قائمة المواضيع :
الحجّ من أركان الدين
عُدّ الحجّ من أركان الدين، وهو رهن توضيح، فإن كان المراد ما يدخل به الإنسان في حظيرة الإسلام فالحجّ ليس منه، إذ يكفي في انخراط الإنسان في عداد المسلمين: الشهادتان والإقرار بالمعاد، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقبل إسلام من يشهد توحيده سبحانه ورسالته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّ العقيدة باللّه سبحانه لا تعدّ ديناً، ما لم يشهد بالحساب والكتاب والحشر والنشر، أُضيف إلى الشهادتين، الشهادة بالمعاد، ولذلك نرى أنّه سبحانه يعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان باللّه سبحانه ويقول: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ والْيَومِ الآخِر).(439)
وإن أُريد أنّه من أهمّ الواجبات الإلهية وممّا بني عليه الإسلام فهو حقّ حسب ما رواه الفريقان. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية».(440)
وفي صحيح البخاري: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحجّ وصوم رمضان».(441)
الحجّ واجب عيني على المستطيع
ويدلّ على وجوب الحجّ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه، بل الدين قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً)(442) حيث جعل الحجّ في ذمّة الناس وهو آية الوجوب العيني كقوله: عليه الصلاة، عليه الصوم.
وفي الآية دلالة على تقدّم الاستطاعة والقدرة على الفعل، خلافاً للأشاعرة فإنّهم يرونها مقارنة إلى الفعل.(443)
حكم المنكر و المستخفّ والتارك
ظاهر عبارة السيّد المصنّف أنّ إنكار الحجّ بما هوهو موجب للكفر، واستدلّ عليه بوجوه:
1. إنّ وجوب الحجّ من ضروريات الدين كوجوب الصلاة والزكاة، وإنكار الضروري موجب للكفر.
يلاحظ عليه: أنّ إنكار الضروري بما هوهو غير موجب للكفر ما لم يكن ملازماً لإنكار أحد الأُصول الثلاثة بشهادة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل إسلام
من يشهد الشهادتين من دون أن يعترف بالصلاة والزكاة، نعم إذا كان إنكار الحكم الضروري ملازماً لإنكار النبوة فهو موجب لكفر المنكر لا بما أنّه منكر للحكم الضروري، بل بما أنّه يلازم إنكار النبوّة، كما هو الحال في من أنكر وجوب الحجّ وهو ممّن يعيش في بلاد الإسلام أعواماً بخلاف من أسلم وهو في بلاد الكفر وأنكر وجوبه فإنّ إنكاره الضروريّ لا يوجب الكفر لعدم الملازمة.
وظاهر المصنّف كون الإنكار سبباً مستقلاً للكفر لا ملازماً لإنكار أحد الأُصول، كنبوّة نبي الإسلام في المقام.
2. إنّه سبحانه وصف منكر الوجوب بالكفر وقال: (ومَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، وفسّره الطبرسي بإنكار وجوبه.(444)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ سبب الكفر في الآية هو جحد الوجوب، ولكن يحتمل أن يكون سبب الكفر، كفره بتوحيده ورسوله المؤدّي إلى جحد وجوبه، والآية لو لم تكن ظاهرة في هذا النوع من الكفر ليست بظاهرة في ما احتمله.
وثانياً: أنّ الكفر في الآية فسّر بترك الحجّ، في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) بعد قراءة الآية قال: هو لمن كان عنده مال، إلى أن قال: وعن قول اللّه عزّ وجلّ(ومن كفر)يعني من ترك.(445)
وبما أنّ ترك الحجّ عصياناً لا يوجب الكفر اتفاقاً، فلابدّ من تفسير الكفر في الآية بكفر النعمة في مقابل كفر الملّة، قال سبحانه: (إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيل إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً).(446)
فشكر النعمة عبارة عن صرفها في محلّها، وكفرها عبارة عن خلافه، فعلى ذلك فالمراد من كفر بالنعمة مع الاستطاعة المالية والبدنية، ولم يحجّ فلا يضرّ اللّه شيئاً فإنّ اللّه غني عن العالمين.
3. وربما يستدلّ على كفر الجاحد بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام)، قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وذلك قوله تعالى: (وَللّه عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِليهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمين)، قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: «لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر».(447) فإنّ قوله: «ليس هذا هكذا» أي: ليس الحجّ واجباً.
يلاحظ عليه: أنّ الحديث غريب حيث أوجب الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، وهو ما لم يذهب إليه أحد إلاّ الصدوق كما سيأتي، مضافاً إلى احتمال أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» هو إنكار كون القرآن وحياً سماويّاً وانّ النبي رسول مبعوث من اللّه سبحانه.
هذا كلّه حول الجاحد.
ثمّ إنّ صاحب العروة عطف المستخِفّ على الجاحد، وهو على قسمين تارة يستخفّ بأصل الحكم الشرعي، ويراه حكماً في غير موضعه ، وأُخرى يستخف بالعمل به من دون استخفاف بأصل الحكم، كأكثر من يترك الفرائض لأجل الاشتغال بالأُمور الدنيوية. أمّا الأوّل، فلا يبعد إلحاقه بالجاحد، فإنّه أخوه الصغير. وأمّا الثاني فهو حرام من غير فرق بين حكم دون حكم كما ورد في حديث جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) في مَن سأله عن الفأرة، وقعت في خابية فيها سمن أو زيت؟ فأجاب الإمام (عليه السلام) بقوله:«لا تأكله»، فقال السائل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، فقال له أبو جعفر(عليه السلام): «إنّك لم تستخف بالفأرة وإنّما استخففت بدينك».(448)
نعم يفترق الاستخفاف بالحجّ عن الاستخفاف بسائر الأحكام بأنّه من الكبائر، كما ورد فيما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام)في رسالته إلى المأمون، فقال: الإيمان هو أداء الأمانة... واجتناب الكبائر وهي قتل النفس التي حرّم اللّه... والاستخفاف بالحجّ».(449)
وأمّا تركه مجرّداً عن الإنكار والاستخفاف فقد عدّه صاحب العروة من الكبائر. ويدلّ عليه صحيح ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال : «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(450)
ويؤيّده ما ورد في روايات التسويف المنتهي إلى الترك.(451) وليعلم أنّ البحث في المقام مركّز على الترك، وأمّا ما يأتي في البحوث التالية فهو مركّز على صرف التأخير مع قطع النظر عن الترك.
الحج لا يجب في أصل الشرع إلاّ مرّة واحدة
اتّفق المسلمون على وجوبه في تمام العمر مرّة واحدة.
قال العلاّمة في «التذكرة» (452): الحجّ يجب بأصل الشرع مرّة واحدة، وكذا العمرة، ولا يجب أزيد منها، وهو قول عامّة أهل العلم.(453)
وحكي عن بعض الناس أنّه قال: يجب فـي كلّ سنة مرّة. (454)
وقال في «المنتهى»: إنّما يجب بأصل الشرع في العمر مرّة واحدة بإجماع المسلمين على ذلك ـ إلى أن قال: ـ ولا نعلم فيه خلافاً يعتدّ به، وقد حكي عن بعض النّاس أنّه يقول يجب في كلّ سنة مرّة، وهذه حكاية لا تثبت، وهي مخالفة للإجماع والسنّة.(455)
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «أيّها النّاس قد فرض اللّه عليكم الحجّ فحجّوا» فقال رجل: أكلّ عام يا رسول اللّه؟ فسكت حتّى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم» ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».(456)
ويدلّ على وجوبه مرّة واحدة ـ مضافاً إلى كونه من ضروريات الفقه ـ صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«... وكلّفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك». (457)
نعم قال الصدوق في «العلل»: فإنّ الذي أعتمده وأفتي به، انّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة. واستدلّ بأحاديث رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ، وهي تناهز سبعة أحاديث أُوّلت بالوجوه التالية:
1. الاستحباب المؤكّد.
2. الوجوب على البدل بمعنى أنّه إذا تركه ففي العام الثاني.
3. الوجوب الكفائي إذا عطّلت الكعبة عن الحجّ.
وكلّها على خلاف الظاهر كما لا يخفى، وحمله المحقّق الخوئي على ما في تقريراته من أنّها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهلية من عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي، فإنّ العرب كانت لا تحجّ في بعض الأعوام، وكانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي، ومنه قوله تعالى: (إِنّما النَّسيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ)(458)وربما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة فأنزل اللّه الآية ردّاً عليهم. فالمقصود أنّ كلّ سنة قمرية لها حجّ ولا يجوز خلوّها عن الحجّ، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ سنة.(459)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ محاسبة الشهور، بالحساب الشمسي رهن محاسبات دقيقة، وأين هو من العرب في العصر الجاهلي البعداء عن هذا النوع من المحاسبات خصوصاً سكان «مكة» و ما حولها؟!
وثانياً: بأنّ المراد من النسيء هو تقديم وتأخير أشهر الحجّ حسب مصالحهم لا عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين، فكانوا يحجّون في كلّ سنة لكن ربما يقدّمون الأشهر الحرم وأُخرى يؤخّرونها على نحو يحجون في غير ذي الحجة.
قال الطبرسي: المراد تأخير الأشهر الحرم عمّا رتّبها اللّه سبحانه عليه، وكانت العرب تحرّم الشهور الأربعة، وذلك بما تمسكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلّون المحرّم، فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يؤول التحريم إلى المحرّم ولا يفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجّة.(460)
وذلك يدلّ على أنّهم يحجّون في كلّ سنة، ولكن بتقديم الشهر الحرام أو بتأخيره لا بترك الحجّ في عام أساساً.
ثمّ إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة الوداع شارك في مراسم الحجّ شخصياً وقام بتعليم الناس مناسك الحجّ، فجعل الشهر الحرام في مكانه الأصلي ولم يتغير بعده إلى عصر الصادق حتّى يركّز الإمام على خلافه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته:
«أيّها الناس إنّ النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلّونه عاماً ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه، فيحلّوا ما حرّم اللّه، ويحرّموا ما أحلّ اللّه، وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متوالية(ذوالقعدة، و ذو الحجّة، وشهر المحرم، ورجب».(461)
والأولى إرجاع علم الروايات إليهم(عليهم السلام).
وجوب الحجّ ـ عند تحقّق شرائطه ـ واجب فوريّ وأنّ تأخيره من الكبائر
ويدلّ عليه أمران:
الأوّل: الإجماع من الفريقين إلاّ الأوزاعي والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. قال الشيخ : الحجّ وجوبه على الفور دون التراخي، وبه قال: مالك وأبو يوسف والمزني، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ، وقال أصحابه: يجيء على قوله: إنّه على الفور كقول أبي يوسف. و قال الشافعي: وجوبه على التراخي، ومعناه أنّه بالخيار إن شاء قدّم وإن شاء أخّر، والتقديم أفضل، وبه قال الأوزاعي والثوري و محمد.(462)
وأمّا الأمر الثاني: فهو الروايات:
1. ما رواه الترمذي في سننه، عن عاصم بن ضمر، عن علي(عليه السلام) انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى الحجّ ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.(463)
2. ما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس:«من أراد الحجّ فليعجّل».(464)
وفي دلالة الروايتين على كونه واجباً فورياً نظر.
أمّا الأُولى، فإنّ موردها إذا أخّر وانتهى إلى موته مع أنّ موضوع البحث هو الأعمّ منه وممّا ترك عاماً وحجّ في العام المقبل فقد أثم أيضاً .
وأمّا الثانية، فإنّه قيد التعجيل بمن أراد، لا بمن وجب عليه. والكلام في الثاني دون الأوّل.
وقال المفيد: وفرضه عند آل محمد ـ صلوات اللّه عليهم ـ على الفور دون التراخي بظاهر القرآن وما جاء عنهم(عليهم السلام)] من الروايات [ ثمّ استدلّ برواية زيد الشحام، وذريح المحاربي.(465)
وقال ابن إدريس: ووجوبهما ـ الحجّ والعمرة ـ على الفور والتراخي بغير خلاف بين أصحابنا.(466)
وقال العلاّمة: ووجوب الحجّ والعمرة على الفور، لا يحلّ للمكلّف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع. ثمّ نقل عبارة الشيخ المتقدّمة.(467)
وقال الشهيد الثاني معلّقاً على عبارة المحقّق «وتجب على الفور، والتأخير مع الشرائط كبيرة موبقة»: لا خلاف في ذلك عندنا. (468)
هذا ما لدى الخاصة، وأمّا العامّة فقال ابن رشد القرطبي: وهل هو على الفور أو التراخي، والقولان متأوّلان على مالك وأصحابه، والظاهر عند المتأخّرين من أصحابه أنّها على التراخي، وبالقول: إنّها على الفور، قال البغداديون من أصحابه وقال الشافعي: هو على التوسعة، وعمدة من قال: هو على التوسعة: انّ الحجّ فرض قبل حجّ النبي بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو أخّره لعذر لبيّنه.(469)
ويمكن أن يستدلّ على الفورية بالوجوه التالية:
الأوّل: أنّ الفور هو مقتضى إطلاق الأمر، والتأخير بحاجة إلى دليل خاص، وعليه سيرة العقلاء.
وبعبارة أُخرى: أنّ الأمر وإن كان ينقسم إلى قسمين: فوري وغير فوري، وكلّ من القسمين يتميّز عن المقسم بقيد خاص، حسب حكم العقل، لكن الذي يحتاج إلى البيان في نظر العرف هو التأخير دون الفور.
الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ المستطيع لا يحجّ عن غيره نيابة، ففي رواية سعد بن أبي خلف، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: «نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحجّ به عن نفسه».(470)
الثالث: ما يدلّ على أنّ التأخير بما هوهو حرام، كصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مـال له».(471) فقوله: «ثمّ دفع ذلك» بمعنى أخّره فيكون صريحاً في أنّ نفس التأخير ـ سواء أدّى إلى الترك أو لا ـ حرام.
الرابع: الروايات المعروفة بروايات التسويف وهو مصدر مشتق من قوله: «سوّف الحج» وهي كثيرة جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب السادس من أبواب وجوب الحجّ، نذكر منها شيئاً:
1. ففي صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: أرأيت الرجل التاجر ذا المال حين يسوّف الحج كلّ عام وليس يشغله عنه إلاّ التجارة أو الدَين؟ فقال: «لا عذر له يسوف الحج، إن مات وقد ترك الحجّ فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(472)
2. وفي رواية زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): التاجر يسوّف الحج؟ قال: «ليس له عذر، فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام».(473)
ولكن القدر المتيقّن من هذه الروايات هو التسويف المنتهي إلى الترك حتّى وافاه الموت، وأمّا التسويف غير المنتهي إلى ذلك فلا يستفاد منها.
ومنه يعلم قصور دلالة رواية ذريح المحاربي التي رواها عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانياً».(474)
فهذه الرواية نظير روايات التسويف تدلّ على حرمة التأخير المنتهي إلى الترك، وأمّا التأخير بما هوهو مع قطع النظر عن انتهائه إلى الترك فالرواية غير متعرضة له. نعم يكفي فيه الوجهان الأوّلان.
وجوب تحصيل المقدّمات بعد حصول الاستطاعة
يجب تحصيل المقدّمات بعد تحقّق الاستطاعة بمقتضى العقل حيث يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة بعد تحقّق وجوب ذيها، وصاحب العروة قيّد تحصيل المقدّمة بإدراك الحجّ في تلك السنة وما ذكره يتناسب مع الأزمنة السابقة.
وأمّا بالنسبة إلى زماننا فيجب تحصيل المقدّمة ولو بإدراك الحجّ بعد سنين، وذلك لأنّ شؤون الحجّ في زماننا موكولة إلى الحكومات، وهي تجيز في كلّ سنة حصة معينة محدودة فعلى المستطيع تسجيل اسمه في قائمة الراغبين بالحجّ، ليتمكن من الحجّ بعد صدور الإجازة في نفس سنة التسجيل أو في السنين المقبلة، وإلاّ حُرم من الحجّ سنين متمادية أو إلى آخر العمر.
في تعدّد الرُّفقة
لو تعدّدت الرُّفْقة، فهل يجب اختيار الأوثق سلامة وإدراكاً، أو يكفي الوثوق؟ فالأفضل اختيار الأوّل، لكن يكفي الوثوق والاطمئنان العقلائي، ولم يدلّ دليل على لزوم اختيار الأوثق فهو مع الوثوق مخيّر بينهما.
أمّا لو تهيَّأت رفقة واحدة ولم يعلم حصول رفقة أُخرى، أو لو علم حصول رفقة أُخرى ولم يعلم التمكّن من المسير والإدراك للحجّ مع الثانية ففي هاتين الصورتين وجوه ثلاثة:
1. يجب البدار والخروج مع الأُولى مطلقاً.
2. يجب البدار إلاّ إذا حصل الوثوق بالإدراك مع الثانية.
3. يجوز التأخير بمجرّد احتمال الإدراك ولو لم يثق به.
أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق كلام الشهيد الثاني في الروضة، قال: لو تعددت الرفقة في العام الواحد وجب السير مع أُولاها.(475)
وأمّا الثاني: فهو خيرة الشهيد في الدروس، قال: ويجب البدار مع أوّل رفقة، إلاّ أن يثق بالمسير مع غيرها.(476)
وأمّا الثالث: فقد حكي عن صاحب المدارك ـ بعد نقل القولين عن الشهيدين ـ أنّه قال: بل يحتمل قوياً جواز التأخير بمجرّد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى.(477)
وما اختاره الشهيد هو الأوفق بالقواعد، لأنّ الوثوق طريق عقلائي، بل قطع عرفي، فإذا وثق بالإدراك فإيجاب الخروج مع الرفقة الأُولى يحتاج إلى دليل، وكما أنّ المحكي عن سيد المدارك ضعيف، لأنّ التأخير إلى القافلة الثانية، مع عدم الوثوق تفويت للواجب عند العقلاء.
إذا لم يخرج مع الرفقة الأُولى فهل يستقر عليه الحج ؟
إذا لم يخرج مع الأُولى واتّفق عدم التمكّن من المسير أو عدم إدراك الحجّ، فهل يستقرّ عليه الحجّ؟
اختار المصنّف استقرار الحجّ عليه ـ وإن لم يكن آثماً ـ إلاّ إذا تبيّن عدم إدراكه لو سار معهم أيضاً.
ولعلّ وجهه، أنّ الموضوع لاستقرار الحجّ، هو تمكّنه من المسير، وإن لم يخرج فيجب عليه الحجّ في العام القابل، بقيت استطاعته أو لا، فيحجّ متسكعاً. واختاره صاحب الجواهر قال: الظاهر استقرار الحجّ بالتمكّن من الرفقة الأُولى، كمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقت يمكن أن يفعلها ولم يفعلها ومات مثلاً، فإنّه لا إشكال في تحقّق وجوب القضاء عليه بذلك.
على أنّه مندرج في جميع النصوص الدالّة على أنّ من استطاع الحجّ ولم يحجّ ومات، إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً ونحوها.(478)
أقول: الكلام فيما إذا زالت الاستطاعة في العام المقبل، وإلاّ فلو بقيت فلا شكّ أنّه يجب عليه الحجّ في العام المقبل، وعلى ضوء ذلك فالقول بوجوب الحجّ مع زواله أمر مشكل أوّلاً، وما استدلّ به صاحب الجواهر غير تامّ ثانياً.
أمّا الأوّل: فلما قلنا في باب الإجزاء من أنّ قيام المكلّف بالوظيفة حسب الأُصول والضوابط الشرعية موجب للإجزاء، والمفروض أنّه تأخّر عن القافلة الأُولى واثقاً بأنّه يتمكن من السير مع القافلة الثانية ويدرك الحجّ، والوثوق حجّة شرعية .
ومعنى جعل الوثوق حجّة شرعية، هو اقتصار الشارع في كيفية امتثال أوامره ونواهيه بما تؤدّي إليه الحجّة، وهي هنا الوثوق، فإيجاب القضاء ثانياً مع زوال الاستطاعة يعدّ نقضاً للحجّية عند العقلاء كما أوضحناه في مبحث الإجزاء.
والحاصل: أنّ تأخيره لمّا كان بتجويز المولى، فإيجاب القضاء عليه يعدّ مناقضاً لتجويزه.
فإن قلت: إنّ لازم ذلك عدم إيجاب الحجّ عليه في السنة المقبلة إذا بقيت الاستطاعة.
قلت: إنّ الاستطاعة في العام المقبل، موضوع جديد له حكمه، فهو داخل في قوله سبحانه:(وللّهِ علَى النّاس حِجُّ البَيْتِ)وليس إيجابه عليه فيه، تابعاً للإيجاب السابق، وهذا كما إذا كان على الإنسان حجّان: أصالة ونيابةً، أو نذراً، فإذا امتثل الأوّل، يبقى الثاني في ذمّته.
فإن قلت: فقد تقرّر في مبحث الإجزاء، انّه إنّما يتصوّر إذا أتى المكلّف بالواجب وإن كان بصورة غير كاملة، وأمّا إذا لم يأت به أصلاً، فلا وجه للإجزاء، كما إذا كان الواجب، هو صلاة الجمعة فصلّى الظهر، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإجزاء، لأنّه لم يأت بشيء من أعمال الحجّ، أو أتى ولكن لم يدرك الأركان.
قلت: المراد من الإجزاء هنا هو الكشف عن عدم تعلّق الوجوب بذمّته، أو أنّه لم يكن مخاطباً في الواقع وإن زعم وجوبه عليه.
وأمّا الثاني فيرد عليه : أنّه لو كان الموضوع لاستقرار الحجّ، هو التمكن من الحجّ، إذا سار بالقافلة الأُولى، لزم القول باستقراره عليه إذا سار مع القافلة الأُولى ولم يدرك لكنّه لو كان سائراً بالثانية، لأدرك ، لوجود الموضوع للاستقرار وهو التمكّن من الحجّ، بالسير مع الثانية وهو كما ترى، والجامع بينه و بين المقام، هو وجود التمكن في الواقع، ففي المقام يتمكّن من المسير بالأُولى، و في مورد النقض بالمسير بالثانية.
وقياسه بمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقتها ولم يفعلها ومات، قياس مع الفارق، لأنّه فوت الواجب، بعض الوقت اختياراً، فيجب على الولي القضاء بخلاف المقام، فإنّه لم يتمكن من إدراك الواجب لاعن اختيار، بل لجهله، بمصير القافلة الثانية وانّه كُتِبَ عليها ، عدمُ النجاح.
وأمّا الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على أنّ مَن استطاع الحجّ ومات إن شاء أن يموت يهودياً أو نصرانياً، بتصور أنّها بإطلاقها تدلّ على استقرار الحجّ حتّى لو زالت الاستطاعة، فغير تام، لأنّ موردها التفويت العمدي بالإهمال والتسويف، فأين هي ممّن عمل بالوظيفة واتبع الحجة ولم يكن التوفيق حليفه من دون اختيار.

439 . البقرة: 62 .
440 . الوسائل: ج1، الباب1 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 1.
441 . صحيح البخاري: 1، كتاب الإيمان برقم 8.
442 . آل عمران: 97.
443 . لاحظ بحوث في الملل والنحل:2/ 169.
444 . مجمع البيان:1/ 479. قال: ومن جحد فرض الحج ولم يره واجباً، رواه عن ابن عباس والحسن.
445 . الوسائل: ج 8 ، الباب 6 من أبواب وجوب الحج، الحديث 11 .
446 . الإنسان: 3.
447 . الوسائل: ج 8 ، الباب 2 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 1.
448 . الوسائل: ج 1، الباب5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.
449 . الوسائل: ج 12، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33.
450 . الوسائل: ج 8 ، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث 1.
451 . الوسائل: ج 8 ، الباب 6 .
452 . تذكرة الفقهاء:7/15، المسألة 6.
453 . المغني والشرح الكبير:3/165; المجموع:7/9; فتح العزيز:7/3; حلية العلماء:3/ 231.
454 . حلية العلماء:3/232; المجموع:7/ 9.
455 . منتهى المطلب:2/ 643.
456 . التاج الجامع للأُصول:2/100، كتاب الحجّ.
457 . الوسائل: ج 8 ، الباب3 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1، ولاحظ الحديث2و 3.
458 . التوبة: 37.
459 . معتمد العروة، كتاب الحجّ:1/ 16.
460 . مجمع البيان:5/57، تفسير آية : (إِنّما النَّسيء...) (التوبة:37).
461 . إمتاع الأسماع:1/523; الطبقات الكبرى:2/ 186.
462 . الخلاف:2/257، المسألة22 من كتاب الحجّ.
463 . سنن الترمذي:3/154، حديث 809.
464 . سنن أبي داود:2/141، حديث 1732.
465 . المقنعة: 385.
466 . السرائر:1/ 515.
467 . تذكرة الفقهاء: 7/17، المسألة 8 .
468 . مسالك الأفهام: 2/ 122.
469 . بداية المجتهد: 3/ 259.
470 . الوسائل: ج 8 ، الباب 5 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1. ولاحظ سائر روايات الباب.
471 . الوسائل: ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث 3. وروى ذيله في الباب24 من تلك الأبواب، الحديث 2.
472 . الوسائل: ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 4.
473 . الوسائل:ج 8 ، الباب6 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ، الحديث 6.
474 . الوسائل: ج 8 ، الباب7 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه ، الحديث 1.
475 . الروضة البهية:2/ 161.
476 . الدروس الشرعية:1/ 269.
477 . مدارك الأحكام:7/ 18.
478 . جواهر الكلام:17/ 226.