قائمة المواضيع :
الأحكام الشرعية بين الثوابت والمتغيّرات
اتّفق المسلمون على أنّ نبي الإسلام محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء، وأنّ شريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، وأنّ تشريعاته خالدة لا تنسخ إلى يوم القيامة، فهي ثابتة، خالدة، دائمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذا من جانب .
ومن جانب آخر أنّ التطور الاجتماعي يستلزم تطوراً في قوانين المجتمع، إذ القانون الموضوع في ظرف خاص ربّما لا يجدي نفعاً في ظرف آخر، ومقتضيات الزمان تختلف باختلاف المجتمعات وألوان الحياة، فما صحّ أمس لا يصح اليوم وما يصح اليوم ربّما لا يصح غدّاً.
فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين؟
أقول: هذا هو الإشكال الّذي ربما يطرحه بعض المنبهرين بالقوانين الغربية، لغاية إحلال القوانين الوضعية محلّ القوانين الشرعية بحجّة أنّ مقتضيات الزمان تتطّلب ذلك.
وحاصل كلامهم: أنّ الحياة الاجتماعية لو استمرت على وتيرة واحدة، لصح للتشريع أن يسود في جميع الأزمنة، وأمّا لو كانت على وتائر مختلفة متحوّلة ومتغيّرة، فلا يسود القانون الواحد في أزمنة متباينة.
ولأجل حلّ الإشكال الّذي علق بالكثير من الأذهان نميط الستر عمّا هو المراد بالقوانين الثابتة وما هو المقصود بالمقررات المتغيّرة على وجه لا يمسُ التغيّرُ والتحوّل صميمَ الشريعة، وفي نفس الوقت تنطبق الشريعة الخالدة على عامّة المقتضيات وألوان الحياة. وإليك بيانه:
إنّ للإنسان مع قطع النظر عمّا يحيط به من شروط العيش المختلفة، روحيات وغرائز خاصة تلازمه، ولا تنفك عنه، إذ هي في الحقيقة مشخّصات تكوينية له، بها يتميّز عن سائر الحيوانات وتلازم وجوده في كلّ عصر ولا تنفك عنه بمرور الزمان .
فهاتيك الغرائز الثابتة والروحيات الخالدة، لا تستغني عن قانون ينظم اتجاهها، وتشريع ينظمها، وحكم يصونها عن الإفراط والتفريط، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته وصالحاً لتعديلها، ومقتضياً لصلاحها، ومانعاً لفسادها، لزم خلوده بخلودها وثبوته بثبوتها.
وهؤلاء قد قصروا النظر على ما يحيط به من شروط العيش المختلفة المتبدّلة، وذهلوا عن أنّ للإنسان خلقاً وروحيات وغرائز، قد فطر عليها، لاتنفك عنه ما دام إنساناً، وكلّ واحد منها يقتضي حكماً يناسبه ولايباينه، بل يلائمه، ويدوم بدوامه ويثبت بثبوته عبر الأجيال والقرون.
ودونك نماذج من هذه الأُمور ليتبيّن لك بأنّ التطور لا يعمّ جميع نواحي الحياة، وأنّ الثابت منها يقتضي حكماً ثابتاً لا متطوراً:
1ـ إنّ الإنسان بما هو موجود اجتماعي، يحتاج لحفظ حياته وبقاء نسله إلى العيش الاجتماعي والحياة العائلية، وهذان الأمران من أُسس حياة الإنسان، لا تفتأ تقوم عليهما في جملة ما تقوم عليه منذ بدء حياته.
وعلى هذا، فإذا كان التشريع الموضوع لتنظيم المجتمع مبنياً على العدالة، حافظاً لحقوق أفراده، خالياً عن الظلم والجور والتعسف، وموضوعاً على ملاكات واقعية، ضامناً لمصلحة المجتمع وصائناً له عن الفساد والانهيار، لزم بقاؤه ودوامه، ما دام مرتكزاً على العدل والإنصاف.
2ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس، فهما موجودان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً، على رغم كل الدعايات السخيفة الكاذبة، التي تريد إزالة كل تفاوت بينهما، ولأجل ذلك، اختلفت أحكام كل منهما عن الآخر، اختلافاً يقتضيه طبع كل منهما، فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً لطبعهما، ظل ثابتاً لا يتغير بمرور الزمان، لثبات الموضوع، المقتضي ثبات محموله .
3ـ الروابط العائلية، كرابطة الولد بالوالدين، والأخ بأخيه، هي روابط طبيعية، لوجود الوحدة الروحية، والوحدة النسبية بينهم، فالأحكام المتفرقة المنسّقة لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم، ثابتة لا تتغير بتغير الزمان.
4ـ التشريع الإسلامي حريص جداً على صيانة الأخلاق وحفظها من الضياع والانحلال، وممّا لاشك فيه، أنّ في تعاطي الخمر، ولعب الميسر، وشيوع الإباحة الجنسية ; ضربة قاضية للأخلاق، وقد عالج الإسلام تلك الناحية من حياة الإنسان بتحريمها، وإجراء الحدود على مقترفيها، فالأحكام المتعلّقة بها، من الأحكام الثابتة مدى الدهور والأجيال، لأنّ ضررها ثابت لا يتغير بتغير الزمان، فالخمر يزيل العقل، والميسر ينبت العداوة في المجتمع، والإباحية الجنسية تفسد النسل والحرث دائماً ما دامت السماوات والأرض، فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.
هذا وأمثاله من الموضوعات الثابتة في حياة الإنسان الاجتماعية قد حددها ونظمها الإسلام بقوانين ثابتة تطابق فطرته، وتكفل للمجتمع تنسيق الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أحسن نسق وحفظ حقوق الأفراد وتنظيم الروابط العائلية.
وحصيلة البحث: أنّ تطور الحياة الاجتماعية في بعض نواحيها لا يستلزم تغيّر النظام السائد على غرار الفطرة، ولا تغيّر الأحكام الموضوعة على طبق ملاكات واقعية، من مصالح ومفاسد كامنة في موضوعاتها، فلو تغير لون الحياة في وسائل الركوب، ومعدات التكتيك الحربي و ... مثلاً، فإنّ ذلك لا يقتضي أن تنسخ حرمة الظلم ووجوب العدل ولزوم أداء الأمانات ودفع الغرامات والوفاء بالعهود والأيمان و ...
فإذا كان التشريع على غرار الفطرة الإنسانية، وكان النظام السائد حافظاً لحقوق المجتمع وموضوعاً على ملاكات في نفس الأمر، تلازم الموضوع في جميع الأجيال، فذلك التشريع والنظام يحتل مكان التشريع الدائم.

 
المقررات المتطوّرة في الإسلام
إنّ للإنسان مع هذه الصفات والمشخّصات الذاتية، ظروفَ عيش أُخرى زمانية ومكانية، لا تزال تتغير، ويتغير معها وضع الإنسان، من حال إلى حال، فمثل هذه الظروف الطارئة تتغير أحكامها بتغيرها.
ونحن نطلق على الأحكام المتعلقة بهذه الظروف عنوان «المقررات» كما نطلق على الأحكام المتعلقة بالظروف الثابتة، عنوان «القوانين».
وهذه المقررات ليست بمعزل عن القوانين الكلية الإسلامية، ولا تكون اعتباطاً وفوضى بل تجري في ضوء القوانين الكلية الثابتة، بحيث لا تناقضها ولا تعطّلها. وإن شئت قلت: إنّ هنا أحكاماً وخطوطاً عريضة تمثل القاعدة المركزية في التشريع الإسلامي وهي مصونة عن التحوّل والتبدّل، مهما اختلفت الأوضاع وتباينت الملابسات.
وهناك أحكام متفرّعة على تلكم الخطوط، مستخرجة منها، بإمعان ودراية خاصة، يستنبطها الباحث الإسلامي باستفراغ وسعه على ضوء هذه الخطوط العريضة، بشرط أن لا يصادمها، وهذا القسم من الأحكام يتجدد بتجدد العهود وتباين الظروف وتعدّد الملابسات واختلاف الشرائط.
فمن قواعد الدين الإسلامي ما هو خالد وثابت وهو ما  يمس الفطرة الإنسانية وله صلة بالكون والطبيعة، وما هو متغيّر ومتبدّل، وهو الذي لا يمس واقع العلاقات الاجتماعية والشؤون البشرية، ولا يتجاوز حدود الظواهر الاجتماعية وقد منح هذا التطور الدين الإسلامي، أسباب الخلود والبقاء والمسايرة مع عامة الحضارات، بشرط أن لا يصطدم التحوّل على أي أساس مع أُسسه ولا يتجاوز حداً من حدوده.
فالحكم الكلي الذي يعالج القضايا البشرية على غرار الفطرة، وصعيدها الكوني، ثابت وخالد في كل العصور والأزمنة، وإن تطورت الأوضاع الاجتماعية والسياسية واختلفت حاجات الناس فإنّ الأنظمة الإسلامية والدساتير الشرعية، تساير الفطرة الإنسانية الثابتة، وتوالي الطبيعة الكونية، ولا تتخلف عنهما قدر شعرة فإذا كان التشريع معبّراً عن الكون الثابت، ومبتنياً عليه، فيخلد بخلوده ويدوم بدوامه.
أجل أنّ تقلّب الأحوال وتحوّل الأوضاع الاجتماعية يتطلب تحوّلاً في السنن والأنظمة، وتبدّلاً في المقررات ، غير أنّه لا يتطلب تحولاً فيما يمس واقع الإنسانية السائد في جميع الأحوال ومختلف الأوضاع، كما لا يتطلب تحوّلاً في القوانين الكونية التي أصبحت تدبّر الكون بأُصوله الثابتة فلا تتغير النسب الرياضية ولا النتائج الهندسية وإن تطورت الأوضاع وتبدلت الحضارات.
وإنّما المتغير هو المظاهر والقشور، والشكل التطبيقي لهاتيك الأحكام في مختلف الأوضاع وتطور المجتمع، والمتأثّر بالأوضاع هو القسم الثاني لا الأوّل، ولا ضير فيه فإنّ الدين الإسلامي إنّما يستعرض القضايا التي تمس واقع البشرية، والمسائل التي لها صلة بالكون والطبيعة، ويترك التطبيق بعد لنفس المكلف حسب ظروفه وأحواله.
وبذلك تقف على أنّ التطور والتحوّل، فيما كتب له التغير والتبدل جزء جوهري للدين، عنصر داخل في بناء التشريع الإسلامي كما أنّ الثبات والدوام فيما فرض له ذلك، أحد عناصر الدين ومن أجزاء ذاك البناء التشريعي السامي، فتجريده من أي واحد من عنصريه يوجب انحلال المركب وفناء الدين، وتأخره عن مسايرة الحضارة.
ودونك نماذج من هذا القسم، أي من الأحكام المتطورة المتغيرة بتغيّر الزمان:
1ـ في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية: يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة، وأمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فتارة تقتضي المصلحة السلام والمهادنة والصلح مع العدو، وأُخرى تقتضي ضد ذلك.
وهكذا تختلف المقررات والأحكام الخاصة في هذا المجال، باختلاف الظروف ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:
( وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) ( [810]) .
وقوله سبحانه: ( لا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) .
( إِنَّما يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتِلُوكُمْ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهِرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَاُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )  ( [811]).
2ـ العلاقات الدولية التجارية: فقد تقتضي المصلحة عقد اتفاقيات اقتصادية وإنشاء شركات تجارية أو مؤسسات صناعية،مشتركة بين المسلمين وغيرهم، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك. ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له، الفقيد المجدد، السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وبريطانيا، إذ كانت مجحفة بحقوق الأُمّة المسلمة الإيرانية لأنّها خوّلت لبريطانيا حق احتكار التنباك الإيراني.
3ـ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء، قانون ثابت لا يتغير، فالمقصد الأسنى لمشرّع الإسلام، إنّما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه وأضرارهم، ولأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوّة ضاربة ضد الأعداء، وإعداد جيش عارم جرّار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ) (2) ، فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة. أمّا كيفية الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغير بتغيره، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت، حتى مسألة لزوم التجنيد العمومي، الذي أصبح من الأُمور الأصلية في غالب البلدان.
وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب، أو وضع كتاب خاص، لأحكام السبق والرماية، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة ونقل أحاديث في ذلك الباب، عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة الإسلام، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم، الغرض منه تحصيل القوّة الكافية، تّجاه العدو في تلكم العصور وأمّا الأحكام التي ينبغي أن تطبق في العصر الحاضر، فانّها تفوض إلى مقتضيات العصر نفسه.
فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام ومعتنقيه عن الخطر ويصد كل مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت.
والمقنّن الذي يتوخّى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرض إلى تفاصيل الأُمور وجزئياتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والأُصول ليساير قانونه جميع الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظه من البقاء قليلاً جداً.
4ـ نشر العلم والثقافة، واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع مادياً ومعنوياً يعتبر من الفرائض الإسلامية، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدد بحد خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي، واللجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.
وبالجملة: فقد ألزم الإسلام، رعاة المسلمين، وولاة الأمر نشر العلم بين أبناء الإنسان واجتثاث مادة الجهل من بينهم ومكافحة أي لون من الأُمّية، وأمّا نوع العلم وخصوصياته، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم بحوائج عصره.
فرب علم لم يكن لازماً، لعدم الحاجة إليه، في العصور السابقة، ولكنّه أصبح اليوم في الرعيل الأوّل من العلوم اللازمة التي فيها صلاح المجتمع كالاقتصاد والسياسة.
5ـ حفظ النظام وتأمين السبل والطرق، وتنظيم الأُمور الداخلية ورفع مستوى الاقتصاد و... من الضروريات، فيتبع فيه وأمثاله مقتضيات الظروف وليس فيه للإسلام حكم خاص يُتبع، بل الذي يتوخّاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغايات، وتحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل وإنّما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، وكلّها في ضوء القوانين العامة.
6ـ قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال وهو قوله سبحانه: ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ ) ، وقد فرّع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحة المعاملة وجود فائدة مشروعة وإلاّ فلا تصح المعاملة، ومن هنا حرّموا بيع (الدم) وشراءه.
إلاّ أنّ تحريم بيع الدم أو شراءه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام، بل التحريم كان في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل، وكان بيع الدم في ذلك الزمان مصداقاً له، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن أن تكون أكل المال بالباطل) وعدم تحقق الفائدة، فلو ترتبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّية، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ ) .
وفي هذا المضمار ورد أنّ علياً (عليه السلام) سُئل عن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غيروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود»؟ فقال (عليه السلام) : «إنّما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك والدين قلٌّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤٌ وما اختار» ( [812]).
ويقول الشيخ الرئيس ابن سينا في هذا المقام في «الشفاء» :
ويجب أن يفوض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط، وأمّا ضبط المدنية بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج واعداد اهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ولا تفرض فيها أحكام جزئية، فإنّ في فرضها فساداً، لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات، وفرض الكليات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة ( [813]).
وأنّ عنوان «مقتضى الزمان» و«حتمية التاريخ» وغيرهما من العناوين صار رمزاً لكل من أراد أن يتحرّر من القيم الأخلاقية، ويعيش متحلّلاً من كل قيد وحدّ، خالعاً كل عذار، والكثير من أفراد الإنسان في العصر الحاضر، حينما رأوا الإباحة الجنسية واختلاط الرجال والنساء، واتخاذ الملاهي على أنواعها وشرب المسكر واللعب بالميسر واقتراف المعاصي وأخذ الربا ممّا راج في البيئات الغربية بلا استنكار وقد حرّمها الشرع ورفضتها قوانين الأخلاق الصحيحة، والفطرة السليمة، لم يجدوا مبرّراً لاقترافها والانصياع التام للشهوات الجامحة إلاّ بأن يتمسّكوا بإحدى هذه العناوين ـ مقتضيات الزمان ـ وليست الغاية من هذه القالة عندهم، إلاّ اقتراف السيئات والانغمار في الشهوات.
كما أنّ هذه العناوين قد صارت ملجأ لكل من أراد هدم الثقافة الشرقية الأصيلة وتحويرها، وسوق الشرق إلى الإنصياع لتوجيهات الغرب وتناسي كل ما كان له من كرامة قديمة وقطع صلته بها.
ترى المنادين باستعمال الحروف اللاتينية بدل الحروف الشرقية الإسلامية يتمسكون بأعذار، ويستدلون بأُمور منها: كون ذلك من مقتضيات الزمان، ونتيجة يحتمها التاريخ، غير أنّ الباحث الحر، يرى للقديم كرامته الموروثة وللحديث نضارته الموجودة، فيأخذ منهما كل ما يليق بالأخذ ويصلح للاقتفاء، فلا يعقد حلفاً مع كل قديم حتى الخرافات، ولا يكب على كل حديث وإن أضر به وبكرامته وشرفه.
فعلى كل من يريد أن يحافظ على كرامة الإنسان وكيانه وقيمه الأخلاقية، أن يتوخّى الأصلح من مقتضيات الزمان ويصلحه على ضوء العقل والفطرة، لا أن يطبق عمله عليه، فليس مقتضى العصر وحياً أُوحي إلى المجتمع، مصوناً عن الخطأ أو نقياً عن الاشتباه.
على أنّ هؤلاء المتشدّقين بأمثال هذه العبارات ـ تقليداً للغرب والحضارة الغربية بلا تأمّل ولا روية ـ قد عزب عنهم أنّ «هذه الحتمية» و «اقتفاء مقتضى الزمان» التي ينادون بها، غير معترف بها عند أعيان القوم، ومفكري المجتمعات، بل أكابرهم فيها، فكم نبّه علماء وحذر مفكرون من أبناء الغرب، من عواقب السير على منهج هذه الحضارة، واستخفّوا خطتها وتنبّأوا بانهيارها ونادوا بوجوب نقض أُسسها( [814]).
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
[810] . النساء: 141.
[811] . الممتحنة: 8 ـ 9.   2 . الأنفال : 60 .
[812] . نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 16.
[813] . الشفاء، قسم الالهيات : 566.
[814] . نذكر على سبيل المثال منهم، العلامة « الكسيس كارل » فارجع إلى ما حرره في كتابه « الإنسان ذلك المجهول » .