قائمة المواضيع :
ولاية الأب والجدّ على البكر الرشيدة
هذه المسألة كما قال الشهيد في المسالك من المهمّات والإفتاء فيها من المشكلات لأجل اختلاف الروايات واضطرابها.
لا شكّ في ثبوت الولاية على الأُنثى إن كانت صغيرة، أو كبيرة غير رشيدة، كما أنّه لاشكّ في سقوطها عن الثيّب الرشيدة، إلاّ ما شذّ عن الحسن بن أبي عقيل، من بقاء الولاية وهو قول شاذ.
إنّما الاختلاف في البكر الرشيدة، فأقوال الأصحاب فيها مضطربة.
قال الشيخ في «الخلاف»: البكر إذا كانت كبيرة، فالظاهر من الروايات، أنّ للأب والجدّ أن يجبراها على النكاح ويستحبّ لهما أن يستأذناها، وإذنها صماتها فإن لم تفعل فلاحاجة بهما إليه وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق وقال قوم من أصحابنا: ليس لوليها إجبارها على النكاح كالثيّب الكبيرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي والثوري، فاعتبر أبو حنيفة الصغر والكبر وفرّق بينهما، واعتبر الشافعي الثيبوبة والبكارة.( [537])
وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: واختلفوا في البكر البالغة فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وأبو ثور وجماعة:لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.( [538])
وقال ابن قدامة في «المغني»: وأمّا البكر البالغة العاقلة فعن أحمد روايتان:
إحداهما: له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة، هذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق.
والثانية: ليس له ذلك. واختارها أبو بكر، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي عبيدة، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لما روى أبو هريرة، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لاتنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولاتنكح البكر حتى تُستأذن» فقالوا يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».
وروى أبو داود، وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأنّها جائزة التصرّف في مالها فلم يجز إجبارها كالثيّب.( [539])
وأمّا أقوال أصحابنا فتناهز السبعة، أو الثمانية:
أحدها: استمرار الولاية عليها، نقله شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد، عن الشيخ في أكثر كتبه والصدوق، وابن أبي عقيل، ونقله أيضاً عن ظاهر القاضي.
ثانيها: وهو المشهور بين المتأخّرين، استقلالها بالعقد دونهما مطلقاً. ونقل عن الشيخ في التبيان، والمرتضى ، والشيخ المفيد في أحكام النساء، وابن الجنيد وسلاّر، وابن إدريس، وهو مذهب المحقّق والعلاّمة.
ثالثها: استمرار الولاية عليها في الدائم دون المنقطع. وهو مذهب الشيخ في كتابي الأخبار.
رابعها: عكسه وهو ثبوت الولاية عليها في المنقطع دون الدائم. ولم يعلم قائله، ونقله المحقّق في الشرائع.
خامسها: التشريك بينها وبين الولي. وهو منقول عن أبي الصلاح، والشيخ المفيد في المقنعة، وهو خيرة الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل. هذه هي الأقوال المشهورة بينهم.
وهناك أقوال غير مشهورة ، إليك بيانها:
سادسها: التشريك في الولاية بين المرأة وأبيها خاصة دون غيره من الأولياء.
سابعها: ثبوت الولاية لكلّ من الأب والبنت، والأفضل لهما الاستئذان من الآخر.
ثامنها: ما اختاره كاشف الغطاء في حاشيته على تبصرة المتعلّمين، وهو استقلال البنت البالغة الرشيدة وإن كان الأحوط تحصيل إذن الولي، ولكن لو تشاحّا قدّم رضاها إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الوليّ، فيجوز له منعها منه حينئذ، لا إجبارها أو إكراهها على غيره ممّن يريد.
ولعلّ هناك أقوال أُخر لم نقف عليها.
إذا عرفت موقف المسألة بين فقهاء الفريقين، فالقول بالتشريك ـ أي القول الخامس ـ هو الأظهر سنداً ودلالةً واحتياطاً، وهو خيرة أبي الصلاح الحلبي.( [540])
ولنذكر دليل المختار، أقول: تدلّ عليه صحيحتان:
الأُولى: صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».( [541]) والمراد من غيرها هو الثيّب، كما أنّ المراد من البكر، هي البالغة الرشيدة لا الصغيرة لأنّها لاتستأمر وليست في مظنّة الاستئمار وحمل الاستئمار في مورد البكر على من ليس لها وليّ من الأب والجدّ خلاف الظاهر، لأنّ توقف تزويج غير الوليّ على الاستئمار ليس أمراً مخفياًحتّى يحتاج إلى البيان، إذ من المعلوم أنّه ليس لغير الوليّ تزويجها بلا إذن ولا استئمار، وإن كان ذلك الغير أخاً أو أُمّاً أو عمّـاً المعدودين من الأولياء عرفاً.
والحاصل: أنّ حملها على الصغيرة تفسير بعيد، كما أنّ حملها على خصوص من لا وليّ لها شرعي مثله. وهذه الرواية لا غبار في دلالتها كما لا غبار في سندها، والعبّاس الوارد في السند هو العبّاس بن معروف وهو قمي ثقة يروي عن صفوان وهو من مشايخ أحمد بن محمّد بن خالد.
الثانية: موثقة صفوان، قال: استشار عبد الرحمن، موسى بن جعفر (عليهما السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها نصيباً» واستشار خالد بن داود، موسى بن جعفر (عليهما السلام) في تزويج ابنته علي بن جعفر، فقال: «افعل ويكون ذلك برضاها، فإنّ لها في نفسها حظّاً».( [542])ورواها الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وسنده إليه مصحّح في الفهرست والمشيخة.
والرواية وإن كانت مطلقة من حيث البكر والثيّب ولكن الثيّب خارجة عنها، لأنّها مستبدة بفعلها ولا مورد للتشريك فيها، فتكون الرواية محمولة على البكر البالغة.ويشعر بذلك: معتبرة الفضل بن عبد الملك ،عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضياً جاز» قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوىً وهوى الجدّ هوىً، وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: «أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ».( [543])
وجه الدلالة: أنّ قوله «أحبّ إليّ أن ترضى» يعرب عن اشتراط رضاها في الجملة فاقترح الإمام عليه أنّ رضاها بقول الجدّ أحبّ إليه، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ اعتبار رضاها لأجل كونها مخيّرة في قبول أحد الزوجين ولو لم يكن هناك تشاح لتعيّن عليها قبول الواحد، وفي سند الرواية محمّد بن زياد، وهو واقفي ثقة عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن عمّه جعفر بن سماعة، والكلّ من الواقفة الثقاة.
وأمّا الفضل بن عبد الملك وهو أبو العبّاس البقباق فهو كوفي ثقة، فالرواية معتبرة. هذا ما يمكن الاستدلال به على هذا القول، فإذا عرفته نرجع إلى دراسة سائر الأقوال واحداً بعد الآخر.
القول الأوّل: استمرار الولاية عليها
استدل لهذا القول بروايات صحيحة صريحة، لايمكن الخدش في سندها ودلالتها، إذا صحّت جهة الصدور ولكن اشتهار القول بمضمونها بين فقهاء العامّة يصدّنا عن الأخذ به وإن صحّت سنداً، وهي على قسمين صريح في المطلوب و غير صريح قابل للحمل. وإليك ما يدلّ على الحكم بصراحة.
الأُولى: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر  (عليه السلام)  ، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يزوّج ابنته بغير إذنها ؟قال: «نعم ليس يكون للولد أمر إلاّ أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلاّ أن تستأمر».( [544]) وهي صريحة في المطلوب.
الثانية: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «لاتستأمر الجارية التي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها، هو أنظر لها، وأمّا الثيّب فإنّها تستأذن، وإن كانت بين أبويها، إذا أرادا أن يزوّجاها».( [545])
الثالثة: خبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :«لا تستأمر الجارية في ذلك إذا كانت بين أبويها، فإذا كانت ثيّباً فهي أولى بنفسها».( [546])
الرابعة: ما في ذيل معتبرة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال: الجدّ أولى بذلك مالم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوّجها قبله ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ. ( [547])
الخامسة: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما قال:«لاتستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر وقال: يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب».( [548])
والجارية وإن كانت مطلقة تشمل الثيّب والبكر، والصغيرة والكبيرة لكن الثيّب خرج بالدليل لوجوب استئمارها ، والصغيرة خارجة عن
الرواية إذ لامعنى لاستئمارها في قوله: «يستأمرها كلّ أحد» فتبقى البالغة الرشيدة.
السادسة: ما رواه أحمد بن عيسى بن محمّد في نوادره بسند صحيح، عن عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث، قال: «والجارية يستأمرها كلّ أحد إلاّ أبوها».( [549])
وهذه الروايات صريحة في هذا القول، ونافية لجميع الأقوال إلاّ القول السابع، وهو استقلال كلّ منهما في التزويج فانّ أقصى ما فيها أنّ الأب مستقلٌّ في التزويج إذا قدم عليه قبل البنت وليس لها معه أمر، وأمّا إذا كانت البنت مُقْدِمَة قبله فالروايات ساكتة عنه. وهناك روايات أُخرى ليست صريحة في هذا القول، وإليك دراستها:
الأُولى: صحيحة عبد اللّه بن الصلت، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجارية الصغيرة يزوّجها أبوها، لها أمر إذا بلغت؟قال: «لاليس لها مع أبيها أمر». قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر مالم تكبر (تثيب خ ل)». ( [550]) وهي صريحة في البكر البالغة والصحيح تثيب مكان «تكبر»، لأنّ السؤال عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء وهي تكون كبيرة قطعاً فلايصحّ أن يقال: مالم تكبر ، أضف إلى ذلك ورود هذا القيد في بعض الروايات الآتية ذكرها. والرواية قابلة للحمل على نفي الاستقلال.
الثانية: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر ؟فقال:«ليس لها مع أبيها أمر مالم تُثَيّب».( [551])والحديث ليس نصاً في المطلوب لاحتمال كون المراد من الأمر الاستقلال كالثيّب في المسألة.
الثالثة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».( [552])
وأمّا كونها غير صريحة في هذا القول فإنّ الدلالة بالمفهوم لا بالمنطوق أوّلاً، وأنّها لاتنفي التشريك ثانياً، لأنّ كون غيرالثيّب غير مالكة لنفسها يتصوّر بوجهين: استقلال الأب، أو التشريك بين الأب والبنت.
الرابعة: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «في الجارية يزوّجها أبوها بغير رضاً منها؟ قال: «ليس لها مع أبيها أمر إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة». ( [553])
والرواية ليست صريحة في البالغة الرشيدة فيحتمل كونها واردة في الصغيرة، ولو كانت مطلقة شاملة للبالغة الرشيدة فهي تقيّد بما دلّ على استقلالها أو تشريكها مع الوليّ.
الخامسة: صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لاتنكح ذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ».( [554]) والرواية لاتنفي نظرية التشريك فليست صريحة في هذا القول.
السادسة: مرسلة ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«لابأس أن تزوّج المرأة نفسها إذا كانت ثيّباً بغير إذن أبيها إذا كان لابأس بما صنعت».( [555])
وجه عدم الصراحة: أنّ دلالتها بالمفهوم أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.
السابعة: خبر سعيد بن إسماعيل، عن أبيه، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوّج ببكر، أو ثيّب لايعلم أبوها ولا أحد من قراباتها ولكن تجعل المرأة وكيلاً فيزوّجها من غير علمهم؟ قال: «لايكون ذا».( [556])
يلاحظ على الاستدلال: أنّ عدم الصحّة في الثيّب خلاف المتفق عليه أوّلاً، وأنّها لاتنفي نظرية التشريك ثانياً.
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ولابنه أيضاً أن يزوّجها» فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً؟ فقال:«الجدّ أولى بنكاحها».( [557])
والرواية ليست في مقام بيان اعتبار عدم رضاها ولعلّها كانت راضية بكلا الزواجين فعند ذلك يقدّم نكاح الجدّ على الأب، فدلالتها على استبداد كلّ من الجدّ والأب ضعيفة.
ومنها: معتبرة الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا زوّج الرجل ابنه فذاك إلى ابنه وإذا زوّج الرجل الابنة جاز».( [558])
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية ليست صريحة في البلوغ مع الرشد ولعلّها تهدف إلى تزويج الصغير والصغيرة، ولو فرض لها الإطلاق بالنسبة إلى البالغة فتخرج بما دلّ على استقلالها أو لزوم تشريكها مع الأب فالابن الصغير له الخيار دون الابنة الصغيرة. والكلام في البالغة لا الصغيرة.
ومنها: صحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لاينقض النكاح إلاّ الأب».( [559])
وروى مثله في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) .( [560])
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الرواية تنفي استقلال البنت ، لانظرية التشريك وما في الحدائق، من أنّها لو كانت شريكة لما انحصر النقض في الأب مدفوع بأنّ الحصر نسبي في مقابل الأُمّ، وليس بمطلق حتّى يعمّ نفس البنت فلايجوز لها النقض إذا عقد الأب.
ومنها: خبر إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر وإذا كانت قد تزوّجت لم يزوّجها إلاّ برضا منها».( [561])
يلاحظ على الاستدلال: ـ مع أنّ إبراهيم بن ميمون لم يوثّق ـ أنّ الجارية أعم من الصغيرة والكبيرة فلو دلّ دليل على استقلال الباكرة الرشيدة أو لزوم التشريك بينها وبين الوليّ، يقيّد إطلاقها.
وحاصل البحث في القسم الثاني من الروايات أنّها بين ما لاتنفي نظرية التشريك وما ليست بصريحة في البكر البالغة، بل أقصاها أنّ إطلاقها يعمّ الصغيرة والكبيرة البالغة فلو تمّت أدلّة استقلال الكبيرة أو اعتبار رضاها تخصص هذه الروايات بها.
إلى هنا وقفت على أدلّة القول الأوّل، ولكنّها ـ مع تماميتها سنداً ودلالة ـ لايمكن الإفتاء بمضمونها لجهات:
الأُولى: أنّ مضمونها مخالف للكتاب والسنّة حيث إنّ الكتاب يعتبر في التجارة رضا المالك بها، ويقول: ( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض ) فكيف لايعتبر رضا البنت في نكاحها بعد ما كبرت وبلغت مبلغ النساء.
وأمّا السنّة، فقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «رفع عن أُمّتي ما استكرهوا عليه» وقد وراه الصدوق بسند صحيح في باب التسع من كتاب الخصال.( [562])
الثانية: كونها موافقة لفتوى مشاهير العامة، وقد عرفت أنّ مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق ذهبوا إليه. نعم ذكر في الحدائق ما هذا نصّه: إنّ مذهب العامة في الصدر الأوّل كانت على وجه يعسر ضبطه وتتعذّر الإحاطة به لما ذكره علماء الفريقين من أنّ مدار مذهبهم في الأعصار السابقة على من نصبه خلفاء الجور للقضاء، فترفع إليه الفتوى في جميع الأقطار، ولهذا قيل إنّ المعتمد في زمن هارون الرشيد على فتاوى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة قالوا قد استقضاه الرشيد واعتنى به حتّى لم يُقَلّد في بلاد العراق والشام ومصر إلاّ من أشار إليه أبويوسف، وفي زمن المأمون على يحيى بن أكثم القاضي، وفي زمن المعتصم على أحمد بن أبي داود القاضي وهكذا.
والأئمّة الأربعة المشهورون الآن لم يكونوا في الزمن السابق إلاّ كغيرهم من المجتهدين الذين ليس لهم مزيد ذكر ولامذهب منتشر، والاجتماع على هؤلاء الأربعة إنّما وقع في حدود سنة خمس وستين وستمائة باصطلاح خليفة ذلك الوقت واستمرت إلى الآن وحينئذ فكيف يمكن الترجيح بالتقية والحال هذه.( [563])
أقول: ما ذكره وإن كان متيناً في حدّ نفسه إلاّ أنّ القول باستقلال الأب كان رأي ابن أبي ليلى الذي تولّى القضاء بالكوفة وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، وليَ لبني أُميّة ثمّ لبني العبّاس وتوفّي سنة (148هـ .ق) بالكوفة وهو باق على القضاء وكانت ولادته عام (74 هـ. ق)، فجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانه، وعلى ذلك فيحتمل جدّاً صدور هذه الروايات تقية لكونه رأي ابن أبي ليلى وله مع محمّد بن مسلم الثقفي قصّة ( [564]) ويظهر من إرجاع الإمام الصادق (عليه السلام) أبا كهمس إلى ابن أبي ليلى، أنّه كان القاضي المعروف في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) .( [565])
أضف إلى ذلك، أنّ فتوى مالك أو الشافعي لم تكن فتوى ارتجالية مختصة بهما بل كان لفتواهما جذوراً بين التابعين بل الصحابة، فلا يضرّ عدم كون مالك أو الشافعي مرجعين للفتيا في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) . باحتمال التقية في الروايات المطابقة لفتاواهما.
 
القول الثاني: استبدادها بالتزويج
وقد استدلّ عليه ببعض الآيات التي لا دلالة لها أصلاً، منها قوله سبحانه: ( فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ ) .( [566])
ومنها: قوله سبحانه: ( فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَِحلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْره ) . (2)
ومنها: قوله سبحانه: ( فَإنْ طَلّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقيما حُدُودَ اللّهِ ) .( [567])
ومنها: قوله سبحانه: ( وَ إِذا طَلّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) . (4)
أمّا الآية الأُولى فهي ناظرة إلى المتوفّى عنها زوجها وهي تكون غالباً مدخولة فليس إطلاقها في مقام البيان حتّى يعمّ غير المدخولة ويستفادَ منها استقلالها، مع أنّها لاتنفي شرطية إذن الأب، أضف إلى ذلك أنّ كلمة «بالمعروف» يخدش الإطلاق لأنّه من المحتمل أن يكون إذن الأب، من المعروف.
ويظهر ممّا ذكرنا عدم تمامية الاستدلال بسائر الآيات.
وربّما يستدل بالروايات العامية وقد ذكرنا بعضها في صدر البحث.
منها: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها»( [568]) فقد استدل به على استقلالها ولكنّه لايخالف التشريك أخذاً بمفاد صيغة التفضيل، فلأجل ذلك لايصحّ عقد الوليّ إلاّ بإذنها.
منها قوله: «البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها» (2) . وهي لاتنافي التشريك بل تدلّ عليه.
ومنها:ما ورد من أنّ جارية بكراً جاءت إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اجيزي ما صنع أبوك»! فقالت: لارغبة لي فيما صنع إليّ! قال: «فاذهبي فانكحي من شئتِ» . فقالت: لارغبة لي عمّا صنع أبي، ولكنّي أردت أن أُعلم النساء أن ليس للآباء في أُمور بناتهم شيء.( [569])
والحديث ظاهر في استقلالها، لكن يمكن حمله على التشريك حملاً بعيداً.
وقد استدل عليه بروايات مروية عن طرقنا أسدّها (صحيحة الفضلاء) الفضل بن يسار ومحمّد بن مسلم وزرارة وبريد بن معاوية كلّهم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «المرأة التي قد ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولّى عليها تزويجها بغير ولي جائز».( [570])
كيفية الاستدلال هو أنّ الملاك في جواز تزويجها بغير وليّ هو كونها مالكة لنفسها، وهو كما يصدق على الثيّب يصدق على البكر البالغة الرشيدة.
ولكن المهم هو بيان ما هو المقصود من كونها مالكة لنفسها فتظهر الحال منه من الرجوع إلى الروايات التي وردت فيها هذه الكلمة.
منها: معتبرة أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الجارية البكر التي لها الأب، لاتتزوّج إلاّ بإذن أبيها» وقال: «إذاكانت مالكة لأمرها تزوّجت متى (ما. خ) شاءت».( [571])
فلو كان قوله: «وقال إذا كانت الخ» من جمع الإمام (عليه السلام) بين القولين لا من جمع الراوي يكون المراد من المالكة لأمرها من ليس لها أب فيختص جواز التزويج بمن لاوليّ لها، وهو خلاف المطلوب.
ومنها: معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال: «تزوّج المرأة من شاءت إذا كانت مالكة لأمرها فإن شاءت جعلت وليّاً».( [572])
والرواية مجملة ليست صريحة في البكر البالغة ولا المطلقة فيحتمل كون المراد المرأة الثيب لورود هذه الكلمة في الثيّب. مضافاً إلى ما ذكرناه في الرواية المتقدمة.
ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، أنّه قال في المرأة الثيّب تخطب إلى نفسها قال: «هي أملك بنفسها تولّي أمرها من شاءت إذا كان كفؤاً بعد أن تكون قد نكحت رجلاً قبله».( [573])
والرواية لاتدلّ على أزيد من كون الثيّب مالكة وهي ساكتة عن الباكر الرشيدة.
ومنها: معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها، تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت، فإنّ أمرها جائز تزوّج إن شاءت بغير إذن وليّها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلاّ بأمر وليّها».( [574])
وفي سند الرواية علي بن إسماعيل الميثمي، قال النجاشي: كوفي سكن البصرة، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل والنظام.( [575])
والرواية تفسر«المالكة أمرها» بكونها التي «تبيع وتشتري، الخ» ويكون الملاك هو كونها بهذا الوصف لا الثيبوبة ولا البكارة، ولكن يحتمل كون المراد من الشقّ الأوّل هو الثيّب، ومن الشقّ الثاني الباكر لغلبة وجود الملاك في الأُولى وعدمه في الثانية.
وحملها في الوسائل، على من لا أب لها، وقال: ويحتمل تخصيص الوليّ بغير الأب.
وعلى ذلك تكون النتيجة جواز تزويجها بغير إذن الجدّ وعدمه بدون إذن الأب وهو كما ترى، وهو قول في المسألة.
واحتمل أيضاً أن تكون جملة«تبيع وتشتري» خبراً ثانياً لكان، فعلى ذلك لايكفي ارتفاع الحجر المالي لأصل البيع والشراء. بل لابدّ من مالكية الأمر وعندئذ تصبح الرواية مجملة لعدم وضوح المراد من كونها مالكة لأمرها، فيحتمل كونها ثيّبة أو غير ذات أب .
وباختصار، أنّ الاستدلال بالروايات التي وردت فيها كونها مالكة لأمرها غير ظاهر.
ومنها: معتبرة ميسر ـ والمراد منه ميسر بن عبد العزيز وهو يروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ـ قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد فأقول لها لك زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها ؟ قال: «نعم هي المصدَّقة على نفسها».( [576])
ودلالتها بالإطلاق، ولكنّها قابلة للتخصيص بأدلّة سائر الأقوال، مع أنّها أقرب إلى الحمل على الثيّب.
ومنها: خبر سعدان بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لابأس بتزويج البكر إذا رضيت بغير إذن أبيها».( [577])
والرواية ضعيفة السند، فإنّ سعدان بن مسلم لم يوثّق.
ومنها: مرفوع أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لابأس بتزويج البكر إذا أُرضيت من غير إذن أبيها».( [578])والرواية مرفوعة ليست بحجّة.
القول الثالث: الولاية عليها في الدائم دون المنقطع
والقائل به يجعل استمرار الولاية هو الأصل، غير أنّه يخصص بما دلّ على استقلالها في المنقطع، ولكن ما دلّ على استقلالها فيه لا يخلو عن إشكال، لضعف رواياته وعدم خلوّها عن المعارض الصحيح، وإليك روايات الباب:
1. رواية أبي سعيد، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن التمتّع من الأبكار اللّواتي بين الأبوين، فقال: «لابأس ،ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب».( [579])
وفي السند موسى بن عمر بن يزيد وهو لم يوثّق، ومحمّد بن سنان وقد اختلفت فيه الأنظار.
2. بالاسناد المتقدّم عن أبي سعيد القمّاط، عمّن رواه، قال:قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ، جارية بكر بين أبويها، تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها فأفعل ذلك؟ قال: «نعم، واتق موضع الفرج» قال: قلت: فإن رضيت بذلك؟ قال: «وإن رضيت فانّه عار على الأبكار».( [580])
والسند يتّحد مع ما تقدّم، والظاهر وحدة الروايتين، والظاهر أنّ السائل في الروايتين هو الحلبي، للرواية التالية:
3. روى الشيخ باسناده عن أبي سعيد عن الحلبي، قال: سألته عن التمتّع من البكر إذا كانت بين أبويها، بلا إذن أبويها، قال:« لابأس، مالم يفتضّ ما هناك لتعفّ بذلك».( [581])
فهذه الروايات الثلاث مرجعها إلى رواية واحدة وهي غير صالحة للاستدلال.
4. خبر محمّد بن عذافر، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التمتّع بالأبكار، فقال: «هل جعل ذلك إلاّ لهنّ، فليستترن وليستعففن».( [582])
و السند ضعيف، مضافاً إلى أنّ هذا القول، مردود بحديثين صحيحين، سيوافيك ذكرهما في القول الآتي.
5. خبر جميل بن درّاج، حيث سئل الصادق (عليه السلام) عن التمتع بالبكر قال: «لابأس أن يتمتع بالبكر مالم يفض إليها كراهيّة العيب إلى أهلها».( [583])
والرواية و إن كانت ظاهرة في صورة عدم إذن الأب لكنه خبر لايحتج به مضافاً إلى ما سيأتي في الرواية التالية.
6. رواية محمّد بن حمزة، قال: قال بعض أصحابنا لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : البكر يتزوّجها متعة؟ قال: «لابأس مالم يستفضها».( [584])
ويمكن حمل الروايتين على ما إذا لم يكن لها أب.
القول الرابع: الولاية عليها في المنقطع دون الدائم
واستدل عليه بما يلي:
1. صحيحة البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: «البكر لا تتزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها».( [585])
2. صحيحة حفص البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج البكر متعة؟ قال: «يكره للعيب على أهلها».( [586])
والروايتان وإن كانتا صحيحتين لكن دلالتهما على المطلوب بالمفهوم ويمكن أن تكونا ناظرتين إلى ردّ توهم استقلالها في المتعة فلايدلّ على إثبات استقلالها في الدائم.
3. صحيحة أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «العذراء التي لها أب لا تزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها».( [587]) والجواب عن الاستدلال بها هو ما سبق في الصحيحتين المتقدمتين.
4. خبر المهلّب الدلاّل، أنّه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) أنّ امرأة كانت معي في الدار ثمّ إنّها زوّجتني نفسها وأشهدت اللّه وملائكته على ذلك، ثمّ إنّ أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب (عليه السلام) : «التزويج الدائم لا يكون إلاّ بوليّ وشاهدين، ولايكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك، واكتم رحمك اللّه».( [588])
والرواية تحتمل التقية لعدّة جهات:
منها: اشتراطه في التزويج الدائم وجود شاهدين.
منها: حكمه بعدم تزويج البكر متعة، اللّهمّ إلاّ أن يحمل على عدم الإذن من أبيها.
ومنها: قوله: «استر على نفسك، واكتم رحمك اللّه» وهذا يعرب عن أنّ الإمام (عليه السلام) لم يكن في فسحة من الجواب الصحيح.
5. رواية الصدوق في المقنع: ولا تمتع بذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن آبائهنّ.( [589])
6. صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يتزوّج بالجارية متعة؟ فقال:« نعم، إلاّ أن يكون لها أب».( [590])
وقد عرفت الإجابة عن مثل هذه الروايات بما سلف، فإنّ من
المحتمل كونها بصدد إثبات ولايته في المنقطع لا بصدد نفي ولايته
في الدائم، وعلى هذا لا ينافي التشريك.
و قد قدّمنا برهان القول الخامس في أوّل البحث، فلنذكر دليل سادس الأقوال.
القول السادس: التشريك في الولاية بين البنت والأب خاصة دون غيره من الأولياء
ويمكن الاستدلال له بصحيحة زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا جعفر  (عليه السلام) يقول: «لاينقض النكاح إلاّ الأب».( [591])
ورواه أيضاً محمّد بن مسلم في الصحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام) .( [592])
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الأب ما يعمّ الأب والجدّ بقرينة ما دلّ على ولاية الجدّ على الباكر، وقد تقدّم، أنّ الأولى بالبنت أن ترضى بعقد الجدّ عند التشاح.
وقد استعمل الأب في القرآن الكريم في الأعمّ من الأب والجدّ، قال سبحانه: ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتَ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) .( [593])
ولا شكّ أنّ إسماعيل كان عمّاً لأولاد يعقوب.
وقال سبحانه: ( وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ ) .( [594])
ففي هذه الآية يتبرّأ إبراهيم (عليه السلام) من أبيه مع أنّا نرى أنّه يدعو لوالده في أواخر عمره ويقول: ( رَبَّنا اغْفِر لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِساب ) ( [595]) ، وهذا يعرب عن أنّ الوالد الذي كان يدعو له في أُخريات عمره، غير الأب الذي تبرّأ منه في شبابه، ويكشف عن اختصاص الوالد بالأب المباشر، وأمّا الأب فيستعمل في العمّ فضلاً عن الجدّ.( [596]) والمراد من الأب في الآية ـ عندئذ ـ هو العمّ، لعدم كونه جدّاً لإبراهيم، فتعيّن كونه عمّاً.
القول السابع: استقلال كلّ من الأب والبنت
ويمكن الاستدلال عليه بالأخذ بالطائفتين من الروايات اللتين دلّتا على صحّة عقد الأب من دون رضا البنت وما دلّ على عكسه، والروايات في كلا الجانبين لاتأبى هذا الجمع.
غير أنّك عرفت أنّ الطائفة الأُولى وإن كانت صحيحة، لكنّها موهونة من جهة صدورها، وأمّا الطائفة الثانية فهي عليلة من جهة الدلالة لما عرفت من المناقشة في دلالتها، وأنّ الصحيح منها ناظر إلى الثيّب أو من لا أب لها، وأمّا الصريح منها كرواية سعدان بن مسلم فلم تثبت صحّة سنده.
 
القول الثامن: استقلال البنت البالغة الرشيدة إلاّ أن تختار
ما فيه هتك لشؤونها
هذا ما ذهب إليه كاشف الغطاء في حاشيته على تبصرة المتعلّمين، وقال باستقلال البنت البالغة الرشيدة إلاّ أن تختار ما فيه هتك شرف الوليّ.
ويمكن استظهاره ممّا دلّ على أنّ الأب ينقض النكاح، والاستظهار مبنيّ على أنّ متعلّق النقض هنا هو الأمر المبرم والصحيح من جميع الجهات و مما دل على استقلال البنت في تزويج نفسها.
فبالجمع بين هاتين الطائفتين يمكن استظهار هذا القول، وهو أنّ الأب ينقض عقد البنت، الصحيح من جميع الجهات ولو في بعض الموارد، فيكون نقض الأب بمنزلة الفسخ كما في غير هذا المورد من موارد فسخ النكاح.
ولكنّه من المحتمل أن يكون المراد من الصحّة هو الصحّة التأهلية، أي الصادرة من أهله والواقعة في محلّه، فيعمّ ماله أهلية الإتمام والصحّة عند استكمال سائر الشروط المعتبرة، وقد استعمل النقض في هذا المعنى في موارد، منها: ما رواه زرارة في الصحيح ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، في رجل جهر فيما لاينبغي الإجهار فيه وأخفى فيما لاينبغي الإخفاء فيه فقال: «أيّ ذلك فعل متعمّداً فقد نقض صلاته وعليه الإعادة».( [597])
وعلى ذلك فيمكن أن يكون الحديث دليلاً على التشريك في الرضا كما استظهرناه أوّل البحث.
هذه دراسة الأقوال وقد عرفت أنّ الأحوط بل الأقوى هو التشريك. وقد سبق من صاحب المسالك في صدر البحث أنّ هذه المسألة من المهمات والإفتاء فيها من المشكلات.

[537] . الخلاف: كتاب النكاح، المسألة 10.
[538] . بداية المجتهد: 2/5، كتاب النكاح.
[539] . المغني: 6/ 516.
[540] . الكافي في الفقه: 293.
[541] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
[542] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
[543] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
[544] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.
[545] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.
[546] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 13.
[547] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
[548] . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
[549] . المستدرك: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 3.
[550] . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
[551] . الوسائل: ج14، الباب 3من أبواب عقد النكاح، الحديث 11.
[552] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
[553] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 7.
[554] . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.
[555] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 14.
[556] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 15.
[557] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
[558] . الوسائل: ج14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
[559] . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
[560] . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.
[561] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 3.
[562] . الخصال: 417 ح9، باب التسع.
[563] . الحدائق:3/ 226.
[564] . الكافي:5/215 ح 12، باب من يشتري الرقيق.
[565] . روضات الجنات: 7/252ـ 255.
[566] . البقرة: 234 . 2 . البقرة: 230 .
[567] . البقرة: 230 . 4 . البقرة: 232.
[568] و 2. صحيح مسلم: 4 / 141، باب تزويج الأب البكر.
[569] . سنن ابن ماجة: 1 / 602، الحديث 1874 .
[570] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
[571] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 7.
[572] . الوسائل: ج14، الباب 3من أبواب عقد النكاح، الحديث 8.
[573] . الوسائل: ج14، الباب 3 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
[574] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 6.
[575] . رجال النجاشي: برقم 1661.
[576] . الوسائل: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 1.
[577] . الوسائل: ج14، الباب 9 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.
[578] . المستدرك: ج14، الباب7 من أبواب المتعة الحديث 3.
[579] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 6. الأقشاب جمع القشب: من لاخير فيه.
[580] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 7.
[581] . نفس المصدر ، الحديث 9، والمقصود الاسناد الوارد في الحديث 6 من هذا الباب.
[582] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 4.
[583] . المستدرك: ج14، الباب10 من أبواب المتعة، الحديث 2.
[584] . المستدرك: ج14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 4.
[585] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5.
[586] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 10 .
[587] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 12 .
[588] . الوسائل: ج14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 11.
[589] . المستدرك: ج 14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 2.
[590] . المستدرك: ج 14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 3.
[591] . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.
[592] . الوسائل: ج14، الباب 4 من أبواب عقد النكاح، الحديث 5.
[593] . البقرة: 133.
[594] . التوبة: 114.
[595] . إبراهيم: 41.
[596] . قال في الحدائق: قد ثبت بالآيات والروايات كون الأب جدّاً ودلّت الأخبار على أنّ ولاية الجدّ أقوى من ولاية الأب، فإذا ثبتت الولاية للأضعف ثبتت للأقوى.
[597] . الوسائل: ج4، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث 1.