قائمة المواضيع :
الصوم في السفر
اتفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار في السفر تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة، إلاّ أنّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة نظير الخلاف في كون القصر فيه جائزاً أو واجباً، فالإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة. قال ابن حزم: اختاره من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن عبد اللّه، و أبو هريرة، وغالب، و ابن عباس; ومن التابعين: علي بن الحسين، و ابنه محمد الباقر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة بن الزبير، وشعبة، والزهري، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ويونس بن عبيد وأصحابه.(133)
ونسب الشيخ الطوسي في «الخلاف» القول بالعزيمة إلى ستّة من الصحابة، غير أنّ قاطبة الفقهاء على الخيار بين أن يصوم ولا يقضي وبين أن يُفطر ويقضي.(134)
وكونه شرط الصحة من ضروريات فقه الشيعة، ويدل عليه الإمعان في الآيات الثلاث المباركة:
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام كَما كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(135)
(أَيّاماً مَعْدُودات فَمَن ْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَة طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تعْلَمُون).(136)
(شَهْرُ رَمَضان الَّذي انْزِلَ فيهِ الْقُرآن هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُدى وَالْفُرْقان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ على سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر).(137)
توضيح الاستدلال: أنَّ هذه الآيات الثلاث تتضمن أحكاماً ثلاثة لطوائف ثلاث:
الأُولى: ( مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَهر فليَصُمْهُ)ومعنى ذلك أنّه كتب عليه الصوم في ذلك الشهر.
الثانية: مَن كان مريضاً أو على سفر فقد كتب عليه صيام عدة من أيام أُخر، ومعنى ذلك أنّه مكلف بالصيام في غير أيام شهر رمضان.
وإن شئت قلت: إنّ الواجب عليه من أوّل الأمر هو القضاء لا الأداء، وإطلاق القضاء عليه من باب التوسع باعتبار أنّه لو كان مُصحّاً وحاضراً كان عليه أن يصوم.
وبذلك يعلم أنّ من قدّر جملة «فافطر» قبل قوله «فعدّة» وقال: إنّ تقدير الآية: (فَمنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلى سَفَر «فأفطر» فعدّة من أيّام أُخر)حاولَ تفسير الآية على وفق المذهب حيث إنّ جواز الإفطار عنده رخصة لا عزيمة، ولذلك قدّر هذه الجملة ليكون معنى الآية أنّه مَنْ أفطر فعليه صيام أيام أُخر. وأمّا من لم يفطر فعليه صيام شهر رمضان. وهذا تأويل لم تدل عليه أي قرينة، فالمتبادر من الآية هو أنّ في المقام صنفين: شاهداً للشهر مع الصحة، فهو يصوم، وغير شاهد صحيحاً سواء أكان شاهداً مع المرض أم لم يكن شاهداً أصلاً كالمسافر، فالواجب عليهما صيام أيام أُخر.
الثالثة: الشيخ والشيخة، اللّذان يعبّـر عنهما القرآن بقوله: (وَعَلى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدية طَعامُ مِسْكين) .
ثمّ يعود القرآن و يخاطب المؤمنين بقوله: (وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون)ومعناه أن تصوموا على النحو الذي بيّنتُ، خير لكم إن كنتم تعلمون، فالشاهد يصوم في شهر رمضان، وغيره في أيام أُخر، والمطيق يكفِّر.
بذلك يعلم أنّ قوله:(وان تصومُوا) لا يرجعُ إلى المسافر، لأنّه رجوع بلا دليل، وإلاّ فلو رجع إلى المسافر يجب أن يرجع إلى قرينه أيضاً أي المريض، لأنّهما ذكرا معاً، وقال سبحانه : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلى سَفر )، ومن الواضح أنّ الصوم للمريض ليس خيراً غالباً.
وبالجملة، قوله: (وانْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون)راجع إلى أصل التشريع، وأنّ في تشريع الصيام فوائد في عاجلكم وآجلكم فلا تغفلوا عنه، كما ذكره مرّة أُخرى في ثنايا الآيات الثلاث بقوله: (أَيّام مَعْدُودات)للإشعار بأنّه لا يتجاوز عن أيام معدودات قليلة منقضية بسرعة، وليس لقوله (وان تصومُوا...) أيّ صلة بدعوة المسافر إلى الصوم.
فالإمعان في الآية يثبت أنّ الإفطار للمسافر عزيمة لا رخصة، مضافاً إلى الروايات التي نقلها الحر العاملي في مورده وقد عقد باباً خاصاً له.(138)
ثمّ إنّ عدم الصحة يختص بما إذا كان عالماً بالحكم، فلو كان جاهلاً به يصحّ، كما يصحّ الإتمام في موضع الجهل بالحكم، وسيوافيك بيانه لاحقاً.
صحّة الصوم الواجب في السفر في مواضع ثلاثة
نعم يصحّ الصوم الواجب مَن المسافر في ثلاثة مواضع:
1. مَن لا يجد هدي التمتع ولا ثمنه، صام بدله عشرة أيام، ثلاثة في سفر الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال سبحانه: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجّ وَسَبْعَةٌ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشرةٌ كامِلَة)وقد وردت فيه روايات.(139) وأمّا تخصيص أي يوم من أيام الحج له ، فقد ورد النص بتخصيص السابع والثامن والتاسع منها.(140)
2. مَن أفاض من عرفات إلى المشعر قبل الغروب عمداً، كان عليه كفارة بدنة، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً، ويدل عليه صحيح ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر، صام ثمانية عشر يوماً بمكة، أو في الطريق، أو في أهله».(141) ودلالة الحديث على جواز الصوم في السفر لا شبهة فيها، وحمل الرواية على الصوم في مكة أو في الطريق إذا نوى الإقامة ثم الصوم، كما ترى، وقد عمل به المشهور، وعلى ذلك فيُخصِّص ما دلّ على عدم جواز الصوم في السفر نظير «من لم يجد الهدي ولا ثَمَنه».
3. مَن نذر الصوم في السفر على وجه يكون السفر قيداً للنذر، أو نذر على الوجه الأعم من السفر والحضر على وجه يكون السفر ملحوظاً حال النذر، أمّا بخصوصه ومتقيداً به، أو الأعم منه و من الحضر، وقد تلقّاه الأصحاب بالقبول إلاّ المحقّق في الشرائع حيث توقّف.
ومستند المسألة، صحيحة علي بن مهزيار: قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه وقرأته: «لا تتركه إلاّ من علّة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلاّ أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت من غير علّة فتصدّق بعدد كل يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يحب ويرضى».(142)
والرواية صحيحة، لأنّ الشيخ رواها بالسند التالي:
محمد بن الحسن الصفار: القمي الثقة (المتوفّى عام 290 هـ ).
عن أحمد بن محمد، وعبد اللّه بن محمد: أي أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى عام 280هـ)، وأخيه عبد اللّه بن محمد بن عيسى المشتهر ببنان، وكلاهما ثقة.
عن علي بن مهزيار (الذي كان حياً عام 229هـ) الثقة.
وعلى ذلك فلا غبار في الرواية من جهة السند.
وأمّا بندار الذي كتب إلى الإمام (عليه السلام)فلعله هو بندار بن محمد بن عبد اللّه، يقول النجاشي: إمامي متقدم له كتب، منها: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب الزكاة، ذكر ذلك أبو الفرج محمد بن إسحاق أبي يعقوب النديم في كتاب الفهرست.(143)
وعدم ورود التوثيق في حقّه لا يخل بالرواية، لأنّ العبرة بعلي بن مهزيار الذي قرأ الكتاب، وهو ممّن كان يكاتب كثيراً أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ويعرف خطوطهم.
هذا هو سند الحديث، وأمّا الإضمار فغير مضر لجلالة علي بن مهزيار من أن يعتمد على كلام غير إمامه المعصوم.
نعم، بقي في المتن شذوذان:
أحدهما: أنّه قال: «وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلاّ أن تكون نويت ذلك» فإن رجع اسم الإشارة «ذلك» إلى السفر فهو، وإلاّ فلو رجع إلى السفر والمرض أو خصوص المرض يتوجه الإشكال، لأنّ جواز الصوم في المرض لا يدور مدار النيّة بل يناط بالضرر وعدمه، ولا يصحّحه النذر، ولعل وضوح هذا قرينة على رجوع اسم الإشارة إلى السفر دون المرض.
ثانيهما: أنّه جعل الكفارة، هو التصدّق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين مع أنّ الصحيح عشرة مساكين، بناء على أنّ كفارة النذر هي كفارة اليمين، قال
سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمْ الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْليكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ).(144) والظاهر أنّ نسخة الشيخ كانت مغلوطة، والصحيح عشرة
مساكين بشهادة نقل الصدوق حيث قال في«المقنع» ناقلاً مضمون الرواية: فإن نذر رجل أن يصوم كلّ سبت أو أحد أو سائر الأيام فليس له أن يتركه إلاّ من علّة، وليس عليه صومه في سفر ولا مرض، إلاّ أن يكون نوى ذلك، فإن أفطر من غير علة تصدّق مكان كل يوم على عشرة مساكين.(145)
ثمّ إنّه يظهر من الصدوق جواز الصيام في السفر في موارد أُخرى:
1. صوم كفارة صيد المحرم ، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لاتَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ منَ النَّعم يَحْكُمُ بهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدياً بالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفّارةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ)(146). وقد روي عن علي بن الحسين (عليهما السلام)
انّه قال للزهري: «يا زهري أتدري كيف يكون عدل ذلك صياماً؟» قال: لا أدري، قال (عليه السلام): «يقوّم الصيد قيمة ثم تُفَضُّ تلك القيمة على البرّ ثم يكال البرُّ أصواعاً فيصوم لكل نصف صاع، يوماً».(147)
2. صوم كفّارة الإحلال من الإحرام إن كان به أذى من رأسه. (148)
توضيحه: أنّه سبحانه قال: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِديَةٌ مِنْ صِيام أَوْ صَدَقة أَوْنُسُك)(149) فصاحبها فيها بالخيار، فإن صام، صام ثلاثة أيام.(150) فيحرم على المحرم أن يحلق رأسه، حتى يبلغ الهدي محله، وقد استثنى من كان مريضاً أو به أذى من رأسه فيحتاج إلى الحلق للمداواة، فأبيح له الحلق بشرط الفدية.
3. صوم الاعتكاف في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول، أو مسجد الكوفة، أو مسجد المدائن، ونسب العلاّمة في المختلف جواز الصوم في السفر فيها إلى الصدوق ووالده.(151) ولم يذهب غيرهما إلى الجواز في هذه الموارد. ولم يعلم وجه الجواز إلاّ التمسك بإطلاق الآية، ومن المعلوم أنّها ليست بصدد بيان الحكم من هذه الجهة.
في النذر المطلق
قد تبيّن ممّا ذكرناه كون السفر مانعاً من صحة الصيام الواجب إلاّ في الموارد التالية:
1. إذا كان جاهلاً بالحكم.
2. صيام ثلاثة أيام بدل الهدي.
3. صيام ثمانية عشر يوماً بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب.
4. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصة أو سفراً وحضراً.
بقي الكلام في الموردين التاليين:
أ: النذر المطلق غير المقيّد بالسفر، ولا بالأعم منه ومن الحضر.
ب: الصوم المندوب في السفر.
وإليك البحث فيهما واحداً تلو الآخر.
1. الصيام في السفر مع النذر المطلق
إذا علّق الصيام بوقت معيّن فاتفق أنّه صار مسافراً، فذهب المشهور إلى أنّه لا يجوز صيامه و إن كان النذر معيناً. ويدل عليه مضافاً إلى ما عرفت من صحيح علي بن مهزيار:
صحيح ابن أبي عمير، عن كرّام ـ وهو «كرّام بن عمرو» ـ و لعلّ في نقل ابن أبي عمير عنه، كفاية في وثاقته، وقد وقع اسمه في 12 مورداً في الكافي والتهذيبين، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال: «صم ولا تصم في السفر».(152)
وموثق زرارة، قال: قلت لأبي جعفر: إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً إن يردّ اللّه عليها بعض ولدها من شيء، كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكّة فأشكل علينا لمكان النذر تصوم أو تفطر؟ فقال : «لا تصوم قد وضع اللّه عنها حقه...».(153) إلى غير ذلك من الروايات، كموثق عمار.(154)
نعم جوزه المفيد في المقنعة.(155) ونسب الجواز إلى المرتضى وسلار.(156) لتقديم عموم الوفاء بالنذر على حرمة الصوم في السفر،
ولرواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يجعل للّه عليه صوم يوم مسمّى؟ قال: «يصوم أبداً في السفر والحضر».(157)
يلاحظ عليه: أنّ العناوين الثانوية الاختيارية كالنذر والعهد، لا تغيّر أحكام العناوين الأوّلية، إلاّ ما خرج بالدليل ـ كما مرّ ـ فلا يجوز التوضّؤ بماء مضاف إذا نذر التوضّؤ به، فلا تُقدَّم على أدلة المحرمات ولا على أدلة الشرائط والاجزاء.
وأمّا رواية إبراهيم بن عبد الحميد، فهو واقفي ثقة، غاية الأمر يقيّد إطلاقه بما دل على اختصاص الجواز إذا نوى الصيام في السفر أو عمّمه إلى السفر والحضر.
2. التطوع بالصيام في السفر
اختلف علماؤنا في حكم صيام التطوع في السفر على أقوال ثلاثة:
1. عدم الجواز: اختاره ابن بابويه والمفيد، وسلار، فقال الأوّلان: لا يصوم في السفر تطوعاً ولا فرضاً، واستثنى من التطوّع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي، وصوم الاعتكاف في المساجد الأربعة.(158)
وقال المفيد: لا يجوز ذلك، إلاّ ثلاثة أيام للحاجة: الأربعاء والخميس والجمعة عند قبر النبي، أو مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام)، ثمّ إنّ فقهاء العصابة عملوا بأخبار المنع.(159)
وقال سلاّر: ولا يصوم المسافر تطوعاً ولا فرضاً، إلاّ ثلاثة أيام بدل المتعة ـ إلى أن قال: ـ و صوم الثلاثة أيام للحاجة.(160)
2. الكراهة: وهو خيرة الشيخ في نهايته(161)، وابن البراج في مهذبه(162)، وابن إدريس في سرائره(163)، بل نسب في الأخير القول بالكراهة إلى المفيد أيضاً، لكن المتبادر من كلامه في المقنعة أنّ المختار عنده عدم الجواز، أو لعلّ مراد ابن إدريس من الكراهة هو الحرمة، للاستدلال عليها بقوله: «ليس من البر الصيام في السفر».
3. الجواز بلا كراهة: وهو الظاهر من ابن حمزة، قال: صيام النفل في السفر ضربان: مستحب: وهو ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجائز: وهو ما عدا ذلك، وروي كراهة صوم النافلة في السفر، والأوّل أثبت.(164)
واختار المحقّق في الشرائع القول بالكراهة، وهو خيرة الجواهر تبعاً للمحقّق.(165) كما اختار السيد في المدارك والمحدث البحراني عدم الجواز. واختلاف الأقوال يستند إلى اختلاف الروايات وكيفية علاج تعارضهما. وإليك دراسة الروايات.
الأخبار الدالة على المنع
1. ما دلّ على حرمة الصوم في السفر مطلقاً نظير قول الصادق (عليه السلام): «ليس من البر الصيام في السفر»(166). وقوله(عليه السلام): «لو أنّ رجلاً مات صائماً في السفر، ما صليت عليه».(167) إلى غير ذلك مما أورده الحرّ العاملي في الباب الأوّل من أبواب من يصحّ منه الصوم من كتاب الوسائل.
ما دلّ على المنع في خصوص المورد
2. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:«لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر في شهر رمضان ولا في غيره، وكان يوم بدر في شهر رمضان، وكان الفتح في شهر رمضان.(168) ولعلّ مراده من الصوم في غيره هو الصوم المندوب.
3. مرسل العياشي، عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «لم يكن رسول اللّه يصوم في السفر تطوعاً ولا فريضة».(169)
إنّ في دلالتهما على الحرمة قصوراً، لأنّهما يحكيان فعل المعصوم وهو أعم من الحرمة والكراهة والجواز، فلا يصلحان للاحتجاج، إلاّ أن يقال: إنّ الروايتين ناظرتان إلى عمل الناس يوم ذاك، فهما بصدد نفي عملهم وذم فعلهم، فتكونا ظاهرتين في التحريم.
4. صحيح البزنطي: سألت أبا الحسن عن الصيام بمكة والمدينةونحن في سفر؟ قال: «أفريضة؟» فقلت: لا، ولكنّه تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال: «تقول اليوم وغداً؟» قلت نعم: فقال: «لا تصم».(170)
والنهي ظاهر في عدم الجواز ولا يحمل على الكراهة إلاّ بدليل.
5. موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقول: للّه عليّ أن أصوم شهراً أو أكثر من ذلك أو أقل، فيعرض له أمر لابدّ له من أن يسافر، أيصوم وهو مسافر؟ قال: «إذا سافر فليفطر ،لأنّه لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية».(171)
والسند لا غبار عليه سوى أنّ الجميع فطحيون، والمراد من أحمد بن الحسن الذي به صدِّر السند هو أحمد بن الحسن بن علي بن فضال الثقة.
ما يدل على الجواز
ويدل على الجواز خبران مرسلان ورواية صحيحة.
1. مرسل إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام)من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثمّ دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان، وتفطر شهر رمضان؟! فقال: «نعم، شعبان إليّ إن شئت صمتُ وإن شئتُ لا، وشهر رمضان عزم من اللّه عزّوجلّ عليّ الإفطار».(172)
وفي السند: منصور بن العباس الذي وصفه النجاشي بقوله: مضطرب الأمر; ومحمد بن عبد اللّه بن واسع، الذي لم يرد في حقّه شيء كما أنّ المرسِل، أعني: إسماعيل بن سهل: قال النجاشي فيه: ضعّفه أصحابنا، فلا يحتج بمثل هذه الرواية.
2. مرسل الحسن بن بسّام الجمّال، عن رجل قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام)فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثمّ رأينا هلالَ شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلتُ فداك، أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر؟! فقال: «إنّ ذلك تطوّع ولنا أن نفعل ماشئنا وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلاّ ما أمرنا».(173)
والظاهر وحدة المرسلتين لتقارب مضمونهما.
وفي السند سهل بن زياد رواه عن علي بن بلال، والظاهر أنّه البغدادي الثقة الذي يروي عن الهادي والعسكري (عليهما السلام)، و هو عن الحسن بن بسّام الجمّال، الذي لم يرد في حقّه شيء مدح ولا ذمّ.
3. روى الحسين بن سعيد الأهوازي، عن سليمان الجعفري الثقة، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام)يقول:«كان أبي يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له...».(174)
رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري وهو سليمان بن جعفر الطالبي الجعفري، ولو صحّ الاحتجاج بهذا الحديث ـ و غُضَّ النظرُ عن عدم إفتاء الأصحاب بمضمونه ـ ، أُقتصر على مورده.
الموارد التي يجوز للمسافر الصوم فيها
هنا فروع ثلاثة:
1. صيام ثلاثة أيّام في المدينة للحاجة
اتفقت كلمة الأصحاب على أنّه يجوز للمسافر أن يصوم ثلاثة أيام في المدينة للحاجة، ووردت عليه نصوص خَصَّت الجواز بالأيام الثلاثة: الأربعاء والخميس والجمعة.
روى الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صُمْت أوّل يوم الأربعاء، وتصلّي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة، وهي اسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء وتقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليلتك ويومك وتصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومصلاّه ليلة الجمعة فتصلّي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة.(175)
وربما يتصور انّ التقييد بالأيام الثلاثة من قبيل تعدد المطلوب، كما هو الحال في باب المستحبات، فلا يحمل فيه المطلق على المقيد كما إذا ورد دليل على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام)تحت السماء فيحمل على تعدد المطلوب ويزار أيضاً تحت السقف.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بينه و بين المقام، لأنّ القاعدة الأوّلية في المقام هي الحرمة، فلا يصحّ رفع اليد عنها إلاّ في المورد المتيقن، وهو الأيام الثلاثة، والمرجع فيما سواها هو عمومات الحرمة، على أنّ العمل المذكور إنّما يصحّ إذا كان هناك مطلق، ومقيد، فيؤخذ بالأوّل دون الثاني لما ذكره، وليس المقام كذلك لورود القيد في عامة روايات الباب.
نعم عطف المفيد في المقنعة(176) سائر المشاهد المشرّفة على مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم نجد ما يدل عليه، وإلغاء الخصوصية والقطع بالمناط، فرع حصول العلم به.
2. اختصاص الصحة بالجاهل بالحكم
اتّفقت كلمتهم على أنّ الجاهل بالحكم غير معذور إلاّ في موارد:
1. الإتمام في مكان القصر.
2. والصيام مكان الإفطار.
3. الجهر مكان المخافتة وبالعكس.
وقد أشبعنا الكلام في الأوّل في كتابنا «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر».
ويدل على الثاني: صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه».(177)
وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (البصري) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء قد أجزأ عنه الصوم».(178)
وتقيد بهما ما دل على بطلان صوم المسافر مطلقاً، عالماً كان أو جاهلاً، وقد نقل رواياته صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب مَن يصحّ منه الصوم.
نعم ورد في مورد الإتمام مكان التقصير قوله: «إن كانت قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فصلّـى أربعاً أعاد، وإن لم تكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».(179) دون المقام وإنّما ورد فيه قوله: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه نهى عن ذلك» و الوجه في ذاك، هو أنّ التقصير وجب بالذكر الحكيم وهو قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)(180) وهو بحاجة إلى التفسير، لظهور قوله:(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) في الرخصة لا في العزيمة، وحمله على الثانية يحتاج إلى التفسير ولكن الإفطار وجب بالسنّة حيث إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)سمّى قوماً صاموا في السفر عصاة، وقوله صريح في العزيمة.(181)
فتلخّص أنّ التفصيل بين الجاهل بالحكم وعالمه في الإتمام والصيام مقتضى الأدلة الواردة فيه.
وإنّما يحكم بالصحة إذا بقى على جهله إلى آخر النهار، وأمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه، لأنّ الخارج من تحت الإطلاقات إنّما هو الجاهل في تمام النهار دون البعض، على أنّه كيف يمكن أن يتقرب بالمبغوض بعد العلم به.
3. الناسي ملحق بالعالم
إنّ مقتضى الإطلاقات الواردة هو حرمة الصيام في السفر على المكلّف بأقسامه الثلاثة: العالم والناسي والجاهل كموثّقة عمار: «إذا صام الرجل رمضان، في السفر لم يجزه وعليه الإعادة».(182) خرج عنه الثالث وبقي الباقي تحت العام، ومثله ناسي حكم التقصير، فصلى تماماً ناسياً، فيلحق بالعالم في بطلان صلاته، ولزوم إعادتها.
ثمّ إنّ الروايات دلّت على وجود الملازمة بين القصر والإفطار; ففي صحيح الفقيه عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: «هذا واحد، إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».(183)
وفي موثقة سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)في حديث: «وليس يفترق التقصير والإفطار فمن قصّر فليفطر».(184) إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الملازمة بين الأمرين، وهي الضابطة في الموارد المشكوكة إلاّ أن يدل دليل على التفكيك بينهما، ولعلّ المورد التالي منه، أعني: إذا سافر الصائم بعد الزوال، فيقصر ولا يفطر، وقد اختلفت كلماتهم في شروط الإفطار والإمساك، نأتي بمهم التفاصيل.
الف. الملاك: الخروج قبل الزوال وبعده
ذهب كثير من الفقهاء إلى أنّ الملاك في الإفطار وعدمه هو انّه لو خرج قبل الزوال يُقصّر ويفطر، وإذا خرج بعده يقصر ولا يفطر. وهذا هو المشهور بين المتأخرين، وعليه الصدوق في المقنع، والمفيد في المقنعة، والشيخ في الخلاف في الشق الثاني، واختاره العلاّمة في المختلف.
1. قال الصدوق: وإذا سافر قبل الزوال فليفطر. وإن خرج بعد الزوال فليصم. وروي إنّ خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم.(185) وما ذكره أوّلاً هو مختاره، وما نسبه إلى الرواية إنّما ذكره استطراداً.
2. قال المفيد: ومن خرج عن منزله إلى سفر يجب فيه التقصير قبل زوال الشمس فإنّه يجب عليه التقصير في الصلاة والإفطار، فإن خرج بعد الزوال فعليه التمام في صيام ذلك اليوم وعليه التقصير في الصلاة على كلّ حال.(186)
3. وقال الشيخ: إذا تلبّس بالصوم في أوّل النهار، ثمّ سافر آخر النهار، لم يكن له الإفطار. وبه قال جميع الفقهاء إلاّ أحمد فإنّه قال : يجوز له أن يفطر.(187)
قال العلاّمة: والمعتمد عندي قول المفيد(رحمه الله).(188)
ب: الملاك: تبييت النية والخروج قبل الزوال
ويظهر من الشيخ في المبسوط أنّ السبب المجوِّز للإفطار هو اجتماع أمرين: تبييت النية ليلاً مع كون الخروج قبل الزوال، ولو خرج بعد الزوال فهو يصوم مطلقاً، فخص التفصيل بين تبييت النية وعدمه بما قبل الزوال. وأمّا بعده فقد أفتى فيه بالصوم مطلقاً بيّت النيّة أو لا.
قال: و من سافر من بلده في شهر رمضان وكان خروجه قبل الزوال، فإن كان بيّت نية السفر، أفطر وعليه القضاء، وإن كان بعد الزوال لم يفطر.(189)
هذا هو المستفاد من نهايته بعد الإمعان في أطراف كلامه، وأنّه يقول فيها بنفس ما اختاره في الخلاف، قال فيه:
إذا خرج إلى السفر بعد طلوع الفجر أيَّ وقت كان من النهار وكان قد بيّت نيّته من الليل للسفر وجب عليه الإفطار، وإن لم يكن قد بيّت نيّته من الليل ثم خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم وليس عليه قضاؤه، وإن خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الإفطار على كلّ حال وكان عليه القضاء.(190)
ومتى بيت نيّته للسفر من الليل ولم يتّفق له الخروج إلاّ بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقيّة النهار وكان عليه القضاء.(191)
وإذا ضُمّ هذا الشق الأخير إلى صدر كلامه يظهر أنّ مختاره في النهاية والخلاف واحد، وأنّه يشترط في الإفطار شرطين: 1. تبييت النية، 2. الخروج قبل الزوال، ولذلك حكم بعدم كفاية التبييت في الشق الثاني (تبييت النية ليلاً والخروج بعد الزوال)، غير أنّه حكم في النهاية ـ مع وجوب الإمساك ـ بالقضاء دون الخلاف حيث اكتفى بنفس الإمساك.
والقول بلزوم اجتماع الشرطين هو مختار المحقّق الخوئي، قال في تعليقته على قول صاحب العروة: «فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار»، هذا إذا كان ناوياً للسفر من الليل وإلاّ فالأحوط إتمام الصوم والقضاء.
كما تبع الشيخ ـ في السفر بعد الزوال ـ في نهايته بعض المشايخ حيث علّق على قول صاحب العروة: «وكذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال» بقوله: لكن الأحوط القضاء أيضاً إذا نوى السفر من الليل.
وبذلك يعلم أنّه ليس هنا قائل يقول بأنّ العبرة بتبييت النية ليلاً من غير فرق بين قبل الزوال ومابعده، فإن بيّت نيّة السفر أفطر ولو خرج بعد الزوال وإلاّ صام وإن خرج قبله.(192) لما عرفت من أنّ القائل هو الشيخ في كتابيه وهو إنّما يشترط تبييت النية في الخروج قبل الزوال، وأمّا بعده ففي الخلاف حكم عليه بالإمساك وكفايته، وفي النهاية حكم عليه بالإمساك مع القضاء أيضاً. نعم وردت على وفق هذا الملاك روايات أصحّها ، رواية علي بن يقطين كما سيوافيك.
واختاره أبو الصلاح في الكافي وقال: وإذا عزم على السفر قبل طلوع الفجر وأصبح حاضراً فإن خرج قبل الزوال أفطر، وإن تأخّر إلى أن تزول الشمس أمسك بقية يومه وقضاه.(193) ولم يذكر الخروج قبل طلوع الفجر لوضوح حكمه.
كما اختاره القاضي ابن البراج في مهذبه.(194) وهو الظاهر من عبارة ابن حمزة في الوسيلة حيث قسم المسافر إلى أربعة:
1. إن خرج قبل الفجر من منزله، يفطر.
2. إن خرج بعده قبل الزوال ناوياً للسفر من الليل، يفطر.
3. تلك الصورة ولكن غير ناو للسفر من الليل، لا يفطر ويقضي.
4. إذا خرج بعد الزوال (ناوياً للسفر من الليل)، يصوم و يقضي.(195)
فصارت النتيجة أنّه تبع الشيخَ الأعلامُ الثلاثة: أبو الصلاح، وابن البراج، وابن حمزة.
ج. الصوم كالصلاة يفطر إذا سافر في جزء من النهار
ذهب جماعة إلى أنّ الصوم كالصلاة، يُفطر الصائم إذا سافر أي جزء من النهار، فلا يشترط فيه الخروج قبل الزوال ولا تبييت النية من الليل. وعليه علي بن بابويه في رسالته، وابن أبي عقيل، والسيد المرتضى، ووصفه ابن إدريس في السرائر بأنّه أوضح من جميع ما تقدّمه من الأقوال.(196)
وهذا القول مخالف للقولين السابقين حيث لا يعتبر شيئاً من القيدين اللّذين اعتبرهما أو أحدهما أكثر الفقهاء، ويخالف النصوص الواردة في المسألة، فلنترك هذا القول لأصحابه، ولندرس الروايات حتى يتبين مفادها.
الروايات الواردة على صنفين:
ألف: الملاك: الخروج قبل الزوال وبعده
دلّت الروايات الصحيحة على أنّ الملاك للصوم والإفطار هو الخروج قبلَ الزوال وبعده، فلو خرج قبله يفطر وإلاّ فيمسك بلا قضاء عليه.
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتدّ به من شهر رمضان».(197)
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم، قال: فقال:«إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليُفْطر وليقضِ ذلك اليوم، و إن خرج بعد الزوال فَليُتمَّ صومه».(198)
3. صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: «إن خرج قبل الزوال فليفطر، وإن خرج بعد الزوال فليصم».(199)
4. موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتمّ الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر».(200)
وليس فيها ما يدل على شرطيّة تبييت النية، وتصوّر أنّ الإمام لم يكن في مقام بيان تمام شرائط الإفطار والإمساك من جميع الجهات، بعيد جداً.
ب: الملاك: هو تبييت النية ليلاً
وهناك روايات تعلّق الإفطار على تبييت النية في الليل ومقتضى إطلاقها أنّه إن بيّتها ليلاً، يفطر و إن خرج بعد الزوال، وإن لم يبيتها فلا يفطر وإن خرج قبله، ويدلّ عليه من الروايات ما يلي:
1. موثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)في الرجل يسافر شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدّث نفسه من الليل ثمّ بدا له في السفر من يومه أتم صومه».(201)
وهذه الرواية هي المعتبرة من هذا الصنف، وغيرها مراسيل ضعاف.
2. رواية صفوان بن يحيى، عمّن رواه، عن أبي بصير.
3. رواية إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، عن الرضا(عليه السلام).
4. رواية سماعة هو وابن مسكان، عن رجل، عن أبي بصير.
ومعه كيف يمكن أن يحتج بها؟
وأمّا رواية علي بن يقطين، فرواها الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال، وابن فضال لا غبار عليه إنّما الكلام في سند الشيخ إلى كتابه الذي أخذ الحديث عنه، وفي سنده إليه أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي الكوفي.
وقد حاول بعض الرجاليين أن يثبت وثاقة أبي الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بـ«ابن الزبير» ممّا ذكره النجاشي في ترجمة أُستاذه «ابن عبدون» فقد قال في حقّه: قد قرأ كتب الأدب على شيوخ أهل الأدب، وكان قد لقى أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بـ «ابن الزبير»، وكان علواً في الوقت.(202)
وفي استدلاله نظر صغرى وكبرى.
أمّا الأُولى فالظاهر أنّ الضمير في «كان» الثانية، يرجع إلى ما رجع إليه «كان» الأُولى، وهو نفس ابن عبدون لا ابن الزبير.
أمّا الثانية فلأنّ المراد هو علو سنده (لا علو مقامه) فانّ علو الاسناد ممّا يتنافس به أصحاب الحديث و يتحمّلون المشاقّ لأجله.(203)
إذا وقفت على مقدار اعتبار السند، فلندرس دلالة الحديث، فنقول:
إنّ الصنف الأوّل جعل المعيار الخروج قبل الزوال وبعده، والصنف الثاني جعل المعيار، تبييت النية في الليل وعدمه، فيقع التعارض بينهما في موردين:
1. إذا خرج قبل الزوال بلا تبييت النية. فيفطر على الأوّل، ويصوم على الثاني.
2. إذا خرج بعد الزوال مع التبييت. فيصوم على الأوّل، ويفطر على الثاني.
فما هو المرجع؟ فهل هو الرجوع إلى المرجّحات، أو الجمع الدلالي بتقييد إطلاق الصنف الأوّل بالثاني في خصوص الخروج قبل الزوال وإبقاء إطلاق الصنف الأوّل بحاله في الخروج بعد الزوال؟ وجهان:
الرجوع إلى المرجّحات
إنّ الاختلاف بين الصنفين وإن لم يكن على نحو التباين، بل الاختلاف بينهما على وجه الإطلاق والتقييد لكن يصار إلى الطرح للوجوه التالية:
1. انّ الإطلاقات المتضافرة، لا تُقيّد إلاّ بدليل مفيد للاطمئنان، وقد عرفت أنّ الصنف الأوّل، أخبار صحاح، تضافرت على اعتبار قيد واحد، وهو كون الخروج قبل الظهر وبعده، ومن البعيد أن لا يكون الإمام فيها بصدد بيان تمام المراد، فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل معتبر يفيد الاطمئنان، والوارد في الصنف الثاني إمّا مراسيل وإمّا خبر واحد لا يفيد الاطمئنان في مقابل الإطلاقات الكثيرة، وليس هذا بمعنى إنكار تقييد المطلق بالخبر الواحد، بل بمعنى إنكار تقييد المطلقات المتضافرة بالخبر الواحد الذي يتضاءل عندها، ولذا لم نقل بحق المارّة الذي ورد في خبر واحد، في مقابل الإطلاقات المتضافرة الدالة على عدم حلية مال أحد لأحد إلاّ بطيب نفسه.
2. انّ المعتبر منها إنّما هو رواية علي بن يقطين، وكان الرجل مبتلى بالمخالف، فلعلّ الإمام أفتى بالتقية، ويؤيد ذلك وجود هذا القيد في فتاواهم، قال العلاّمة في المنتهى: إذا نوى المقيم الصوم قبل الفجر، ثم خرج بعد الفجر مسافراً لم يفطر يومه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأبو ثور واختاره النخعي ومكحول والزهري. وهو صريح في أنّ الإفطار مشروط بشرط تبييت النية ليلاً، ولو لم يبيّت فلا يفطر.
3. انّ هذا الصنف من الروايات الذي يعتبر الملاك تبييت النية في الليل فقط لم يعمل بها أحد من الفقهاء، وقد عرفت أنّ الشيخ يعتبر وراء ذلك، الخروج قبل الزوال، ومعه كيف يكون حجة صالحة لتقييد إطلاق الصحاح المتضافرة.
المرجع هو الجمع الدلالي
ذهب السيد الخوئي (قدس سره)إلى أنّ المرجع هو الجمع الدلالي، وذلك بفضل صحيح رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يُصبح قال: «يتم صومه».(204) وذلك بالتقريب التالي:
إنّ قوله: «يعرض» ظاهر في عروض السفر وحدوث العزم عليه من غير سبق النية، فدلّت على أنّ من لم تسبق منه النية لو سافر قبل الزوال يصوم، فتكون قرينة على أنّ الطائفة الثانية المتضمنة للتفصيل بين التبييت وعدمه ناظرة إلى هذا المورد، أعني :ما قبل الزوال، فيكون الحكم بالصيام إذا سافر بعد الزوال الذي تضمنته الطائفة الأُولى سليماً عن المعارض.(205)
وحاصله: إنّ إطلاق الصنف الأوّل يقتضي لزوم الإفطار إذا خرج قبل الزوال مطلقاً، نوى السفر ليلاً أو لا، كما أنّ إطلاقه يقتضي لزوم الإمساك إذا خرج بعد الزوال، نوى السفر ليلاً أو لا، فبما أنّ صحيح رفاعة المتضمن لشرطية التبييت وارد في خصوص الشق الأوّل، يقيد إطلاق هذه الروايات في خصوص الشق الأوّل، ويؤخذ بإطلاق الشق الثاني.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا ورد القيد «حين يصبح» في كلام الإمام، دونما إذا كان وارداً في كلام الراوي فيُحتمل أن لا يكون له دخل في الحكم، وأنّ الملاك للإفطار وعدمه، هو نية السفر ليلاً وعدمها، فعلى الثاني يصوم مطلقاً، وعلى الأوّل يفطر مطلقاً، وبذلك ظهر أنّ ما أتعب السيد الجليل في الجمع بين الصنفين من الروايات أمر لا تطمئن به النفس، وما ذكرناه أولى وأوفق بالقواعد الموروثة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
ج: كفاية السفر قبل الزوال وبعده في وجوب الإفطار
قد عرفت القائلين بهذا القول ويدل عليه ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: «يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل».(206)
وفي السند موسى بن جعفر البغدادي الذي لم يرد في حقّه التوثيق، مضافاً إلى أنّ الرواية غير مسندة إلى المعصوم، فلا يحتج بمثلها.
ولعلّه فتوى نفس عبد الأعلى.
ويؤيده مرسلة المقنع: وروي إن خرج بعد الزوال فليفطر وليقض ذلك اليوم كما مر. وكما يؤيد بما في الفقه الرضوي.(207)
والمرسلة لا يحتج بها في مقابل الصحاح مثل الفقه الرضوي، لأنّها مأخوذة من رواية عبد الأعلى ونحوها على أنّ هذا القول مخالف لكلتا الطائفتين من الروايات الدالة على شرطية أحد الأمرين أو كليهما، فالقول بكفاية مطلق السفر في الإفطار يضادّ مع هذه الروايات التي توجد بينها الصحاح.وهذا القول يترك إلى أصحابه.
ثمّ إنّ هنا روايات لم يعمل بمضمونها أحد من الفقهاء.
1. اشتراط الخروج قبل الفجر إذا نوى السفر في الليل كرواية سليمان بن جعفر الجعفري(208)، وسماعة(209).
2. هو بالخيار في تلك الصورة كصحيح رفاعة بن موسى.(210)
فيرجع علم هذه الروايات إليهم (عليهم السلام).

133 . المحلى:6/ 258.
134 . الخلاف: 2/201 ، كتاب الصوم، المسألة 53.
135 . البقرة: 183.
136 . البقرة: 184.
137 . البقرة: 185.
138 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم.
139 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.
140 . الوسائل: ج 10، الباب 46 من أبواب الذبح، الحديث 4.
141 . الوسائل: ج 10، باب 23 من أبواب إحرام الحجّ والوقوف بعرفات، الحديث 3.
142 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 4.
143 . رجال النجاشي: 1/285، برقم 292، ولاحظ فهرست ابن النديم: 327.
144 . المائدة: 89.
145 . المقنع: 410، باب الأيمان. وتقدم أنّ الشهيد الثاني رأى خط الصدوق وفيه: عشرة
مساكين.
146 . المائدة: 95.
147 . المقنع: 180.
148 . المقنع: 199.
149 . البقرة: 196.
150 . المقنع: 180.
151 . مختلف الشيعة: 3/462، ولاحظ المقنع أيضاً: 199.
152 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.
153 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 .
154 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 .
155 . المقنعة: 362.
156 . قال: وصوم النذر إذا علق بوقت حضر في السفر . المراسم: 95.
157 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.
158 . المقنع: 63.
159 . المقنعة: 350.
160 . المراسم العلوية: 97ـ 98.
161 . النهاية: 162 .
162 . المهذب:1/ 194.
163 . السرائر: 1/ 392.
164 . الوسيلة: 148.
165 . الجواهر:16/ 338.
166 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11.
167 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.
168 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.
169 . الوسائل: ج 7 ، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.
170 . الوسائل: ج 7 ، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
171 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم ، الحديث 8.
172 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.
173 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
174 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.
175 . الوسائل: ج 10، الباب 11 من أبواب المزار، الحديث 1، ولاحظ بقية الأحاديث.
176 . المقنعة: 350 ، قال: عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أومشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام) .
177 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
178 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
179 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
180 . النساء: 101.
181 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.
182 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.
183 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.
184 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
185 . المقنع: 198.
186 . المقنعة: 354.
187 . الخلاف: 2/219، كتاب الصوم، المسألة 80.
188 . مختلف الشيعة: 3/ 470.
189 . المراد: أيّ وقت من أوقات النهار في فترة ما قبل الزوال، كما سيظهر من ذيل كلامه، فانتظر.
190 . ليس هذا شقاً مستقلاً لأنّ الخروج قبل الفجر مقرون مع تبييت النية والخروج قبل الزوال.
191 . النهاية: 162، وهذا الشق دليل على أنّ المراد من قوله: «أي وقت كان من النهار»، هو أي وقت من النهار في الفترة الّتي قبل الزوال.
192 . مستند العروة: كتاب الصوم: 1/ 446.
193 . الكافي في الفقه: 182.
194 . المهذب: 1/ 194.
195 . الوسيلة: 149.
196 . لاحظ المختلف: 3/469ـ 470.
197 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .
198 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2 .
199 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.
200 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.
201 . الوسائل : ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.
202 . رجال النجاشي: برقم 209.
203 . منتهى المطلب: 2/599، الطبعة الحجريّة.
204 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
205 . مستند العروة: كتاب الصوم: 1/ 451.
206 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 14.
207 . المقنع: 198 ; الفقه الرضوي: 25. رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال الفطحي الثقة الجليل، عن أيوب بن نوح الثقة عن محمد بن أبي حمزة( ابن أبي حمزة الثمالي المعروف الذي وثقه الكشي) عن علي بن يقطين.
208 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 .
209 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 .
210 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.