قائمة المواضيع :
المسلم يرث الكافر دون العكس
إنّ للإرث في الفقه الإسلامي موجبات و موانع.
أمّا الموجبات له فسببان: النسب والسبب. وقد قيل:
الإرث في الشرع بأمرين وجب  *** بالنسب الثابت شرعاً وسبب
وأمّا الموانع فهي الكفر والقتل والرقّ فنُهمِلُ الكلامَ في المانعين الأخيرين ، ونركّز على المانع الأوّل ضمن مسألتين:
الأُولى: توريث الكافر من المسلم
لا يرث الكافر المسلم مطلقاً إجماعاً محقّقاً بين المسلمين مع تضافر الروايات عليه.
قال المفيد في «المقنعة»: ولا يرث كافر مسلماً على حال.( [844])
وقال الطوسي في «المبسوط»: والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف.( [845])
وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم.( [846])
وبما أنّ هذه المسألة ممّا لم يختلف فيها اثنان، وهي مورد اتفاق بين الفريقين نكتفي بهذا المقدار ونركّز البحث على المسألة الثانية.
الثانية : توريث المسلم من الكافر
هذه المسألة اختلفت فيها كلمات الفقهاء، فالإمامية ولفيف من غيرهم على أنّه يرث الكافر، ولكن الأكثرية من غيرهم على المنع.
وتحقيق الكلام في هذه المسألة التي أصبحت مثار بحث وجدل واسع بين الفريقين، يتم ببيان أُمور:

 
1
استعراض كلمات الفقهاء
1. قال الشيخ الطوسي: ذهبت الإمامية قاطبة تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، ومسروق وسعيد و عبد الله بن معقل و محمد بن الحنفية وإسحاق بن راهويه من التابعين إلى أنّ المسلم يرث الكافر.
وقال جمهور الصحابة والفقهاء على أنّه لا يرث المسلم الكافر.( [847])
2. وقال ابن قدامة: قال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر. يروى هذا عن أبي بكر وعثمان وعلي وأُسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ، وبه قال عمرو بن عثمان وعروة والزهري و عطاء و طاووس والحسن وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامّة الفقهاء، وعليه العمل.
وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية ، أنّهم ورَّثوا المسلم من الكافر ولم يورِّثوا الكافر من المسلم. وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، و مسروق، وعبد الله بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر، وإسحاق; وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر.( [848])
وجدير بالذكر أنّهم ينسبون عدم الإرث إلى علي (عليه السلام) وعلي بن الحسين المعروف بزين العابدين (عليه السلام) مع أنّ روايات أئمة أهل البيت متضافرة على خلافه كما سيوافيك.

 
2
الكتاب حجّة قطعية
لا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي
إنّ الكتاب حجّة قطعية سنداً ودلالة في غير المجملات والمبهمات والمتشابهات ولا ترفع اليد عن مثله إلاّ بدليل قطعي آخر، فإنّ كون الكتاب حجّة ليس ككون خبر الواحد حجّة، بل هو من الحجج القطعية الذي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلام المعصوم أو موضوعاً على لسانه، و قد سمّاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين بالثقل الأكبر، ومعه كيف يمكن رفع اليد عن ظواهر القرآن بخبر الواحد وإن كان ثقة؟!
ولذلك قلنا في الأُصول: إنّ رفع اليد عن إطلاق الكتاب وعمومه بمجرّد ورود خبر ثقة مشكل جدّاً، إلاّ إذا احتفّ الخبر بقرينة توجب اطمئنان الإنسان بصدوره من المعصوم ، ولأجل ذلك لم تجوّز طائفة من الأُصوليّين تخصيص القرآن بخبر الواحد.
قال الشيخ الطوسي ـ بعد نقل الآراء في تخصيص الكتاب وتقييده بخبر الواحد ـ :
والذي أذهب إليه أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب بها ] بأخبار الآحاد [ على كلّ حال، سواء خُصّ أم لم يخصّ، بدليل متّصل أو منفصل، والذي يدلّ على ذلك أنّ عموم القرآن يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، ولا يجوز أن يترك العلم بالظن على حال فوجب بذلك أن لا يخصّ العموم به.( [849])
وأيّده المحقّق الحلّيّ فقال: لا نسلّم أنّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به،هي الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت الدلالة القطعية سقط وجوب العمل.( [850])
وحاصل كلامهما وجود الشكّ في سعة دليل حجّية خبر الواحد، وانّه هل يعمّ ما إذا كان في المورد دليل قطعي مثل الكتاب؟!
إنّ كثيراً من الأُصوليّين وإن كانوا يتعاملون مع الكتاب العزيز معاملة سائر الحجج، أعني: السنّة الحاكية، لكنّ الكتاب أعظم شأناً من أن يكون عِدْلاً لأمثالها بل هو حجة قطعية، فعموم القرآن وإطلاقاته حجّة على المجتهد إلاّ إذا وقف على حجّة أُخرى تسكن النفس إليها ويطمئن بها المجتهد ، فعند ذلك يقيّد عموم القرآن وإطلاقاته بها.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع ونقدّم أدلّة القائلين بالإرث على أدلّة نفاته.
 
3
أدلّة القائلين
بإرث المسلم الكافر
استدلّ القائلون بأنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً ، كتابياً كان أو وثنياً بوجوه:
الأوّل: إطلاقات الكتاب العزيز
إنّ مقتضى إطلاقات الكتاب وعموماته، هو التوارث في الحالتين، من دون فرق بين إرث الكافر، المسلم وبالعكس، قال سبحانه:
( يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَر مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيين فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإِن كانت واحدةً فلها النِّصف ) .( [851])
و قال سبحانه: ( ولكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْن مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصينَ بِها أَوْ دَيْن... ) . (2)
وقال سبحانه: ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ... ) .( [852])
غير أنّ الدليل القطعي وهو اتّفاق المسلمين قام على إخراج إرث الكافر من المسلم عن تحت هذه الإطلاقات والعمومات.
وأمّا إرث المسلم من الكافر فخروجه رهن دليل قطعي تسكن إليه النفس حتّى يعد عديلاً للقرآن في الحجّية ويخصّ الكتاب أو يقيّد بهذا الدليل، فلابدّ من دراسة الروايات التي استدلّ بها على عدم توريث المسلم من الكافر، وانّه هل هي بهذه المثابة أو لا؟ وستتم دراسته في الفصل القادم.
الثاني: إجماع الإمامية على الإرث
اتّفقت الإمامية على أنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً، و لم يختلف فيه اثنان منهم، وقد نصّت الإشارة إلى إجماع الطائفة في كلام الشيخ الطوسي، ولنذكر غيرها، حتّى يتّضح اتّفاقهم في المسألة.
1. قال المفيد(336ـ 413هـ): ويرث أهل الإسلام بالنسب والسبب أهلَ الكفر والإسلام، ولا يرث كافر مسلماً على كلّ حال. فإن ترك اليهودي، أو النصراني، أو المجوسي، ابناً مسلماً وابناً على ملّته، فميراثه عند آل محمد لابنه المسلم دون الكافر; ولو ترك أخاً مسلماً و ابناً كافراً، حجب الأخُ المسلم الابنَ في الميراث وكان أحقّ به من الابن الكافر، وجرى الابن الكافر مجرى الميت في حياة أبيه، أو القاتل الممنوع بجنايته من الميراث.( [853])
2. وقال السيد المرتضى(355ـ 436هـ) في «الانتصار»: و ممّا انفردت به الإمامية عن أقوال باقي الفقهاء في هذه الأزمان القريبة وإن كان لها موافق متقدّم الزمان: القول بأنّ المسلم يرث الكافر وإن لم يرث الكافر، المسلم.
وقد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الإمامية على هذا المذهب عن سيدنا علي بن الحسين (عليه السلام) و محمد بن الحنفية وعن مسروق و عبد الله بن معقل المزني وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان .( [854])
3. وقال الطوسي(385ـ 460هـ): والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، حربياً كان أو ذمّيّاً، أو كافر أصل، أو مرتداً عن الإسلام.( [855])
4. وقال ابن زهرة(511ـ585هـ): إنّ الكافر لا يرث المسلم فأمّا المسلم فإنّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه. ويدلّ على ذلك الإجماع الماضي ذكره، وظاهر آيات الميراث، لأنّه إنّما يخرج من ظاهرها ما أخرجه دليل قاطع .( [856])
5. وقال ابن إدريس(539ـ 598هـ): قد بيّنا فيما مضى أنّ الكافر لا يرث المسلم، فأمّا المسلم فإنّه يرث الكافر عندنا وإن بعد نسبه ويحجب من قرب عن الميراث بلا خلاف بيننا.( [857])
6. وقال الكيدري (...ـ 600هـ) :المسلم يرث الكافر، وإن بعد نسبه، أمّا بالعكس فلا، كما مضى.( [858])
7. وقال المحقّق الحلي:(602ـ 676هـ): ويرث المسلم الكافر، أصلياً ومرتداً. ولو مات كافر وله ورثة كفّار، ووارث مسلم، كان ميراثه للمسلم.( [859])
8. قال الشهيد الثاني ـ معلّقاً على كلام المحقّق «ويرث المسلم الكافر»ـ : هذا موضع وفاق بين الأصحاب.( [860])
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يجدها الباحث في مظانّها، ولا حاجة إلى نقلها تفصيلاً.
وهذا النوع من الإجماع الموسوم بالإجماع المحصّل حجّة بنفسه حسب أُصول المخالفين، وكاشف عن رأي المعصوم على أُصولنا ، وهو حجّة قطعية لا يعدل عنها إلى غيرها.
الثالث: الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت:
قد تضافرت الروايات على أنّ المسلم يرث الكافر ولا عكس، وقد جمعها الشيخ الحرّ العاملي في كتاب الفرائض الباب الأوّل من أبواب موانع الإرث، و هي تناهز عشر روايات، وإليك استعراضها:
1. أخرج الصدوق بسند صحيح عن أبي ولاّد، قال: سمعت أبا عبد الله  (عليه السلام) يقول: «المسلم يرث امرأته الذمّيّة، وهي لا ترثه».( [861])
ومورد الرواية هو إرث المسلم زوجته، ولكن المورد غير مخصّص خصوصاً بقرينة ما يأتي من المطلقات والعمومات.
2. أخرج الصدوق عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه». (2)
وعلى ذلك فلو كان للكافر ابن كافر، وأخ مسلم يحجب الأخ إرث الابن الكافر; والكلام في المقام في إرث المسلم، الكافر، و كونه ـ وراء ذلك ـ حاجباً عن إرث الكافر مسألة ثانية، ولا ملازمة عقلاً بين المسألتين، إذ يمكن الفصل بين المسألتين عقلاً، بأن يكون وارثاً ، لا حاجباً.
نعم دلّت الروايات على كونه حاجباً أيضاً، فيحجب إرث الكافر من الكافر، سواء كان الحاجب متّحداً مع الممنوع في الطبقة أو متأخّراً عنه، فالولد المسلم يحجب الولد الكافر، كما أنّ الأخ المسلم يحجب إرث الولد الكافر.
3. أخرج الشيخ بسند معتبر عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم أن يرث الكافر، إلاّ أن يكون المسلم قد أوصى للكافر بشيء».( [862])
4. أخرج الشيخ عن عبد الرحمن بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) في النصراني يموت و له ابن مسلم، أيرثه؟ قال: «نعم، إنّ الله عزّ وجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم وهم لايرثوننا».( [863])
5. ما أخرجه الصدوق بسند موثّق عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال (عليه السلام) : «نعم، فأمّا المشرك فلا يرث المسلم». (3)
6. أخرج الفقيه بسند معتبر عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: سمعته، يقول: «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى». (4)
7. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن أبي العباس (البقباق) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا يتوارث أهل ملّتين (يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا) إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم».( [864])
8. أخرج الكليني بسند صحيح عن جميل وهشام ،عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: فيما روى الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة.
وفي رواية الشيخ الطوسي: «إنّ الإسلام لم يزده إلاّ عزّاً في حقّه».( [865])
ثمّ إنّ الرواية السابعة والثامنة تفسران ما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه لا يتوارث أهل ملّتين كما سيوافيك بيانه، وحاصل التفسير: إنّ نفي التوارث كما يحصل بعدم إرث كلّ الآخر، يتحقّق أيضاً بعدم إرث الكافر المسلم دون المسلم، الكافر.
وبذلك أيضاً يفسر بعض الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت بنفس اللفظ النبوي أو قريب منه، نظير الروايات التالية:
9. أخرج الشيخ بسند معتبر عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته يتوارث أهل ملّتين؟ قال: «لا».( [866])
10. ونظيره ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ، قال: سألته عن نصراني يموت ابنه وهو مسلم، فهل يرث؟ فقال: «لا يرث أهل ملّة».
وفي المصدر: «لا يرث أهل ملّة ملّةً».( [867])
وهو محمول على عدم التوارث من الطرفين فلا ينافي إرث المسلم الكافر.
إلى هنا تمّت دراسة ما دلّ على إرث المسلم الكافر، وهي متضافرة تفيد الاطمئنان بالصدور.
 
الروايات المعارضة
ثمّ إنّ هناك روايات ربّما يتراءى التعارض بينها و بين ما سبق، لا تعارضاً مطلقاً، بل تعارضاً نسبياً، وهي القول بإرث المسلم الكافر إلاّ في مورد الزوج والزوجة أو خصوص الزوجة.
ومقتضى صناعة الفقه تخصيص المطلقات السابقة بهذه الروايات المتعارضة، إلاّ أنّها فاقدة للحجّية فيطرح تخصيصها بها، وإليك ما يعارضها بظاهره:
1. ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثمّ يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث».( [868])
2. رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك، ولا ميراث بينكما». (2)
3. رواية عبد الرحمن البصري، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في نصراني، اختارت زوجته الإسلام و دار الهجرة: أنّها في دار الإسلام لا تخرج منها، و أنّ بضعها في يد زوجها النصراني، وأنّها لا ترثه ولا يرثها».( [869])
4. رواية عبد الرحمن بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : «لا نزداد بالاسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثونا، هذا ميراث أبي طالب في أيدينا، فلا نراه إلاّ في الولد والوالد، ولا نراه في الزوج والمرأة».( [870])
وهذه الروايات لا يعتمد عليها في مقابل ما تضافر.
أمّا الأُولى فهي مرسلة الصدوق في «المقنع» وليست مسندة إلى المعصوم.
وأمّا الثانية فهي ـ مضافاً إلى كونها مرسلة لما في سندها من قوله: عن أُمّي الصيرفي أو بينه و بينه رجل، عن عبد الملك بن عمير القبطي ـ انّ عبد الملك لم يوثق.
وأمّا الثالثة فسندها وإن كان موثّقاً ومقتضى الجمع الصناعي هو تنصيص ما دلّ على إرث المسلم الكافر بهذه الرواية و تكون النتيجة: إرث المسلم الكافر، إلاّ الزوجة المسلمة فإنّها لا ترث الزوج الكافر.
ولكن العمل بهذه الرواية في مقابل ما تضافر وتواتر عنهم غير صحيح، مضافاً إلى أنّ مقتضى التعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) : «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ الله عز ّوجلّ لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزّاً». ( [871])هو عدم الفرق بين الزوجة وغيرها، لأنّ التعليل آب عن التخصيص.
وأمّا الرواية الرابعة فيرد عليها أمران:
الأوّل: انّ ظاهر الرواية هو عدم إيمان أبي طالب، وهذا ممّا اتّفق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على خلافه.
الثاني: انّ إخراج الزوجة والزوج خلاف مقتضى التعليل الوارد في نفس هذه الرواية.
أضف إلى ذلك إعراض المشهور عن هذه الروايات الأربع ومخالفتها لصحيح أبي ولاّد (الرواية الأُولى) على نحو التباين.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الرأي السائد عند أتباع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو إرث المسلم الكافر، من دون فرق في المسلم بين كونه زوجاً أو زوجة.
وأمّا هذه الروايات الأربع، فهي بين ضعيفة كمرسلة الصدوق و رواية عبد الملك بن عمير، أو مخالفة للتعليل الآبي عن التخصيص، كالرواية الثالثة، أو مخدوشة في المضمون لاشتمالها على كفر أبي طالب، مضافاً إلى أنّ إخراج الزوج والزوجة خلاف التعليل الوارد فيها وخلاف صحيحة أبي ولاّد.
إلى هنا تمّت دراسة الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
الرابع: الآثار المروية في السنن
ثمّ إنّ هناك آثاراً مروية عن الصحابة تؤيّد موقف الإمامية في المسألة، وإليك بعض ما وقفنا عليه:
1. أخرج أبو داود عن عبد الله بن بريدة، انّ أخوين اختصما إلى يحيى ابن يعمر، يهودي ومسلم فورّث المسلم منهما، وقال: حدّثني أبو الأسود انّ رجلاً حدّثه، انّ معاذاً حدّثه، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص، فورث المسلم.( [872])
2. أخرج أبو داود عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي أنّ معاذاً أتى بميراث يهودي وارثه مسلم، بمعناه عن النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [873])
3. أخرج الدارمي عن مسروق قال: كان معاوية يورِّث المسلم من الكافر و لا يورث الكافر من المسلم، قال : قال مسروق: وما حدث في الإسلام قضاء أحب إليّ منه، قيل لأبي محمد تقول بهذا، قال: لا .( [874])
قال السيد المرتضى بعد نقل قضاء معاذ: ونظائر هذا الخبر موجودة كثيرة في رواياتهم.
وعلى كلّ تقدير ففي الكتاب مع ما تضافر من الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وفي هذه الآثار كفاية لمن رام الحق، ولكن لا يتم الإفتاء إلا بدراسة دليل المخالف فانتظر.
الخامس: حرمان المسلم خلاف الامتنان
إنّ من درس موارد الحرمان في الإرث يقف على أنّه إمّا للإرغام، أو لضعة الوارث.
والأوّل كما في القاتل فلا يرث المقتول، وذلك لأنّه حاول بقتله أن يرثه معجلاً، فانعكس الأمر وصار محروماً بتاتاً.
والثاني كما في الرق حيث لا يرث الحر لضعة مرتبته ودرجته.
فعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يرث المسلمُ الكافرَ دون العكس، وإلاّ يلزم أن يكون حرمان المسلم إرث الكافر ارغاماً له، وهو كما ترى.
وإن شئت قلت: إنّ التشريع الإسلامي قائم على الترغيب والترهيب، ففي الموضع الذي يكون المورِّث كافراً والوارث على وشك اعتناق الإسلام، فلو قيل له أنت لو أسلمت يكون جزاء إسلامك هو حرمانك من عطايا والدك وأُمّك التي يتركها لك، فهو يرجع إلى الوراء ويتعجب من هذا التشريع الذي يُرهِّب مكان الترغيب، ويبعِّد بدل التقريب إلى الإسلام ويعده على طرف النقيض من الترغيب.
إلى هنا تمّ ما دلّ على إرث المسلم الكافر.
فحان حين البحث في أدلّة نفاة الإرث وهي على قسمين:
1. الأحاديث الواردة في الموضوع.
2. الآثار المنقولة عن الصحابة.
فإليك دراسة كلّ واحد على حدة.

 
4
أدلّة القائلين بعدم التوريث
استدلّ القائلون بعدم توريث المسلم من الكافر بأحاديث وآثار، نشير إلى الجميع.
1. حديث عمرو بن شعيب
أخرج أبوداود بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يتوارث أهل ملّتين شتى».( [875])
وأخرج الدارقطني بسنده عن عمرو بن شعيب، قال: أخبرني أبي، عن جدّي عبد الله بن عمرو، انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام يوم فتح مكة، قال: «لا يتوارث أهل ملّتين». (2)
وأخرجه البيهقي بنفس السند، قال: لا يتوارث أهل ملّتين شتّى. وفي لفظ آخر: ولا يتوارثون أهل ملّتين.( [876])
ورواه أيضاً ابن ماجة في سننه.( [877])

ونقله الدارمي عن عمر مرسلاً عن النبي، وعن أبي بكر و عمر موقوفاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين . ونقل عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.( [878])
ولكن الاستدلال غير تام دلالة وسنداً.
أمّا الدلالة فقد أُشير إليها في غير واحد من روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)  ، وحاصلها: أنّ الحديث بصدد نفي التوارث لا الإرث من كلّ جانب ويصدق نفي التوارث بعدم توريث الكافر عن المسلم دون العكس، فلو قيل: ما تضارب زيد وعمرو، كفى في صدقه عدم الضرب من جانب واحد، فيقال: لم يكن هنا تضارب بل ضرب من جانب واحد، فالنبي بصدد نفي التوارث وهو لا ينافي الإرث من جانب واحد، وهذه الروايات وإن مرّت الإشارة إليها لكن نأت بواحدة منها.
أخرج الكليني عن جميل وهشام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: فيما روي الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: «نرثهم ولا يرثونا، انّ الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدة».( [879])
هذا كلّه حول دلالة الرواية، وأمّا السند فقد تفرّد بروايتها عمرو بن شعيب و أبوه وجدّه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أفيمكن ترك الكتاب بالخبر الذي تفرد به هؤلاء؟!
على أنّ عمرو بن شعيب مطعون به ، فقد ترجم له ابن حجر في «التهذيب» ترجمة ضافية على نحو يسلب سكون النفس إلى روايته، حيث قال: قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد:حديثه عندنا واه.
وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس فيه شيء.
وقال أبو عمرو بن العلا : كان يعاب على قتادة وعمرو بن شعيب انّهما كانا لا يسمعان شيئاً إلاّ حدّثا به.
وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنّما يكتب حديثه يعتبر به فأمّا أن يكون حجّة فلا.
إلى أن قال: و قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدّث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه.( [880])
فمن قرأ ترجمته المتصّلة في هذا الكتاب وأقوال العلماء المتضاربة في حقّه، يقف على أنّه لا يمكن تقييد الكتاب وتخصيصه بروايته.
2. حديث أُسامة
أخرج البخاري عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.( [881])
أخرج مالك عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أُسامة بن زيد، انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يرث المسلم الكافر.( [882])
أخرج مسلم بنفس هذا السند انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.( [883])
وأخرجه البيهقي في سننه( [884]) ، إلى غير ذلك من المصادر.
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّه خبر واحد تفرّد بنقله أُسامة بن زيد كما تفرد بنقله من نقل عنه، وطبيعة المسألة تقتضي أن يقوم بنقلها غير واحد من الصحابة والتابعين لا سيما في العهد النبوي ومن بعده حيث إنّ شرائح كبيرة من المجتمع كانت تبتلي بتلك الظاهرة ، فتفرّد أُسامة بسماع الحكم دون غيره يورث الشك بالرواية.
وثانياً: أنّ الزهري ينقل عن علي بن الحسين، وهو عن عمرو بن عثمان عن أُسامة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»( [885])، مع أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهم علي بن الحسين (عليهما السلام) كانوا يروون و يفتون على خلاف ذلك فقد عرف أنّ آل محمّد متفردون على ذلك الرأي.
وثالثاً : أنّ الدارمي نقل الحديث عن علي بن الحسين عن أُسامة بحذف عمرو بن عثمان من السند.( [886])
وقد نقل المرتضى في«الانتصار» أنّ الزهري نقله عن عمرو بن عثمان ولم يذكر علي بن الحسين، فالاختلاف في السند يوجب الطعن في الرواية.( [887])
ورابعاً: أنّ أحمد بن حنبل ينقل عن الزهري، عن علي بن الحسين  (عليهما السلام) ، عن عمرو بن عثمان، عن أُسامة بن زيد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يرث المسلم الكافر» ( [888]) من دون أن يرويه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مباشرة، وهذا أيضاً اختلاف واضطراب في الرواية، يحطّ من الاعتماد عليها.
3. حديث عامر الشعبي
عن عامر الشعبي انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبا بكر وعمر قالوا: لا يتوارث أهل دينين.
ولكن الرواية مرسلة، لأنّ الشعبي( [889]) ولد بالكوفة سنة 19هـ و قيل: سنة 21هـ ، ورأى الإمام عليّاً و صلّى خلفه، فكيف ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! والمعروف أنّ الشعبي كان من الموالين لبني أُميّة أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، فكيف يمكن الاعتماد على روايته؟!
 
4. الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة
وقد استدلّ بالروايات الموقوفة على الصحابة من دون أن تسند إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي كثيرة:
1. أخرج الدارمي عن عامر الشعبي، عن عمر قال: لا يتوارث أهل ملّتين.( [890])
2. عن عامر أنّ المغيرة بنت الحارث توفيت باليمن وهي يهودية، فركب الأشعث بن قيس وكانت عمّته إلى عمر في ميراثها، فقال عمر: ليس ذلك لك، يرثها أقرب الناس منها من أهل دينها، لا يتوارث ملّتان. (2)
3. عن ابن سيرين، قال عمر بن الخطاب: لا يتوارث ملّتان شتّى ولا يحجب من لا يرث. (3)
يلاحظ على الاستدلال بهذه الآثار: أنّها موقوفات لم تسند إلى النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي حجّة على أصحابها على أنّ قوله: «لا يتوارث أهل ملّتين» أو قوله: «لا يتوارث ملّتان شتّى» لا يصلح دليلاً على عدم توريث المسلم من الكافر، لماعرفت من أنّه يهـدف إلى نفي التـوارث، و يكفي في صدقـه عـدم توريث الكافـر من المسلم. نعـم فهم الخليفـة وأضرابـه، نفي الإرث من كـلّ جانب، ففهمهم حجّة على أنفسهم دون غيرهم.
ولذلك يمكن أن يقال: إنّ الحرمان من كلا الطرفين كان سنّة للخليفة لمصلحة رآها، وليس ذلك ببعيد، فإنّ له نظيراً غير هذا المورد.
أخرج مالك في موطّئه عن الثقة عنده أنّه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم، إلاّ أحداً ولد في العرب.( [891])
قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو ووضعته في أرض العرب، فهو ولدها يرثها إن ماتت و ترثه إن مات. (2)
وبذلك يعلم أنّ ما نسب إلى سعيد بن المسيب أنّه قال: مضت السنّة أن لا يرث المسلم الكافر.( [892]) فلعلّ مراده من السنّة هو سنّة الخلفاء لا سنّة الرسول، وإلاّ لنسبها إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا ما رواه البيهقي في سننه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب انّ عمر بن الخطاب قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثونا.( [893])
فهو مخدوش، لأنّ المعروف أنّ سعيد بن المسيب ممّن يقول بالإرث، وقد نقله عنه غير واحد من الفقهاء.
وفي الحاوي: وحكي عن معاذ بن جبل ومعاوية أنّ المسلم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وبه قال محمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعي والشعبي وإسحاق بن راهويه.( [894])
ونقله أيضاً النووي في شرح صحيح مسلم.( [895])
إلى هنا تمت دراسة أدلّة المانعين، وهي على أقسام:
1. غير تامّة دلالة، أعني: ما يركز على نفي التوارث بين المسألتين الذي يصدق بنفي الإرث من جانب الكافر فقط.
2. تامّة سنداً ودلالة، مثلما أخرجه البخاري، لكنّه خبر واحد لا يقاوم الكتاب.
3. غير تامّة سنداً كرواية عمرو بن شعيب، وقد عرفت ضعفها.
4. آثار موقوفة ليست حجّة إلاّ على أصحابها.
بقي للمانعين دليل آخر وحاصله: إنّ الإرث من آثار الولاية، ولا ولاية بين الكافر والمسلم .
5. انقطاع الولاية بين الكافر والمسلم
استدلّ القائل بنفي التوريث مطلقاً بوجه آخر وهو أنّه سبحانه قال: ( وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعضهُم أولياء بَعْض ) فإنّ الآية بصدد بيان نفي الولاية بين الكفّار والمسلمين، فإن كان المراد به الإرث فهو إشارة إلى أنّه لا يرث المسلم الكافر، وإن كان المراد به مطلق الولاية ففي الإرث الولاية لأحدهما على الآخر.( [896])
وقال ابن حجر: إنّ التوارث يتعلّق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: ( ولا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) .( [897])
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: بأنّ الإرث من آثار الولاية في العتق وضمان الجريرة، فميراث المعتَق للمعتِق لأجل الولاء، وهكذا الأمر في ضمان الجريرة.
وأمّا الوراثة في غير هذين الموردين فلم يعلم أنّه من آثار الولاية، بل من آثار النسب والسبب.
والذي يدلّ على ذلك أنّ التوارث أمر عقلائي لا يختصّ بأصحاب الشرائع، بل يعمّ قاطبة البشر، والملاك عند الجميع هو العلقة التكوينية بين أصحاب النسب أو الاعتبارية في السبب ووجود الولاية بين الوالد والولد أو غيرهما وإن كان أمراً ثابتاً مع العلقة التكوينية، لكن ليس كلّ مقرون بها يكون موضوعاً للوراثة.
والذي يوضح ذلك أنّ الفقهاء يذكرون عند بيان أسباب الإرث، السببَ والنسَب مقابل الولاء.
أسباب ميراث الورى ثلاثة  *** كل يفيد ربّه الوراثة
وهي نكاح وولاء ونسب  *** ما بعدهن من مواريث سبب( [898])
وثانياً: أنّ كون الولاية هي السبب للميراث يخالف ما عليه الحنفية و من تبعهم من أنّ المسلم، يرث المرتد مع انقطاع الولاية بين المسلم والمرتد.
قال النووي في شرح المهذب: قال أبو حنيفة والثوري: ما اكتسبه قبل الردة ورث عنه، وما اكتسب بعد الردة يكون فيها.( [899])
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أمّا المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين.
وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي و ابن مسعود وجماعة من السلف.( [900])
وقال في الشرح الكبير عن أحمد ما يدلّ على أنّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق و علي وابن مسعود(رض)، وبه قال سعيد بن المسيب وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز وعطاء والشعبي والحكم والأوزاعي والثوري وابن شبرمة وأهل العراق وإسحاق.( [901])
ومن غريب القول: إنّ المسلم لا يرث الكافر ولكن الكافر يرث عتيقه المسلم، وهو منقول عن أحمد كما في الموسوعة الفقهية.( [902])
ونكتفي بهذا المقدار من البحث، ولعلّ فيه غنى وكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأمّا الكلام في الفروع الأُخرى، أعني:
1. حجب المسلم الكافر.
2. إذا أسلم الكافر قبل القسمة وبعدها.
3. اشتراط عدم حجب المسلم الكافر في عقد الذمّة.
فنحيل الكلام فيها إلى مجال آخر، فإنّ هذه الفروع اختلفت فيها كلمة الفريقين بخلاف الفرع الأوّل، فجماهير أهل السنّة على المنع والإمامية على الجواز، وقد دام هذا الخلاف إلى يومنا هذا، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.

[844] . المقنعة :700.
[845] . المبسوط:4/79.
[846] . المغني: 6/340.
[847] . الخلاف:4/23، كتاب الفرائض، المسألة16.
[848] . المغني:6/340.
[849] . عدّة الأُصول:1/135.
[850] . المعارج:46.
[851] . النساء:11.     2 . النساء:12.
[852] . النساء:176.
[853] . المقنعة:700.
[854] . الانتصار:587، المسألة323.
[855] . المبسوط:4/79.
[856] . غنية النزوع:328، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
[857] . السرائر: 3 / 266 .
[858] . إصباح الشيعة بمصباح الشريعة :370.
[859] . الشرائع: 4 / 12، كتاب الفرائض، في موانع الإرث .
[860] . مسالك الأفهام:13/31.
[861] و 2 . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1و2.
[862] . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3 .
[863] ـ 4 . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 4، 5، 7.
[864] . الوسائل: ج 17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 15.
[865] . الوسائل: ج 17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 14.
[866] . الوسائل: ج 17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 20.
[867] . الوسائل: ج 17 ، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث24.
[868] و 2 . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث12و22.
[869] . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 23.
[870] . الوسائل: ج 17، الباب1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 19.
[871] . انظر الرواية الرابعة.
[872] . سنن أبي داود: 3 / 126، الحديث رقم 2912.
[873] . سنن أبي داود:3/126، الحديث 2913.
[874] . سنن الدارمي: 2 / 370، باب في ميراث أهل الشرك وأهل الإسلام.
[875] . سنن أبي داود3/126، برقم2911. 2 . سنن الدارقطني :2/72، برقم16.
[876] . سنن البيهقي:6/218، باب لا يرث المسلم الكافر.
[877] . سنن ابن ماجة: 2/912، الحديث2731.
[878] . سنن الدارمي:2/369.
[879] . لاحظ الرواية الثامنة.
[880] . تهذيب التهذيب:8/48برقم80.
[881] . فتح الباري:12/40، برقم 6764.
[882] . الموطأ:2/519، الحديث10.
[883] . صحيح مسلم:5/59، كتاب الفرائض.
[884] . سنن البيهقي:6/218.
[885] . مسند أحمد:5/208.
[886] . سنن الدارمي:2/370.
[887] . نقله المرتضى في الانتصار: 590.
[888] . مسند أحمد:5/208.
[889] . انظر موسوعة طبقات الفقهاء:1/414، برقم181.
[890] ـ 3 . سنن الدارمي:2/369، 370; سنن البيهقي:6/218.
[891] و 2 . الموطأ:2/520، برقم 14.
[892] . نقله المرتضى في الانتصار: 589.
[893] . سنن البيهقي:6/219.
[894] . الحاوي:8/78.
[895] . شرح صحيح مسلم:11/52.
[896] . المبسوط للسرخسي:30/30.
[897] . فتح الباري:12/50.
[898] . المجموع:17/48.
[899] . المجموع:17/57.
[900] . شرح النووي لصحيح مسلم:11/52.
[901] . المغني:7/167.
[902] . الموسوعة الفقهية:3/25، مادة إرث نقله عن العذب الفائض:1/31.