قائمة المواضيع :
بين الحقائق والأوهام
اتّفق المسلمون قاطبـة ـ إلاّ من شذّ منهم ـ على أنّه يظهر في برهة من الزمن قائد يقوم باصلاح المجتمع الإنساني قاطبة، وينشر راية العدل في رُبوع الأرض بعد ما مُلئتْ بالجور والطغيان.
وهذا القائد المثالي العظيم من سلالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جاء نبؤه وثورته العارمة على الفساد في الكتب السماوية، قال سبحانه: ( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْدِ الذِّكْر أَنَّ الأَرضَ يَرِثُها عِبادي الصّالِحُون ) ( [740]) .
ومن حسنِ الحظِّ أنّ زبور داود (عليه السلام) الموجود في العهد العتيق يحتوي على مضمون هذه الآية بصراحة . ( [741])
هذا ما اتّفق عليه المسلمون وأهل الكتاب جميعاً، غير انّ هنا نكتة لا محيص من إلفات نظر القارئ إليها.
إنّ الإمام وإن كان يظهر ويجابه الفسادَ بمنطق الشدة والعنف، ولكن هذا المنطق ليس العمادَ الوحيد لثورته وسلطته، بل هناك عماد آخر وهو بلوغ الإنسان عبر القرون إلى ذروة الكمال من حيث الصناعات والعلوم وتقدمه في معترك العلوم والفنون والثقافة على حدّ يُؤمن إيماناً كاملاً بأنّ الظروف الحاضرة لا تستطيع أن تلبِّي حاجاته، وتُعْطي له حياة طيّبة وإنّ المنظمات البشرية مع دويّها وعناوينها الفخمة، لا تُسْعِده أو تُنقذه من محنته ومشكلته. ولأجل ذلك ظلّ يتربص بصيصاً من الأمل حتى تُـمدّه عناية غيبيّة في اصلاح المجتمع وإسعاده.
ولأجل هذا الأمل والتفتح العقلي لقبول الدعوة الغيبية ، إذا ظهر القائد، الذي وعد اللّه به الأُمم لبّاه كثير من الناس بالإيمان والبيعة، والتضحية والفداء بلا شك وتردد ويستقبلونه بصدور رحيبة.
إنّ هذا التهيّؤ النابع من صميم الإنسان، هو الذي يُسهِّل لقائد الإصلاح أن يصل إلى الغاية التي أُمر بتحقيقها بسرعة، وإلى ذلك العامل المؤثر يشير الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام) : إذا قام قائمنا وضع اللّه يَده على رؤوس العباد، فجمع به عقولَهم وكملت به أحلامهم. ( [742])
إنّ الشيعة قاطبة وكثيراً من أهل السنّة يرون انّ ذلك القائد هو الإمام الثاني عشر ومن ذريّة الحسين عليه الصلاة والسلام ونجل الإمام الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) وقد ولد عام 255 هـ ،وظلّ في أحضان والده خمسَ سنين حتى تُوفي الإمام العسكري (عليه السلام) فتعلقت مشيئة اللّه تعالى بغيبته عن أعين الناس لا عن بيئاتهم، بل يحيى حياة إنسانية كاملة من غير أن يعرفونه إلى أن يأذن له اللّه تبارك وتعالى بالظهور.
والناظر في حياة الأُمم يقف على أنّ ليس ذلك بأمر بديع، فقدكانت بين الأُمم غيبة للأنبياء والأولياء حتى انّه سبحانه يأتي بأُنموذج واضح في سورة الكهف، ويُعرِّف إنساناً كان وليّاً راشداً من أوليائه يحيى بين الناس، لم يكن الناس يعرفونه حتى النبي موسى (عليه السلام) . قال سبحانه: ( فَوَجَدا عَبداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلّمناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلماً ) . ( [743])
غاب الإمام الثاني عشر على إثر وفاة أبيه وقد شاع بين الناس على انّ المهدي المصلح نجل الإمام العسكري (عليه السلام) وهو الذي يقوّض عروش الجبابرة والطواغيت، فلأجل ذلك لما انتشر نبأ وفاة أبيه تقاطرت لجانُ التفتيش على بيت الإمام العسكري حتى يعثروا على الوارث الوحيد لإمامته، ولكنّهم رجعوا خائبين، فقد حالت مشيئة اللّه تعالى بينهم و بين ما وعد اللّه به الأُمم في كتب السابقين واللاحقين.
ما عشت أراك الدهر عجباً
إنّ هناك من ينقض ويبرم في أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) وبالأخص ما يرجع إلى ميلاده وحياته وسفرائه وهو ليس في حلّ ولا مُرْتَحل ، ممّا يرجع إلى علم الحديث وأُصوله وأحكامه وأقسامه. فيا ليت شعري ماذا جرى على عالم الحديث حتى أخذ الصبيان في الكتاتيب يحلون ويعقدون من دون أن يتلمذوا عند عالم أو يتفقهوا عند محقق.
إذا ما فصلت عليا قريش  *** فلا في العير أنت ولا النفير
إلى اللّه المشتكى من أقلام مأجورة أو أوراق، لا تهدف إلاّتكدير الصفو، وتغطية الوقائع المسلّمة، وإنكار الأحداث الواضحة وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى.
نعم إنّ هذا النوع من الخصوم، يقدّم لنا أكبر خدمة و هي استقطاب نظر المحققين إلى الفحص عن الروايات الواردة حول المهدي بشتّى عناوينه فيخرجوا عن الدراسة أكثر صلابة ، وأكبر رصيداً، مرفوعي الرأس عند أصحاب التحقيق، وحماة الحقائق.
غاب الإمام الثاني عشر عن أعين الناس، ولكن لم تنقطع صلته بهم، وكان بينه وبين شيعته صلة وثيقة عن طريق سفرائه طيلة سبعين سنة (260ـ 329هـ)، وكان سفراؤه هم الذين يتصلون بالإمام، ويبلغونه رسائل شيعته وحوائجهم، فيجيبهم الإمام عن طريقهم ويُرْشدهم، وهؤلاء السفراء هم أكارم جيله، وأصفياء عصره ، قد حَمل كل واحد منهم على عاتقه رسالة هداية الناس ورفع حوائجهم، ومجابهة الدعايات الضالة. وهؤلاء عبارة عن:
1. عثمان بن سعيد العمري، وكانت سفارته ما بين 260ـ 265هـ.
2. محمد بن عثمان العمري، و كانت سفارته مابين 265ـ 305هـ.
3. الحسين بن روح النوبختي، وكانت سفارته ما بين 305ـ 326هـ.
4. علي بن محمد السمري، وكانت ما سفارته بين 326ـ 329 هـ.
لقد مهدت الغيبة الصغرى الناس إلى الإيمان بالغيبة الكبرى التي انقطعت فيها الصلة بين الإمام والناس، ولولا الغيبة الأُولى لكان تحمل الغيبة الثانية أمراً شديداً على المجتمع، إلاّ أنّ اللّه تعالى بلطفه، جعل الغيبة الصغرى طريقاً للغيبة الكبرى، وسبباً لمزيد الإيمان بها.
الإمام المهدي هو شمس الحياة الطالعة التي لا يُمكن أن تستر بالأوهام والافتراءات ولا بالدعايات الفارغة ولا بالتحليلات الخاطئة.ولا تجد موضوعاً كهذا الموضوع ـ موضوع المهدي ـ تواترت فيه الروايات، وألّفت فيه كتب وموسوعات منذ بدء حياته إلى يومنا هذا.
نعم تغمرني من الأحاسيس ماتراها متجلية في الأبيات التالية وهي باقة زهور عطرة نقدمها إلى القرّاء جادت بها قريحة بعض المخلصين المجاهرين بولاء أئمّة أهل البيت عليهم. ( [744])
لئن غبت عنا هيكلاً متجسداً  *** فما غاب منك الروح يشرق و الفكر
إلى أن قال:
ءألتاع بالأشواق جهراً وخفيةً  *** وأنت الذي عني تصدُّ وتزورُّ
أما آن أن ألقاك يا حبُّ ساعةً  *** فقد ملّني حتى التجلد والصبرُ
أسير غرام لجَّ في قلبي الهوى  *** طويلاً ـ وهل إلاّ الهوى للهوى أجرُ
لكل أسير مدة ثمّ تنقضي  *** ولكنّ من يهوى يدوم له الأسرُ
جعفر السبحاني
قم. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
غرة ذي الحجة الحرام من شهور عام 1416هـ

[740] .  الأنبياء: 105.
[741] .  مزامير: المزمور السابع والثلاثون، الاصحاح 22: « لأنّ المباركين منه يرثون الأرض، والملعونين منه يقطعون » .
[742] .  الكليني: الكافي، الجزء 1، كتاب العقل والجهل، الحديث 21.
[743] .  الكهف: 65.
[744] .  للعلاّمة المحقق والشاعر المفلق: السيد محمود البغدادي.