قائمة المواضيع :
حقيقة الإحرام في كلمات الفقهاء
تحقيق المقام يتوقّف على البحث في أمرين:
1. الإحرام في كلمات أهل اللغة وأصحاب المعاجم.
2. ما هي حقيقة الإحرام في لسان الأصحاب، وما هو المستفاد من الروايات؟
وإليك الكلام فيهما:
الأوّل: الإحرام في كلمات أهل اللغة وأصحاب المعاجم
قال الفيومي: الحُرمة ـ بالضم ـ : ما لا يحلّ انتهاكه، وهذه اسم من الاحترام مثل الفُرقة من الافتراق، والجمع حرمات، مثل «غُرفة»: «غُرفات» ، وشهرُ حرام وجمعه حُرم ،  بضمتين ،  ـ إلى أن يقول: ـ وأحرم الشخص: نوى الدخول في حجّ أو عمرة، ومعناه أدخل نفسه في شيء حرم عليه  ما كان حلالاً له، وهذا كما يقال: أنجْد إذا أتى نجداً، وأتْهَم إذا أتى تهامة ـ ثم قال: ـ أحرم: دخل الحرم، وأحرم: دخل في الشهر الحرام.( [347])
والإمعان في كلامه يفيد أنّ المعنى الأصلي للإحرام هو نية الدخول في حجّ أو عمرة، ولازمه، إدخال نفسه في شيء حرّم عليه ما كان حلالاً، لا أنّه المعنى الأصلي للإحرام، فلاحظ.
الثاني: ما هي حقيقة الإحرام؟
ما هي حقيقة الإحرام؟ فهل هو  نقل لفظه من المعنى اللغوي ـ الذي صرّح به المصباح (نوى الدخول في حجّ أو عمرة) إلى معنى آخر ـ أو لا؟
الظاهر من كلمات أكثر الأصحاب ذلك ، ولنشر إلى آراء السنّة في حقيقة الإحرام أوّلاً، ثمّ إلى آراء الأصحاب ثانياً، فنقول:
الإحرام عند الحنفية هو الدخول في حرمات مخصوصة، غير أنّه لا يتحقّق شرعاً إلاّ بالنية مع الذكر أو الخصوصية.
والمراد بالدخول في حرمات مخصوصة: التزام الحرمات، والمراد بالذكر التلبية ونحوها ممّا فيه تعظيم الله تعالى.
والمراد بالخصوصية ما يقوم مقام التلبية من سوق الهدي، أو تقليد البدن.
وأمّا الإحرام عند المذاهب الثلاثة الباقية فهو نية الدخول في حرمات الحجّ والعمرة.( [348])
والظاهر عدم وجود الفرق الجوهري بين التعريفين، فالنية المذكورة في تعريف الثلاثة شرط عند الحنفية أيضاً، كما صرحوا به، والظاهر أنّ مراد الحنفية من حرمات مخصوصة، هو حرمات الحجّ والعمرة.
هذا كلّه عند السنّة، وأمّا أصحابنا فقد اختلفت كلماتهم في تعريف الإحرام نذكرها تباعاً.
1. الإحرام  أمر مركب من أُمور ثلاثة
يظهر من كلمات المحقّق  في «الشرائع» والعلاّمة في غير واحد من كتبه: انّ الإحرام أمر مركب من أُمور ثلاثة:1. النيّة، 2. التلبيات الأربع، 3. لبس ثوبي الإحرام .
ثمّ إنّ متعلق النية عبارة عن الأُمور الأربعة، أعني: ما يُحرم به من حجّ أو عمرة متقرباً، ونوعه من تمتع وقران أو إفراد، وصفته من وجوب أو ندب، وما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها.( [349])
وعلى هذا فالإحرام أمر مركب من أُمور ثلاثة، وللجزء الأوّل منها ـ أعني: النيّة ـ متعلّقات أربعة، وبه صرّح العلاّمة في غير واحد من كتبه.
قال في «المختلف»: الإحرام ماهية مركبة من النية والتلبيـة ولبس الثوبين.( [350])
وقال في «التذكرة»: واجبات الإحرام ثلاثة: النية والتلبيات الأربع، ولُبس ثوبي الإحرام ـ إلى أن قال: ـ والواجب في النية أن يقصد بقلبه  إلى أُمور أربعة: ما يحرم به من حج  أو عمرة. إلى آخر ما ذكره المحقّق في «الشرائع». ( [351])
وقد فسّره في «المنتهى» بنفس عبارة «التذكرة».( [352])
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ نسبة الإحرام إلى هذه الأُمور الثلاثة لا يخلو من أحد وجهين:
1. أن يكون من قبيل المحصَّل إلى المحصِّل والمسبَّب إلى المسبِّب، فعندئذ تتعلّق به النية، لكونه وراء الثلاثة التي منها النية لكن لازمه وجوب الاحتياط في ما إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للمحصِّل وهو كما ترى.
2. أن يكون من قبيل العنوان المشير، والجمع في التعبير ، كما هو حال العشرة بالنسبة إلى الأفراد الواقعة تحتها، وحال الصلاة بالنسبة إلى الأفعال والأقوال، فعند ذاك، إذا شك في جزئية شيء أو شرطيته فالمرجع هو البراءة العقلية والشرعية، لكن لا تتعلّق به النية، إذ ليس الإحرام أمراً زائداً على الأجزاء الثلاثة التي منها النية، مع اتّفاقهم على أنّ الإحرام أمر قصدي، يعتبر فيه النية، فتأمّل.
وبذلك يعلم النظر فيما أفاده بعض الأعاظم حيث أوّل كلمات القدماء الظاهرة في أنّ الأُمور الثلاثة هي الإحرام قائلاً بأنّ وجوب تلك الأُمور، في الإحرام  لا يلازم كونه عبارة عن تلك الأُمور لا غير، بل يدلّ على أنّ الإحرام بأي معنى كان، لا يصح بدونها.( [353])
وجه النظر واضح، إذ لو كان الإحرام أمراً غير الأُمور الثلاثة فلا تخلو الحال من أحد الوجهين اللّذين عرفت وجه الإشكال فيهما.
وثانياً: لم يظهر الاتفاق من القدماء على تفسير صاحب الشرائع وابن أُخته العلاّمة ـ أعلى الله مقامهما ـ من الأُمور الثلاثة، فقد قال في «المدارك»: اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقة الإحرام، فذكر العلاّمة في «المختلف» في مسألة تأخير الإحرام عن الميقات: أنّ الإحرام ماهية مركبة من النية والتلبية ولبس الثوبين.
وحكى الشهيد في الشرح عن ابن إدريس أنّه جعل الإحرام عبارة عن النية والتلبية ولا مدخل للتجرد ولبس الثوبين فيه.
وعن ظاهر «المبسوط» و«الجمل» أنّه جعله أمراً واحداً  بسيطاً وهو النية.( [354])
وثالثاً: أنّه لم يدلّ دليل على وجوب بعض متعلّقات النية كقصد الوجه من كونه واجباً أو مندوباً، كما حقّق في محله، كما لم يدل دليل على لزوم قصد كونه حجة الإسلام، إذا لم تكن ذمّته مشغولة بحجّ آخر، فليس ذلك العنوان، كعنواني الظهر والعصر ممّا يجب قصده ، فإذا كان الرجل مستطيعاً ولم يحج من ذي قبل ونوى العمرة والحج، كفى ذلك، إذ الواجب عليه في هذه الحالة ليس إلاّ واقع حجّة الإسلام بأحد أقسامها الثلاثة.
2. توطين النفس على ترك المنهيات
الإحرام عبارة عن توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمناسك، وهذا القول هو الذي حكاه صاحب المدارك عن الشهيد ، قال: وكنت قد ذكرت في رسالة أنّ  الإحرام هو توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمناسك، والتلبية هي الرابطة لذلك التوطين، نسبتها إليه كنسبة التحريمة إلى الصلاة.( [355])
و نسبه المحقق الخوئي  إلى الشيخ الأنصاري، بل إلى المشهور، ولذلك ذكروا أنّه لو بنى على ارتكاب شيء من المحرمات، بطل إحرامه لعدم كونه قاصداً للإحرام. (2)
وربما يؤيد ذلك بما في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) من أنّ المحرم يقول: «أحرم لك شعري و بشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة».( [356])
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ كثيراً  من الناس، يحرمون ولا يدور ببالهم، توطين النفس على ترك محظورات الإحرام من غير فرق بين العالم بها تفصيلاً، أو إجمالاً أو الجاهل بها.
وأمّا صحيح معاوية بن عمار، فهو دعاء قبل الإحرام، ولذلك يقول في ذيله: «ثمّ قم ـ بعد الدعاء المذكور ـ فامش هنيهة فإذا استوت بك الأرض، ماشياً كنت أو راكباً فلبّ»، فالإحرام يتحقّق بالتلبية، وبها تحرم الأُمور المذكورة، وكأنّه قبل الإحرام يتذكر ما يحرم عليه بالتلبية،  فتحريم الأُمور المذكورة من آثار الإحرام وأحكامه لا حقيقته.
وثانياً:   أنّه ليس في الروايات أثر من هذا التوطين، فلاحظ أحاديث الباب17 من أبواب الإحرام لا تجد فيها أثراً منه، نظير:
1. خبر أبي الصلاح مولى بسام الصيرفي قال: أردت الإحرام بالمتعة فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام) :كيف أقول؟ قال: «تقول: «اللّهم إنّي أُريد التمتع بالعمرة إلى الحجّ، على كتابك وسنّة نبيّك».( [357])
2. صحيح يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: كيف ترى أن أُهلّ (أي أحرم)؟ فقال: «إن شئت سمّيت، وإن شئت لم تسمّ شيئاً» فقلت له :كيف تصنع أنت؟ قال: «أجمعهما فأقول: لبيك بحجة وعمرة معاً لبيك».( [358])
ولو كانت حقيقة الإحرام هي التوطين لجاء ذكره فيهما خصوصاً في الرواية الأُولى.
وربّما يورد  على هذا القول باستلزامه الدور قائلاً: بأنّه لا يعقل أخذ هذه المنهيات والمحرمات في معنى الإحرام وإلاّ لزم الدور، لأنّ حرمة هذه المحرمات متوقّفة على الإحرام، هذا من جانب، ومن جانب آخر كون الإحرام متوقّفاً على حرمة المحرمات، وبعبارة أُخرى: صيرورته محرماً تتوقّف على كون المحرمات محرمة عليه وتحريمها متوقف على كونه محرماً.( [359])
يلاحظ عليه: بأنّ الإحرام وتوطين النفس على تحريم المنهيات، يتوقّف على تحريم هذه الأُمور في لسان الدليل.
وإن شئت قلت: يتوقّف على التحريم الإنشائي، لأنّ الحكم الشرعي لا يوصف بالفعلية إلاّ بعد وجود الموضوع، أي كون الشخص محرماً. والمفروض أنّه مريد للإحرام، لا متلبس به، والتحريم الفعلي يتوقف على الإحرام وتوطين النفس وإعلامه بالتلبية.
3. إدخال نفسه في حرمة الله بسبب التلبية
الإحرام  عبارة عن إدخال النفس في حرمة الله، غاية الأمر إنّما يدخل في حرمة الله بسبب التلبية، فما لم يلبّ لم يدخل في الإحرام وفي حرمة الله، كما أنّه إذا لم يكبّر لم يدخل في الصلاة، وإذا كبّر حرمت عليه منافيات الصلاة، وفي المقام تحرم عليه الأُمور المعهودة إذا لبّى، ولا يتحلّل من ذلك إلاّ بالتقصير في العمرة والسعي في الحجّ.
وبعبارة أُخرى: الإحرام شيء مترتّب على التلبية لا أنّه نفس التلبية، ولذا يعبّر عنها بتلبية الإحرام، ولا مدخل في هذه الحرمة الإلهية إلاّ بالتلبية.
والحاصل: انّ الإحرام أمر اعتباري تترتّب عليه هذه الأُمور بسبب التلبية، فحال الحجّ بعينه، حال الصلاة  في كون التكبيرة أوّل جزء من أجزائها وبها يدخل في الصلاة ، وكذلك التلبية فإنّها أوّل جزء من أجزاء الحجّ وبها يدخل في تلك الحرمة الإلهية،  كما في النصّ الدالّ على أنّ الذي يوجب الإحرام ثلاثة: التلبية، والإشعار، والتقليد.( [360])
وحاصل كلامه ـ بعد الغض عن التهافت ـ هو أنّ الإحرام  أمر مسببيّ، يحصل بسبب التلبية، وله آثار بعدها.
ثمّ إنّ القائل استشهد لما ذكره بروايات:
1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقم وامش هنيهة، فإذا استوت بك الأرض ـ ماشياً كنت أو راكباً ـ فلبّ».( [361])
2. صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا صلّيت عند الشجرة فلا تلبّ حتّى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش».( [362])
3. صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّ رسول الله لم يكن يلبّي حتّى يأتي البيداء».( [363]) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على أنّ مفتاح الإحرام هو التلبية كتكبيرة الإحرام في الصلاة، ويؤيد ذلك أيضاً أمران:
الف. ما دلّ على جواز المواقعة بعد دخول المسجد والصلاة فيه، ولبس الثوبين، وقبل التلبية. ( [364])
ب. ما سيوافيك  من أنّ الإشعار والتقليد يقومان مقام التلبية.( [365])
كلّ ذلك يدلّ على أنّ مفتاح الإحرام والدخول في عمل العمرة، هو التلبية، فما لم يُلبّ لا ينعقد الإحرام، فمع أنّها جزء من العمرة فهي مفتاح لها، كتكبيرة الإحرام، ومثل هذا العمل يتحقّق بلا نية.
فإن قلت: إذا كان الإحرام غير متحقّق إلاّ بالتلبية فبماذا تفسر قول الراوي قال كتبت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام) : رجل دخل مسجد الشجرة فصلّى وأحرم وخرج من المسجد، فبدا له  قبل أن يلبّي أن ينقض ذلك بمواقعة النساء... .( [366])
قلت: هو محمول على مجاز المشارفة، أي تهيأ للإحرام،  كما أنّ الحال هو كذلك في بعض الروايات السابقة.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ ما استدلّ به من الروايات لا يدلّ إلاّ على أنّ مفتاح الإحرام هو التلبية، وأنّ الحاج ما لم يُلبّ لا يحرم عليه شيءٌ من المحظورات، وأمّا أنّ حقيقة الإحرام عبارة عن إدخال النفس في حرمة الله فلا يستفاد من هذه الروايات. وبعبارة أُخرى: أنّ ما أفاده أنّ التلبية سبب والإحرام أمر اعتباري يتولد من التلبية أمر لا يستفاد ممّا أورده من الأحاديث.
نعم لو أراد من «إدخال النفس في حرمة الله» مصداق الحرمة ـ أعني: العمرة والحج ـ لرجع إلى الوجه السادس الذي هو مختارنا، وعندئذ يلاحظ عليه: لماذا عدل عن التعبير الواضح إلى التعبير المعقّد؟
وثانياً: لو كان الإحرام أمراً اعتبارياً متحصلاً من التلبية التي نسبتها إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل، يلزم الاحتياط في كلّ ما شك في جزئية شيء أو شرطيته للإحرام، وهو كما ترى.
4. الإحرام أمر إنشائي يوجد بتحريم المحرمات
إنّ الإحرام صفة خاصّة تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرّمات أو نيّة ترك المحرّمات، فيكون الالتزام سبباً لإنشاء الإحرام وحصوله، نظير سائر المفاهيم الإيقاعية التي إيقاعها بالالتزام، لا أنّه نفس الإحرام، كما أنّه ليس نفس الترك.( [367])
وهو أيضاً خيرة  بعض الأساطين على ما في تقريرات درسه حيث قال: إنّ الإحرام أمر إنشائي يوجده المحرم بتحريم المحرمات على نفسه، وإن كان لا يؤثر في التحريم قبل التلبية، كما هو المستفاد من المحقّق في «الشرائع».
ثمّ إنّه (قدس سره) ذكر كلام المحقّق  في «الشرائع» في إحرام الحجّ حيث  جاء فيه:«ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحج من مكة». وهو ظاهر  في أنّ الإحرام أمر إنشائي، وعبر بذلك في التحرير والسرائر.( [368])
يلاحظ عليه: أنّ الإنشاء يحتاج إلى سبب، فما هو السبب؟ فإن كان السبب هو الالتزام القلبي بتحريم المحظورات ـ كما هو ظاهر كلامهما ـ فهو ممنوع، لأنّ الإنشاء يحتاج إلى  سبب إمّا فعلي ـ كما في المعاطاة ـ أو قولي، والمفروض عدمهما، ولو قيل: إنّ السبب هو التلبية، فهو ليس بتام، لأنّها ليست سبباً عرفياً لتحريم المحرمات، بل هو إجابة لدعوة إبراهيم الخليل (عليه السلام) القريب والبعيد إلى زيارة البيت الحرام حيث إنّه سبحانه يخاطب إبراهيم بقوله: ( وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجّ يأتُوكَ رِجالاً وَعلى كُلّ ضامر يأتين مِنْ كُلّ فَجّ عَميق ) .( [369])
وأمّا ما استدل به من كلام «الشرائع» فالظاهر أنّ مراده من الإنشاء هو نفس الإحرام، أي يحرم إحراماً آخر وراء الإحرام للعمرة. لا أنّ الإحرام من الأُمور الإنشائية مقابل الأُمور الواقعية التي يحكى عنها بالألفاظ، وعلى فرض صحّة إنشاء الأُمور النفسية بالالتزام فهو أمر نفسي عقلي غير مطروح لأكثر المحرمين.
 
5. الإحرام حالة تمنع عن فعل شيء من المحظورات
عرّف الشيخ جعفر كاشف الغطاء الإحرام بقوله: هو عبارة عن حالة تمنع عن فعل شيء من المحرّمات المعلومة، ولعلّ حقيقة الصوم كذلك، فهما عبارة عن المحبوسية عن الأُمور المعلومة، فيكونان غير القصد، والترك، والكف، والتوطين، فلا يدخلان في الأفعال، ولا الأعدام، بل هما حالتان متفرعتان عليها، ولا يجب على المكلّفين من العلماء فضلاً عن الأعوام الاهتداء إلى معرفة  الحقيقة، وإلاّ للَزم بطلان عبادة أكثر العلماء وجميع الأعوام.( [370])
يلاحظ عليه: بأنّه  لو كانت حقيقة الإحرام هو ما ذكره، يجب تحصيل تلك الحالة عند الإحرام، لأنّ الأمر بالإحرام أمر به بما له من الواقعية مع أنّه اعترف بأنّ العلماء فضلاً عن العوام لا يهتدون إلى تلك الحقيقة حتّى يحصّلونها، فأي فائدة في جعل شيء موضوعاً للحكم مع عدم اهتداء أغلب المكلّفين إليه، ويرد عليه مثل ذلك في تعريف حقيقة الصوم.
6. الإحرام هو الدخول في  العمرة أو الحجّ لا غير
الظاهر  كما هو اللائح من معاجم اللغة أنّ الإحرام عبارة عن الدخول في العمرة والحج، وإنّما أُطلق عليه الإحرام لكون المدخول من حرمات الله.
وتبيين ذلك  رهن بيان أمرين:
1. الحرمة لغة، ما لا يجوز انتهاكه ووجبت رعايته، قال سبحانه في سورة الحج بعد ذكر مناسكه: ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْـرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) .( [371])
قال الطبرسي: ( ثم ليقضوا تفثهم ) أي ليزيلوا شعث الإحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر، ( وليوفوا نذورهم ) بإنجاز ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، ( ليطوفوا بالبيت العتيق ) والبيت العتيق هو الكعبة، ( ومن يعظم حرمات الله... ) والحرمات ما لا يحلّ انتهاكه، واختار أكثر المفسرين في معنى الحرمات هنا: انّها المناسك لدلالة ما يتصل بها من الآيات على ذلك. وقيل معناها: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام.( [372])
واللفظ يدلّ على أنّ كلّ شيء له مكانة عند الله يجب رعايته ، فهو الحرمة من غير فرق بين الأعمال كالمناسك، أو غيرها كالبيت والشهر والمسجد الحرام.
2. وجود الفرق الواضح بين التحريم والإحرام كالفرق بين قوله «حرّم» و«أحرم».
أمّا الأوّل، فهو عبارة عن المنع عن الشيء ، كقوله سبحانه: ( كلُّ الطَّعام كانَ حِلاً لِبَني إسرائيلَ إلاّ ما حَرَّمَ إسرائيلُ على نفسه ) ( [373]) حيث حرّم يعقوب بعض الأطعمة على نفسه وفاء للنذر. (2)
وأمّا الثاني ـ أي أحرم ـ فهو عبارة عن الدخول في شيء له منزلة وكرامة لا تهتك، فتارة يكون المدخول فيه مكاناً له حرمة يقال: أحرم: دخل الحرم، وأُخرى يكون زماناً كذلك فيقال: أحرم: دخل الشهر الحرام، وثالثة يكون عملاً له حرمة يقال: أحرم: دخل العمرة والحج، والميزان في صدق الإحرام كون المدخول فيه شيئاً يحرم انتهاكه، وبما أنّ المدخول فيه في المقام  هو العمل ـ لا المكان ولا الزمان ـ يكون معنى «أحرم» أنّه دخل العمرة والحجّ اللّذين لهما ذاك الشأن، وقد مرّ عن الفيومي أنّه فسر قوله: أحرم الشخص: نوى الدخول في حج أو عمرة، ومثله ابن منظور في «اللسان». نعم لا يتحقّق الدخول في العمرة أو الحجّ إلاّ عن طريق خاص وهو التلبية، فكأنّها مفتاح الدخول في هذا العمل الذي هو من محرّمات الله سبحانه.
وفي بعض الروايات ما يدل عليه، نظير: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث وصف حجّ النبي في حديث مبسوط وقال: «ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلّى فيه الظهر، وعزم بالحجّ مفرداً وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصف الناس  له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي». ( [374]) فقد بيّن الإمام إحرام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجملتين:
1. عزم بالحجّ، وفي بعض النسخ: أحرم بالحجّ.
2. فلبّى بالحجّ مفرداً.
وبما أنّ «العزم» يتعدّى بنفسه يقال: عزمت الأمر، فلعل الصحيح هو الثاني، أي أحرم بالحجّ، أي دخل الحجّ الذي هو من حرم الله، فليس للإحرام واقعية سوى الدخول في واحدة من الحرمتين : العمرة والحجّ، بطريق خاص وهو التلبية، وبما انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لبّى في البيداء، يحمل  قوله: «أحرم بالحجّ» على مجاز المشارفة.
هذا هو حقيقة الإحرام، ومع ذلك يستحبّ معه أن يقول: أحرم لك شعري و بشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب.( [375]) والجميع من أحكام الإحرام ولوازمه، لا أنّها حقيقته.

[347] . المصباح المنير: 162، مادة «حرم».
[348] . الموسوعة الفقهية الكويتية:2/128، مادة «إحرام».
[349] . شرائع الإسلام: 1 / 245.
[350] . مختلف الشيعة: 4 / 43.
[351] . تذكرة الفقهاء: 7 / 231.
[352] . منتهى المطلب: 10 / 215 ـ 216، ط . مجمع البحوث الإسلامية، مشهد  ـ 1424 هـ .
[353] . كتاب الحج:1/216.
[354] . مدارك الأحكام: 7 / 239.
[355] . مدارك الأحكام: 7 / 239.    2 . المعتمد:2/477.
[356] . الوسائل: ج 9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث1.
[357] . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام، الحديث 2.
[358] . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام، الحديث 3.
[359] . المعتمد:2/483.
[360] . المعتمد:2/483.
[361] . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث2 .
[362] . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث 4.
[363] . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام،  الحديث 5.
[364] . راجع الوسائل: ج 9، الباب14 من أبواب الإحرام.
[365] . الوسائل: ج 8، الباب12 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 9، 20، 21.
[366] . الوسائل: ج 9، الباب14 من أبواب الإحرام، الحديث 12.
[367] . المستمسك:1/361.
[368] . كتاب الحج للسيد الگلپايگاني: 246.
[369] . الحج:27.
[370] . كشف الغطاء:4/521ـ522.
[371] . الحج:29ـ 30.
[372] . مجمع البيان:4/82ـ 83، ولاحظ أيضاً: ج 1 / 287 ، تفسير قوله سبحانه: ( وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ ) البقرة:194 .
[373] . آل عمران:93.    2 . مجمع البيان:1/475.
[374] . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.
[375] . الوسائل: ج 8، الباب16 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 1 .