قائمة المواضيع :
المفاهيم العامّة في المعاملات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فهذه رسالة وجيزة كفيلة بإيضاح بعض المفاهيم الّتي تتردد كثيراً على ألسن الفقهاء في أبواب المعاملات، وتستعمل بشكل واسع، أعني بها ما يلي:
1. المال.          2. الملك.
3. الحق.           4. الحكم.
5. أقسام الحق وأحكامه.
6. العقد والعهد.
وهذه الرسالة بالإضافة إلى إيضاح مفاهيم هذه الألفاظ تشتمل على مباحث وفوائد لا غنى للطالب عنها.
ومنه تعالى نستمد العون وعليه نتوكل في الأُمور كلها.
ويقع الكلام في فروع:

    
1
في تعريف المال
إنّ المال ـ المبحوث عنه في أبواب المتاجر والمأخوذ في تعريف البيع على ما سيأتي ـ : عبارة عمّا يرغب فيه العقلاء، ويُبذل بإزائه الثمن، وله ندرة نسبية.
فبالقيد الأوّل خرج كل منفور لا يرغب فيه، كالحشرات ونفايات البيت.
وبالقيد الثاني خرجت حبّة أو حبات من الحنطة فهي تُعدّ ملكاً ولا تُعدّ مالاً، إذ لا يبذل بازائها الثمن.
وبالقيد الثالث خرج المبذول كالهواء والماء على شاطئ النهر .
وعلى هذا فلا يختص المال بالأعيان، بل يعم الأعمال والمنافع، لانطباق التعريف عليهما فهما ممّا يبذل الثمن بازائهما.
فإن قلت: إنّ المنافع ليست مالاً لكونها معدومة .
قلت: إنّ العين تُعدّ عند العرف وجوداً جمعياً للمنافع، ومشيرة إليها، وكيف لا تكون المنافع مالاً مع أنّ مالية الأشياء عند العقلاء باعتبار منافعها، فنفس المنفعة أولى بأن تكون مالاً ويبذل بازائها الثمن.
ويشهد على ما ذكرنا ـ عدم اختصاص المال بالأعيان ـ صحة جعل ما في الذمم المعتبرة ثمناً للبيع إذا باع نسيئة، أو مثمناً كما إذا باع سلماً. فوصف ما في الذمة المعدوم مالاً دليل على عدم اختصاصه بالأعيان.
فكما يشمل المال المنافع يعم الحقوق أيضاً كحق الشرب من النهر والعين، وحق العبور حيث إنّ كلاًّ منهما أمر مرغوب فيه، يبذل بازائه الثمن .
منابع المالية
إنّ مالية الشيء تارة تستند إلى قابليته الذاتية للانتفاع به، نظير ما خلق الله سبحانه من الطيبات النباتية والحيوانية الّتي تسدّ حاجات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية.
وأُخرى تستند إلى وجوده الصناعي كالبيت والأواني وكل مصنوع ينتفع به الإنسان ويبذل بازائه الثمن.
وثالثة تستند إلى اعتبار عقلائي أو عقد اجتماعي على كونه مالاً كالأوراق النقدية.
وقد كانت الأوراق النقدية يوم ظهورها للعالم تُعدّ وثائق من الدولة على أنّها تتعهد بمنح حاملها شيئاً من النقود الفضية أو الذهبية . إلاّ أنّها صارت بمرور السنين ذات قيمة ومالية مستقلّة وخرجت عن كونها وثيقة .
وأمّا الأسهم الّتي شاع بيعها وشراؤها في هذه الأيّام فالظاهر أنّها ملك مشاع لأصحاب السهام في أموال الشركة.
 
2
في تعريف الملك
الملك في اللغة: هو الاحتواء والإحراز، يقال: ملك الشيء: احتواه، قادراً على التصرف فيه، وهو إضافة اعتبارية بين الشخص وما احتواه، وإليك بيانها.
إنّ في واقع الملكية أقوالاً أو احتمالات نشير إليها مع ما فيها:
الأوّل: أنّها من مقولة الإضافة القائمة بين المالك والملك فهي أمر تكويني كسائر الإضافات كالأُبوة القائمة بين الأب والابن، وهذا هو الظاهر من صدر المتألهين في أسفاره حيث قال: فإنّ هذا (الملك) من مقولة المضاف لا غير .( [314])
وهو الظاهر ـ أيضاً ـ من الشيخ الأنصاري حيث قال: إنّها نسبة بين المالك والمملوك ( [315])، فلو أراد من النسبة الإضافة الحقيقية فتكون الملكية أمراً تكوينياً، وإن أراد نسبة اعتبارية فتتحد مع المختار الآتي بيانه.
الثاني: انّها من مقولة الجدة، وهي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء كالتعمم والتقمّص. وقد نقل هذا القول السيد الطباطبائي اليزدي في تعليقته عن بعضهم .( [316])
وذكره صدر المتألهين بصورة احتمال، قال ـ بعد تعريف الجدة ـ : وقد يعبّر عن الملك بمقولة « له »، فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد. ( [317])
أقول: إنّ الملكية ـ سواء أقلنا بأنّها من مقولة الإضافة أم من مقولة الجدة ـ على هذين القولين عرض لا محالة، وهو لا ينفك عن موضوع يعرضه، وعندئذ نسأل ما هو موضوع ذلك العرض أي الملكية؟ فهل الموضوع هو المملوك فينتقض بالمملوك في الذمة فهو ملك وليس موجوداً في الخارج كالدين وبيع السلم؟
أو أنّ الموضوع هو المالك فينتقض بما إذا كان المالك هو الجهة كالمسجد والمدرسة وعامة الجهات الحقوقية؟
فإن قلت: هب أنّها ليست من المقولات العشر الارسطوئية، فلماذا لا تكون من الصفات الحقيقية الّتي لا تحتاج إلى محل كامتناع شريك الباري وإمكان الإنسان، وإن لم يكن إنسان في الخارج فلتكن الملكية صفة حقيقية من سنخ الامتناع والإمكان؟
قلت: ما ذكرته غير صحيح في المنزّل عليه فكيف يصحّ في المنزَّل؟ أما الأوّل كيف يكون الامتناع والإمكان من الصفات الحقيقية والحال أنّ امتناع الشيء أمر عدمي، كما أنّ الإمكان ـ بمعنى سلب الضرورتين عن الماهية سلباً تحصيلياً ـ عدمي، والعدم بطلان محض حتّى المضاف منه إلى الملكة، والجمل المتشكلة من هذه المفردات إخبار عن البطلان المحض، فقولنا: «شريك الباري ممتنع» أي لا واقعية له، فالإخبار أمر وجودي والمخبر به بطلان محض .
يقول المحقّق السبزواري:
لا ميز في الأعدام من حيث العدم *** وهو لها اذاً بوهم يرتسم
كذاك في الأعدام لا عليّة *** وان بها فاهوا فتقريبية( [318])
وأمّا الإخبار عنه كما في قولهم: «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» فقد أجاب عنه أهل الفن في محله.
فإذا كان هذا حال المشبه به فكيف حال المشبه (الملكية).
والّذي يدلّك على أنّها ليست من الأُمور الحقيقية اختلاف الشرع والعرف في حصول الملكية بالإنشاء فيما إذا كان المبيع خمراً أو خنزيراً فالشرع ينفيها والعرف يثبتها وهذا أوضح دليل على أنّها ليست أمراً حقيقياً، وإلاّ لم يختلفا في المُنشأ مع وجود السبب التام له.
الثالث: انّ الملكية من الأُمور الانتزاعية وقد اختلفوا في منشأ انتزاعها إلى أقوال:
أ. إنّ المنشأ هو العقد أو المعاطاة مثلاً، فإنّ كلاًّ منهما أمر خارجي يصح منه انتزاع الملك.
ب. انّها منتزعة من الأحكام التكليفية كجواز التصرف بالنقل وغيره، نظراً إلى أنّ الملكية بمعنى السلطنة، فمعنى جواز التقلب فيه بأي وجه هو أنّ زمام أمره بيده، ولا نعني بالسلطنة الوضعية إلاّ ذلك.
ج. ان تمكّن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواعه وتقليبها وتقلبها شرعاً أو قانوناً، منشأ لانتزاع الملكية شرعاً، فقدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً، منشأ انتزاع الملكية لا مجرد جواز التصرف شرعاً.( [319])
والفرق بينه وبين الثاني واضح، فإنّ المنشأ في الثاني هو الأحكام الشرعية أو العرفية وفي الثالث هو السلطنة والقدرة التكوينية على التصرف والتقلب.
هذه الوجوه الثلاثة نقلها المحقّق الاصفهاني في تعليقته على المتاجر، ( [320]) وناقش في الجميع.
والّذي يمكن أن يقال: إنّ الأوّل، غير تام ضرورة أنّ الملكية أوسع من العقد والمعاطاة، فمن حاز شيئاً من البحر أو غيره يرى نفسه مالكاً له من دون أن يكون هناك عقد أو معاطاة.
وأمّا الثاني ـ أعني: كونها منتزعة من الاحكام التكليفية ـ فكالأوّل، لأنّ الأحكام التكليفية تابعة لاعتبار الملكية، فالملكية موضوع لها لا أنّها منشأ انتزاع لها، أضف إلى ذلك أنّ الملكية تكون معتبرة مع المنع عن التصرف وهذا كالمفلس فهو مالك لما تحت يده، ولكنّه لا يجوز له التصرف، كما أنّ الصبي مالك لما ورثه مع أنّه لا يجوز له التصرف، ونحو ذلك .
وأمّا الثالث ـ أعني: تمكن الشخص من بيع العين ونقلها شرعاً أو قانوناً منشأ لانتزاع الملكية ـ فيرد عليه ان كون السلطة المذكورة منشأ للانتزاع ليس أولى من القول بأنّها سبب لانتقال المعتبر إلى اعتبار الإضافة بين المسلط والمسلط عليه، فكونها سبباً للانتقال غير كونها منشأ للانتزاع، كما أنّ وجود الزوجين تكويناً يكون سبباً لانتقال الإنسان إلى اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة.
الرابع: أنّ الملكية من الأُمور الاعتبارية العقلائية، لأنّ العقلاء في حياتهم الاجتماعية لا محيص لهم من اعتبار أُمور بينهم ذات آثار اجتماعية حتّى تدور عليها رحى الحياة، وليست الملكية فريدة في بابها، بل الأُمور الاعتبارية العقلائية أكثر فأكثر، وربّما تزيد حسب تكامل الحياة وتقدم الحضارة.
إلاّ أنّ المهم هو أن نقف على ما هو السبب لانتقال الإنسان إلى ذلك الأمر الاعتباري وتثبيته في المجتمع. والّذي يمكن أن يقال هو أنّ الأُمور الاعتبارية كلها استنساخ للأُمور التكوينية فالعقل العملي للإنسان ينتقل من ملاحظة الأُمور التكوينية إلى الأُمور الاعتبارية على نحو يكون المعتبر كالمستنسخ من التكوين، والفرد الاعتباري منبثقاً من الأمر التكويني.
ولنذكر مثالاً في المقام: إن الرأس في الإنسان يدير مجموع البدن والأعضاء فيأمر اليد بالقبض والبسط، والقدم بالمشي والوقوف، والعين بالغمض والفتح، إلى غير ذلك من الأعمال الّتي تصدر من الإنسان برئاسة الرأس الّذي يحتوي على المخ والعقل الإنساني حسب الظاهر، هذا هو حال الفرد من الإنسان .
وأمّا المجتمع الصغير أو الكبير فبما أنّه يتشكّل من طبقات مختلفة، متعدّدة الأهواء فلابد ـ في جعلهم كتلة واحدة تصب جهودهم في مصب واحد ـ لهم من وجود شخص نافذ الكلمة مطاع القول ، وهذا هو الّذي يطلق عليه الرئيس، فاعتبار ذلك الشخص رئيساً اعتبار عقلائي مستنسخ من رئاسة الرأس لجسد الإنسان، وهذا هو الّذي عبّرنا عنه بأنّ الأُمور الاعتبارية كلها أو أكثرها نوع استنساخ للأُمور التكوينية .
ولنذكر مثالاً آخر: يرى الإنسان في عالم التكوين زوجين كالعينين والأُذنين واليدين والرجلين وكل يعين الآخر فيما خلقا له، فهذه زوجية تكوينية مخلوقة لله سبحانه، ومنها تنبثق الزوجية الاعتبارية بين رجل وامرأة بينهما بعد المشرقين من حيث الثقافة واللغة واللون، ولكن كل يجذب الآخر ويشاركه معه فيما يحتاج إليه في الحياة، فيعتبران زوجين اعتباراً كالأُذنين تكويناً.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الّتي كشف عن حقيقتها سيدنا العلاّمة الطباطبائي في بحوثه الفلسفية ( [321]).
إذا عرفت هذين المثالين فقس عليهما الملكية الاعتبارية المستنسخة من الملكية التكوينية، فالإنسان حسب التكوين يملك كل واحد من أعضاء جسده وكيفية أعماله  ويضيفه إلى نفسه فيقول هذه يدي، وهذه رجلي، وهذه عيني إلى غير ذلك من الأعضاء، بل ربّما يترقى حتّى ينسب أعماله الناشئة بواسطة هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول: هذه حسنتي وهذه جنايتي.
كل ذلك إضافة تكوينية مندمجة في خلق الإنسان وفطرته إلاّ أنّه ربّما تنتقل من هذه الإضافة التكوينية إلى إضافة اعتبارية لغاية اجتماعية، وهو أنّه إذا حاز شيئاً من البحر أو جنى شيئاً من الغابة يرى نفسه أولى به من غيره، فيعتبر نفسه مالكاً وما بيده مملوكاً، والنسبة الدائرة بين المالك والمملوك ملكية اعتبارية.
ومهما اتسعت دائرة الحضارة اتسعت دائرة الاعتبار كما سيوافيك بيانه.
    
هذا هو واقع الملكية ومَن عبّر عنها بالإضافة بين المالك والمملوك فهو يريد إضافة اعتبارية تحكي الإضافة التكوينية.
ومن جعلها من مقولة الجدة ـ أي الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء، وفي المقام إحاطة المالك بالمملوك ـ فعليه أن يجعلها جدة اعتبارية تعكس جدة تكوينية.
ومَنْ جعلها من الأُمور الانتزاعية فالصحيح أن يعبر عنها بالاعتبارية، لأنّ للأُمور الانتزاعية مناشئ خارجية هي من مراتب الوجود كتخلق الولد من ماء الوالد فينتزع منه الابوة والبنوة وغيرهما. وأمّا المقام فليست للملكية مناشئ خارجية، نعم ربّما يكون العمل الخارجي كحيازة الشيء من البحر سبباً للانتقال إلى اعتبار تلك الإضافة.
أسباب اعتبار الملكية
إنّ لاعتبار الملكية أسباباً ومناشئ نشير إليها:
الأوّل: الحيازة
وهي أُم المملكات، مثلاً إذا ذهب إنسان إلى البحر وصاد سمكة فأحاط بها إحاطة ليست لغيره، يرى نفسه أولى بها من غيره كما يراه العقلاء كذلك، قال الإمام علي (عليه السلام) لعبد الله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» ( [322])، فاصطياد السمك نوع احتواء له، ويصير الاحتواء سبباً لاعتبار نسبة بين المحرز وما أحرزه، ويعبّر عن تلك النسبة بالملكية، وعن الطرفين بالمالكية والمملوكية، وتصير مبدأ لآثار كثيرة منها جواز بيعه وشرائه ـ بمعنى تبديل طرفي الإضافة في جانبي البائع والمشتري.
فالمبيع المنسوب إلى البائع، يكون منسوباً إلى المشتري على عكس الثمن.
الثاني: العمل
لاشك أنّ للعمل تأثيراً في زيادة القيمة ومرغوبية المادة، فإذا صنع الخشب سريراً أو الطين كوزاً فالعمل هذا يوجد في المادة المملوكة هيئة خاصة مفيدة في الحياة، فهو يملك المادة بالحيازة والهيئة بالعمل.
وربّما يقال بأنّ الهيئة تملك تبعاً للمادة. وملكية الهيئة تندك في ملكية المادة، ولا تُرى ـ عرفاً ـ ملكية خاصة للهيئة.
أقول: ما ذُكر صحيح لو كانت ملكية الإنسان للهيئة في عرض ملكيته للمادة، وأمّا إذا كانت ملكيته لها في طول ملكيته للمادة فهو أمر صحيح عقلائي.
نعم لمّا كانت الهيئة أمراً غير منفك عن المادة يلاحظ الجميع ـ تسامحاً ـ ملكاً واحداً، وإلاّ فالهيئة شيء والمادة شيء آخر .
ويشهد على ذلك بعض أُمور:
1. إن المزارع يقسم الانتاج مع المالك بنسبة معينة، فالمالك يملك نصيبه من الزراعة بتبع المادة (الأرض)، ولكن المزارع يملك نتيجة عمله .
2. إنّ المضارب يقسّم الربح مع مالك رأس المال بنسبة معيّنة، فالمالك يملك نصيبه من الربح بتبع رأس المال، والمضارب يملك نتيجة عمله.
3. إنّ الرجل إذا باع أرضاً على رجل آخر ولكن كان العقد فاسداً والمشتري جاهلاً بالفساد، فعمل بالأرض بالإصلاح وقطع الأعشاب وإعدادها للزراعة. فإذا تبيّن الفساد فالبائع يرد المسمّى على المشتري مع قيمة الأعمال الّتي قام بها المشتري بإذن منه، خضوعاً لقاعدة ( ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده )، وهذا يدل على أنّ العمل من المملكات. غاية الأمر إذا كانت المادة ملكاً لنفس العامل يتراءى المجموع ملكاً واحداً ولكنهما عند التحليل يتراءى كلٌ ملكاً في طول الآخر .
الثالث: نماء المملوك
إذا كان الأصل ملكاً لإنسان فنماؤه ونتاجه يكون ملكاً له، وذلك كاللبن وولد الشاة وغيرهما.
الرابع: الإرث
إن الإرث من عوامل التمليك، فإذا مات الوالد يرثه أولاده حسب المقررات الشرعية، عند الملتزمين بها، أو حسب المقررات الوضعية عند غير المتشرعة.
الخامس: العقود والإيقاعات
وهي من المملكات على اختلافها وبها يختلف طرفي الإضافة فالبائع يملك الثمن والمشتري يملك المثمن وتتبادل الإضافات، ويدخل فيها الهبة، أو الإيصاء بناءً على أنّه من العقود والوقف بناءً على أنّه من الإيقاعات.
السادس: الإضرار بالنفس والنفيس
من الأسباب المملكة الإضرار بالنفس والأطراف (الأعضاء) والأموال والمنافع والحقوق فيدخل فيه الغرامات والديات الّتي يتملكها الإنسان في مقابل الجرائم.
اتساع دائرة الملكية الاعتبارية حسب تطور الحضارة
كلّما اتّسعت الحضارة اتّسعت دائرة الاعتبار، وهذا الاتّساع تارة في جانب المالك وأُخرى في جانب المملوك.
أمّا الأوّل: فيظهر في مالكية الجهة فإنّ المالك فيها ليس شخصاً خاصاً بل الجهة الخاصة القائمة بالأشخاص عبر القرون، كمالكية الفقراء للزكاة، ومالكية مقام الإمامة للحقوق الواجبة.
روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام) : إنا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام) فكيف نصنع؟ فقال (عليه السلام) : «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيّه».( [323]) فقوله: «بسبب الإمامة» إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي للحقوق الشرعية هو منصب الإمامة المتمثل يومذاك في الإمام الهادي (عليه السلام) .
فقد كان عنوان المالك قائماً بالفرد الحقيقي ولكن الحضارة وسّعت ذلك إلى حد صارت العناوين والجهات القائمة بالأشخاص عبر القرون، ربما تعدّ مالكة حقيقة أيضاً .
وقد يعبّر عن مالكية الجهة بمالكية المؤسسات والجمعيات والشركات، والهدف من تشريع هذه الشخصيات الحقوقية هو أنّ أهدافها وأغراضها ومصارفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصي لأي فرد حتّى الأفراد القائمين بها.
نعم الشركة العادية بين شخصين لا تعتبر شخصية حقوقية وليس لها ذمة ولا متملكات وإنّما المتملك هم الأشخاص الذين أسّسوا الشركة العادية.
وأمّا الشركات الحقوقية فلها ذمم ومتملكات على نحو لو أفلست الشركة فليس للديّان حق إلاّ في أموال الشركة، فلو كان لأصحاب الشركة أموال في غيرها لا تتعلق بها ديون الديّان.
أمّا الثاني ـ أي الاتساع في جانب المملوك ـ : فهو نظير ما ربما يقع ما في الذمة ـ المعدوم ـ طرفاً للإضافة الاعتبارية، كما في بيع السلم. والمصحح لذلك أي كون العدم طرفاً للإضافة الاعتبارية استطاعة المُسلف من تسليم ما تعهد به في الوقت المقرر. ومن هذا القبيل منح الامتياز وبيعه في موارد مختلفة، فمن ألّف كتاباً وأفنى فيه عمره وأبلى فيه قدراته، نراه يسمح لغيره ، بطبعه ونشره في مقابل مبلغ معيّن، ويمنع غيرَه من طبعه ونشره.
ما هي النسبة بين المال والملك؟
إنّ النسبة بين المال والملك عموم وخصوص من وجه .
فملاك الأوّل رغبة الناس إلى الشيء.
وملاك الثاني الاحتواء ووقوع الشيء في حيازته واختصاصه به.
وعلى ضوء ذلك فقد يقع الشيء في حيازة الإنسان ولا يعدّ مالاً، لعدم وجود الرغبة فيه كالحبة من الحنطة، وربما تتعلق الرغبة بالشيء ولا يُعدّ ملكاً كحق الشفعة والتحجير، وقد يجتمعان وهو متوفر.
 
3
في الفرق بين الملك والحق
الحق إن أُخذ مبدأً فهو بمعنى الثبوت، وان أُخذ وصفاً فهو بمعنى الثابت، وبهذا المعنى أُطلق على الله سبحانه، قال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ) ( [324]) ، فهو سبحانه حق بأفضل أنواع الثبوت، وجودٌ صِرفٌ لا يخالطه العدم ولا العدمي.
وأمّا في مصطلح الفقهاء ففي تفسير الحق أقوال:
الأوّل: الحق مرتبة ضعيفة من الملك
الحق مرتبة ضعيفة من الملك وهذا ما نُسب إلى المشهور، والجامع بينهما أنّ كلاًّ منهما إضافة بين المالك ومتعلّقهما، وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامة بأن تكون قابلة لأنحاء التقلبات تسمّى ملكاً، ولو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة ـ كحق المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة ـ وإمّا لقصور في متعلقه فتسمى حقاً وذلك كما في الأمثلة التالية:
1. حق الخيار بناءً على تعلقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة.
2. حق الاختصاص بالنسبة إلى الخمر القابل للتخليل .
وعلى هذا فلو لم يكن المجعول الشرعي مستتبعاً للإضافة فليس إلاّ حكماً كالأحكام التكليفية الخمسة، وتسميته بالحق إنّما هو بلحاظ معناه اللغوي ( [325]) .
فإن قلت: إنّ مقتضى كون الشيء من مقولة الملك جواز عامة التصرفات فيه، مع أنّه لا يجوز لذي الحق إلاّ التصرف المحدود.
قلت: إنّ الاختلاف رهن قوة الإضافة وضعفها، فلو كانت الإضافة تامة تستتبع جواز عامة التصرفات، ولو كانت ضعيفة يقتصر بالمقدار الميسور منها.
فإن قلت: ربّما يكون عمل الحر متعلقَ الحق كما في حق الفسخ والإمضاء فإنّ الفسخ والإمضاء عمل لنفس ذي الحق، وفي الوقت نفسه متعلق للحق، مع أنّ عمل الحر لا يملك، إذ لا يتصور أن يكون الإنسان مالكاً لمشيه وأكله وشربه، لأنّ مالكيته لعمله تكوينية، غنية عن اعتبار الملكية.
قلت: صحيح انّ عمل الحر لا يملك، لأنّ مالكية الإنسان لعمله أمر تكويني غني عن الملكية الاعتبارية وإنّما تتصور الملكية بالنسبة إلى الأعيان والأشياء الخارجة عن وجود الإنسان، وأمّا ما هو داخل في وجوده وهو مالك له تكويناً، فإنّ اعتبار الملكية في هذه الموارد أمر لغو لا يحوم حوله العقلاء.
وأمّا الفسخ والإمضاء فلهما جهتان:
الأُولى: انّ الفسخ والإمضاء بما انّ كلاًّ منهما عمل خارجي وفعل تكويني صادر من الإنسان كسائر الأعمال، وهما بهذا الوصف كسائر الأفعال التكوينية لا يخضعان للتملك الاعتباري لغنائهما عنه بوجود الملكية التكوينية .
الثانية: انّ الفسخ والإمضاء ـ بمعنى حل العقد وتثبيته ـ من الأُمور الاعتبارية، حيث لاحلّ حقيقة، ولا حكماً واقعاً. إلاّ في ظرف الاعتبار، وقد اعتبر العقلاء، قول المالك: «فسخت» أو «رضيت»، إنشاء وإيجاداً في عالم الاعتبار لهذين المفهومين، فهما بهذا المعنى ـ بما أنهما من الأُمور الاعتبارية ـ قابلان للتملّك، ويقعان متعلقين للحق.( [326])
فإن قلت: ربّما يضاف الحق إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً، كحق الاختصاص بالخمر الّتي كانت خلاًّ قبل ذلك. وكحق الأولوية في الأرض المحجّرة الّتي لا تملك بالإحياء، على المشهور.
قلت: لا نسلم عدم الملكية في هذين الموردين بالمعنى الضعيف، فالملكية الناقصة موجودة وإن لم تكن التامة منها موجودة.
هذا توضيح القول الأوّل الّذي هو خيرة المحقّق النائيني (رحمه الله) ، ويُنسب إلى المشهور.

 
الثاني: الحق من مقولة السلطنة
إنّ الملك من مقولة والحق من مقولة أُخرى، ولا وجه لجعل أحدهما من مقولة واحدة.
أمّا الملك فهو اعتبار بين المالك والمملوك بما انّه واجد له، وفي حيطته وتصرفه، إمّا تصرفاً تكوينياً أو قانونياً.
وأمّا الحق فهو اعتبار بين ذي الحق ومتعلقه بما أنّ له سلطنة في الإعمال وعدمه.
ولنذكر لذلك أمثلة :
1. حق القصاص ، كما في قوله سبحانه: ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) ( [327]) .
فقد أعطى الله سبحانه للولي سلطنة وضعية وصلاحية قانونية لإجراء القصاص وعدمه بالعفو عن الجاني.
2. حق الشفعة ، فقد أعطت الشريعة المقدسة للشريك صلاحية قانونية لضمّ حصة الشريك الآخر إلى حصته بنفس القيمة.
3. حق الخيار ، بمعنى السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء، بمعنى انّه فوّض لذي الخيار أحد الأمرين، فله السلطنة في انتخاب أحدهما.
وعلى ضوء ذلك فكل مورد كان للإنسان سلطنة على الشيء ـ إنساناً كان أو عيناً خارجية أو عملاً ـ فهو من مقولة الحق.
وهذه النظرية هي الّتي اختارها الشيخ حيث فسّر الحق بأنّه عبارة عن السلطنة مقابلاً للملك.( [328])
فإن قلت: إنّ هناك ما يُعد من الحقوق وليس فيها سلطنة لذي الحق على مورده، كولاية الجدّ والأب على الصغير، وحق الأولوية في من سبق إلى المسجد أو الأمكنة الأُخرى الموقوفة، وكذلك حق أولوية الإحياء في مورد التحجير. فمن سبق إلى مكان في المسجد أو الأراضي المتسعة من الموقوفات فلا شبهة في أنّه لا يملك المسبوق إليه بوجه من الوجوه.( [329])
قلت: إنّ ما ذكر من الأمثلة يصلح لئن يكون نقضاً للقول الأوّل حيث عدّ الحق من مراتب الملك وليس في هذه المواضع شيء منه ولو ضعيفاً، ولكنه لا يُعد نقضاً للقول الثاني وانّ السلطنة يختلف اعتبارها حسب اختلاف المتعلق، فلا مانع من القول: إنّ للجد والأب سلطاناً على أموال المولّى عليه ونكاحه في إطار خاص، كما أنّ للسابق إلى المساجد والموقوفات سلطاناً على ما حازه ولو سلطنة مؤقتة، وكما هو الحال في مَن كان له خلّ فصار خمراً فله سلطنة عليه في حفظه لكي يعود خلاًّ.
وعلى كل تقدير فالقول الثاني أظهر من القول الأوّل لأنّه أنسب لمفهوم الحق والملك. وسيوافيك في نهاية الكلام في الفرع الرابع ـ وهو الفرق بين الحكم والحق ـ أنّ بعض ما عدّ من الحقوق من مقولة الأحكام فانتظر.
 
القول الثالث: الحقوق ليست اعتبارات مختلفة
ذهب المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) إلى أنّ للحق الّذي يقابل الحكم اعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة، حيث قال: ويمكن أن يقال ـ وإن لم أجد من وافق عليه صريحاً ـ إنّ الحق مصداق في كل مورد لاعتبار مخصوص له آثار خاصّة:
1. فحق الولاية ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجد، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً ووضعاً ولا حاجة إلى اعتبار آخر، فإضافة الحق إلى الولاية بيانية (أي الحق الّذي هو الولاية) كذلك حق التولية وحق النظارة.
2. بل كذلك حق الرهانة فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعها عند الامتناع من الوفاء.
3. وحق التحجير أي المسبب عنه ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر.
4. وحق الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر دون اعتبار ملك أو سلطنة له، وأثر الأولوية والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير .( [330])
أقول: الظاهر أنّ هنا اعتباراً واحداً لا اعتبارات مختلفة وليس
هو السلطنة وإنّما الاختلاف في متعلقها، فلو أراد من طرح هذه الأمثلة
نفي الملك في مواردها فهو صحيح، وأمّا لو حاول نفي السلطنة فهو غير
تام.
أمّا ولاية الحاكم والأب والجد فلهما سلطنة على أموال المولّى عليه لكن في إطار مصلحته، وجواز تصرفهم في ماله من شؤون وجود السلطنة لهم عليها اعتباراً ووضعاً، كما مرّ آنفاً.
وكذلك حق الرهانة فإنّ للمرتهن سلطاناً على العين لجواز استيفاء حقه ببيعها عند الامتناع عن الوفاء، ونظيره حق التحجير فإنّ له سلطة على ما حُجّر ليست لغيره إذا فرض هناك تشاحّ.
وعلى كل تقدير فلامانع من ارجاع الاعتبار في هذه الموارد إلى السلطة الاعتبارية وإن شئت قلت السلطة الوضعية. نعم كل مورد يفقد السلطة الوضعية بل كان اعتباراً محضاً لغاية وأثر خاص فهوليس من الحق المصطلح، بل هو حق بالمعنى اللغويّ أو عطف إلى الحق المصطلح طرداً للباب.( [331])
والّذي يدلّك على اعتبار مفهوم السلطنة في مفهوم الحق، هو أنّ الحق تقوم بأمرين: ذي الحق ومَن عليه الحق، فلا يتصور الحق المصطلح إلاّ إذا كان هناك مَن عليه الحق، بخلاف الملك فهو إضافة قائمة بالمالك والمملوك عليه، ولا يتوقف على تصور المملوك عليه.
وما ربّما يقال: بأنّ الملك أيضاً قد فرض في حيثيته التعليلية وجود المملوك عليه فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرف في كل الأموال كما يشاء، لم يكن نكتة لفرض مالكيته لها .( [332])
مدفوع بوجود الفرق بين «مَن عليه الحق»، و «مَن في مقابله الملك »، فالحق إضافة قائمة بين ذي الحق ومَن على ضرره الحق، بخلاف الملك فهو قائم بين المالك والمملوك لا في مقابل الآخرين وبحرمانهم عنه، فتدبر.
وبذلك يعلم أنّ إضافة الحق إلى التحجير والحضانة باعتبار وجود أطماع في البين، يسبّب ثبوت الحق لواحد من المتشاحين وحرمان الآخرين عنه.
الرابع: الحق غير الملك والسلطنة
لمّا ذهب المحقّق الاصفهاني إلى أنّ الحق في كل مورد مصداق لاعتبار مخصوص، له آثار خاصّة وعدّ منها: حق الولاية، وحق التولية، والنظارة، والرهانة، والاختصاص ; أشكل عليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره) بالقول: بأنّ الاعتبار في الحقوق ليس مختلفاً وإنّما الاختلاف في المتعلقات، ثم ذهب إلى أنّ الحق غير الملك والسلطنة. واستدل على ذلك بالأُمور التالية:
1. لا شك انّ الحق حسب فهم العرف وفي موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فلو سبق إلى مكان في المسجد فلا شبهة أنّه لا يملك المكان المسبوق إليه بوجه من الوجوه .
2. إذا انتقل حق التحجير إلى الصغير أو كان (حق التحجير) للمحجور عليه بسفه وغيره، فلا شبهة في عدم اعتبار السلطنة لهم لدى العقلاء بالنسبة إلى بعضهم، كالصغير غير المميز والمجنون فالسلطنة فيها لوليه القانوني أو الشرعي.
3. تعتبر السلطنة في بعض الموارد ولا يعتبر الحق ولا الملك، كسلطنة الناس على نفوسهم فإنّها عقلائية، فكما أنّ الإنسان مسلّط على أمواله مسلّط على نفسه .
4. يعتبر في الحق أحياناً الأداء كالدين دون الملك، فيقال: أدى دينه، وأمّا الملك فلا يصح فيه الأداء كما لا يصح في السلطنة، فلا يقال: أدّى ملكه، كما لا يقال: أدّى سلطنته أو سلطانه .( [333])
يلاحظ عليه: أنّ ما استدل به على أنّ الحق ليس من مقولة الملك، فهو صحيح مقبول، إنّما الكلام فيما استدل به على نفي أنّ الحق من مقولة السلطنة، فإنّه منظور فيه لأُمور:
أمّا أوّلاً: فلأنّ من سبق إلى مكان في المسجد له سلطنة مؤقتة وليس لأحد من المؤمنين مزاحمته، نعم ليس هناك كما أفاده (قدس سره) .
ثانياً: أنّه إذا انتقل حق التحجير للمحجور عليه بسفه وغيره فله السلطنة إنشاءً لا فعلاً .
وإن شئت قلت: إنّ سلطنة الولي سلطنة المحجور وما قاله (قدس سره) (في ردّ هذا الفرض بأنّ القاصر مسلوب السلطنة لا مفوضها وللوصي والقيّم والجدّ والأب والحاكم سلطنة مستقلة عليه وعليها، وليس حالهم حال الوكيل) غير تام، وذلك للفرق بين سلطنة الولي على أموال المحجور وسلطنته على أمواله نفسه، فهل هما على نسق واحد، أو أنّ بين السلطنتين فرق؟ وهذا يدل على أنّ الولي يتصرف في مال المولّى عليه نيابة ولاية عنه لا استقلالاً.
ثالثاً: أنّ ما أفاده من عدم الملازمة بين السلطنة والحق حيث إنّ للناس سلطنة على نفوسهم ولا يعتبر فيها الحق وإن كان صحيحاً، لكنّه ليس دليلاً على مدّعاه من أنّ السلطنة غير الحق، لأنّ السلطنة الموجودة في النفوس، سلطنة تكوينية نابعة عن اختيار الإنسان وعدم صدق الحق عليها، لا يضر في المقام، لأنّ الملازمة بين السلطنة الاعتبارية الوضعية وبين الحق، لا بين السلطنة التكوينية والحق فتدبر.
رابعاً: أنّ ما استشهد به أخيراً من أنّ السلطنة لا يقال فيها: أدى سلطنته ولكن يقال: أدّى دينه فهو أيضاً كسوابقه. وذلك لأنّه إذا كان الحق معادلاً للسلطنة لا يلزم استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر، وهذا هو لفظ «مولى» بمعنى «أولى» إذ يصح أن يقال: «هذا أولى من فلان» ولا يصح أن يقال: «هذا مولى من فلان».
وإن شئت قلت : إنّ اتحاد المعنى والترادف بين الألفاظ إنّما يقع في جوهريات المعاني لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب وتصاريف الألفاظ وصيغها، فلا بأس أن يصح أن يقال: أدّيت حقّه ولا يصح أن يقال: أدّيت سلطنته.

    
4
في الفرق بين الحكم والحق
الحكم: عبارة عن مجعول شرعي على موضوع، زمامه بيد الشارع، وأمر وضعه ورفعه إليه.
أمّا الحق فهو مجعول شرعي جُعل لصاحبه على نحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، وله العفو، وله الإسقاط.
وإن شئت قلت: الحق سلطنة مجعولة، زمامها بيد ذي الحق، فله الاختيار على الإعمال والإسقاط; بخلاف الحكم فإنّ رفعه ووضعه بيد الشارع.
نعم كلٌ من الحكم والحق مجعولان شرعيان لكن الجاعل وضعه على قسمين، تارةً وضعه وجعل زمام المجعول بيده فيسمى حكماً، وأُخرى وضعه وجعل زمامه بيد ذي الحق.
    
وبعبارة أوضح: أنّ الحكم تكليفاً كان أو وضعاً ، متعلق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه أو الرخصة فيه، أو ترتب الأثر عليه. فجعل الرخصة ـ مثلاً ـ حكم، والشخص مورده ومحله، وفعله موضوعه. وهو لا يسقط بالإسقاط، ولا ينقل بالنواقل ـ بالبديهة ـ لأنّ أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه.
نعم، الأحكام الخمسة المجعولة على فعل المكلف كلها من قبيل الحكم، كما أنّ الأحكام الوضعية من الطهارة والنجاسة والميراث وغيرها أحكام وضعية شرعية وهذا مما لا شك فيه.
نظرية وحدة الحق والحكم
ذهب المحقّق الخوئي (رحمه الله) إلى وحدة الحق والحكم، وقال في توضيحها: إنّ المجعولات الشرعية على أقسام ستة:
1. التكليف الإلزامي، كالواجبات والمحرمات.
2. التكليف غير الإلزامي، كالمستحبات والمكروهات.
3. الوضعي اللزومي الّذي يقبل الانفساخ، كالبيع والإجارة.
4. الوضعي اللزومي الّذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج فإنه لا ينفسخ إلاّ في موارد.
5. الوضعي الترخيصي الّذي يقبل الإسقاط، كحق الشفعة.
6. الوضعي الترخيصي الّذي لا يقبل الإسقاط، كالجواز في الهبة.
وهذه الأُمور الاعتبارية وإن اختلفت من حيث الآثار ولكنّها تشترك في أنّ قوامها بالاعتبار المحض فلاوجه لتقسيم المجعول الشرعي إلى الحق والحكم .( [334])
ثم إنّه (قدس سره) أكمل ما رامه بالبيان التالي فقال: فاعطف نظرك هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك الّذي يسمّى حكماً شرعياً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الّذي يسمّى حقاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟ ( [335]).
وقال في تقرير آخر:
وممّا يشهد لما ذكرنا من أنّ الحق هو الحكم بعينه أنّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكمي غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجاني قصاصاً. وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع مَنْ له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكمي والثاني حقّي.( [336])
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ كون الحكم والحق قائمين بالاعتبار المحض
لا يكون سبباً لوحدة المعتبَر، وإلاّ يلزم أن تكون الأقسام الستة قسماً
واحداً.
ثانياً: أنّ الحق والحكم وإن كانا من المجعولات الشرعية لكن تختلف كيفية الجعل والاعتبار، فتارة يجعل زمامه بيد الجاعل كجواز قتل الكافر حيث إنّه لا يسقط باسقاط المكلّف ، وأُخرى يجعل زمامه بيد مَنْ ينتفع به على نحو يكون إسقاطه وعدمه بيده ، ومع هذا الفرق الجوهري بين الاعتبارين كيف نجعلهما من مقولة واحدة؟
    
وثالثاً: أنّ الاختلاف في الآثار يدل على اختلاف الموضوع اعتباراً ولحاظاً، فلو كانا من سنخ واحد لكان اللازم هو الوحدة في الآثار.

5
أقسام الحق وأحكامه
إنّ طبيعة الحق تقتضي أن يكون قابلاً للإسقاط، إذ كيف يعدّ حقاً ينتفع به ذو الحق ومع ذلك لا يجوز له الإسقاط؟! والجمع بين الحق وعدم جواز الإسقاط كأنّه جمع بين النقيضين .
ومن البحوث اللازمة التعرّف على أقسام الحق وأحكامه، فإنّه حسب الظاهر من المشهور على أقسام:
1. ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل.
2. ما يقبل النقل الاختياري وما لا يقبل .
3. ما يقبل التوارث وما لا يقبل .
قال السيد الطباطبائي عرّف الحق بقوله: الحق نوع من السلطنة على شيء متعلق بعين كحق التحجير وحق الرهانة، وحق الغرماء في تركة الميّت، أو غيرها كحق الخيار المتعلق بالعقد، أو على شخص كحق القصاص وحق الحضانة وحق القسم، ونحو ذلك. ( [337]) ومع ذلك عدّ من أقسام الحق ما لا يقبل الإسقاط ولا النقل .
اعترض عليه المحقق النائيني بأنّ ما أفاده السيد (قدس سره) في حاشيته على المتن من تقسيم الحقوق أوّلاً إلى ما يقبل الإسقاط وما لا يقبل، لا وجه له، فإنّ كون الشيء حقاً وغير قابل للإسقاط لا يُعقل .( [338])
وسيوافيك القضاء بين العلمين فانتظر، وتحقيق الحق يقتضي الكلام في الأقسام الثلاثة:
    
الأوّل: ما يقبل الإسقاط وعدمه
قد ذكر المحقّقون لما يقبل الإسقاط وما لا يقبل ضوابط ثلاث ندرسها واحدة بعد الأُخرى:
الأُولى: مراجعة الدليل للتعرّف على ما يقبل الإسقاط وعدمه
لمّا ذهب السيد الخوئي (رحمه الله) إلى عدم وجود الفرق الجوهري بين الحق والحكم وانّ كلا الأمرين من سنخ الحكم، اختار عدم ترتب الأثر على التفريق بينهما وتسمية أحدهما حقاً والآخر حكماً بعد كونهما شيئاً واحداً .
وأمّا التفريق بين ما يجوز إسقاطه وبين ما لا يجوز فليس من آثار كون الأوّل حقاً والثاني حكماً لما عرفت من عدم الفرق بين الحق والحكم، فللتعرف على ما يجوز إسقاطه عمّا لا يجوز، على مبناه لابدّ من مراجعة الأدلّة في شأن ذلك الحكم. فإن دلّ على جواز إسقاطه أو عدم جوازه فنتبع الدليل. ومثل ذلك معرفة ما يجوز نقله أو إرثه عمّا لا يجوز، فالمرجع في معرفة كل ذلك لسان الدليل لا كونه حقاً أو كونه حكماً.
هذا وقد عرفت عدم تمامية هذا المبنى وانّ الحق والحكم متميزان بواقعهما فإن كان زمام الأمر بيد المكلف فهو حق، وإن كان بيد الشارع فهو حكم. ومن المعلوم أنّ الحكم الشرعي غير قابل للإسقاط ولا النقل ولا الإرث إلاّ إذا كان هناك دليل.
الثانية: التفريق بين صالح ذي الحق وصالح من عليه الحق
ذكر المحقّق الاصفهاني ضابطة للتفريق بين الأمرين وقال: التحقيق أنّ قبول كل حق للسقوط وعدمه يتبع دليل ذلك الحكم ومناسبة الحكم وموضوعه والمصالح والحِكم المقتضية لذلك الحكم، فمثل حق الولاية للحاكم والوصاية للوصي لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب، وأنّ الوصي لوحظت فيه خصوصية في نظر الموصي فلذا عيّنه للوصاية دون غيره. فإنّ التخصيص بلا مخصص محال من العاقل (الملتفت) وعندئذ فنقله إلى غيره غير معقول لفقد الخصوصية، أو لوجود هذا الاعتبار له بنفسه من دون حاجة إلى النقل، كحاكم آخر مثلاً.
وحيث إنّ هذا الاعتبار لمكان رعاية حال المولّى عليه والموصي لا لرعاية نفس الولي والوصي فلا يناسبه السقوط بالإسقاط.
وهذا بخلاف سائر الحقوق كحق الخيار وحق الشفعة فإنّ مصلحة الإرفاق بالبائع أو بالمشتري أو بهما معاً أوجب لهم اعتبار السلطنة على فسخ البيع وإمضائه رعاية لذي الحق لا لمن عليه الحق فله إسقاطه، وكذا الشفعة فإن تضرر الشريك ببيعه حصة شريكه ممن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل حق التملك من المشتري بالعوض كما في بعض الروايات المتكفلة لحكمة التشريع. فمع تكلفه للضرر (تحمله له) أو لعدم التضرر من باب الاتفاق صحّ له إسقاط حقّه .( [339])
وحاصل هذه الضابطة التفريق بين الحق المجعول لصالح من عليه الحق، والحق المجعول لصالح ذي الحق، فلا يجوز إسقاط الأوّل بخلاف الثاني.
وبذلك تقف على القضاء الصحيح بين العلمين، فالحق مع السيد الطباطبائي اليزدي حيث عرفت تقسيم الحق إلى ما يقبل وما لا يقبل، وأمّا كلام المحقّق النائيني فما ذكره صحيح في القسم الثاني ـ أعني: المجعول لصالح ذي الحق ـ إذ لا معنى لكون شيء حقاً للشخص ومع ذلك لا يصلح للإسقاط. وأمّا القسم الأوّل، فقد عرفت عدم صلاحيته للإسقاط ولا منافاة بينه وبين كونه حقاً، إذا لم يشرع لصالح ذي الحق، بل شرع لصالح من عليه الحق، أعني: المولّى عليه.
هذا ويمكن أن يقال: بأنّ ما شرع لصالح المولّى عليه سواء كان أمراً عاماً كالمجتمع بالنسبة إلى ولاية الحاكم، أو خاصاً كولاية الجد بالنسبة إلى الأولاد، أشبه بالحكم الشرعي وتسميته حقاً إنّما هو بالمعنى اللغوي، وسيأتي تفصيله في الضابطة الثالثة.

 
الثالثة: التفريق بين الحق العام والحق الخاص
وهذه الضابطة مبنيّة على تقسيم الحق إلى حقّ عام، وحق خاصّ. والمراد من الأوّل هو الحق المجعول لصالح المجتمع أو طائفة خاصة منهم، كما أنّ المراد من الثاني هو الحق المجعول لصالح شخص خاص والّذي يعبّر عنه بذي الحق، فالأوّل غير قابل للإسقاط، إذ ليست الغاية من جعله حفظ مصالحه، حتّى يُسقطه، بل الغاية حفظ المصالح العامّة. ولك أن تعبّر عن مثله بالحكم الشرعي الإلزامي، أو الحق العام، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومن هذا القسم (الحق العام) الأُمور التالية:
1. ولاية الحاكم على القُصّر والغُيّب.
2. حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف.
3. حق الوصاية المجعول من الوصي لشخص معيّن على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله ونحو ذلك، ممّا يكون من شؤون ولايته على الأطفال وسلطنته على نفسه أو ماله فيجعله للوصي من بعده. فالجميع لا يصح نقله ولا إسقاطه ولا توارثه.
الحق العام ليس حقّاً اصطلاحياً بل حكم شرعي
إنّ الظاهر أنّ الحق العام من قبيل الحق بالمعنى الأعم، أي ما هو المجعول شرعاً وليس من الحق المصطلح المفسّر بالسلطنة فعدم جواز إسقاطه لأجل كونه حكماً شرعياً، لا لكونه حقاً لكن غير جائز الإسقاط. وإليك تحليل الأمثلة الثلاثة:
1. إنّ معنى مسؤولية الحاكم وجوب قيامه ـ الّذي هو حكم شرعي ـ برعاية مصالح القاصرين والغائبين في أموالهم ومصالح المسلمين في أُمورهم. وبما أنّ الغاية المتوخاة من الولاية لا تتحقق إلاّ بوجوب القبول ممّن عليهم الولاية فيجب على المُولّى عليهم طاعة الحاكم وامتثال أوامره. فهذا النوع من الولاية أشبه بالحكم الشرعي الإلزامي، وفي الوقت نفسه من الحقوق العامة.
2. إنّ حق التولية ليس إلاّ مسؤولية ملقاة على عاتق المتولي في العين الموقوفة، ومعنى مسؤوليته هو وجوب قيامه بأعمال يحافظ بهاعليها من التلف والاندثار، وان تُصرف منافعها فيما وقفت له. ولو عُيّن للمتولي في صيغة الوقف شيئاً من الحقوق المالية فإنّما هو أُجرة مقابل الأعمال الّتي يقوم بها.
وبهذا يكون حكماً شرعياً ومن مقولة الحق بالمعنى العام.
3. حق الوصاية إن أُريد به أنّ للموصي حقاً على الوصي بمعنى أن يتخذه وصيّاً لنفسه، فهذا ليس حقاً بل حكماً شرعياً بمعنى أنّه يجوز له أن يتخذ الغير وصياً.
وإن أُريد به أنّه حق للوصي بمعنى أنّه يجوز له الردّ في حال الحياة وعدمه بعد الموت، فهذا أيضاً يرجع إلى الحكم الشرعي بمعنى أنّه يجوز للوصي القبول والرد معاً في حال الحياة دون الموت. وإن لم يرد فهو حكم شرعي لا لصالح الوصي بل لمصلحة الميت وأولاده.
وبذلك يظهر أنّ الولايات على إطلاقها وشعبها من قبيل الأحكام الشرعية، فلو أُطلق عليه (حق) فهو بالمعنى العام، أي بمعنى ما ثبت شرعاً لا من الحق بالمعنى الأخصّ الّذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط، أو من مقولة السلطنة.
وأمّا الحق الخاص فهو عبارة عمّا يجعله الشارع أو العرف شخصاً ذا حظ ونصيب ينتفع به بنوع من الانتفاع ويصح له رد الحق وإسقاطه، وهذا كحق الشفعة والتحجير والقسم وغيرها، ولو صحّ تعجب المحقق النائيني فإنّما يصح في هذا القسم. إذ فرض كون شيء حقاً مع القول بعدم جواز إسقاطه كأنّه جمع بين المتقابلين.
فإن قلت: إنّ الخمس والزكاة المتعلقين بمال الغير يُعدّان حقاً لأربابهما ومستحقيهما، وهما من الحقوق بالمعنى الأخص حيث ينتفع أربابهما بهما مع أنّه لا يجوز إسقاط هذا الحق عمّن عليه، فكيف يقال أنّ الحق الخاص وعدم جواز الإسقاط أشبه بالجمع بين المتقابلين، فالخمس والزكاة من الحقوق الخاصّة ولا يجوز لصاحب الحق إسقاطهما.
قلت: إنّ الزكاة والخمس من الحقوق الشرعية، وأمّا عدم جواز إسقاطها فلأجل مانع في جانب ذي الحق وهو أنّ الحقوق الشرعية ليست حقاً قائماً بشخص الفقير الّذي يريد الإسقاط وإنّما هو حق للجهة القائمة به وبغيره من المستحقين، ولذلك لا يصحّ له إسقاط الحق، إذ أنّه ليس نائباً ولا وكيلاً عن عامة الفقراء حتّى يصحّ له الإسقاط، قال سبحانه: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( [340]) ، فقوله سبحانه: ( لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ ) إشارة إلى أنّ المالك الحقيقي ـ ولو شأناً ـ هو عنوان الفقر والمسكنة وإلى غير ذلك من العناوين، وليس هو متمثلاً في شخص واحد معيّن حتّى يسقط الحق بإسقاطه.( [341])
الثاني: ما يجوز نقله وعدمه
قد عرفت الضابطة لما يجوز إسقاطه ولما لا يجوز، فيقع الكلام في بيان الضابطة في ما يجوز نقله إلى الغير وما لا يجوز، فنقول: إنّ الضابطة في ذلك هو التعرف على أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الحكم عنوان مقوّم أو عنوان معرّف. فعلى الأوّل لا يجوز نقله وعلى الثاني يجوز .
توضيح ذلك: انّه ربما يستفاد من الأدلة أنّ العنوان المأخوذ في لسان الدليل مقوّم للحكم وعلّة له، وعندئذ لا يجوز نقله إلى الغير، ولنذكر على ذلك أمثلة :
1. حق الشفعة فالذي يمكن أن يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره فلا معنى لنقله إلى غيره بعد ما لم يكن شريكاً له.
2. حق الرهانة فإنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فنقله إلى غيره غير معقول إلاّ بتبع نقل دينه إلى غيره وعندئذ ينقل حق الرهانة أيضاً تبعاً.
3. حق القَسْم فإن نقله من زوجة إلى أُخرى صحيح لاتّصافها بذلك العنوان وصحة استفادتها من الحق، وأمّا إلى إمرأة أُخرى ليست زوجة له، فغير معقول.
كل ذلك يتبع كون العنوان مقوّماً ودخيلاً في الحكم، والحكم دائراً مداره، يوجد بوجوده وينعدم بانعدامه.
وأمّا إذا افترضنا أنّ العنوان معرّف وعنوان مشيرٌ إلى موضوع أعم فيجوز فيه النقل، وهذا كحق التحجير فإنّه ليس فيه شيء من هذه الموانع فيصح نقله إلى غيره في مقابل الثمن.
وحصيلة الكلام: إنّه إذا كان الموضوع هو العلّة التامة للحكم فلا يقبل النقل إلاّ إذا كان مثلها موجوداً في المنقول إليه، وأمّا إذا كان مشيراً إلى ما هو الموضوع، غير مقوم للحكم فيجوز نقله إلى غيره.
الثالث: ما يورث وما لا يورث
ماذكرنا من الضابطة في جواز النقل وعدمه هي نفسها في جواز الإرث وعدمه. فلو كان العنوان مقوّماً فمعناه أنّ الحق قائم بالشخص فلا ينتقل إلى غيره، وهذا كحق القسم فإنّه حق للزوجة بما هي زوجة فإذا ماتت لا يتصور أن يقوم الوارث مقام الزوجة في هذا الحق، ولا تعقل استفادته من هذا الحق. وهذا بخلاف حق التحجير فقد عرفت أنّ العنوان معرّف ومشير فيرثه الوارث كما يرث أمواله وسائر حقوقه.
وحصيلة الكلام : أنّه لابد من ملاحظة دليل كل حق وما يحتف به من القرائن من الوجوه والمصالح والمناسبات .( [342])
فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الميزان في الإسقاط وعدمه كون الحكم موضوعاً لصالح ذي الحق أو لأمر آخر فيجوز إسقاطه في الأوّل دون الثاني.
وأمّا الميزان في كون الشيء قابلاً للنقل أو الإرث فلو كان العنوان مقوّماً فلا ينقل ولا يورث. وأمّا لو كان مشيراً فينقل ويورث .
نعم للسيد الأُستاذ (قدس سره) مناقشات في بعض الأمثلة والظاهر عدم تماميتها فلاحظ . (2)
 
إذا شُك في قبول الحق للإسقاط
إذا شك في كون الشيء قابلاً للإسقاط والنقل وعدمه، نظير: حق الرجوع في العدة، وحق النفقة في الأقارب، وحق الفسخ بالعيوب في النكاح. فله صورتان:
الأُولى: أن يكون منشأ الشك احتمال كونه حكماً، لا حقّاً، فالشك يرجع إلى وجود الموضوع (الحق) وعدمه ومع الشك في الموضوع لا يمكن أن يتمسك بالعمومات كعمومات الصلح والبيع وغيرهما، وذلك لأنّ الشك في الموضوع، إنّما هو بمعنى هل هناك موضوع للعمومات أو لا؟
وعندئذ فالمرجع هو الأُصول العملية ومقتضاها هو عدم سقوطه باسقاط بقائه أخذاً باستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط، وعلى هذا فلو شك في كون شيء حقاً أو حكماً فلا يجوز إسقاطه ولا نقله. نعم لا يثبت باستصحاب بقائه كون المشكوك حكماً، لأنّه بالنسبة إليه أصل مثبت.
الثانية: إذا كان منشأ الشك ـ مع القطع بكونه حقاً ـ احتمال كونه سنخَ حق، له الإباء عن الإسقاط والنقل كحق الولاية الّتي عرفت إباءها عن الإسقاط على القول بكونه حقاً، فذهب المحقّق الاصفهاني إلى جواز التمسك في هذه الصورة بإطلاق دليل الصلح على سقوطه ونقله، أو بعموم أدلة الإرث لانتقاله ( [343]).
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين وأنّ الشك يرجع إلى الشبهة المصداقية في كلا المقامين.
أمّا الأوّل: فقد عرفت وجهه في كلامه.
وأمّا الثاني : فلأنّه خرج ما لا يقبل النقل والإرث عن تحت عمومات الصلح والبيع، فإذا شككنا في جواز نقله وعدمه يرجع الشك إلى أنّ المورد باق تحت العموم إذا كان قابلاً للنقل، أو خارجاً عنه إذا لم يكن قابلاً للنقل، ومعه يكون التمسك بإطلاقات أدلّة الصلح والبيع من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص.
ثم إنّه (قدس سره) التفت إلى هذا الإشكال وأجاب عنه بقوله: إنّ الحق القابل، والحق غير القابل عنوانان انتزاعيان من الحق الداخل تحت  العموم والخارج عنه، لا أنّ العام ( [344]) معنون بعنوان القابل، والمخصص معنون بعنوان غير القابل .( [345])
يلاحظ عليه: إنّ كون القابل وغير القابل من العناوين الانتزاعية لا يصحح التمسك بالعام، وذلك لأنّا نعلم أنّ عدةً من الحقوق داخلة تحت العام، وأنّ قسماً منها خارجٌ عنه وداخلٌ تحت المخصص، ففي هذه الحالة نشك في أنّ هذا الحق هل هو من الحقوق الباقية تحت العام أو الخارجة عنه، وفي مثله لا يجوز التمسك بالعام.
ولو صحّ ما ذكره صحّ التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص في عامة الموارد، مثلاً إذا قال المولى: أكرم العالم، ثم قال: لا تكرم الفاسق من العلماء، وشككنا في حال زيد العالم هل هو فاسق أم لا؟ فيمكن أن يقال: إنّ الفاسق وغير الفاسق عنوانان انتزاعيان من الفرد الداخل تحت العموم والخارج عنه لا أن العام معنون بعنوان غير الفاسق والمخصص معنون بعنوان الفاسق وهو كما ترى.
وبذلك يعلم أنّ تعجب المحقق النائيني من السيد الطباطبائي في غير محله، إذ لا ملازمة بين الحق والإسقاط لما عرفت من أن الملاك هو كون العنوان مقوّماً أو معرّفاً.
كما ظهر عدم تمامية ما اشتهر بينهم، أنّ لكل ذي حق إسقاط حقّه، إذ لم يرد في آية أو رواية أو معقد إجماع معتبر، فليتأمل.
نعم هنا صورة ثالثة لا بأس فيها بالتمسك بالعمومات، وهي ما إذا أُحرزت قابلية الحق للنقل والانتقال عُرفاً وعلم أنّه ليس من سنخ الحقوق الآبية عنها، لكن نشك في وجود المنع التعبدي فيها.
ففي هذه الصورة يجوز التمسك بالعمومات لإثبات صحة النقل بالعقد كالصلح نحو قوله سبحانه: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ( [346]) ، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الصلح جائز بين المسلمين»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «المؤمنون عند شروطهم»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما ترك الميّت من حق فلوارثه»، فلو قام بالنقل أو مات صاحب الحق والحال هذه يحكم بصحة النقل وصحة الانتقال ببركة هذه العمومات، إذا وقع النقل بالعقد أو الصلح أو جعل شرطاً في المعاملة، وما ذلك إلاّ لأنّ قابلية الحق للنقل والانتقال عند العرف، تكون طريقاً صحيحاً إلى كونه كذلك عند الشرع.
ولذلك يصح التمسك بهذه العمومات عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته للبيع وغيره، وذلك لأنّ البيع الصحيح عند العرف طريق إلى البيع الصحيح عند الشرع، فإذا حكم العرف بكونه مصداقاً للبيع، يُحرز به كونه مصداقاً له عند الشرع فيشمله قوله: ( أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) (2) ، ونظيره المقام فإذا كان الحق قابلاً للنقل والانتقال عند العرف نستكشف به كونه كذلك عند الشرع فتشمله العمومات.
فإن قلت: إنّ التمسك بالعمومات عند الشك في المنع التعبدي أشبه بالتمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، فإذا ورد: أكرم العلماء، وخُصِّص بقوله: لا تكرم العالم الفاسق، وشك في فسق عالم وعدالته لا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وهكذا المقام إذ نعلم وجود المنع التعبدي من النقل في بعض الحقوق يكون المورد شبهة مصداقية للمخصص.
قلت: ما ذكرت إنّما يصح إذا لم يكن هناك طريقٌ إلى معرفة الحق القابل للانتقال عند الشرع عمّا لا يقبل، وأمّا مع وجود الطريق، أعني: كونه قابلاً لهما عندالعرف نستكشف أنّه فرد باق تحت العام وليس من مصاديق المخصص.
تنبيه
ربّما عُدّت الأُمور التالية من الحقوق الخاصّة، أعني:
1. حق الأُبوّة.
2. حق الاستمتاع بالزوجة.
3. حق الجار على جاره.
4. حق المؤمن على أخيه.
والظاهر أنّ الأُمور المذكورة من أقسام الحكم الشرعي وليست من الحقوق، وإليك دراستها.
أما الأوّل ـ أعني: حق الأُبوة ـ : فالظاهر أنّه يرجع إلى وجوب الطاعة
أو حرمة العقوق وسخط الأبوين، فهو حكم شرعي إلزامي على الولد
بالنسبة إلى والديه ثبت ـ بدليل خاص ـ احتراماً لهما وجزاءً على إحسانهما إليه.
فلو وجبت على الولد الطاعة وجب على الوالد الإحسان إلى أولاده الصغار، فيجوز له التصرف في ماله إذا كان فيه مصلحة للولد.
وفي إزاء الخدمات الّتي يقدمها الوالد إلى الولد أجاز الشارع للولي أن يأكل من مال ولده من غير إسراف.
روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لرجل: «أنت ومالك لأبيك»، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) : «ما أُحب أن يأخذ من مال ابنه إلاّ ما احتاج إليه ممّا لابد منه، إنّ الله لا يحب الفساد».( [347])
فالجميع في جانب الولد والوالد حكم شرعي وإن كان يتراءى أنّه من أقسام الحقوق، ولا بأس بتسميته بالحق بالمعنى العام لا الحق بالمعنى الخاص الّذي وقفت على معناه.
وأمّا الثاني ـ أعني: حق الاستمتاع بالزوجة: ـ فهو أيضاً حكم شرعي على الزوجة أن لا تمتنع عند إرادة الزوج لها إذا كان الزوج قائماً بحقوقها.
وأمّا الثالث والرابع ـ أعني: حق الجار على جاره، وحق المؤمن على أخيه ـ : فكلها من الأحكام وليست من الحقوق بمعنى الملك الضعيف، وأمّا ما ورد في الروايات من وجوب الاستحلال إذا اغتاب مؤمناً فإنّما هو لأجل المحافظة على مقام الأُخوّة، لا لثبوت حق مملوك له عليه.

 
في الحقوق المستحدثة
1. حق الاختراع
شاع في أيامنا هذه حقٌ يسمّى بحق الابتكار أو الاختراع، وهذا ما أحدثه التقدم الصناعي في عصرنا الحاضر.
وحاصله: أنّه يقوم أحد الباحثين باختراع جهاز أو آلة أو تأليف كتاب، يبذل في سبيل ذلك جهوداً مادية ومعنوية مضنية، وبذلك يقدّم شيئاً ينتفع به المجتمع انتفاعاً بالغاً، لم يكن له مثيل في السابق.
ثم إنّ هذا العمل يسجّل في سجّل الاختراعات والابتكارات باسمه، ويمنع الآخرين من تقليده، وانتاج مثله أو طبعه ونشره على نفس النسخة أو بنضد وترتيب آخر .
وهذا النوع من الابتكار قد اعترف به علماء الحقوق في الغرب والشرق، والغاية من الاعتراف بهذا الحق وإقراره هو تشجيع المؤلفين والمخترعين والمبتكرين للاستمرار بعملهم وتأليفهم، لطمأنتهم بأنّه لا يتمكن أحدٌ لاقتباس عملهم وإنّما تكون الفائدة منحصرة بصاحب الابتكار.
إنّما الكلام في مشروعية ذلك في الفقه الإسلامي، ويمكن التطرق إلى ذلك بالوجهين التاليين :
 
الأوّل: كون هذا الحق ارتكازياً
لا شك أنّ من قرأ حياة المخترعين والمبتكرين وشاهد جهود المؤلفين في أنّهم ربّما يوصلون ليلهم بنهارهم في طريق ما ينشدونه من العمل وربّما لا يعرفون الأكل والشرب إلاّ القليل الّذي يمدّ حياتهم، فعند ذلك يحكم بأنّ لهم حقاً في منع الغير عن اقتباسه وتقليده وصنع مثله. وهذا النوع من الحق أمر عرفي لم يردع عنه الشارع.
فإن قلت: الحقوق الّتي لم يردع عنها الشارع عبارة عن الحقوق الّتي كانت موجودة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، فإذا لم يُردع عنها يُحكم بمشروعيتها.
وأمّا هذا النوع من الحق فقد مرّ أنّه وليد التقدم الصناعي الّذي مكن التجار والعمال من استغلال جهود السابقين بسبب الأجهزة والآلات الّتي اخترعت حديثاً، فعدم الردع أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
قلت: إنّ المصداق وإن كان حديثاً غير موجود في عصر الرسالة، لكن الكبرى الكلية المرتكزة ليست أمراً حديثاً، وهو أنّ المرتكز في ذهن كل إنسان أنّه إذا حاز شيئاً أو حفر بئراً أو غرس شجراً أو أحيا أرضاً فالجهود المبذولة في طريق ذلك لا تذهب سدى بل تثمر وتكون نتائجها له، وهذا أمر ارتكازي لم يردع عنه الشارع، ولذلك نرى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال لعبدالله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ» .( [348])
فعندئذ نقول: ما هو الفرق بين جني الثمرة من البستان أو إحياء الأرض، وبين بذل الجهود المضنية لابتكار جهاز للنسخ والطبع أو تأليف كتاب كرس مؤلفه عمره في جمعه وتصنيفه؟ فالعرف يتلقّى الكل من نسيج واحد.
وبذلك يعلم أنّ الحقوق الاجتماعية أو الفردية الحادثة في الأعصار الأخيرة إذا اعترف بها العقلاء في عيشهم وحياتهم فهو أمر ماض عند الشرع، لما عرفت من أنّ الاعتراف بالحقوق ليس أمراً تعبدياً بل ارتكازياً له جذور في فطرة الإنسان، ومعه لا فرق بين الحق الحديث أو القديم.
والّذي يدلك على عدم الفرق هو أنّ الفقهاء سوّوا في تملك ما حازه الصياد بواسطة الأسباب القديمة كشبكة الصيد الصغيرة وبين آلات الصيد الحديثة كالسفن الكبيرة الّتي تخترق البحار والمحيطات وتنشر شباك صيدها الواسعة والمتطورة وتصطاد السمك من هنا وهناك.
كما لم يفرقوا في إحياء الأرض بين أداة قديمة كالمعول والمسحاة وبين إحيائها بالجرافة وسائر المكائن الزراعية الحديثة.

 
الثاني: كون الاقتباس ظلماً
لاشك أنّ الظلم قبيح عقلاً وحرام شرعاً، وحقيقة الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين وأموالهم وأعراضهم وكل ما يمت لهم بصلة. وقد اعترفت العدلية بالتحسين والتقبيح العقليين، ومن أوضح أمثلتهما قبح الظلم وحسن العدل اللّذين لا يشك أحدٌ من أصحاب الفطرة السليمة في قبح الأوّل وحسن الآخر. هذه هي الكبرى الّتي أصفق العدليون على هذا الحكم فيهما.
نعم أنكرت الأشاعرةُ قسم العقليينَ منهما ولكنّهم اعترفوا بالشرعيين. وأنّ الشارع قبّح الظلم وحسّن العدل.
وعلى كلّ تقدير فلا كلام في الكبرى، وإنّما المهم في الصغرى فنقول: إنّ تشخيص المصاديق بيد العرف دائماً أو غالباً. ولا شك أنّ تسويغ الآخرين حق الاقتباس والتقليد لعمل المبتكرين والمخترعين والمؤلفين بلا إذن منهم يُعدّ ظلماً لحقهم وتضييعاً لجهودهم .
فنفترض أنّ أحد دور النشر أعطت مبلغاً كبيراً لأحد الخطاطين لكتابة المصحف الكريم ثم استخدم أصحاب الاختصاص في ضبط إعرابه وحركاته، وعلامات الوقف إلى غير ذلك، ثم عُقدت اتفاقية مع أصحاب المطابع لطبعه وتجليده وعرضه إلى السوق، فمنذ أن ظهرت عدة نسخ منه بادر أحد الانتهازيين لتصويره وطبعه ونشره بقيمة أرخص منها أو بمثلها. فلا شك أنّ من له طبع سليم يقبّح عمل الثاني ويؤنبه ويصفه بالتعدي والعدوان على حقوق الآخرين.
وكان سيدنا الأُستاذ في بعض بحوثه لا يعترف بهذا الحق، وقد بقي على هذا الرأي إلى أُخريات حياته (قدس سره) .
2. حق السرقفلية
شاع في زماننا حق باسم «السرقفلية» وحقيقته أنّه إذا استأجر رجل حانوتاً أو محلاً للتجارة وانتهت مدة الإجارة، فلو حاول المالك إخراجه فالمستأجر يطالب بالسرقفلية وانّه لايترك المحل إلاّ بأخذ مبلغ خاص يتفاوت باختلاف الأماكن.
أو يؤجره المحل من مستأجر آخر ويأخذ منه ذلك المبلغ إمّا بإذن المالك أو بلا إذنه، والقانون الوضعي نطق بأنّه لا يتركه إلى الغير إلاّ بإذن المالك.
وعلى كل تقدير فقد صار هذا الحق أمراً دارجاً أكب عليه عامة المستأجرين من متدينيهم وغيرهم.
فهل أنّ هذا الحق له مبدأ شرعي أو لا؟
إنّ مقتضى القواعد أنّه إذا انتهت مدة الإجارة فعلى المستأجر ترك ما استأجره بلا طلب عوض. إنّما الكلام في إمكانية تصوير نوع حق للمستأجر عند تركه للمحل أو دفعه إلى شخص آخر ؟
يمكن القول بوجود حق للمستأجر في صور خمس هي:
الأُولى: لو اشترط المستأجر على صاحب الدار في ضمن عقد الإجارة بأنّه لا يترك هذا الحانوت إلاّ إذا أخذ من المالك ما هو المرسوم في تسليم هذه المحلات، سواء دفع هو مبلغاً للمالك باسم السرقفلية أم لا .
الثانية: تلك الصورة ولكن دفع إلى المالك مبلغاً باسم السرقفلية وبالتالي تملك ذلك الحق، فيجوز له ان لا يترك المحل إلاّ بعد أخذ ما هو المرسوم في تسليمه .
الثالثة: إذا اشترط على المؤجر في ضمن عقد الاجازة بأنّ له حق ايجار المحل من شخص آخر عند انتهاء الإجارة ثم إنّه يؤجره منه ويشترط عليه ان يعطيه مبلغاً إضافة إلى الأُجرة الّتي يدفعها إلى المالك.
الرابعة: يشترط على المالك إيجاره للغير قبل انتهاء مدة الإجارة ثم إنّه يؤجره من شخص آخر بنفس المبلغ ولكن يشترط على المستأجر الثاني دفع مبلغ عند الإيجار، مقابل فسخ المدة المتبقية من وقت الإجارة.
الخامسة: لو كان الخان أو الحانوت غير معروف بين الناس إلاّ أن المستأجر بذل جهوداً حتّى عرفه الناس إلى حدّ أصبح يتقاطرون عليه في عامّة الأوقات بحيث خرج المحل عن كونه غير معروف وصار محلاً مرغوباً، فعندما تنتهي الإجارة فللمستأجر أن يطلب من المؤجر حقاً مقابل القيمة الإضافية الّتي أوجدها المستأجر في هذا المكان على وجه لو حلّ شخصٌ آخر محله لانتفع من جهوده السابقة بعدما لم يكن لهذا المحل تلك السمعة، وهذا يُعدّ حقاً اقتصادياً عقلائياً فله أن يطلب عليه مبلغاً في مقابل ما اكتسبه من قيمة إضافية، لا بعنوان السرقفلية.
وبأحد هذه الوجوه يمكن تصحيح السرقفلية الرائجة في أعصارنا هذه.
 
6
العقد والعهد
من الألفاظ الرائجة في لسان الفقهاء لفضتي العقد والعهد، انطلاقاً من قوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ) ( [349]) .
وقوله سبحانه: ( وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ ) (2) .
فلذلك نستوضح معنى العهد والعقد في اللغة أوًلاً، والكتاب ثانياً، ومصطلح الفقهاء ثالثاً.
العقد نقيض الحلّ
العقد في اللغة نقيض الحلّ، وقد ذاع وشاع قولهم: أهل الحل والعقد. وفي اللسان: العقد نقيض الحَلّ، وقالوا للرجل إذا لم يكن عنده غناء: فلان لا يعقد الحبل، أي أنّه يعجز عن هذا على هوانه وخفته، والعُقد جمع عقدة .( [350])وتفسيره بالشدّ غير صحيح لأنّه عبارة عن توثيق العقد يقال: شدّ العقدة قوّاها وأوثقها. ( [351])
وأمّا قوله سبحانه: ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ ) ( [352]) فتعقيد الايمان مقابل للغوها كما يقول «لا والله وبلى والله»( [353]) بلا التزام. وهذا ما لا يجب حفظه بخلاف ما لو عقدّ الايمان. والجملة كناية عن المبالغة في العقد الّذي يناسب معنى الشد، فلو صحّ تفسير العقد بالشد فإنّما يصحّ في المضاعف لا مطلقاً .
العقد في الكتاب
اختلفت كلمتهم فيما هو المراد منه في الآية المباركة، فقد ذكر الطبرسي أقوالاً:
أ. المراد بها العهود الّتي كان أهل الجاهلية قد عاهد بعضهم بعضاً فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على مَنْ حاول ظلمهم أو بغاهم سوءاً.
ب. العقود الّتي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به وطاعته في ما أحل لهم (الطيبات) أو حرّم عليهم (الخبائث)، (كلاهما مرويان عن ابن عباس).
ج. العقود الّتي يتعاهدها الناس بينهم ويأخذها المرء على نفسه كعقد النكاح والبيع (نقله عن ابن زيد).
د. أنّ ذلك أمر من الله لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به من عند الله سبحانه.
ثم قال: وأقوى هذه الأقوال قول ابن عباس (القول الثاني): إنّ المراد بها عقود الله الّتي أوجبها على العباد بالحلال والحرام والفرائض والحدود.
ثم قال: ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأُخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك.( [354])
يلاحظ على بعض هذه الأقوال:
أمّا على الأوّل: فلأنّه لا وجه لتخصيص العقود الّتي عقدها المسلمون في عصر الجاهلية.
كما يلاحظ على الرابع بأنّه خلاف ظاهر الآية، لأنّ الخطاب للمؤمنين لا لأهل الكتاب.
فبقي القولان: الثاني الّذي هو أعم من الثالث، فقد رجّح الطبرسي الثاني على الثالث وجعله أقوى الأقوال لسعة مفهومه ومضمونه.
ولكن يمكن أن يقال بِرجحان القول الثالث على الثاني، بوجهين:
1. أن اللام في قوله ( بِالْعُقُودِ ) عوض عن المضاف إليه كأنّه قال: «أوفوا بعقودكم» فيختص بالعقود الّتي يعقدها المؤمنون بعضهم مع بعض كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه: ( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ) ( [355]) .
وقوله: ( وَ لاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) ( [356]) .
2. استدلال الفقهاء عبر القرون بالآية على لزوم الوفاء بالعقود الدارجة بين الناس كالنكاح والبيع والاجارة، فالاستدلال بالآية على العقود الّتي يعقدها الناس بعضهم مع بعض أوفق بمضمون الآية.
العقد في مصطلح الفقهاء
وقد عُرّف العقد ببعض التعاريف نذكر منها:
1. قال المحقّق الاصفهاني: العقد في اصطلاح الفقهاء ارتباط أحد القرارين بالآخر من الموجب والقابل .( [357])
2. وعرّفه السيد الخوئي بقوله: شدّ أحد الالتزامين وعقده بالآخر.
يلاحظ عليهما أوّلاً: بأنّهما يشملان القسم الصحيح والفاسد، ولا يختصان بالصحيح، كما أنّ الأولى تبديل «الشدّ» بالوصل لما مرّ...
ولو أنّهما أضافا إلى هذين التعريفين جملة «على وجه مؤثر» لاختص التعريف بالصحيح ولا يعم الفاسد.
ولذلك عرفه بعضهم بالنحو التالي:
ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله .( [358])
ثانياً: أنّ التعريف الثاني يعرف العقد بارتباط أحد القرارين بالآخر ولم يشر إلى السبب الّذي يربط بينهما. فلو أُضيفت إلى التعريف جملة «بالإيجاب والقبول» ونحوها من الأسباب الفعلية لكان التعريف أوضح وأتم.
ثم إنّ المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضحة جداً لما قلنا من أنّ العقد في اللغة هو نقيض الحلّ، فإذا حصل ربط بين الحبلين يقال عقدهما، ويقال: عَقَد الخيط جعل فيه عقدة. وكأنّ الإيجاب والقبول بمنزلة حبلين منفصلين فيتصلان بالعقدة التي يعبر عنها في اللغة الفارسية بـ «گره». غير أنّ العقد بين الحبلين تكويني وخارجي ولكنّه بين الإيجاب والقبول اعتباري .
وبذلك يظهر أنّ تفسير العقد بالعهد أو بالشدّ تفسير غير صحيح، والعقد غير العهد كما سيوافيك بيانه، كما أنّ «الشدّ» وصف للعقد فإنّ العقد تارة يكون ضعيفاً وتارة يكون شديداً .
هذا كله حول العقد، وبما أنّ العقد ربّما يفسر بالعهد نذكر شيئاً حوله .
تفسير العهد
الظاهر أنّ العهد غير العقد، إذ الأوّل عبارة عن جعل شيء في الذمة وتقبله، سواء أكان الجاعل هو نفس المتعهد كما في النذر، مثل قوله: عاهدت الله أن أفعل كذا، قال سبحانه: ( وَ مِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ) ( [359]) ; أو كان الجعل من غيره كما في قوله تعالى: ( وعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ) ( [360]) .
فإذن العقد غير العهد، نعم ربّما يستعار العقد للالتزام والعهد لأجل الأثر الموجود في العقد، أعني: الإبرام وعدم الانفصال، فما ربّما يقال من أنّ العقد هو العهد أو العهد المشدد، ناشئٌ من خلط المعنى اللغوي بالمعنى الاستعاري المجازي .
تقسيم العقد إلى إذني وعهدي
قسم المحقّق النائيني (رحمه الله) العقد إلى قسمين أسماهما بالإذني والعهدي، فقال: أمّا العقود الإذنية فتسمى عقوداً لأنّها ترتبط بشخصين لا أنّ فيها عهداً وعقداً، فقوله عزّ من قائل: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) لا يشمل هذه العقود، لخروجها عنه تخصّصاً.
وبالجملة ما كان قوامه بالإذن ومجرد رضا ولي الأمر ومالكه لا
يكون فيه عهدٌ والتزام، وهذه كالوديعة والعارية بناء على أن يكون مفادها الإباحة المجانية .
ثم قال: قد يكون العقد مركباً من عهدي وإذني باعتبار مدلوله المطابقي والالتزامي كالإجارة فإنّها تدخل من جهة تمليك المنفعة بالعوض في العهدية، ومن جهة تصرف المستأجر في العين في باب الأمانات المالكية الّتي ترجع جميع العقود الإذنية إليها.( [361])
يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من أنّ اعتبار العقد غير اعتبار العهد، والعقد ربط قرار بقرار آخر، وأمّا العهد فهو جعل شيء في الذمة وتقبله سواء كان الجاعل نفس المتعهد أو غيره، فتقسيم العقد إلى إذني وعهدي تقسيم غير تامّ، إذ ليس في العقد شيء من العهد، نعم ربّما يمكن استعارة العقد للعهد، بجامع أن كلا الأمرين فيهما شدّ لا ينفصم بسهولة.
نعم روى العياشي في تفسيره عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبدالله  (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) قال: «العهود».( [362])فعلى هذا يختص العقد بالعهد.
ولكن الرواية ضعيفة بالإرسال، حيث حذف مستنسخ تفسير العياشي سند عامة رواياته إلى الراوي، فلايحتج به، ولو صحّ تفسير العقود بالعهود يلزم سدّ باب الاستدلال بالآية في أبواب المعاملات، وهو على خلاف المشهور بين الفقهاء.
وثانياً: أنّ العقد كما عرفت عبارة عن وصل الحبلين أحدهما بالآخر واستعير لربط أحد القرارين بالقرار الآخر. وبما أنّ العقود الاذنية يكفي فيها العلم بالإذن بالتصرف فليس هناك قرار موصول بقرار آخر إلاّ إذا كان هناك إيجاب وقبول فيصدق عندئذ العقد.
وثالثاً: أنّ تسمية الإجارة بالعقد المركب من العهد باعتبار تمليك المنفعة، ومن الإذن باعتبار كون العين أمانة مالكية، تحليل غير تام، لما حقّق في محله أنّ الإجارة ليست من قبيل تمليك المنفعة، بشهادة أنّه لا يقال: ملّكت منفعة الدار، بل هي عبارة عن تسليم العين للمستأجر في مقابل الأُجرة مدة معينة لغاية الانتفاع بمنافعها، سواء انتفع أم لا، فكون العين أمانة مالكية للانتفاع، لازم تسليم العين لغاية الانتفاع، فليس جزءاً لمدلول العقد.

[314] . الأسفار: 4 / 223، وقد أراد من (الملك) الملكية، لا ذات الشيء.
[315] . المتاجر: 79، ط. تبريز .
[316] . تعليقة السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي على المتاجر: 58 .
[317] . الأسفار: 4 / 223 .
[318] . شرح المنظومة: 42 .
[319] . تعليقة المحقّق الاصفهاني على المتاجر: 5 ـ 6 .
[320] . نفس المصدر .
[321] . راجع الجزء الثاني من « أُصول الفلسفة » .
[322] . نهج البلاغة: الخطبة 232 .
[323] . الوسائل: 6 ، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
[324] . الحج: 62 .
[325] . منية الطالب: 1 / 41 .
[326] . المناقشة والإجابة للمحقّق الاصفهاني لكن بتوضيح منا. لاحظ التعليقة على المتاجر : 10، ولا يخلو كلامه من تعقيد.
[327] . الإسراء: 33 .
[328] . المتاجر: 79.
[329] . كتاب البيع للسيد الأُستاذ (قدس سره) : 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منّا.
[330] . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 10 ـ 11 .
[331] . سيوافيك الكلام في هذه الموارد في نهاية الفرع الرابع.
[332] . فقه العقود: 1 / 121 .
[333] . كتاب البيع: 1 / 40 ـ 43، بتلخيص منا.
[334] . مصباح الفقاهة: 2 / 54.
[335] . مصباح الفقاهة: 2 / 46 .
[336] . المحاضرات: 2 / 21 .
[337] . تعليقة الطباطبائي في المتاجر: 1 / 55 .
[338] . منية الطالب: 1 / 42 .
[339] . تعليقة المحقق الاصفهاني على المتاجر: 12.
[340] . التوبة: 60 .
[341] . واعلم انّه اختلفت آراء الفقهاء في كيفية تعلق الزكاة و الخمس بالمال، وربما ناهز عدد هذه الآراء العشرة. والمختار عندنا أنّ فريضة الزكاة متعلقة بالعين لا بالذمة ولكن تعلقها بها ليس بنحو الملك الفعلي في العين، لا بنحو الشركة  الحقيقية الّتي يعبّر عنها بالإشاعة ولا بنحو الكلي في المعيّن وإنّما  هو حقّ مالي معيّن فرضه الله تعالى على المالك متعلق بما له المعيّن، فهوحقّ متعلق بماليّة النصاب لا ملكاً للمستحق في العين ـ لا بنحو الإشاعة ولا بنحو الكلّي في المعيّن ـ ولذلك فهو مخيّر بين أدائه من نفس المال أو من ماله الآخر. وبالتالي هو ملك للمستحق لكن شأناً لا فعلاً. وإن أردنا أن نمثل له بمثال نستطيع أن نقول: إنّ تعلق الخمس والزكاة بالنصاب أشبه بإرث الزوجة من الأبنية والنخيل والأشجار فإنّه حق متعلق بماليتها، ولذلك يجب على الوارث دفع القيمة للزوجة، نعم لو أمكن دفعها من العين كما في الأشجار والنخيل جاز. نعم فرق بين تعلق الزكاة والخمس بالنصاب وتعلق إرث الزوجة بغير الأرض وهو أنّ الزوجة مالكة بالفعل بالنسبة إلى الأعيان، لأنّ إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي فيكون إرثها من غير المنقول كذلك، وأمّا الزكاة والخمس فليسا ملكاً فعلياً بل ملكاً شأنياً.
[342] . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 12 .            2 . كتاب البيع: 1 / 48 .
[343] . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .
[344] . في المصدر: (لأن العام) والصحيح ما أثبتناه.
[345] . تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 12 .
[346] . المائدة: 1 .     2 . البقرة: 275 .
[347] . الوسائل: 12، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2 .
[348] . نهج البلاغة: الخطبة 232 .
[349] . المائدة: 1 .     2 . الإسراء: 34 .
[350] . لسان العرب: 2 / 296، مادة « عقد » .
[351] . لاحظ المنجد: مادة « شدّ » .
[352] . المائدة: 89 .
[353] . تفسير جوامع الجامع للطبرسي: 1 / 528 .
[354] . مجمع البيان: 2 / 151 ـ 152 .
[355] . البقرة: 237 .
[356] . البقرة: 235 .
[357] . تعليقة الطباطبائي على المتاجر: 35.
[358] . الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: 1 / الفقرة 132 .
[359] . التوبة: 75 .
[360] . البقرة: 125 .
[361] . منية الطالب: 1 / 33، طبعة النجف الأشرف.
[362] . تفسير العياشي: 1 / 289 .
[363] . المتاجر: 102.
[364] . بلغة الفقيه:1/ 68.
[365] . الوسائل: 5، الباب30 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1و 3و 4.
[366] . الدّرك: اللحاق والتبعة، يقال: « ما لحقك من دَرَك فعليَّ خَلاصُه » . المنجد.
[367] . المتاجر: 102.
[368] . المتاجر: 102.
[369] . القمر: 34.     2 . آل عمران: 123.
[370] . الوسائل: 8 ، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث 12.
[371] . الوسائل: 18، الباب40 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1.
[372] . جامع أحاديث الشيعة:18/530، وسيوافيك سائر مصادره.
[373] . المبسوط:2/ 149.
[374] . المبسوط:3/65 .
[375] . المتاجر: 103.
[376] . مصباح الفقاهة:2/350، بتلخيص وتوضيح منّا.
[377] . المتاجر: 101.      2 . فطحي ثقة.
[378] . الوسائل: 14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 4.
[379] . نفس المصدر: الحديث 3.
[380] . المتاجر: 101.
[381] . (كذا في النسخة والظاهر على المالك) تعليقة الإصفهاني:1/ 75. ولعلّه تبع في التعبير خبر زرارة الآتي.
[382] . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/ 93.
[383] . أقول: رواه في الكافي بالسند التالي: عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. الكافي:5/216برقم 13. ورواه في التهذيب بالسند التالي: أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه الفرّاء عن حريز عن زرارة. التهذيب7/64برقم 276. والظاهر أنّ مراده من أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ أخذ الرواية من كتابه. ولذلك حذف قول الكليني « عدّة من أصحابنا » فالسندان متحدان ومعتبران. وأبو عبد اللّه الفراء من مشايخ ابن أبي عمير فيكون ثقة، ولذا قلنا: كالصحيح. وبذلك يظهر أنّ صدر السند المذكور للرواية في الوسائل لا ينطبق على المصدرين.
[384] . الوسائل:14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.
[385] . وربما يتصور أنّ الصحيح صاحبها ولكن فسّره العلاّمة المجلسي في شرح التهذيب بقوله: أي ادّعى انّها ابنته حرّة الأصل أو اشترى ابنته وعتقت عليه.
[386] . نفس المصدر، الحديث 4.
[387] . الوسائل: 18 ، الباب2 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
[388] . سنن البيهقي:6/90، باب العارية مضمونة.
[389] . سنن الترمذي:3/566، الباب39  ، باب ما جاء في أنّ العارية مؤداة.
[390] . سنن أبي داود، باب في تضمين العارية ، الحديث رقم 3561.
[391] . تاريخ الإسلام، الجزء الخاص بحوادث عهد معاوية، ص 231، وجدنا العبارة « يثنيان » و هو تصحيف، والصحيح ما ذكرناه،  بقرينة ما سيمّر  عليك ممّا أورده الطبري في تاريخه. وما ذكره نفس الذهبي.
[392] . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. ومعنى ذلك ان سمرة آخر من مات منهم.
[393] . سير أعلام النبلاء:3/183ـ 185. قوله: بقعة نشفت من الدم: شربت الدم، يقال: نشف الثوبُ العرقَ: شرَبه.
[394] . أُسد الغابة:2/ 354.
[395] . تاريخ الطبري:3/ 176.
[396] .  البقرة:204ـ 205.
[397] . البقرة: 207.    2 . شرح نهج البلاغة:4/ 73.
[398] . الخلاف:3/407، المسألة 20.
[399] . ولاحظ أيضاً المسألة 22 من كتاب الغصب.
[400] . المتاجر: 101.
[401] . المائدة: 38.     3 . يس: 83.
[402] . المتاجر: 103.      2 . تعليقة المحقّق الخراساني: 18.
[403] . المبسوط:2/ 302.
[404] . شرائع الإسلام:2/ 240.
[405] . المتاجر: 103.
[406] . مصباح الفقاهة:2/ 353.
[407] . الأعراف: 28.
[408] . الأنفال: 60.
[409] . منية الطالب:1/ 116.
[410] .  قواعد الأحكام: 2 / 137 .
[411] . النساء: 5.
[412] .  المتاجر: 104.
[413] . منية الطالب:1/ 122.
[414] .  المتاجر: 104.
[415] . الوسائل:13، الباب1 من كتاب العارية، الحديث 6و 10.
[416] . نفس المصدر، الحديث 10 .
[417] . الوسائل:13، الباب 28 من أبواب الإجارة، الحديث 1.
[418] . واقعاً وظاهراً في المستأجر العالم بالفساد، وواقعاً وحده في المستأجر الجاهل به.
[419] . لفساد العقد.     2 . جامع المقاصد:6/ 216.
[420] . مجمع الفائدة:10/ 50.
[421] . المتاجر: 103.
[422] . المتاجر: 103.
[423] . الوسائل:9، الباب36 من أبواب كفارات الصيد، الحديث 3.
[424] . نفس المصدر: ذيل الحديث 3.
[425] . شرائع الإسلام: 4 / 172 .
[426] . من افاضات الأُستاذ السيد الكوهكمري، كما في مذكراتي.
[427] . سيأتي من الشيخ الأنصاري في الأمر الثالث من الأُمور المترتبة على المقبوض بالعقد الفاسد، البحث عن المنافع المستوفاة وغيرها، والغرض هنا في جواب النقض  هو تصوير انّ المنافع في البيع الصحيح مضمونة، فلا نقض لاتحاد حكم الصحيح والفاسد في الضمان وامّا بيان حكم المنافع في البيع الفاسد، فهو موكول إلى ذلك الأمر: فتدبر حتّى لا يتصور انّ البحث مستدرك.
[428] . المتاجر: 103.
[429] . تعليقة السيد الطباطبائي: 95.
[430] . المتاجر: 103.      2 . الشرائع:2/ 51.
[431] . الجواهر:22/259، بتصرف في اللفظ.
[432] . كان الأمر الأوّل هو ضمان المقبوض وعدمه.
[433] . المتاجر: 104.
[434] . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث7، نقلاً عن كتاب « كمال الدين » للشيخ الصدوق.
[435] .  تعليقة السيد الطباطبائي: 95.     2 . مصباح الفقاهة:2/ 370.
[436] . تعليقة السيد الطباطبائي: 95. 2 . كتاب البيع:1/ 458.
[437] . فيما إذا كان البائع جاهلاً بالفساد وإلاّ فقد مرّ جواز التصرف في المبيع ومعه لا يجب الردّ.
[438] . مرّ مصدره وما ذكره الشيخ لا يتفق مع ما في المصدر.
[439] . الوسائل 19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث3; الكافي:7/ 273.
[440] . المتاجر: 104.
[441] . تعليقة المحقّق الخراساني: 19.    2 . تعليقة المحقّق الخراساني: 19.
[442] . منية الطالب: 131.
[443] . تعليقة المحقّق الإصفهاني: 86.
[444] . الوسائل:17، الباب15 من أبواب اللقطة، الحديث 1. قوله « مستوي الجناحين » : أي غير مقطوعهما فان القطع دليل على سبق الملكيّة فيجب التعريف .
[445] . الوسائل:3، الباب3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1.
[446] . الوسائل:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.  
[447] . تلاحظ: البقرة: 283، والنساء: 58.
[448] . السرائر:2/ 285.
[449] . الوسيلة:255، كتاب البيع.
[450] . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث 9.
[451] .  مصباح الفقاهة:2/ 324.
[452] . الوسائل:19 ، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
[453] .  مصباح الفقاهة:2/385ـ 386.
[454] . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب الرهن، الحديث 2.
[455] .  مسند أحمد:6/ 249.
[456] . السنن الكبرى للبيهقي:5/322، كتاب البيع.
[457] . المغني:5/400; المبسوط للسرخسي:11/54ـ 57.
[458] . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الإجارة، الحديث 1. وهي صحيحة أبي ولاّد الحناط الّتي تاتي في الأمر السابع من هذا الفصل.
[459] . الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث 1.
[460] .  الوسائل:12، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث3، والجزء 13 ، الباب5 من أبواب الرهن، الحديث 6.
[461] . مصباح الفقاهة:2/387ـ 388.
[462] . المتاجر:104ـ 105.