قائمة المواضيع :
من كان في بعض الوقت حاضراً
إذا كان في بعض الوقت حاضراً، وفي البعض الآخر مسافراً، كما إذا كان في أوّل الوقت حاضراً ولم يصلّ وصار في آخر الوقت مسافراً، أو كان أوّل الوقت مسافراً ولم يصلّ وصار في آخره حاضراً، فهل الملاك في التمام والقصر، حال تعلّق الوجوب فيُتمَّ في الأوّل ويقصّر في الثاني، أو حال الأداء فينعكس؟
ولو افترضنا أنّه لم يصل في تمام الوقت مع كون الحال كذلك، فهل الملاك في القضاء هو مراعاة حال الوقت، أو وقت تعلّق الوجوب، أو مخير بين التمام والقصر؟
فيقع الكلام في صور ثلاث:
الصورة الأُولى: فيما إذا كان أوّل الوقت حاضراً وآخره مسافراً والمسألة، من الفقه المنصوص، وقد تضاربت فيها الأقوال واختلفت النصوص بادئ بدء، فلنذكر الآراء قبل النصوص وهي أربعة:
1. لزوم رعاية حال الأداء والامتثال. وهو خيرة علي بن بابويه(80)والمفيد في المقنعة، والسيد المرتضى في المصباح(81) ، والشيخ في التهذيب، وابن إدريس، ونقله الشيخ في الخلاف عن الشافعي.
2. لزوم رعاية حال تعلّق الوجوب. وهو خيرة الصدوق في المقنع وابن أبي عقيل.(82)
3. التخيير بين الأمرين. وهو خيرة الشيخ في الخلاف.
4. أو حال الوجوب، مادام الوقت باقياً وإلاّ فيقصر. وهو مختاره في النهاية والمبسوط ونقله العلاّمة عن ابن البراج.(83)
إذا وقفت على الأقوال فلنذكر قسماً من عباراتهم:
1. قال الصدوق: وإذا خرج من مصره بعد دخول الوقت فعليه التمام.(84)
2. قال المفيد: وإذا دخل وقت صلاة على الحاضر فلم يصلِّها حتى صار مسافراً وكان الوقت باقياً صلاّها على التقصير.(85)
3. قال الشيخ: فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه التمام، فإن تضيّق الوقت قصّر ولم يتمم.(86)
4. وقال أيضاً: فإن خرج من منزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام، فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم.(87) هذا هو القول الأوّل للشيخ.
5. وقال في الخلاف: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت إلاّ أنّه مضى مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات جاز له القصر ويستحب له الإتمام.
وقال الشافعي: إن سافر بعد دخول الوقت فإن كان مضى مقدار ما يمكنه أن يصلّي فيه أربعة كان له التقصير قال: هذا قولنا وقول الجماعة إلاّ المُزنَي فإنّه قال: عليه الإتمام ولا يجوز له التقصير.(88)
وهذا هو القول الثاني للشيخ، فقد أفتى بالتخيير مع كون الإتمام مستحباً.
و يظهر من الشيخ في التهذيب قول ثالث، وهو كون المعيار زمان الأداء، نقله عنه ابن إدريس في السرائر واختاره، وإليك نصّه:
6. قال ابن إدريس: الروايات مختلفة فيمن دخل عليه وقت صلاة وهو حاضر فسافر، أو دخل عليه الوقت وهو مسافر فحضر، والأظهر بين محصلي أصحابنا انّه يصلّي حسب حال الأداء فيتم الحاضر ويقصر المسافر مادام في وقت من الصلاة، وإن كان أخيراً، فإن خرج الوقت لم يجز إلاّ قضاؤها بحسب حاله عند دخول أوّل وقتها.
ثمّ ذكر ابن إدريس عبارة الشيخ في النهاية وردّ عليه بأنّه ممّا لم يذهب إليه أحد ولم يقل به فقيه، ولا مصنف ذكره في كتابه لا منّا ولا من مخالفينا، ثمّ ذكر ما نقلناه عن الخلاف من التخيير وكون الإتمام مستحبّاً وردّ عليه ثمّ قال: والصحيح ما ذهبنا إليه أوّلاً واخترناه لأنّه موافق للأدلّة، وأُصول المذهب وعليه الإجماع، وهو مذهب السيد المرتضى، ذكره في مصباحه، والشيخ المفيد وغيرهما من أصحابنا ومذهب شيخنا في تهذيبه فإنّه حقّق القول في ذلك، وبالغ فيه، ورجع عمّا ذكره في نهايته ومسائل خلافه في تهذيب الأحكام في باب أحكام فوائت الصلاة.(89)
7. قال ابن سعيد: وإذا دخل الوقت حاضراً ثمّ سافر وهو باق قصّر.(90)
8. وقال المحقّق: وإذا دخل الوقت وهو حاضر ثمّ سافر والوقت باق، فالتقصير أشبه.
9. وقال السيد الطباطبائي: إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة ولم يصلِّ ثمّ سافر وجب عليه القصر.
10. وقال سيد مشايخنا البروجردي بالجمع في تعليقته على العروة. لكنّه عدل عنه في درسه الشريف.
وقد وردت الرواية على وفق القولين الأوّلين، وستوافيك نصوصهما.
إذا عرفت ذلك فلنذكر مقتضى القاعدة قبل سرد الروايات.
ما هو مقتضى القاعدة في المقام؟
لا شكّ أنّ قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)يخاطب كلاًّ من الحاضر والمسافر بما تقتضي حاله من الإتمام والتقصير في الجزء الأوّل من الوقت على وجه يتمكن من إقامة الفريضة. إنّما الكلام في أنّه مختص بالجزء الأوّل غاية الأمر يدوم التكليف الثابت فيه إلى آخر الوقت وإن تغيرت حاله، أو أنّه في كلّ جزء مخاطب بما هو مقتضى حاله فيتغير التكليف حسب توالي الحالات، فهو في كلّ جزء مخاطب ومكلّف بإيجاد الطبيعة حسب حاله وظرفه. فعلى الأوّل يكون المعيار هو حال تعلّق الوجوب، بخلاف الثاني إذ يكون المعيار عندئذ زمان الامتثال.
و مقتضى إطلاق الدليل هو الثاني وعدم اختصاص الخطاب بالجزء الأوّل، وإن شئت قلت: قوله: «قصّر» مطلق يعمّ ما لو كان أوّل الوقت حاضراً، كما أنّ قوله: «أتمم» مطلق يعمّ ما لو كان أوّل الوقت مسافراً، ومعنى الإطلاقين، انّه يتبع في امتثال التكليف ظروفه وحالاته التي يريد التأدية فيها.(91)
هذا هو مقتضى القاعدة إنّما الكلام في الأدلّة الواردة في المقام مع قطع النظر عنه، ومجموع ما ورد في المقام لا يتجاوز عن تسع روايات أربعة منها، صريحة في القول المشهور، وإليك دراستها:
1. صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يدخل عليّوقت الصلاة وأنا في السفر فلا أُصلّـي حتى أدخل أهلي، فقال: «صلّ وأتم الصلاة» قلت: فدخل عليّوقت الصلاة وأنا في أهلي أُريد السفر فلا أُصلّي حتى أخرج، فقال: «فصلّو قصّر، فإن لم تفعل، فقد خالفت واللّه رسول اللّه».(92) والرواية متعرضة لحكم كلتا الصورتين، والظاهر أنّ الذيل «فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول اللّه» راجع إلى أصل الإتمام في السفر كما هو مورد الشقّ الثاني فإنّه من مصاديق الإتمام في السفر الذي قصّر فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ووصف المخالف بالعاصي كما مرّ.
2. صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس، فقال: «إذا خرجت فصلّ ركعتين».(93)
3. صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم...».(94) لكن لو قلنا بعدم الفصل بين الصورتين تكون من روايات المسألة وسيوافيك نقلها أيضاً في المقام الثاني.
4. خبر الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت الرضا (عليه السلام)يقول: «إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر، فأتم، فإذا خرجت بعد الزوال قصّر العصر»(95) وليس بين الفقرتين تعارض، لأنّ الأُولى ناظرة إلى ما إذا أراد السفر وهو بعدُ لم يخرج فيُتمّ الصلاة فيه، والغرض ردع توهم انّ مجرّد قصد السفر يوجب القصر، والفقرة الثانية هي المطلوبة في المقام بناء على ما هوالمقرّر من أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان، فقد خرج عن المصر وقد دخل وقت العصر.
5. ما في الفقه الرضوي: «و إن خرجت من منزلك، وقد دخل عليك وقت الصلاة، ولم تصل حتى خرجت، فعليك التقصير، وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر، ولم تصلّ حتى تدخل أهلك، فعليك التمام».(96)
و الفقه الرضوي تأليف فقيه عارف بالأخبار، مطلقها ومقيدها، عامّها وخاصّها، فيأتي بالحكم بعد إعمال الاجتهاد كما هو واضح لمن طالعه.
هذا مجموع ما ورد في المقام ممّا يدل على أنّ الميزان، هو وقت الامتثال فيما إذا خرج من بيته وقد زالت الشمس ولم يصل، وهي من التصريح بمكان خصوصاً رواية إسماعيل بن جابر.
***
واعلم أنّ لمحمد بن مسلم روايات أربع: اثنتان منها تدلاّن على القول المشهور وقد مرّتا، واثنتان يستظهر منهما خلاف المشهور، ولابدّ من دراسة الروايات المخالفة، والمهم منها الثانية والرابعة لمحمد بن مسلم. من الباب 21.
1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: «يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصلّ أربعاً»(97).
يلاحظ عليه: أنّه غير ظاهر في المقصود لو لم يكن ظاهراً في خلافه، أمّا الشقّ الأوّل فهو وإن كان راجعاً إلى المقام الثاني ولكن قوله: «يصلّي ركعتين » بعد قوله: «و قد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق» ظاهر في أنّه يصلّي ركعتين في الطريق وإن قرب المصر، إفهاماً بأنّ القرب من الوطن، ليس موضوعاً للحكم بالتمام، وبذلك يعلم معنى الشقّ الثاني الذي ورد في حكم هذه الصورة ومفاده أنّ الاستعداد للسفر أو المشي نحو حدّ الترخص لا يكون مجوزاً للتقصير، وكأنّه يقول: «و دخل وقت الصلاة وهو في البلد» ويعلم وجه هذا التقدير بالقياس إلى الشقّ الأوّل.
2. صحيحه الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل يدخل مكة من سفره وقد دخل وقت الصلاة؟ قال: «يصلّي ركعتين، وإن خرج إلى سفر وقد دخل وقت الصلاة، فليصلّ أربعاً».(98)
يلاحظ عليه: أنّه يعبّر عن الدخول في مكة بصيغة المضارع ويقول: «يدخل مكة» ويعبِّر عن دخول الوقت بصيغة الماضي، وهذا قرينة على أنّ المراد من الشقّ الأوّل هو القرب من مكة وهو في الطريق، ولذلك قال: «يصلّـي ركعتين» وبه يعلم حال الشقّ الثاني الذي هو المطلوب في المقام، وكأنّه ـ بالقياس إلى الشق الأوّل ـ يقول: «و إن يخرج إلى سفره...».
أضف إلى ذلك لو افترضنا عدم ظهور الروايتين فيما حملناهما عليه لكن ما نقلنا عن محمد بن مسلم من الرواية الثانية دليل على القول الأوّل، كاف في رفع الإجمال، أعني: ما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصلّ وليقصر».(99)
وهذه إذا انضمت إلى الروايتين ترفع الإجمال وانّ الأمر بالقصر لأجل إقامة الصلاة في الطريق لغاية ضيق الوقت، والأمر بالتمام لأجل إقامة الصلاة بعد الدخول في البلد لغاية سعة الوقت.
هذا ومن المعلوم أنّ محمد بن مسلم لم يسأل الإمام عن المسألة، أربع مرات، وإنّما سأله مرّة واحدة، وأجاب الإمام بوضوح، وإنّما طرأ الإجمال من جانب الرواة.
3.خبر بشير النبال قال: خرجت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا نبال» قلت: لبيك، قال: «إنّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلّي أربعاً غيري وغيرك، وذلك انّه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج».(100)
وبشير، أخو«شجرة»، لم يرد فيه توثيق، وهو قليل الرواية، وقد ذكر سيدنا المحقّق البروجردي أنّه له في الكتب الأربعة روايات ثلاث، فلا يعادل رواية إسماعيل الفقيه، ويحتمل أن يكون المراد وجوب الأربعة للإتيان بها في المحل قبل الخروج من المحل، دفعاً لما يتوهم من أنّ قصد السفر، يجوز التقصير وإن لم يخرج، ولذلك قال في الوسائل: «ليس فيه أنّهما صلّيا بعد الخروج ويحتمل كونهما صلّيا في المدينة».
4. ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» نقلاً عن كتاب جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)وهو مركّب من فقرات ثلاث:
أ. انّه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله، قال: «يصلّي أربع ركعات».
ب. وقال لمن نسي صلاة الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج، قال: «يصلّي أربع ركعات في سفره».
ج. وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمّ سافر صلّى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره.(101)
والفقرة الثالثة صريحة في أنّ المناط هو وقت تعلّق الوجوب على وجه غير قابل للتأويل. وأمّا الفقرتان الأُولتان، فهما راجعتان إلى الفرع الثالث أي قضاء ما فات في السفر، وسيوافيك الكلام فيه.
إنّما الكلام في اعتبار ما وصل إلى ابن إدريس من كتاب جميل، والظاهر انّه نقله بالوجادة من دون أن يقرأ النسخة على أُستاذه وهو على أُستاذه حتى يكون أثراً معتبراً.
5. ما رواه في البحار والمستدرك عن كتاب محمد بن المثنى الحضرمي، عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إن خرج الرجل مسافراً وقد دخل وقت الصلاة كم يصلّي؟ قال: «أربعاً»، قال: قلت: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال: «يصلّي ركعتين قبل أن يدخل أهله، فإن دخل المصر فليصلّ أربعاً».(102)
والحديث يفصّل بين الذاهب إلى السفر، فالمناط وقت التعلّق ولذلك قال: يصلّي أربعاً; وبين الآيب منه، فالمناط وقت الأداء ولذلك قال: «فيصلّي أربعاً إذا دخل».
و يمكن حمل الفقرة الأُولى بالإتيان بالصلاة قبل حدّ الترخّص وإن كان خلاف الظاهر، وبما أنّ الرواية منقولة عن طريق الوجادة، فلا عبرة بها في مقابل المرويات عن الكتب الأربعة التي لم تزل الدراسة والقراءة فيها دارجة بين المشايخ.
6. رواية معاوية بن عمّار وهي مضطربة جدّاً.(103)
إلى هنا تبيّن أنّ الأربعة الأخيرة ابتداء من خبر بشير، وانتهاء إلى مضطربة معاوية بن عمّار، ممّا لا يصحّ الاستناد إليه من حيث السند لكونه إمّا خبراً وارداً في واقعة خاصة أو مرويّاً في كتب تصلح للتأييد لا للاحتجاج. والقابل للاحتجاج هو صحيحا محمد بن مسلم وقد روى عن الإمام رواية واحدة ثم تسرب الاختلاف إلى مضمونها، من جانب الرواة عنه مع إمكان حملهما على ما لا ينافي الصنف الأوّل.
و بذلك تبيّـن وجه القول وانّ دليل القول بأنّ المناط هو زمان تعلّق الوجوب لا يعادل دليل القول بأنّ المعيار هو زمان الامتثال.
دراسة سائر الأقوال
إذا عرفت مدارك القولين بقي الكلام في دراسة سائر الأقوال:
منها: ما يظهر من الشيخ من التخيير بين القصر والإتمام، إذا مضى وقت يتمكن فيه من الإتيان بصلاة تامّة، مع كون الإتمام أفضل.
وقد استدلّ الشيخ على مدّعاه بصحيح ابن جابر الدالّ على تعيّن القصر وخبر بشير النبال الدالّ على تعيّن التمام، بحمل الأوّل على الإجزاء والآخر على الاستحباب.
يلاحظ عليه: بأنّه لا يصح حمل صحيح ابن جابر على الإجزاء دون التعيّن، لقوله: «صلّ وقصّر فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)» وهل يمكن حمل مثل هذا الكلام على الإجزاء مع كون الندب في خلافه، والمفروض فيه هو مضي مقدار من الوقت يتمكن فيه من إقامة الصلاة لقول ابن جابر: «فلا أُصلّي حتى أخرج» ومعناه أنّه كان متمكناً من الصلاة ولم يصلّ وخرج وعندئذ كيف يكون مخيّراً، ويكون الإتمام مستحباً؟! وقال السيد العاملي: الخلاف في المسألة مقصور على ما إذا مضى وقت الصلاة كاملة الشرائط كما هو مفروض في عبارات جماعة، وبذلك صرح الشهيدان في الذكرى والدروس والبيان والمسالك والمحقّق الثاني، وفي الروض هو شرط لازم اتّفاقاً وفي الذكرى وإذا لم يسع ذلك تتعين بحال الأداء قطعاً.(104)
ومنها: التخيير مطلقاً، نقله السيد البروجردي ونسبه إلى الخلاف، والموجود في الخلاف هو التخيير بالنحو الماضي لا مطلقاً ولم يعلم قائله، وليس له دليل ظاهر سوى تصور أنّ كلاً من الصنفين متعرض لواحد من شقّي التخيير.
وبعبارة أُخرى: يرفع اليد عن تعيّن كلٍّ بقرينة الشقّ الآخر وتكون النتيجة، هو تخيير المكلّف بين القصر والإتمام، ولكنّه لا تساعده صحيحة ابن جابر حيث قال: «فإن لم تفعل فقد خالفت واللّه رسول اللّه».(105)
و إن أراد منه التخيير الظاهري بحجّة أنّ الروايات المتعارضة، متعادلة فلا ترجيح بينهما، فيكون المكلّف مخيّراً في الظاهر في الأخذ بأحدهما، فهو فرع كونهما متعادلتين، وقد عرفت أنّ ما يدلّ على أنّ الملاك هو زمان الامتثال أصحّ سنداً وأقوى دلالة.
ومنها: التفصيل بين سعة الوقت للإتمام فيتم في الطريق وإلاّ فيقصر، وهو الظاهر من الشيخ في النهاية والمبسوط وقد مضى نصُّهما، وربما يستدل له بموثقة إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول، في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، « إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر»(106). حيث إنّ ظاهره هو الإتمام في البلد إذا كان الوقت وسيعاً، والتقصير فيه إذا كان ضيّقاً.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر منه هو التفصيل بين الدخول في البلد، والإتمام فيه، إذا كان الوقت وسيعاً، وعدمه، والتقصير في الطريق، إذا كان الوقت ضيّقاً، ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة، فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتمّ، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصّر».(107)
يقول السيد العاملي في تفسير الحديث: إنّ الذي يقدم من سفره حتى لم يخف خروج وقت الصلاة يؤخر فيدخل وطنه فيتم ولا يصلّي في الطريق قصراً إلاّ أن يخاف خروج الوقت، فحينئذ يصلّي في الطريق قصراً.
***
الصورة الثانية: فيما إذا كان أوّل الوقت مسافراً وآخره حاضراً، والمشهور كون المناط وقت الأداء ولنذكر الأقوال فيه:
1. ذهب المفيد إلى ما ذهب إليه المشهور وقال: فإن دخل على المسافر وقت صلاة، فتركها لعذر ذاكراً أو نسيها حتى صار حاضراً والوقت باق صلاّها على التمام (108)، ووافقه ابن إدريس وقد مضى نصّه في المقام الأوّل.
2. وقال الشيخ في النهاية والمبسوط بعد الدخول في البلد بالتفصيل الماضي بين بقاء الوقت فيتم وعدمه فيقصر قال: وإن دخل من سفر بعد دخول الوقت وكان قد بقى من الوقت مقدار ما يتمكن فيه من أداء الصلاة على التمام فليصلِّ وليتم، وإن لم يكن قد بقي مقدار ذلك قصّر.(109) ولم يذكر في الخلاف هذه الصورة.
3. وقال ابن الجنيد بالتخيير بين القصر والإتمام، حكاه السيد العاملي عنه في مفتاح الكرامة.(110)
وعلى كل تقدير فالأقوال ثلاثة وإن حكي القول بتعيّـن القصر، ولكن لم يعرف قائله.
و المشهور هو القول الأوّل. قال السيد العاملي في ذيل قول العلاّمة: «وكذا لو حضر من السفر في أثناء الوقت أتم على رأي». هذا خيرة المفيد وعلي بن الحسين ـ على ما نقل عنهما ـ والفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) ، والسرائر، والشرائع، والنافع، وكشف الرموز، والتحرير، والتذكرة، ونهاية الأحكام، والمنتهى، والإرشاد، والتبصرة، والإيضاح، والدروس، والبيان، والموجز الحاوي، وجامع المقاصد، وفوائد الشرائع، وتعليق النافع والجعفرية، والغرية، والميسية، وإرشاد الجعفرية، والروضة، والروض، والمسالك، والمدارك، ورسالة صاحب المعالم، والنجيبيّة، والكفاية، والمفاتيح، والمصابيح، والرياض، والحدائق، وهو المشهور بين المتأخرين.(111)
إذا عرفت الأقوال، فلندرس الروايات وهي بين ما تتعرض لحكم كلا المقامين، وما تتعرض لحكم أحدهما، ويدل على القول المشهور لفيف من الروايات:
1. صحيح إسماعيل بن جابر(112) وقد مرّنصه. وهو من الروايات المتعرضة لحكم كلا المقامين.
2. صحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثمّ يدخل بيته قبل أن يصلّيها؟ قال: يصلّيها أربعاً وقال: «لا يزال يقصر حتى يدخل بيته».(113)
3. صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصّر».(114)
و هذه الروايات الثلاث، صريحة في أنّ المتبع وقت الأداء، غير أنّ الأُولى متضمنة لحكم كلتا الصورتين، بخلاف الأخيرتين فهما تتضمنان حكم الصورة الثانية فقط.
وأمّا الروايات الثلاث الباقية لمحمد بن مسلم، فالرواية الأُولى في الباب 21 متعرضة لحكم الصورة الأُولى، وأمّا الأُخريتان ـ أي الرواية الخامسة والحادية عشرة من الباب ـ فقد عرفت مفادهما وأنّهما متعرضتان لحكم كلتي الصورتين وأنّ مفادهما هو كون المناط هو وقت الأداء فلا نعيد.وفي ضوء رواية محمد بن مسلم المذكورة، يستوضح بعض ما يمكن أن يكون شاهداً على فتوى الشيخ القائل بالتفصيل ـ بعد الدخول في البلد ـ بين بقاء الوقت فيتم وعدمه فيقصر، وقد استند في تفصيله هذا والذي أفتى به في النهاية والمبسوط إلى الروايتين التاليتين:
4. معتبرة إسحاق بن عمار(115) قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام)يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال: «إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصّر».(116)
والرواية بقرينة رواية ابن مسلم ليست ناظرة إلى سعة الوقت أو ضيقه بعد الدخول في البلد، بل ناظرة إلى سعته وضيقه وهو في السفر، فلو كانت هناك سعة في الوقت يدخل البلد ويتم وإلاّ فيقصر في الطريق.
5. صحيح منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتى يدخل أهله، فإن شاء قصر وإن شاء أتم، والإتمام أحبّ إليّ».(117)
و أمّا سند الحديث فقد رُوي عن:
1. محمد بن أحمد بن يحيى، صاحب نوادر الحكمة.
2. عن محمد بن عبد الحميد الذي قال النجاشي في حقّه: «محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر، روى عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)وكان ثقة من أصحابنا له كتاب النوادر».(118) واستظهر بعض الأعاظم من المعاصرين أنّ التوثيق راجع إلى عبد الحميد، ولكن الظاهر أنّه راجع إلى محمد لرجوع الضمير في «له كتاب» إليه، وهذا هو الذي فهمه صاحب الوسائل ونقل وثاقته عن رجال النجاشي.
3. عن سيف بن عميرة الذي عرفه النجاشي بقوله: عربي، كوفي، ثقة، وإن قيل إنّ النسخ الخطية للرجال خالية عن التوثيق، لكن نقله المامقاني في تنقيح المقال (119)، والقهبائي في مجمع الرجال (120)، كما وثقه الشيخ في الفهرست(121).
4. عن منصور بن حازم أبي أيّوب البجلي، كوفي، ثقة، عين كما في رجال النجاشي، فالرواية صحيحة.
ولكن المضمون، قابل للحمل على ما في صحيح محمد بن مسلم، لأنّ قوله: «فسار حتى يدخل أهله» بمعنى أخذ بالسير نحو البلد ـ وبعدُ لما يدخل ـ وعند ذلك يخيّره الإمام بين الصلاة في الطريق فيقصر والصبر حتى يدخل أهله فيتم، والإتمام أحبّ إلى الإمام، ولعلّه لأنّه يصلّي في المنزل بقلب هادئ، وليست الرواية دالّة على ما نسب إلى ابن الجنيد.
و بهذا ظهر أنّ ما ذهب إليه المشهور، هو المنصور، وليس لما يدل على القول الآخر، دليل صالح للاعتماد.
***
هذا كلّه في حكم الصورتين، أعني: ما إذا كان حاضراً في أوّل الوقت وصار مسافراً بعده وبالعكس، وقد عرفت أنّ المتبع هو وقت الأداء .
بقي الكلام في الصورة الثالثة وهو حكم من فاتته الصلاة وله إحدى الحالتين، وهي التي تعرض لها السيد الطباطبائي في المسألة العاشرة.
***
الصورة الثالثة: إذا فاتته فريضة
إذا كان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس ومع ذلك فاتته الصلاة لعذر أو لغيره، فهل يقضيها حسب ما فاتته، أو يقضيها حسبَ ما تعلّق به الوجوب، أو يتخير بين الأمرين، قال السيد الطباطبائي: إذا فاتت منه الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس فالأقوى أنّه مخيّر بين القضاء قصراً أو تماماً، لأنّه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت والمفروض أنّه كان مكلّفاً في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام، ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت وهو آخر الوقت، وأحوط منه الجمع بين القصر والإتمام.
أقول: إنّ في المسألة أقوالاً خمسة:
1. مراعاة حال الفوت، وهو المشهور، وهو آخر الوقت.
2. مراعاة حال التعلّق وهو أوّل الوقت. وهو خيرة ابن إدريس في السرائر.
3. التخيير بين الأمرين. وهو خيرة المحقّق الهمداني والسيد الطباطبائي ـ قدّس سرّهما ـ .
4. تعيّن الإتمام. وهو الظاهر من الشهيد في الذكرى.(122)
5. العمل بالاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام. وهو خيرة السيد البروجردي.
وقبل سرد أدلّة الأقوال نذكر أمرين:
ألف. اتّفقت كلّمتهم على أنّ الفائت في الحضر يُقضى تماماً ولو في السفر، والفائت في السفر يُقضى قصراً ولو في الحضر، وعليه استقرت الفتوى وتضافرت النصوص.
ففي صحيح زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر، فذكرها في الحضر، قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاةَ السفر، أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر، فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(123)
ب. لو قلنا بأنّ الاعتبار في المسألة السابقة هو حال تعلّق الوجوب، يتعيّن رعايتُه في القضاء بلا كلام، لأنّ الواجب عليه أداءً مطلقاً إلى آخر
الوقت هو ما يجب عليه في أوّل الوقت، مثلاً لو كان أوّل الوقت حاضراً، فالواجب عليه هو التمام إلى آخر الوقت وإن صار في أثنائه مسافراً; ولو كان فيه مسافراً، فالواجب عليه هو القصر إلى آخر الوقت وإن صار في أثنائه حاضراً، وعليه فالفائت آخر الوقت هو الواجب في أوّله، فيجب قضاء ما وجب عليه أوّل الوقت أخذاً بقولهم(عليهم السلام): «اقض ما فات كما فات».
و إنّما يتمشى النزاع إذا قلنا بأنّ المعيار هو حال الأداء، فلو كان في تلك الحال حاضراً فيتم وإن صار مسافراً فيما بعد، وإن كان مسافراً فيقصر وإن صار حاضراً بعدها، فعندئذ يأتي النزاع في القضاء لأنّه وجب عليه الصلاة بكيفيتين مختلفتين ولم تتعيّن إحداهما لأجل الإتيان والأداء، فيقع الكلام في أنّ المعيار هو حال تعلّق الوجوب، أو حال تحقّق الفوت الذي هو آخر الوقت.
إذا عرفت الأمرين: فالمشهور هو المنصور، وذلك لأنّ المكلّف موظف بالإتيان بها في المدّة المضروبة لها من الزوال إلى الغروب، فهو مخيّر عقلاً بين الأفراد العرضية والطولية، ويجوز له ترك فرد بالعدول إلى فرد آخر، كما أنّه مخير بين الثنائية والرباعية إذا تواردت عليه الحالتان من السفر والحضر ولكن التخيير يتضيق شيئاً فشيئاً حسبَ انقضاء الوقت، ومع ذلك فلا يصدق عليه فوت الطبيعة مهما تضايق الوقت، إلاّ إذا لم يبق من الوقت إلاّ مقدار صلاة واحدة مع الخصوصية المعتبرة فيها حسب حال المكلّف في ذلك الوقت، فلو تركها صدق عليه انّه فاتت تلك الصلاة أداءً، ومن المعلوم أنّ القضاء تابع للأداء فيجب قضاؤها لا قضاء غيرها.(124)
وبالجملة لما كان ترك سائر الأفراد مع خصوصياتها بالعدول إلى بدل، تركاً بإذن شرعي فلا يستند الفوت إلى تركها، وإنّما يستند إلى الترك غير المأذون منها، وهو ترك الطبيعة مع خصوصياتها في الوقت الذي لا يسع إلاّ لصلاة واحدة.
فإن قلت: لا نسلم أنّ الفوت مستند إلى تركها في آخر الوقت، بل مستند إلى تركها في جميع أجزاء الوقت ولذا لو أتى به في أوّل الوقت أو أثنائه لما صدق الفوت.
قلت: إنّ الإتيان بها في أوّل الوقت أو أثنائه وإن كان مانعاً عن صدق الوقت لكنّه لا يكون دليلاً على استناد الفوت إلى عدم الإتيان بها في جميع أجزاء الوقت بشهادة أنّه لو أتى بها في آخر الوقت لما صدق عليه الفوت.
وإن شئت قلت: ليس الكلام في صدق الإتيان وعدمه، فلو أتى بها أوّل الوقت فقد أتى بها ولم يصدق أنّه لم يأت بها، إنّما الكلام في صدق الفوت وعدمه وليس له محقّق إلاّ تركها في آخر الوقت. فالذي فات في ذلك الوقت هو الذي يجب قضاؤه وتكون النتيجة هي لزوم مراعاة آخر الوقت.
فإن قلت: ما ذكرته هو مقتضى القاعدة ولكن النص الموجود في المسألة لا يوافقه، ففي خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)انّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتى قدم وهو يريد أن يصلّيها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتى ذهب وقتها. قال: «يصليها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك».(125) وهو صريح في أنّ المناط رعاية وقت تعلّق الوجوب كما هو مقتضى قوله: «لأنّ الوقت دخل وهو مسافر».
قلت: إنّ الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لوجهين:
1. أنّه وإن وردت فيمن فاتته الصلاة وقد تواردت عليه حالتان من السفر والحضر وأنّه تجب عليه مراعاة حال تعلّق الوجوب، لكن تعليل قضائها قصراً بقوله: «لأنّ الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي له أن يصلّي عند ذلك»، يعرب عن أنّه لو أتى بها أداءً في آخر الوقت يقصر وإن كان حاضراً، وهو مخالف لما مرّ من أنّ المعيار، هو ملاحظة حال الأداء لا زمان تعلّق الوجوب.
وبذلك يعلم وجه إيراد الحديث في الوسائل في كلا المقامين، أي في المقام وفي باب القضاء لصلته بكلا البابين.
2. وقوع موسى بن بكر الواسطي في طريق الرواية، وقد وصفه الشيخ بكونه واقفياً(126).
نعم الظاهر من الكشي(127) بل النجاشي كونه إماميّاً حيث لم يتعرض لمذهبه وقال: «له كتاب يرويه جماعة»(128)، ولكن يمكن استظهار وثاقته بنقل المشايخ عنه. منهم: ابن أبي عمير كما في فهرست الشيخ، وصفوان وعلي بن الحكم في سند النجاشي إلى كتابه، ونقل المامقاني عن الكاظمي رواية العلاء بن رزين، والنضر بن سويد، وفضالة بن أيّوب. ونقل عن جامع الرواة نقل كثير من الأكابر عنه، منهم: أحمد بن محمد بن أبي نصر، ويونس بن عبدالرحمن، وعبد اللّه بن المغيرة، وجعفر بن بشير، وغيرهم.
وعلى هذا فلا يصحّ ردّ رواية راو روى عنه المشايخ بكثرة خصوصاً مثل ابن أبي عمير وصفوان، وليس اعتمادهم عليه بأقلّ من توثيق واحد من الرجاليين، وقد قلنا في محلّه: إنّ الملاك هو كون الخبر موثوق الصدور، لا خصوص كون الراوي ثقة.
وأمّا تصحيح الرواية بوقوع موسى بن بكر في اسناد تفسير علي بن إبراهيم أو في اسناد كتاب «كامل الزيارات» لابن قولويه، فليس مفيداً لما أوضحنا حال الكتابين في كتابنا «كليات في علم الرجال». والمهم هو الإشكال الأوّل.
دليل القول الثاني
مع أنّ ابن إدريس ذهب في المسألتين السابقتين إلى أنّ العبرة بحال الأداء، لا حال تعلّق الوجوب، اختار في المقام بأنّ العبرة بحال تعلّقه قال ما هذا نصّه: فأمّا إذا لم يصلّ، لا في منزله ولا لما خرج إلى السفر وفاته أداء الصلاة، فالواجب عليه قضاؤها حسب حاله عند دخول وقتها ـ إلى أن قال: ـ لأنّ العبادات تجب بدخول الوقت وتستقر بإمكان الأداء، كما لو زالت الشمس على المرأة طاهرة فأمكنها الصلاة فلم تفعل حتى حاضت استقر القضاء.(129)
قدعرفت أنّ الواجب، هو قضاء ما فات، وليس الفائت إلاّ الصلاة بين الزوال والغروب غير أنّ تركها في غير الجزء الأخير القابل لإيجاد الطبيعة فيه حسب مقتضى حال المصلّي، ليس محقّقاً للفوت وإنّما المحقّق له، هو تركها في ذاك الجزء فيكون الواجب هو رعاية آخر الوقت لا أوّله.
وإن شئت قلت: إنّ تركها في غير ذاك الجزء لمّا كان مقروناً بالعدول إلى البدل ومأذوناً من العقل والشرع لا يكون محقّقاً له، فيكون المحقّق له، هو الترك في الجزء الأخير الذي ليس الترك فيه تركاً مأذوناً ولامقروناً بالبدل، فيتعين قضاء ما فات فيه.
وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالمرأة التي حاضت بعد مضي وقت أداء الصلاة، فإنّ القضاء فيها يتبع أوّل الوقت، وذلك لتعيّن صلاة واحدة عليها من التمام أو القصر، إذ المفروض أنّها لم تسافر وقت كونها طاهرة، بل كانت باقية في بلدها إلى أن حاضت. نعم لو توالت عليها حالتان من الحضر والسفر حال كونها طاهرة ثمّ حاضت يأتي فيها الكلام أيضاً.
وهذا بخلاف المقام فقد وجبت الصلاة بين الحدّين وله إيقاعها، في أفراد عرضية وأفراد طولية مختلفة حسب اختلاف حالها. فإنّ القضاء يتبع وقت الفوت.
دليل القول بالقضاء تماماً
ذهب الشهيد إلى أنّه يقضي مطلقاً تماماً. (130) وأوضحه صاحب الجواهر بقوله: لكن ظاهرهم بل هو كصريح الشهيد منهم انّ التمام متى تعيّن في وقت من أوقات الأداء، كان هو المراعى في القضاء وإن كان المخاطب به حال الفوت، القصر، وعليه فمن كان حاضراً وقت الفعل ثمّ سافر فيه وفاتته الصلاة المخاطب بقصرها حاله، وجب عليه التمام في القضاء، كما أنّه يجب عليه ذلك لو كان مسافراً في الوقت ثمّ حضر.
و استدل عليه في الجواهر بقوله: ولعلّه لأنّ الأصل في الصلاة التمام، وفيه بحث إن لم يكن منع بل في المفتاح انّ الأكثر على مراعاة حال الفوات بالنسبة للسفر والحضر لا الوجوب، ويؤيّده انّه الفائت حقيقة لا الأوّل الذي قد ارتفع وجوبه في الوقت عن المكلّف برخصة الشارع له في التأخير.(131)
ولا يخفى انّ ما ذكره الشهيد مجرّد احتمال ولم يذكر له دليلاً، وأمّا ما احتمله صاحب الجواهر من الوجه، فقد كفانا كلامه في نقده.
دليل القول بالتخيير
قد تقدم انّه خيرة السيد الطباطبائي واستدل له المحقّق الهمداني في
مصباح الفقيه بما هذا لفظه: انّ الفوت وإن لم يتحقّق صدق اسمه إلاّ في آخر الوقت عند تضيّقه عن أداء الفعل، ولكن الملحوظ في صدقه هو ترك الفعل في مجموع الوقت، المضروب له لا خصوص جزئه الآخر، فالذي فاته في الحقيقة هو فعل الصلاة في هذا الوقت المضروب له الذي كان في بعضه حاضراً، وفي بعضه مسافراً، وليس اجزاء الوقت موضوعات متعددة لوجوبات متمايزة كي يصحّ أن يقال: إنّ الجزء الأوّل ارتفع وجوبه في الوقت برخصة الشارع له في التأخير بل هو وجوب واحد متعلق بطبيعة الصلاة في وقت موسع تختلف كيفية أدائها باختلاف أحوال المكلّف سفراً وحضراً فليس لها بالمقايسة إلى شيء في أجزاء الوقت من حيث هو، وجوب شرعي وإنّما يتعيّن فعله في آخر الوقت بواسطة تركه فيما سبق لا لكونه بخصوصه مورداً للوجوب، فلو قيل بكون المكلّف مخيّراً بين مراعاة كلّ من حالتيه لكان وجهاً.(132)
وحاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين:
1. انّ الفوت وإن كان يصدق بترك الصلاة آخر الوقت، لكن المحقِّق لتركها عبارة عن ترك الطبيعة في جميع أجزاء الوقت فهو مستند إلى تركها فيها، لا إلى تركها في الجزء الأخير.
2. انّ أجزاء الوقت ليست موضوعات متعددة لوجوبات متمايزة، بل وجوب واحد متعلّق بطبيعة الصلاة (من دون أن يسري إلى حيثية التمام والقصر) في وقت موسع تختلف كيفية أدائها باختلاف أحوال المكلّف سفراً وحضراً، وتعينه في آخر الوقت ليس لكونه بالخصوص مورداً للوجوب، بل لكونه مقتضى أحواله.
وعلى ضوء ذلك يكون المكلف، لأجل ترك طبيعة الصلاة التي يختلف أداؤها حسب اختلاف حالات المكلّف مخيراً بين مراعاة أيّ واحدة من حالاته.
يلاحظ عليه بأمرين:
1. إذا كان الواجب هو طبيعة الصلاة بين العدمين، وتختلف كيفية أدائها حسب اختلاف أحوال المكلّفين، يتعين الإتمام، لأنّ الأصل في الصلاة هو الرباعية وهي لا تحتاج إلى البيان، بخلاف الثنائية فهي تحتاج إليه، فمقتضى إطلاق الأمر بالطبيعة هو الإتيان بما لا يحتاج إلى البيان الزائد وهو التمام دون القصر، فلا يكون نتيجة التقريب ما يدعيه من التخيير.
2. انّ الأمر وإن تعلق بالطبيعة المجردة عن القيدين، لكن ما دلّ على أنّ ما فات في الحضر يُقضى في السفر تماماً، وما فات في السفر يُقضى في الحضر قصراً، يدل على كون المطلوب هو إيجادها في ضمن فرد خاص حسب اختلاف حالات المكلّف واعتبارها في مقام القضاء، وعلى ضوء ذلك يجب إمعان النظر في تشخيص ما فات من الخصوصية المأمور بها، وقد عرفت انّ الصدق العرفي، يساعد، مراعاة آخر الوقت.
وأمّا وجه القول بالجمع، فهو لأجل الاحتياط.

80 . نقله عنه العلاّمة في المختلف :2/ 541.
81 . نقله عنه ابن إدريس في السرائر : 1/235، و ستوافيك نصوص الباقين.
82 . نقله العلاّمة في المختلف: 2/ 541.
83 . لاحظ المختلف:2/ 541.
84 . المقنع: 125.
85 . المقنعة: 211.
86 . النهاية: 123.
87 . المبسوط: 1/ 141.
88 . الخلاف: 1 / 577، صلاة المسافر، برقم 332.
89 . السرائر: 1/ 334. لاحظ التهذيب: 1 / 163 ، الباب 10 من أحكام قراءة الصلاة، الحديث 14.
90 . الجامع للشرائع : 93.
91 . التقرير للسيد المحقّق البروجردي حسب تحريري من دورسه الشريفة.
92 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
93 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
94 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
95 . الوسائل: ج5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.و في سنده الحسين بن محمد إبن عامر الأشعري، لم يوثق; ومعلى بن محمد، وهو أيضاً مثله.
96 . المستدرك: ج 6، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
97 . الوسائل : ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.
98 . الوسائل : ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.
99 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
100 . الوسائل: ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.
101 . السرائر:3/ 568. و رواه العاملي في الوسائل بصورة روايتين مع أنّهما رواية واحدة.راجع الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13 و 14.
102 . المستدرك : الجزء 6، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
103 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
104 . مفتاح الكرامة: 3/ 487.
105 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
106 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
107 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
108 . المقنعة: 211، باب أحكام فوائت الصلاة.
109 . النهاية: 123، و لاحظ المبسوط:1/ 141.
110 . مفتاح الكرامة: 3/ 490.
111 . مفتاح الكرامة: 3/ 490.
112 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 .
113 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
114 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8 .
115 . إسحاق بن عمار مردد بين بن حيان الإمامي و الساباطي الفطحي و إن كانا ثقتين وربما احتمل وحدتهما، و فيه تأمل كما هو واضح لمن لاحظ كلمة النجاشي في رجاله في حقّ الرجل.
116 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 .
117 . الوسائل: ج 5، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
118 . رجال النجاشي: رقم 907.
119 . تنقيح المقال: 2 / 79 .
120 . مجمع الرجال: 3 / 187 .
121 . الفهرست: برقم 164 .
122 . الذكرى: 136، المسألة 9.
123 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 و غيره.
124 . من إفادات السيد المحقّق البروجردي على ما حررته في سالف الزمان ـ أي عام 1369 هـ . ق ـ عن دروسه الشريفة.
125 . الوسائل: ج 5 ، الباب 21 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. و رواه في الباب 6 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 3.
126 . رجال الطوسي: 343، أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)، برقم 9.
127 . رجال الكشي: 305.
128 . رجال النجاشي، برقم 1082.
129 . السرائر: 1/334ـ 335.
130 . الذكرى: 136، المسألة 9.
131 . الجواهر:13/ 114.
132 . مصباح الفقيه: 769، كتاب الصلاة.