة في الشريعة المفروضة في ظروف خاصة، فصار الحجّ بمفرده مظهراً لها و مجسداً لكثير منها حيث نجد فيه الأعمال التالية المعربة عن جانبه العبادي، أعني: النية، الطهارة من الحدث والخبث، الصلاة، الصوم، الطواف بالبيت، الذبح للّه، إطعام القانع والمعتر من اللحوم، الاعتكاف الذي يجسده الوقوف في المشاعر ، ورجم الشيطان العدو الوحيد للإنسان الذي يوسوس في صدور الناس.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الحجّ عبادة للّه وتقرب إليه يصل به الإنسان إلى مدارج الكمال.
غير انّ كون الحجّ أمراً عبادياً أو مجسداً لأكثر العبادات لا ينافي أن يشتمل على بعد آخر فيه حياة للمسلمين وقوام لعيشهم وإقامة لشؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والحكومية، وهذا ما نعبر عنه بكون الحجّ ملتقى سياسياً تجتمع فيه هذه الآثار الحيوية، وهذا ما يدعمه أيضاً الذكر الحكيم وتؤيده السنة النبوية وعمل المسلمين في القرون الإسلامية الأُولى.
أمّا الآيات التي ترمز إلى تلك الأبعاد فنكتفي منها بما يلي:
الف. قال سبحانه: ( وَإِذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلّناسِ وَأَمْناً ) ( [733]) والمراد من كونه مثابة كونه مرجعاً للناس والمسلمين عامة، ولأجل انّ الحجّ عمل اجتماعي يجب أن يخيم عليه الأمن ويسيطر (عليه السلام) ، حتى يقوم الناس بعمل اجتماعي لأهداف اجتماعية، قال سبحانه: ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ( [734])، وقال تعالى حاكياً عن خليله: ( رَبِّ اجْعَل هذَا بَلَداً آمِناً ) ( [735]) .
فالحجّ بما انّه أمر اجتماعي و ملتقى للشعوب المختلفة، بحاجة إلى استتباب الأمن والهدوء حتى يقوم كلّ إنسان وشعب ببيان فكرته ونظريته ولا يخاف من إنسان ولا دولة، ويتجلّـى الحجّ كمنبر حرّ للمسلمين كلّهم، وهذا ما نعبر عنه بكونه عملاً اجتماعياً.
وفي جانب ذلك فالحجّ ملتقى ثقافي يلتقي فيه المفكرون الكبار والعلماء في شتى الحقول، فيقومون بعرض الاطروحات والتجارب على الصعيد الثقافي والعلمي والاقتصادي كي تتعرف كلّ طائفة على ما عند الأُخرى من الأفكار القيمة والنظريات المفيدة فيؤدي ذلك إلى التقاء الأفكار والاحتكاك بينها.
إذاً الحجّ عمل اجتماعي وملتقى ثقافي وفي الوقت نفسه مؤتمر سياسي سنوي يجتمع فيه قادة المسلمين فيتشاورون في مهام الأُمور بغية التنسيق والتعاون فيما بينهم ولعلّ إلى تلك الجوانب الثلاثة يشير قوله تعالى: ( جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ ) ( [736]) . فسواء كان القيام بمعنى القوام وما به حياة المسلمين، أو كان بمعنى ضدّ القعود، فالآية تتضمن نكتة مهمة وهي انّ كيان المسلمين معقود بناصية الحجّ فبه يقومون وفي ظلّه قوام حياتهم، فالآية نظير قوله سبحانه: ( وَلا تُؤتُوا السُّفَهاء أَمْوالكُمُ الَّتي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً ) ( [737]) .
فوصف سبحانه أموال الناس بكونها قياماً لهم أي بها يقومون في الحياة، أو بها قوام حياتهم الاجتماعية، فاقتران الآيتين يعرب عن كون الحجّ ركناً في حياة المسلمين وبقاء كيانهم. ويشير أيضاً إلى تلك الجوانب قوله سبحانه: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ في أَيّام مَعْلُومات عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ ) ( [738]) فكانت الغاية من دعوة كلّ راجل وراكب إلى الاجتماع في أيّام الحجّ خصوصاً في المواقف و المشاهد، حيازة المنافع الكبيرة التي يحتوى عليها الحجّ. فما جاء في الآية تعبير جامع يتضمن كلّ نفع يرجع إلى المسلمين في ذلك الملتقى، ولا يصحّ لنا تخصيصه بالنفع المعنوي بإخراج النفع المادي، أو تخصيصه بنفع دون نفع، ففي ذلك الوفود إلى اللّه سبحانه منافع كثيرة يصطادها المسلمون حسب قابلياتهم وصلاحياتهم.
هذا ما لخصناه للقارئ الكريم من الذكر الحكيم،وأمّا السنّة الشريفة فيكفي في ذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الإمام عليّاً (عليه السلام) بأن يتلو آيات البراءة في يوم الحجّ الأكبر. قال سبحانه: ( وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ... ) ( [739]) وهل يشك ذو مسكة في أنّ البراءة ورفع الأمان عن المشركين وإمهالهم أربعة أشهر عمل سياسي قام به قائد الإسلام أيّام رسالته وازدهار دعوته، حتى يكون ذلك قوّة للمسلمين في الأجيال اللاحقة؟
هذا هو الإمام الطاهر الحسين بن علي (عليهما السلام) أطاح بطاغية عصره ففضحه بعرض جناياته وأعماله المخزية على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان في موسم الحجّ في أرض منى، وقد اجتمع تحت منبره قرابة ثمانمائة منهم، وأبان في خطابه موقف أهل البيت من الإسلام، ثمّ ذكر مظالم الجهاز الأموي الحاكم، وطلب من الجميع أن يحملوا خطابه وهتافه إلى إخوانهم وأوطانهم حتى يقفوا على فداحة الكارثة التي ألمّت بهم من جـراء تسلم بني أُمية لمنصة الحكم، وقد جاءت خطبته في كتب السير و التاريخ، فمن أراد فليرجع إليها.
وبعد ذلك انّ في سيرة المسلمين لدليلاً واضحاً على أنّ الحجّ ملتقى سياسي وراء كونه عملاً عبادياً، فانّ الاصلاحات الجذرية التي قام بها المفكرون المسلمون قد انعقدت نطفها في الأراضي المقدسة وفي موسم الحجّ، فحملوا الفكرة التي تبنّوها في جواربيت اللّه الحرام وفي ذلك المحتشد العظيم، ثمّ غذّوها بفكرتهم وتجاربهم إلى أن أُتيحت لهم الفرص لبناء مجتمع طاهر أو حكومة عادلة أو ثورة عارمة في وجه الطغاة والظالمين، وبذلك يتضح انّ الحجّ الإبراهيمي ليس مجرد طقوس وسنن يقوم بها الفرد أو الجمع في أيّام معلومات، بل فيه آية العبادة وشارة السياسة وفيه منافع للمسلمين في عاجلهم وآجلهم، فيجب على المسلمين احياء هذه السنة الكريمة الحجّ الحقيقي الذي وضع حجره الأساس إبراهيم الخليل (عليه السلام) . كلّ ذلك بفضل الحجّ وببركة ذلك المحتشد العظيم. هذا ما سمح به الوقت، غير انّ للبحث صلة ربما نستوفيه في فرصة أُخرى.
جعفر السبحاني
مكة المكرمة ـ الخامس من شهر ذي الحجة
من شهور عام 1411 هـ

[722] .  الحج: 27.
[723] .  البقرة: 198ـ 200.
[724] .  البقرة: 203.
[725] .  البقرة: 197.
[726] .  البقرة: 200.
[727] .  البقرة: 197.
[728] .  البقرة: 125.
[729] . ـ آل عمران : 96 .
[730] .  البقرة: 127.
[731] .  إبراهيم: 37.
[732] .  إبراهيم : 37.
[733] .  البقرة: 125.
[734] .  آل عمران: 67.
[735] .  البقرة: 126.
[736] .  المائدة: 97.
[737] .  النساء: 5.
[738] .  الحج: 28 .
[739] .  التوبة: 3.