قائمة المواضيع :
في شروط البيع بالصيغة
إنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية حتّى يُتبع فيها نصُّ الشارع وإذنُه وترخيصُه، وإنّ دور الشارع في غير العبادات هو الإرشاد والتنبيه إلى ما يضرّ وما لا يصلح، كحرمة الربا، والبيع الغرري وما شابه ذلك من المحرمات و المكروهات. فيتبع فيما ورد فيه النهي تحريماً أو تنزيهاً.
وعلى ذلك فالأسباب الفعلية والقولية على وزان واحد في إنشاء البيع وسائر العقود، بل قد عرفت أنّ السبب الفعلي هو الأصل والسبب القولي هو العارض، وعلى ذلك فالأصل في المعاملات هو وجود السبب الإنشائي عند العرف من غير فرق في السبب بين اللفظ وبين الفعل والكتابة والإشارة إذا كانت صريحة أو ظاهرة في إنشاء البيع.
نعم ذهب غير واحد من علمائنا إلى اعتبار اللفظ في البيع، بل في جميع العقود وقد نقلوا عليه الإجماع وتحقّقت فيه الشهرة العظيمة. وقد مرّت الروايات الّتي استدلّ بها على لزوم الصيغة في البيع وغيره في الفصل السابق، وعرفت عدم دلالتها على المقصود.
ولكن الإجماع غير محقّق وعلى فرض تحقّقه فهو ليس كاشفاً عن نص وصل إليهم ولم يصل إلينا.
ثمّ إنّ القائلين بلزوم العقد خصّوه بصورة القدرة، وأمّا مع العجز عنه كالأخرس أو من عرض له العجز لأجل المرض ففيه كلام.
1
حكم العاجز عن التكلّم
الظاهر من الروايات أنّ إشارة الأخرس في الطلاق تقع مكان اللفظ. فإذا كانت الإشارة كافية في الطلاق ففي غيره بطريق أولى.
ويدلّ على ذلك روايات كثيرة في باب الطلاق منها:
1. ما رواه أبان بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن طلاق الأخرس؟ قال: «يلفّ قناعَها على رأسها ويجذبه».(479)
2. روى السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ويعتزلها.(480)
3. روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ثم يعتزلها».(481)
والروايات صريحة في جواز الطلاق بالإشارة لغير المتمكّن.
فإن قلت: إنّ القدر المتيقّن من الروايات هو قيام الإشارة مكان الطلاق اللفظي إذا لم يتمكّن من التوكيل، وأمّا معه فلا.
قلت: حمل الروايات على صورة عدم إمكان التوكيل حمل لها على الفرد النادر، وهو كما ترى، فالظاهر كفاية الإشارة للعاجز مطلقاً، تمكّن من التوكيل أو لا.
ثمّ إنّ الظاهر كفاية الكتابة أيضاً للأخرس، إنّما الكلام في تقدّم الإشارة عليها أو كونهما متساويين.
قال الشيخ: وأمّا مع القدرة على الإشارة فقد رجّح بعض الإشارة، ولعلّه لأنّها أصرح في الإنشاء من الكتابة.(482)
إلاّ أنّ بعض الروايات ورد فيها الاكتفاء بالكتابة مع إمكان الإشارة، وأشار إليها الشيخ أيضاً في كلامه، وذلك:
1. ما رواه الصدوق عن أبي نصر البزنطي أنّه سأل أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل تكون عنده المرأة، يصمت ولا يتكلّم، قال(عليه السلام): «أخرس هو؟» قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه؟ قال:«لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك»، قلت: أصلحك اللّه، فإنّه لا يكتب، ولا يسمع، كيف يطلّقها؟ قال: «بالذي يعـرف به مـن أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها».(483)
والرواية صحيحة وليست بحسنة وإن وصفها بذلك المحقّق الخوئي، وقال: حسنة بإبراهيم بن هاشم (في السند) وذلك لأنّ إبراهيم بن هاشم فوق الثقة، وإن لم ترد في حقّه كلمة الثقة، ولكن وردت فيه كلمات تشير إلى أنّه أحد الثقات العظام لا الثقة المطلقة. على أنّ إبراهيم بن هاشم وقع في سند الكليني لا في سند الفقيه ولا في سند الشيخ.(484) وسند الفقيه أيضاً صحيح.
2. ما رواه يونس في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال (عليه السلام): «إذا فعل في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله، ويريد الطلاق، جاز طلاقه على السنّة».(485)
وقد حكم السيد الخوئي بضعف السند، لأنّ إسماعيل بن مرّار مجهول(486) ، والأولى أن يقول: إنّه مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول هو غير المعروف وقد حكم بجهالته، وإسماعيل بن مرّار معروف روى عنه إبراهيم بن هاشم، وروى هو أكثر من مائتي رواية عن يونس، بل يمكن أن يحكم بوثاقته لأنّ ابن الوليد لم يستثنه، قال ابن الوليد: كتب يونس الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة معتمد عليها إلاّ ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد، وهذا (عدم استثنائه) يشهد على وثاقته.(487)
هذا ومن المعروف في هذه الأيّام هو وجود لغة خاصة للعاجزين عن النطق، وهي لغة الإشارة ولها مدارس وكتب، وبواسطتها يتعلّم هؤلاء مختلف الفنون ويعبرون عن حوائجهم بها، وهذا يدلّ على أنّ الإشارة تحتل مكاناً طبيعياً في إفهام العاجزين عن النطق.ولولا ما ورد من الرواية، لكان القول بتقدّم الإشارة على الكتابة وجه، لأنّها لسان طبيعي له فيكون متقدماً على غيره.
هذا كلّه في العاجز عن النطق، وأمّا الكلام في المتمكن منه، فقد عرفت قول المشهور وكلامنا حوله أيضاً، وانّ البيع بالصيغة هو أحد الأسباب لا السبب المنحصر، وعلى ذلك فالكلام في العقد بالصيغة ليس لأجل شرطية الصيغة، بل لأجل احتمال اعتبار الشارع في خصوص صيغة البيع، شرائط للصحة أو اللزوم، والهدف، التعرف على هذه الشروط.
المحاور الثلاثة في العقد بالصيغة
ويقع الكلام في مقامات ثلاثة أشار إليها الشيخ في صدر كلامه:
1. مواد الألفاظ من حيث إفادة المعنى بالصراحة والظهور والحقيقة والمجاز والكناية.
2. هيئة كلّ من الإيجاب والقبول من حيث كونه بالجملة الفعلية وبصورة الفعل الماضي.
3. هيئة تركيب الإيجاب والقبول من حيث الترتيب والموالاة.
وسوف ندرس هذه المحاور الثلاثة مع فروعها في هذا الفصل ضمن أُمور:
المحور الأوّل
وفيه مباحث
2
في مواد الألفاظ
لا شكّ في صحة إنشاء البيع بلفظ موضوع لإنشائه كما في قوله: بعت واشتريت، إنّما الكلام في وقوعه بالمجاز والكناية، فثمة أقوال وآراء:
1. الاقتصار على الألفاظ الّتي وضعها الشارع لهذا العقد.
2. الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة كإنشاء البيع، والنكاح، والإجارة بصيغة: بعت، أنكحت، وآجرت.
3. الاقتصار على اللفظ الموضوع لهذا العقد لغة، والّذي يكون استعماله فيه حقيقة، وعلى هذا لا يكفي المجاز قريبه وبعيده ولا الكناية.
4. كفاية المجاز في إنشاء العقد إذا كان مقروناً بالقرائن اللفظية دون ما يكون مقروناً بالقرائن الحالية ودون الكناية.(488)
5. الاكتفاء بكلّ لفظ يكون صريحاً أو ظاهراً في إنشاء العقد، سواء
كان الاستعمال حقيقياً أو مجازياً أو كنائياً.
والوجه الأخير هو الأقوى كما سيتضح.
دراسة الأقوال الخمسة
أمّا القول الأوّل: فقد نقله الشيخ الأنصاري عن فخر المحقّقين(في الإيضاح) حيث قال: إنّ كلّ عقد لازم «وضع له الشارع صيغة مخصوصة» بالاستقراء فلابدّ من الاقتصار على المتيقّن.(489)
ولما كان هذا القول غير صحيح جدّاً وصفه الشيخ بقوله: وهو كلام لا محصل له عند من لاحظ فتاوى العلماء فضلاً عن الروايات المتكثرة.
وجهه: أنّ العقود أُمور عرفية عقلائية وقد وضعوا لها ألفاظاً من
عند أنفسهم، والشارع استخدم نفس الألفاظ الّتي كان العقلاء يستعملونها
في تلك المعاني، وليس للشارع هناك دور في وضع هذه الألفاظ حتّى يُتّبع وضعه.
أمّا القول الثاني ـ أعني: الاقتصار على الألفاظ الّتي عبّر بها الشارع عن تلك المعاملة ـ : فقد احتمل الشيخ أنّ هذا القول هو مراد فخر المحقّقين من كلامه السابق حيث قال: فلعل المراد من الخصوصية المأخوذة في الصيغة شرعاً هي اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع، فإذا كانت العلاقة الحادثة بين الرجل والمرأة معبّراً عنها في كلام الشارع بالنكاح أو الزوجية أو المتعة فلابدّ من اشتمال عقدها على هذه العبارة، فلا يجوز بلفظ الهبة أو البيع أو الإجارة أو نحو ذلك، وهكذا الكلام في العقود المنشئة للمقاصد الأُخرى كالبيع والإجارة ونحوهما لأنّها بهذه العنوانات موارد للأحكام الشرعية الّتي لا تُحصى.(490)
يلاحظ عليه: أنّ تعبير الشارع عن هذه العقود بالألفاظ الدارجة لأجل أنّ العرف يستخدمها في هذه العقود، فإذاً لا موضوعية لاستخدام الشارع بعدما كان تابعاً لاستخدام العرف، فالميزان كون اللفظ عند العرف قالباً لهذا المعنى ومنشئاً به.
أمّا القول الثالث ـ أعني: الاقتصار على اللفظ الموضوع له لغة ـ : فهو بمعنى أن يكون استعمال اللفظ في العقد المزبور استعمالاً حقيقياً لا مجازياً ولا كنائياً، واحتمل الشيخ أنّ ذلك هو مراد العلاّمة في «التذكرة» حيث قال:الرابع من شروط الصيغة التصريح، فلا يقع بالكناية بيع البتة، مثل قوله: أدخلته في ملكك، أو جعلته لك، أو خذه مني بكذا، أو سلطتك عليه بكذا، عملاً بأصالة بقاء الملك، ولأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر العبارة هو إخراج خصوص الكناية دون المجاز ـ : أنّه كيف لا يجوز العقد بالألفاظ المجازية مع أنّ ظاهر كلامهم في غير واحد من الموارد هو الاكتفاء بالألفاظ غير الموضوعة لذلك العقد؟! مثلاً حُكي عن الأكثر تجويز البيع حالاً بلفظ «أسلمتُ»، إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي نقلها الشيخ عن الأصحاب.
أضف إلى ذلك: أنّ المعاملات ليست من مقولة العبادات بل هي من مقولة الأُمور العقلائية، والمطلوب عند العقلاء كون اللفظ صريحاً في المعنى المقصود أو ظاهراً فيه، وعندئذ لا فرق بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولهذا حمل المحقّق الثاني كلام هذا القائل على المجازات البعيدة الّتي لا يكون اللفظ ظاهراً في المعنى المقصود.
أمّا القول الرابع: وهو كفاية الإنشاء باللفظ، سواء كان الاستعمال حقيقياً أو مجازياً بشرط أن تكون القرينة الدالة على المعنى المجازي لفظية، وهذا هو الّذي اختاره الشيخ فقال بعد نقل كلام المحقّق الثاني: والأحسن منه أن يراد باعتبار الحقائق في العقود، اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية، سواء أكان اللفظ الدالّ على إنشاء العقد موضوعاً له بنفسه أو مستعملاً فيه مجازاً بقرينة لفظ موضوع آخر لترجع الإفادة بالآخرة(491) إلى اللفظ، إذ لا يعقل الفرق
في الوضوح الّذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظ للمطلب بحكم الوضع
أو إفادته له بضميمة لفظ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك
اللفظ.
وهذا بخلاف اللفظ الّذي تكون دلالته على المطلب لمقارنة حال
أو سبق مقال خارج عن العقد، فإنّ الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين
وإن كان من المجازات القريبة جدّاً، رجوع عمّا بني عليه من عدم العبرة
بغير الأقوال في إنشاء المقاصد، ولذا لم يجوزوا العقد بالمعاطاة ولو مع
سبق مقال أو اقتران حال تدلّ على إرادة البيع جزماً.(492)
فظاهر هذا القول عدم الاكتفاء بأمرين:
1. إنشاء العقد بالاستعمال المجازي إذا كانت القرينة حالية.
2. إنشاء العقد بالاستعمال الكنائي.
أمّا الأوّل فقد ذكر الشيخ في وجهه أنّ الاكتفاء بالقرائن الحالية رجوع عمّا بُني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد.
يلاحظ عليه: أنّ إنشاء المقاصد في مورد المجاز إنّما هو باللفظ لا بالقرائن الحالية وإنّما القرينة لتفهيم المقصود، فإذا قال: ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك كريم، أو جاء حاتم عندما جاء الإنسان المعروف بالبخل، فقد أنشأ المدح الذم بنفس قوله: إن هذا إلاّ ملك كريم أو جاء حاتم. وإنّما القرينة لتفهيم المراد، وتطبيق العنوان على المصداق.
وأمّا الإنشاء بالكناية فالظاهر جواز الإنشاء بها إذا كان اللفظ ظاهراً في إفادة المطلوب ظهوراً عرفياً، والتفريق بين الإنشاء بالمجاز والإنشاء بالكناية غير تام.
كلام المحقّق النائيني حول الإنشاء بالكناية
ذهب المحقّق النائيني إلى التفريق بين المجاز والكناية فقال بجواز الإنشاء بالأوّل دون الثاني. وحاصل كلامه:
إنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له، فإذا أطلق اللفظ وأُريد المعنى المجازي الّذي هو مفاد العقد فقد أنشأ وأوجد العنوان الاعتباري للعقد، وهذا بخلاف الكنايات فإنّها قسيم المجازات، فإنّ قوله: «طويل النجاد» استعمل في نفس معناه الحقيقي، وأُلقي معنى اللفظ إلى المخاطب لينتقل إلى ملزومه وهو طول القامة، والانتقال إليه من دواعي استعمال هذه الألفاظ في معانيها، لا أنّها استعملت في طول القامة، فالأقوى عدم صحّة إنشاء العنوان بها; فإنّ إنشاء اللازم وإيجاده في الإنشاء القولي ليس إيجاداً للملزوم عرفاً. وكون الملزوم مقصوداً وداعياً من إيجاد اللازم، لا أثر له، لما عرفت من أنّ الدواعي والأغراض لا أثر لها.(493)
يلاحظ عليه: بأنّ التفكيك مبني على أنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له ابتداءً، بخلاف الكناية فإنّها عبارة عن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي (اللازم)(494) لينتقل منه المخاطب إلى ملزومه، فقول القائل: «زيد طويل النجاد» أُريد به المعنى اللغوي لكنه صار وسيلة للانتقال إلى ملزومه وهو طول القامة، فلا يكون العقد منشئاً باللفظ وإنّما يكون تابعاً للمعنى المنشأ.
ولكن هذا التفريق غير صحيح فإنّ المجاز والكناية من باب واحد فاللفظ في كلّ منهما مستعمل في المعنى الحقيقي، غاية الأمر أنّ المتكلّم يدّعي ـ في المجاز الاستعاري ـ مصداقية المورد للمعنى الحقيقي، فقوله سبحانه وتعالى حاكياً عن النسوة اللواتي رأين يوسف: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)(495) فلفظة «مَلك» مستعملة في الموجود النوراني لا في الفرد
الحاضر في المجلس، ولكن ادّعي أنّ المورد من مصاديقه، وقد أوضحنا
ذلك في دروسنا في علم الأُصول وقلنا: لولا هذا لما صحّ التعجب في قول الشاعر:
قامتْ تُظلّلني ومـن عجـب *** شمسٌ تُظلِّلني عن الشمس
وأمّا الكناية فقد استعمل في اللازم بالإرادة الاستعمالية لينتقل المخاطب عنه إلى الملزوم المراد بالإرادة الجدّية، فإذا كان المجاز والكناية من باب واحد وانّ اللفظين استعملا في المعنى الحقيقي، ولكن الإرادة الجدّية تعلّقت بمصداقية المعنى المجازي، أو تعلّقت بالمعنى الملزوم في قوله: «زيد طويل النجاد»، فلا يصح ما ذكره(قدس سره)من «التفريق بين المجاز فيصح به الإنشاء دون الكناية فلا يصحّ، لأنّ الملزوم لم ينشأ أصالة بل تبعاً»، لأنّ المنشأ أصالة واستقلالاً في الكناية هو المعنى الثاني أي الملزوم ، وإلاّ لأصبحت الكناية أحد أنواع الكذب كما في قوله: زيد كثير الرماد، إذ ربما لا يكون في بيته رماد.
القول الخامس: هو الاكتفاء بكلّ لفظ صريح أو ظاهر في إنشاء العقد، وذلك لأنّ المعاملات أُمور عرفية وليست توقيفية، والإنشاء باللفظ سبب إلى تحقّق المعاملة، هذا من جانب ومن جانب آخر يجب أن يكون السبب صريحاً أو ظاهراً في المقصود، لكي يسدّ باب النزاع في المستقبل في وجه المتعاملين، فالجمع بين الأمرين هو كفاية القول الصريح أو الظاهر في المقصود. وعلى ذلك فلا فرق بين كون اللفظ مستعملاً في المقصود على وجه الحقيقة أو على وجه المجاز أو على وجه الكناية الّتي ربّما تكون أبلغ في أداء المقصود، فلا فرق في المجاز بين كون القرائن لفظية أو حالية، نعم تظهر الثمرة بينهما في مقام الخصومة حيث إنّ القرائن اللفظية تسد باب النزاع بخلاف القرائن الحالية فإنّها تزول بافتراق المتبايعين ومرور الزمان عليها، فلا تنفع في ذلك.
ثمّ إنّ للسيد الطباطبائي اليزدي كلاماً في جواز الإنشاء بالكناية، قال: التحقيق أنّه يجوز إنشاؤه بإنشاء اللازم. وبعبارة أُخرى: يجوز إيقاع المعاملة بالكناية بمعنى ذكر اللازم وإرادة الملزوم بأن يستعمل اللفظ الدالّ على اللازم فينتقل منه الذهن إلى الملزوم، كما في زيد طويل النجاد حيث إنّه استعمل وأُريد منه طول النجاد لينتقل إلى طول القامة، ففي المقام أيضاً يذكر لفظ النقل ويراد به معناه لينتقل إلى معنى البيع الّذي هو الملزوم.
فإن قلت: كيف يجوز ذلك واللازم إنشاء البيع والمفروض أنّه أنشأ لازمه لا نفسه؟
قلت: نعم ولكن البيع أيضاً منشأ، غايته أنّه منشأ ثانوي، ألا ترى أنّه لو مدح زيداً بطول النجاد مع قصد الانتقال إلى طول القامة يصدق أنّه مدحه بطول القامة، وهكذا في جميع موارد الكنايات من الأخباريات والإنشائيات، ولا دليل على وجوب كون حقيقة المعاملة مدلولاً أوّلياً للصيغة.(496)
ثمّ إنّ سيدنا الحجّة(قدس سره)أورد عليه في درسه الشريف ما هذا حاصله:
إنّه خلط بين الإيجاد والانتقال فلو كان البيع من الأُمور الإنشائية فلا يقع البيع بالكناية، لأنّها مستعملة في الملزوم وهو ليس مفاد العقد، وأمّا اللازم الّذي هو مفاد العقد فلم يستعمل فيه اللفظ حتّى يتحقّق باللفظ، فقول القائل: «خذ هذا» مريداً به التمليك، فاللفظ مستعمل في معناه اللغوي وهو البعث إلى الشيء، ولكنّه جعل طريقاً إلى إرادة اللازم وهو التمليك، فلا يتحقّق به التمليك الّذي هو معنى إيجادي.
نعم لو قلنا بأنّ البيع من المفاهيم الّتي يكفي في تحقّقها الانتقال إليها من إرادة معنى لكان للقول بانعقاده بالكناية مجال.
وبعبارة أُخرى: فرق بين العقود الإذنية كالعارية والإباحة الّتي يكفي فيها وجود الكاشف عن إرادة المتكلم، وبين العقود اللازمة كالبيع والإجارة الّتي هي من الأُمور الإيجادية الّتي لا تتحقّق إلاّ باستعمال اللفظ فيها ابتداءً لا بالواسطة.
ثمّ إنّه(قدس سره)كان يفرّق ـ كالمحقّق النائيني ـ بين المجاز والكناية قائلاً بأنّ اللفظ المجازي استعمل في غير ما وضع له ابتداءً الّذي هو مفاد العقد فيكون منشأ باللفظ، بخلاف الكناية فإنّ المعنى الإيجادي لم يستعمل فيه اللفظ وإنّما انتقل إليه المخاطب.
يلاحظ على ما ذكره(قدس سره)بما أوضحنا من عدم الفرق بين المجاز والكناية والجميع من باب واحد، فلو لم يجز الإنشاء بالكناية لا يجوز بالمجاز أيضاً، فإنّ المعنى المجازي يقع في طول المعنى الحقيقي عند الاستعمال. حسب ما حقّقناه واللفظ استعمل في المعنى الحقيقي لينتقل إلى المصداق الادّعائي.
والحلّ أنّ الإرادة الاستعمالية فيهما وإن تعلّقت بالمعنى الحقيقي في المجاز والملزوم في الكناية، لكن الإرادة الجدّية تعلقت بالمعنى المجازي أو اللازم اللّذين هما مفاد العقد ،فاللفظ في نظر العرف صدر لإنشاء المعنى الثانوي لا المعنى الأوّلي.وليس الحديث، حديث الانتقال بل حديث الإنشاء وأنّ المتكلّم أنشأ المعنى الثاني بالطريق الأبلغ، ولذلك لا يقال: إنّه أخبر عن كثرة الرماد، بل أنشأ مدحه بالسخاء.
3
الألفاظ الّتي تصلح للإيجاب والقبول
البحث عن الألفاظ الصالحة للإيجاب والقبول بحث لغوي أو عرفي لا صلة له بالفقه، فإنّ وظيفة الفقيه بيان الأحكام لا الموضوعات، ولذلك لا ترى أثراً من هذا البحث في كتب القدماء، حتّى أنّ المحقّق اكتفى بقوله: ولا ينعقد إلاّ بلفظ الماضي في الإيجاب والقبول.(497)
ويؤيد ذلك ما قلناه من أنّ المعاملات أُمور عرفية، والعقلاء هم الذين اخترعوها ووضعوا لها أسماء وعيّنوا لها أسباباً فهم أعرف بالأسباب من غيرهم، فلو ورد الفقيه هذا البحث فإنّما يريد بيان ما هـو السبب عند العقلاء، فاللازم إيكال البحث إليهم فما رأوه سبباً فهو السبب وإلاّ فلا.
والّذي يمكن أن يقال: إنّ العرف والعقلاء ربما يتردّدون في كون لفظ سبباً أو لا، وهذا هو الّذي دفع الفقهاء المتأخّرين إلى فتح هذا الباب. والعجب أنّهم خصّصوا البحث بالصالح للإيجاب أو القبول في اللغة العربية مع أنّ نطاق البحث أعم، فهو يعم كلّ المسلمين من ذوي اللغات المختلفة، فلكل لغته ولفظه، وهذا ما يدلّ على أنّ الخوض في هذا البحث بلا موجب.
وعلى كلّ تقدير فنحن نقتفي أثرهم على وجه الإيجاز، فالألفاظ الصالحة للإيجاب أو ما يمكن أن يكون صالحاً عبارة عن الألفاظ التالية:
1. بعت. 2. شريت. 3. اشتريت. 4. ملّكت.
أمّا الأوّل ـ أي الإيجاب بلفظة «بعت» ـ فقد اتفقت كلمتهم على صلاحيته للإيجاب وقد شاع استعماله في الإيجاب.
قال سبحانه: (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ).(498)
وقد اشتهر أنّ البيع من الأضداد، أي أنّه يستعمل في الشراء أيضاً.
لكن السيد الطباطبائي قال : يمكن أن يقال إنّه مشترك معنوي بين البيع والشراء، نظير ما يُحكى عن القاموس في لفظ الاشتراء من قوله: كلّ من ترك شيئاً وتمسّك بغيره فقد اشتراه، فيكون بمعنى التمليك بالعوض، أعمّ من الصريح كما في البيع أو الضمني كما في الشراء.(499)
ويؤيد ما ذكر من أنّه موضوع للجامع أنّه سبحانه يقول:(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ).(500)
وقال سبحانه:(رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ)(501)، فالمراد هو نفي المعاملة على وجه الإطلاق، أعني: البيع والشراء لا خصوص البيع، وإن شئت قلت: نفي الجامع.
وأمّا الثاني ـ أي الإيجاب بلفظ «شريت» ـ فلا ريب في جواز الإنشاء به. قال في القاموس: شراه ويشريه: ملكه بالبيع وباعه، كاشتراه وهما ضدّان. وكل من ترك شيئاً وتمسك بغيره فقد اشتراه، وفي القرآن الكريم: (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَراهِمَ مَعْدُودَة).(502)
وقال سبحانه:(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ).(503)
وقال سبحانه: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ).(504)
وربما يستشكل فيه بقلة استعماله عرفاً في البيع وكونه محتاجاً إلى القرينة المعيّنة وعدم نقل الإيجاب به في الأخبار وكلام القدماء.
وقال الشيخ بعد ـ نقل هذه الكلمة ـ ولا يخلو عن وجه.
واعترض عليه السيد الخوئي(رحمه الله)بأمرين:
1. لا نسلم وقوع الاستعمالات العرفية على خلاف الاستعمالات القرآنية.
2. لو سلمنا ذلك ولكن لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على الاستعمالات القرآنية.(505)
والظاهر عدم تمامية الوجهين:
أمّا الأوّل: فمن رجع إلى الاستعمالات الرائجة يقف على أنّ مادة «شرى» تستعمل في جانب القبول ومنه أخذ لفظ «اشتريت» و «المشتري».
وأمّا الثاني: فالمتبع هو الاستعمالات الرائجة لا القرآنية، وليس هذا قدحاً في القرآن، لأنّ الناس يتكلّمون بلسانهم لا بلسان القرآن، فلفظ الدابة في القرآن بمعنى كلّ ما يدب في الأرض وفي العرف هو الفرس، فلو قال: بعت دابةً، فالمراد هو الفرس لا مطلق ما يدب على الأرض.
وأمّا الثالث: «وهو الإيجاب بلفظ اشتريت» فقد نقل صاحب مفتاح الكرامة أنّه قد يقال: يصح الإيجاب باشتريت كما هو موجود في بعض نسخ
التذكرة.(506) ويدل على ذلك قوله سبحانه:(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَب عَلَى غَضَب وَلِلْكافِرينَ عَذابٌ مُهِينٌ).(507)
ومعنى الآية أنّ اليهود كانوا قبل البعثة يستنصرون وينذرون الأوس والخزرج بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا جاء انقلب اليهود على أعقابهم وتراجعوا عمّا كانوا يروّجون له، وذلك لأنّهم لمّا رأوه عربياً من نسل إسماعيل أنكروه حسداً وتعصّباً للعنصرية اليهودية، وكانوا يعتقدون بأنّه يأتي إسرائيلياً من نسل إسحاق، فباعوا أنفسهم للشيطان ولا ثمن لنفوسهم إلاّ الحسد والتعصّب للجنسية اليهودية.
ومع ذلك كلّه فالميزان هو العرف العام للمتبايعين، والظاهر أنّ العرف لا يساعده إلاّ بالقرينة، ويؤيد ذلك أنّ اللفظة من باب الافتعال وهو يدلّ على القبول والمتابعة فهو بهذا المفهوم أصلح أن يكون قبولاً لا إيجاباً.
نعم يجوز الإنشاء به مع القرينة كجعله إيجاباً مقدّماً على القبول ونحو ذلك، غيرأنّ الشيخ لم يرض به قائلاً: بأنّ الاعتماد على القرينة غير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه.(508)
وأشار بقوله: «قد عرفت ما فيه» إلى اتّفاق العلماء على لزوم اللفظ في الإيجاديات والأُمور الإنشائية، فالاعتماد على القرينة غير اللفظية لا يتناسب مع هذا الاتفاق.
وقد عرفت الإشكال فيه وهو أنّ الإيجاد والإنشاء إنّما هو باللفظ والقرينة لتفهيم المخاطب، لا للإيجاد والإنشاء.
وأمّا الرابع: ـ أعني: «ملّكت هذا بهذا» ـ قال الشيخ: والأكثر على وقوع البيع به بل ظاهر «نكت الإرشاد» الاتّفاق حيث قال: إنّه لا يقع البيع بغير اللفظ المتّفق عليه كبعت وملّكت.
ثمّ إنّه أشكل عليه بالنقض بالهبة المعوّضة فإنّ التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها.
أقول: الظاهر صحّة الإيجاب به لكونه مرادفاً لمضمون «بعت هذا بهذا» فإنّ لقول القائل: «بعت هذا بهذا» معنيين; مطابقي وهو المبادلة بين المالين، والتزامي وهو تمليك هذا بهذا. فقوله: «ملكت» تصريح بالمعنى الالتزامي للفظ «بعت».
وأمّا النقض بالهبة فقد ذكرنا غير مرّة أنّ الهبة تتضمن معنى العطية والمجانية ،غاية الأمر بشرط شيء والشرط في الدرجة الثانية، وهذا بخلاف البيع فهو مبني على المعاوضة والمبادلة لا العطية والمجانية.
الألفاظ الصالحة للقبول
الأصل فيه الصراحة والظهور العرفي، قال صاحب«الجواهر»: يجري في ألفاظ القبول ما سمعته في ألفاظ الإيجاب، ضرورة عدم الفرق بين ألفاظه وألفاظ الإيجاب في اعتبار الصراحة.(509)
ثمّ إنّ الشيخ نفى الإشكال في وقوع القبول بالألفاظ التالية: قبلت، رضيت، اشتريت، شريت، ابتعت، تملّكت، ملكت (مخففاً) واستشكل في انعقاد القبول بلفظ: أمضيت، أجزت، أنفذت وشبهها، وقال: فيها وجهان.
والظاهر عدم الإشكال في الجميع إذا كان اللفظ صدر بنية الإنشاء وكان ظاهراً في القبول.
نعم استشكل المحقّق الإصفهاني في القسم الثاني بقوله: إنّ عنوان الإمضاء والإجازة والإنفاذ لا يتعلق إلاّ بما له مضي وجواز ونفوذ، وما يترقب منه ذلك هو السبب التام وهو العقد لتقوّم السبب المترقّب منه التأثير في الملكية بالإيجاب والقبول معاً، فلا معنى للتسبّب في قوله: أمضيت وأجزت وأنفذت إلاّ في مثل العقد الفضولي لا بالإضافة إلى الإيجاب فقط.(510)
حاصل كلامه: أنّ هذه الألفاظ يشار بها إلى ما تمتّ فيه سببية الشيء، وهو يناسب تنفيذ الفضولي الّذي تمّ فيه السببية بالإيجاب والقبول، ولا يناسب المقام الّذي تفرد بالإيجاب فقط فليس هو سبباً تاماً حتّى ينفذ وإنّما السببية التامة بالقبول.
يلاحظ عليه: أنّ العقد الفضولي والإيجاب المتفرد قبل القبول من وزان واحد فليس للعقد الفضولي أي اعتبار وقيمة ما لم يلحق به الإذن فسببيته أيضاً ناقصة تكتمل بالإجازة والإنفاذ، نظير المقام على أنّه لا دليل على أنّ هذه الألفاظ وضعت لتنفيذ السبب التام إلاّ إذا أُريد السببية التامة من جانب البائع لا مطلقاً.
وإن شئت قلت: يكفي وجود المقتضي في التنفيذ والإمضاء وهو الإيجاب.
ولو أوقع العقد بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول ثم اختلفا في تعيين الموجب والقابل إمّا بناءً على جواز تقديم القبول أو من جهة اختلافهما في المتقدّم والمتأخّر، قال الشيخ: فلا يبعد الحكم بالتحالف ثم عدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.(511)
أقول: إن كان مصب الدعوى، هو ما ذكره الشيخ من الاختلاف في عنواني البائع والمشتري فالحق ما ذكره الشيخ من التحالف، لأنّ كلاً منهما يدّعي، ما يدّعيه الآخر، وبعبارة أُخرى: كلّ مدّع من جهة ومنكر من جهة أُخرى، ولكن الفرض بعيد، إذ لا أثر شرعي يترتّب على عنواني البايع والمشتري حتّى يتنازعا فيهما، ولابدّ أن يكون النزاع لغاية أمر آخر نشير إليه تالياً.
وأمّا إن كان النزاع فيهما، لغاية أمر آخر وهو الخيار الشرعي الّذي يترتّب على عنوان المشتري، كخيار الحيوان مثلاً لو حصلت المبادلة بين الحنطة، والفرس بالألفاظ المشتركة بين الإيجاب والقبول، فلو كانت الحنطة مبيعاً والفرس ثمناً، فلا يكون لمن تملّك الفرس خيار ثلاثة أيّام ،لأنّه في هذه الصورة بائع وليس بمشتر; ولو انعكس الأمر وكان الفرس مبيعاً والحنطة ثمناً، يكون لمن تملّكه خيار ثلاثة أيّام. فيصحّ ما ذكره الشيخ من التحالف وعدم ترتب الآثار المختصة لكلّ من البيع والاشتراء على واحد منهما.
وبما ذكرنا يظهر الحال إذا كانت المبادلة على وجه المعاطاة.
4
اشتراط العربية في البيع بالصيغة
هل تشترط العربية في انعقاد البيع؟ كما نقل عن الفاضل المقداد في التنقيح،(512) والمحقّق الثاني في جامع المقاصد(513)، والشهيد الثاني في الروضة البهية(514)، ولعلّ دليلهم هو لزوم التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام).
يلاحظ عليه: أنّ مورد التأسّي هو الأحكام الشرعية لا الأُمور العرفية. والنبي وإن كان يبيع ويشتري باللفظ العربي لكنّه لا يصدر إلاّ عن مقتضى المرتكز في فطرته وما تتطلبه بيئته، لأنّه عاش بين العرب الذين يسيّرون أُمورهم باللغة العربية، وأصدق شاهد على عدم اعتبارها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يبعث جماعة لتعليم القرآن والأحكام، ولم ينقل أهل السير أنّه أرسل رسولاً لتعليم العقود، وما ذلك إلاّ لأنّ كلّ أُمّة تُسيّر أُمور حياتها بلغتها، بلا خصوصية للفظ دون لفظ.
5
حكم الصيغة الملحونة
هل ينفذ البيع بالصيغة الملحونة أو لا؟ فيه خلاف.
قال الشيخ: وهل يعتبر عدم اللحن من حيث المادة والهيئة بناءً على اشتراط (اللفظ) العربي؟ الأقوى ذلك، بناء على أنّ دليل اعتبار العربية هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل، وكذا اللحن في الإعراب.(515)
ولكن الأقوى هو الصحة ما لم يتغير المعنى على وجه يخرجه عن حقيقته لجريان السيرة على التلفّظ باللغات المحرّفة في كلّ شعوب العالم.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت الجملة المحرفة عند العرف قالباً لإيجاد العقد بحيث يفهم منها المعنى المقصود، فالظاهر الاكتفاء بها.
ثمّ إنّ الشيخ رتّب لزوم الاقتصار على العربي الصحيح، على اعتبار العربية وعدم كفاية غيرها، مع أنّ الاقتصار يترتّب على القول بعدم اعتبار العربية أيضاً، وأنّها كسائر الأسباب، فالمتيقّن ـ أيضاً ـ عند القائل بعدم اعتبارها هو الاقتصار على العربية الصحيحة.
6
علم المتكلم بمفاد الصيغة وعدمها
هل يشترط في صحة العقد علم المتكلم بمفاد الصيغة أو لا؟
الظاهر التفصيل بين العلم الإجمالي بمفاد مجموع الصيغة والعلم التفصيلي بمفرداتها وخصوصياتها، فيكفي الأوّل ولا يعتبر الثاني، لأنّ العلم بخصوصيات الصيغة وحروفها وأسمائها وأفعالها أمر مشكل على أهل اللغة فكيف لغيرهم، فإذاً لا مناص من القول الأوّل. فإذا قُصد المعنى من الجملة، يتحقّق الإنشاء ويحصل العقد.
إلى هنا تم الكلام في المحور الأوّل الذي يرجع إلى البحث عن مواد الألفاظ من حيث إفادة صراحتها وظهورها في المعنى المقصود.
المحور الثاني:
7
في هيئة كلّ من الإيجاب والقبول
يقع الإيجاب تارة بلفظ الماضي كقولك: «بعت»، وأُخرى بصيغة الأمر كقوله: «بعني»، وثالثة: بصيغة المستقبل كقولك: «أبيعك»، فهل يقع الإيجاب بالجميع أو يختص بالماضي؟ حكي عن غير واحد اشتراط الماضوية.
قال العلامة في ضمن الشروط: الثاني: الإتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال أبيعك أو قال: اشتري، لم يقع إجماعاً لانصرافه إلى الوعد.(516)
وقال في «المختلف» بعد العبارة المذكورة: ولو أتى بلفظ الأمر أو الاستفهام لم يقع، اختاره الشيخ وابن حمزة.
وقال ابن البراج في «الكامل»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فقال البائع:«بعتك» انعقد. وقال في «المهذب»: لو قال المشتري: «بعني هذا» فيقول البائع: «بعتك» صحّ.(517)
ولعل الاقتصار بالماضي لصراحته في الإنشاء، إذ المستقبل أشبه بالوعد والأمر استدعاء لا إيجاب مع أنّ قصد الإنشاء بلفظ الاستقبال خلاف المتعارف.
أقول: المعيار في الصحة وعدمها سيرة العقلاء، فإن كان النقل عندهم منحصراً بالماضي فتحمل العمومات عليه، وإن كان الرائج هو الأعم فالأدلة تعم الكل. والظاهر وقوعه بالكل لوجهين:
الأوّل: أنّ المعاملات أُمور عرفية وليست أُموراً عبادية حتّى تتحدّد في إطار خاص، والألفاظ وسيلة للتمليك والتملّك، فلو كان الجميع ظاهراً في هذا المقصود ينعقد.
الثاني: الروايات الواردة في بيع العبد الآبق واللبن في الضرع من الإيجاب بلفظ المضارع، وفحوى ما دلّ عليه في النكاح، ولذلك قال الشيخ ـ بعد الإشارة إلى هذه الروايات ـ : ولا يخلو من وجه. ولنذكر بعض ما ورد من الروايات:
1. روى سماعة قال: سألته عن اللبن يُشترى وهو في الضرع؟ قال:«لا إلاّ أن يهرق لك سكرجةً فتقول: اشتري منك هذا اللبن الّذي في السكرجة، وما بقي في ضروعها بثمن مسمّى، فإن لم يكن في الضرع شيء كان ما في السكرجة(518)».(519)
2. ما رواه رفاعة النخاس قال: سألت أبا الحسن ـ يعني موسى بن جعفر (عليهما السلام)ـ : يصلح لي أن أشتري من القوم، الجارية الآبقة، وأعطيهم الثمن، وأطلبها أنا؟ قال: «لا يصلح شراؤها إلاّ أن تشتري معها منهم شيئاً ثوباً أو متاعاً فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهماً، فإنّ ذلك جائز».(520)
3. روى أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: «تقول: أتزوجك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)لا وارثة، ولا موروثة كذا وكذا يوماً. فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهي امرأتك وأنت أولى الناس بها».(521)
فعليه فإنّ هذه الجمل الواردة إيجاب وما يأتي بعدها قبول. بناء على أنّ الإيجاب ليس من خصائص صاحب المتاع، بل يعمّ غيره أيضاً إذا تقدّم في الإنشاء، أو أنّها قبول مقدّم بصيغة المضارع، وظاهر عبارة العلاّمة شرطية الإتيان بالقبول أيضاً بلفظ الماضي فتكون الروايات دليلاً على خلافه مطلقاً.
هذا كلّه في المضارع وأمّا الأمر، فقد روى الأحول قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): أدنى ما يتزوج به الرجل المتعة؟ قال: «كف من بُر، يقول لها: زوجيني نفسك متعة على كتاب اللّه وسنة نبيه نكاحاً غير سفاح».(522)
بناءً على أنّ قوله: «زوجيني نفسك متعة» إيجاب.
هذا وقد وردت روايات في باب بيع المصاحف.(523)
والمجموع من حيث المجموع كاف في إثبات المطلوب، وليس
هناك إجماع كاشف عن وجود النص الواصل إليهم دوننا، وأمّا القول بأنّ
صيغة المستقبل أشبه بالوعد، والأمر استدعاء لا إيجاب، فالكل مرفوع بأنّ القرائن الحاضرة السائدة على مجلس البيع تدفع ذلك. تمّ الكلام في المحور الثاني.
المحور الثالث
في هيئة تركيب الإيجاب والقبول
يقع الكلام في هذا المحور في موردين:
1. تقدّم الإيجاب على القبول.
2. الموالاة بينهما.
8
في تقدم الإيجاب على القبول
هل يشترط تقدّم الإيجاب على القبول؟ فيه خلاف.
ذكر المحقّق: هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول؟ فيه تردد، والأشبه عدم الاشتراط.(524) وقد استدلّ على الاشتراط بالأُمور التالية:
1. التقديم هو المتعارف، وآية لزوم الوفاء بالعقود محمولة على المتعارف.
2. القبول فرع الإيجاب.
3. ادّعاء الإجماع على التقديم عن «الخلاف» في باب البيع والنكاح.
أمّا الأخير فقد راجعنا الخلاف في كلا الموضعين ولم نجد ما يدلّ عليه، ثم وقفت بعد ذلك على كلام صاحب «مفتاح الكرامة» حيث قال: وقد نسب في «غاية المراد» و «المسالك» إلى«الخلاف» دعوى الإجماع، وهو وهم قطعاً، لأنّي تتبعت كتاب البيع فيه مسألة مسألة، وغيره حتّى النكاح فلم أجده.(525)
أمّا العلاّمة فقد اضطرب كلامه فقال في «التذكرة» في ضمن شروط العقد: الأوّل: تقديم الإيجاب على الأقوى، خلافاً للشافعي وأحمد.(526)
وقال في «القواعد»: وفي اشتراط تقديم الإيجاب نظر.(527)
وبهذا ظهر عدم الإجماع في المسألة.
أمّا الدليل الأوّل وهو أنّ المتعارف تقدّم الإيجاب على القبول فإنّما يتم إذا لم يكن هناك تعارف على العكس أيضاً.
وأمّا الدليل الثاني من أنّ القبول فرع الإيجاب فإنّما يتم فيما إذا كان بصدد قبول ما أوجبه المالك، وأمّا إذا كان قبولاً لما يوجبه بعد ثوان فلا يتم الاستدلال. فظهر ممّا ذكر جواز تقديم القبول على الإيجاب مطلقاً، خلافاً للشيخ الأنصاري حيث قال بالتفصيل الآتي:
التقسيم الثلاثي لألفاظ القبول
ثمّ إنّ الشيخ قسّم ألفاظ القبول إلى أقسام ثلاثة:
1. أن يكون بلفظ: قبلت ورضيت.
2. أن يكون بطريق الأمر والاستيجاب.
3. أن يكون بلفظ: اشتريت وملكتُ(بالتخفيف) وابتعت.
ثمّ إنّه(قدس سره)منع تقدّم القبول على الإيجاب بالصورة الأُولى، واستدلّ عليه بكلام مفصّل يرجع لبُّه إلى أمرين، وربّما يخفى على المبتدئ. وإليك توضيحهما:
الأوّل: أنّ القبول ليس مجرد الرضا بالإيجاب كي يصحّ إمكان تعلّقه بالأمر المتأخّر، بل القبول عبارة عن الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً، ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ بتأخّر الرضا عن الإيجاب، وهذا ما أشار إليه بقوله: ليس المراد من هذا القبول... إلى قوله: على وجه العوضية.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: لأنّ المشتري ناقل كالبائع، وهذا لا يتحقّق إلاّ مع تأخّر الرضا عن الإيجاب، إذ مع تقدّمه لا يتحقّق النقل في الحال، فإنّ من رضي بمعاوضة يُنشؤها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله إلى الموجب، بخلاف من رضي بالمعاوضة الّتي أنشأها الموجب سابقاً، فإنّه يرفع بهذا الرضا يده من ماله وينقله إلى غيره على وجه العوضية.(528)
يلاحظ على الوجه الأوّل: بمنع «كون القبول هو الرضا بالإيجاب المتضمّن لنقل المال من الموجب إلى القابل نقلاً فعلياً» بل معناه الرضا بالإيجاب، فإن كان الإيجاب متقدّماً فلازمه حصول النقل حينه، نظير إجازة الفضولي، وإن كان الإيجاب متأخّراً فلازمه النقل حين تحقّقه.
فإن قلت: إنّ اللفظين يتضمّنان معنى المطاوعة أي مطاوعة الإيجاب، ولا يعقل تقدّمه عليه كتقدّم الانكسار على الكسر.
قلت: ما ذكرته يرجع إلى المطاوعة التكوينية كالانكسار بالنسبة إلى الكسر لا المطاوعة الإنشائية فهو يُنشئ معنى المطاوعة، وليس هناك مطاوعة حقيقية حتّى يستلزم تقدّم شيء يطيعه.
وقد أجاب عنه سيدنا الأُستاذ(قدس سره)بوجهين فقال: إنّ القبول وإن كان مطاوعة وتنفيذاً لما أوقعه البائع لكن يمكن إنشاؤه مقدّماً على نحوين:
أحدهما بنحو الاشتراط: بأن يقول: «إن ملّكتني هذا بهذا قبلت» نظير الواجب المشروط، فيتحقّق القبول والمنشأ بعد الإيجاب ويكون مطاوعة له حقيقة، وتحصل الملكية بعد القبول الحقيقي بلا فصل لو فرض في الحال اشتراط حصولها بعده. وهو صحيح على القواعد إلاّ أن يثبت الإجماع على بطلانه.
وثانيهما بنحو الواجب التعليقي: فكما يمكن الأمر بأمر متأخّر من غير اشتراط يمكن إيقاع الإيجاب أو القبول، كذلك فللقابل أن يقبل الإيجاب في موضع تحقّقه(529)، فإنشاؤه حاليّ والمنشأ استقبالي.(530)
ويلاحظ على الوجه الثاني: بما ذكرنا سابقاً من أنّ حقيقة البيع قائمة بالبائع فهو الّذي ربط بين المالين وأوجد المبادلة بينهما، غاية الأمر أنّ عمله هذا لا يؤثر إلاّ بإمضاء المشتري فليس للمشتري إلاّ تنفيذه بإنشاء الرضا والقبول، وليس فيه إلاّ التملّك لا التمليك ولا النقل.
وبما ذكرنا يظهر ما في كلام المحقّق النائيني، في غير هذا المقام حيث قال:
إنّ كلاًّ من الموجب والقابل في عقود المعاوضة ينشئ أمرين: أحدهما بالمطابقة، وثانيهما بالالتزام. فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة ويتملّك مال المشتري عوضاً عن ماله التزاماً، والقابل بعكس ذاك. وعلى هذا فلو لم يكن هناك لفظ يدلّ على نحو القصد كما إذا أنشأ كلّ منهما بلفظ «شريت» فنقول المقدّم هو الموجب والمتأخّر هو المشتري، ولو اشتبه أو تقارن وقلنا بصحّته فلا يترتّب الأثر الخاص على كلّ منهما كما أوضحناه في المعاطاة.(531)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مخالف للوجدان، إذ معنى ذلك أنّ هناك تمليكين وتملّكين، بل ليس هناك إلاّ تمليك بعوض من جانب الموجب وقبول من جانب القابل. نعم عند التحليل يكون لكلّ، تمليك وتملّك، لكنّه تحليل عقلي وليس مدلولاً مطابقياً.
هذا كلّه حول اللفظين «قبلت»، و «رضيت».
وأمّا القسم الثاني ـ أعني القبول بالأمر ـ : فقد ذكر الشيخ الأعظم في وجه المنع ما هذا لفظه: أنّ غاية الأمر في قوله: «بعني هذا بدرهم» دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها، لكن لم يتحقّق بمجرد الرضا بالمعاوضة المستقبلة، نقل في الحال للدرهم إلى البائع.(532)
فقد اعتمد في منعه على الوجه الثاني المذكور في تقدّم لفظيّ:«قبلت» و «رضيت» وهو أنّ المشتري ناقل كالبائع، وليس في الأمر دلالة على النقل في الحال للدرهم إلى البائع. وإنّما يدلّ على طلب المعاوضة.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّه لا يشترط في القبول نقل الثمن إلى البائع فعلاً، بل يكفي فيه إنشاء الرضا والقبول لما ينشؤه الموجب في المستقبل.
فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الوجهين اللّذين اعتمد عليهما الشيخ في منع تقدّم القبول على الإيجاب في هذين القسمين غير تامّين.
ثمّ إنّه قد ورد تقدّم القبول بصورة الأمر على الإيجاب في الروايات:
1. ما رواه العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:جاءت امرأة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مَن لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول اللّه، زوجنيها، فقال:ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، قال: لا. فأعادت فأعاد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل. ثم أعادت فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في المرّة الثالثة: أتُحسِنُ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال: قد زوّجتكها على ما تُحسِنُ من القرآن فعلّمها إيّاه».(533)
2. ولعل هذه الرواية هي نفس ما رواه أهل السنّة عن سهل بن سعد الساعدي حيث قال: إنّي لفي القوم عند رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك، فر(534) فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت فقالت: يا رسول اللّه، إنّها قد وهبت نفسها لك فر فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً. ثم قامت ثالثة فقالت: إنّها قد وهبت نفسها لك، فر فيها رأيك. فقام رجل فقال: يا رسول اللّه أنكحنيها.
قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا. قال: فاذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد، فذهب فطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد. فقال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا.
قال: اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن.(535)
نعم يحتمل أن يكون الطلب الصادر من الرجل كونه إيجاباً لا قبولاً، ولا دليل على اختصاص الإيجاب بالمرأة. وعلى كلّ تقدير يدلّ على جواز إنشاء القبول أو الإيجاب بالأمر.
القسم الثالث: تقديم القبول بلفظ: «اشتريت» و «ابتعت» و «تملّكت» أو «ملكت» ـ هذا بكذا ـ فذهب الشيخ إلى جوازه.
ووجهه: أنّه ليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو، معنى القبول، لكنّه لمّا كان الغالبُ وقوعَه عقيب الإيجاب. وإنشاء انتقال مال البائع إلى نفسه إذا وقع عقيب نقله إليه، يوجب تحقّق المطاوعة ومفهوم القبول، وهذا المعنى مفقود في الإيجاب المتأخّر، لأنّ المشتري إنّما ينقل ماله إلى البائع بالالتزام الحاصل من جعل ماله عوضاً والبائع إنّما يُنشئ انتقال الثمن إليه كذلك لا بمدلول الصيغة.(536)
وهاهنا احتمال آخر وهو أن تكون كلّ هذه الأمثلة من قبيل الإيجاب لا القبول المتقدّم، وهذا ما احتمله سيدنا الأُستاذ فقال: إنّ مثل اشتريت ليس من قبيل القبول بل هو إيجاب من قبل المشتري، فإنّ ماهية البيع الّتي ليست إلاّ مبادلة مال بمال كما يمكن إيقاعها بالإيجاب من طرف البائع يمكن إيقاعها بإيجاب المشتري، فإذا قال المشتري:«اشتريت هذا بهذا» أو «تملّكت هذا بهذا» لم يبق محل لإيجاب البائع بل لابدّ له من قبول هذا الإيقاع وبقوله يتم موضوع اعتبار العقلاء.(537)
وبهذا ظهر أنّ كون البائع هو الموجب والمشتري هو القابل ليس على إطلاقه، بل يمكن أن يكون المشتري موجباً والبائع قابلاً كما في هذه الصورة.
على ما ذكره(قدس سره)يمكن أن يقال:كلّما ورد القبول بصورة الأمر أو المضارع فهو إيجاب من جانب المشتري، وما يأتي بعده من البائع هو القبول.
بقي هنا أمران:
الأوّل: كلّ ما ذكرناه صحيح على ضوء القواعد ولكن المهم موافقة العرف معها، فلو كان تقديم القبول موافقاً للقواعد ولكن مخالفاً للعرف لم يتحقّق به العقد، لأنّ الممضى هو العقود العرفية.
الثاني: أنّ الشيخ(قدس سره)ذكر في آخر كلامه أنّ العقود على قسمين وقسّم كل قسم إلى قسمين آخرين، وقال: إنّ تقديم القبول على الإيجاب لا يكون إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين.
حاصل كلامه: إنّ القبول في العقود إمّا أن يكون فيه التزام بشيء من القابل كنقل مال عنه أو زوجية.
وإمّا أن لا يكون فيه سوى الرضا بالإيجاب.
أمّا الأوّل فهو على قسمين:
1. أن يكون الالتزام الحاصل من القابل نظير الالتزام الحاصل من الموجب كالمصالحة.
2. أو يكون الالتزام الحاصل من القابل متغايراً كالاشتراء.
وأمّا الثاني فهو أيضاً على قسمين:
3. إمّا أن يعتبر فيه عنوان المطاوعة كالارتهان والاتهاب والاقتراض.
4. وإمّا أن لا يثبت فيه اعتبار أزيد من الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية وشبهها.
فتقديم القبول على الإيجاب لا يتصور إلاّ في القسم الثاني من كلّ من القسمين. وذلك لأنّ القسم الأوّل بما أنّ الالتزامين متماثلان كما في الصلح فكلّ مَن تكلّم بالصلح قبل الآخر فهو الموجب والآخر هو القابل، ولا يتصور فيه تقديم القبول على الإيجاب، لأنّ الإيجاب متمايز بذاته عن القبول بالتقدّم.
أمّا الثاني ـ أعني إذا كان الالتزامان متغايرين، كالبيع من جانب البائع والاشتراء من جانب المشتري ـ : فهنا يتصور تقديم القبول على الإيجاب.
وأمّا الثالث ـ أعني إذا كان في القبول عنوان المطاوعة ـ : لا يجوز فيه تقدّم القبول على الإيجاب، كما إذا قال: رهنتك وقال الآخر: ارتهنت . لأنّ قبول الارتهان فرع صدور الرهن من الراهن.
وأمّا الرابع ـ أعني ما لا يعتبر فيه سوى الرضا بالإيجاب كالوكالة والعارية ـ : فيتصور فيه تقدم القبول على الإيجاب. لأنّ الإيجاب متمايز عن القبول بالذات.
وحصيلة الكلام: أنّ البحث في جواز تقديم القبول على الإيجاب وعدمه مركّز على هذين القسمين لا القسم الأوّل، لعدم التمايز; ولا القسم الثالث، لامتناع قبول الرهن قبل صدوره من الراهن.
9
الموالاة بين الإيجاب والقبول
من شروط صحّة العقد; الموالاة بين الإيجاب والقبول، وقد ذكرها غير واحد من الفقهاء.
قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة المعتبرة في العقد ونحوه وهي مأخوذة من اعتبار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه.(538)
وقد ذكروا في اعتبارها وجوهاً:
الأوّل: ما ذكره الشهيد في «القواعد» ولخّصه الشيخ الأنصاري قال: حاصله: أنّ الأمر المتدرج شيئاً فشيئاً إذا كان له صورة اتصالية في العرف، فلابدّ في ترتّب الحكم المعلّق عليه في الشرع من اعتبار صورته الاتصالية، فالعقد المركب بين الإيجاب والقبول القائم بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيقدح تخلّل الفصل المخلّ بهيئته الاتصالية، ولذا لا يصدق التعاقد إذا كان الفصل مفرطاً في الطول كسنة أو أزيد، وانضباط ذلك إنّما يكون بالعرف فهو في كلّ أمر بحسبه فيجوز الفصل بين كلّ من الإيجاب والقبول بما لا يجوز بين كلمات كلّ واحد منهما، ويجوز بين الكلمات بما لا يجوز بين الحروف كما في الأذان والإقامة (القراءة).(539)
ثمّ إنّ الشيخ فرّق بين العقد والبيع والتجارة عن تراض، لكنّه ليس بتام، لأنّ ما ذكره الشهيد يجري في العقد والبيع على السواء، والمناط في لزوم الموالاة هو كون الإيجاب والقبول بمنزلة كلام واحد، لابدّ في حفظ الوحدة، اعتبار الاتصال والتوالي بينهما. وهو مشترك بين الجميع.
الثاني: ما ذكره المحقّق الاصفهاني: انّ الإيجاب والقبول حيث إنّهما قائمان بأثر فلهما بنظر العرف جهة وحدة، فكأنّ الواحد قائم بأثر واحد، فلابدّ من كونهما على نحو من الاتصال العرفي فكأنّه كلام واحد بوحدة اتصالية يقوم بأثر واحد. وعليه فلا فرق بين دليل الوفاء بالعقد ودليل الحلية فإنّ المدار ليس على ما يقتضيه عنوان العقد، بل ما يقتضيه قيام ما هو كالواحد بأثر واحد.(540)
أقول: إنّ ما ذكره(قدس سره)قريب ممّا ذكره الشيخ، غير أنّ الثاني ركّز على وحدة الكلام ولزوم الصورة الاتصالية في حفظ الوحدة ولكن المحقّق الإصفهاني ركّز على اشتراك الإيجاب والقبول في إيجاد أثر واحد، فالأثر الواحد يقوم بموضوع واحد. والفصل القليل بين الإيجاب والقبول لا يضر بوحدة الموضوع.
الثالث: ما استدلّ به المحقّق النائيني بعد أن قسّم العقود إلى ما تعتبر فيه الموالاة قطعاً، ومنها ما لا تعتبر فيه قطعاً، ومنها ما هو محل إشكال.
أمّا القسم الأوّل فكالعقود العهدية المعاوضية كالبيع وما يلحق بها، كالنكاح ونحوه، ووجه اعتبارها فيها أمران:
الأوّل: أنّه لمّا كان فيها خلع ولُبس أو إيجاد عُلقة فلابدّ أن يكون مقارناً للخلع، لبس، وهكذا مقارناً لإيجاد العلقة قبول. وإلاّ تقع الإضافة أو العلقة بلا محلّ ومضاف إليه.
الثاني: اعتبار كونها عقداً يقتضي أن يرتبط إنشاء أحدهما بإنشاء الآخر، بأن يصير بمنزلة كلام واحد... إلى آخر ما ذكره الشيخ.(541)
يلاحظ على الأمر الأوّل: بأنّه لا شكّ أنّ الخلع فعل الموجب حيث يخلع ملكية المبيع عن نفسه، وأمّا اللُّبس ـ أي جعل الثمن ملكاً للبايع ـ فإن كان فعل الموجب أيضاً فكلاهما يتحقّقان في زمن واحد، حيث إنّ البائع بإيجابه إنّما يخلع ملكية المثمن عن نفسه، ويجعل الثمن لنفسه بإزاء ذلك الخلع.
وأمّا لو كان اللُّبس فعل المشتري فلو تمّ فرضه لصح الدليل، إلاّ أنّ الكلام في كون اللبس فعلاً للمشتري، لأنّ الخلع واللبس الإيقاعيين حصلا بالإيجاب، لأنّه تمام ماهية المعاملة فالموجب بإيجابه يملك المشتري ويتملّك الثمن إيقاعاً وإنشاءً وليس للقبول شأن إلاّ تنفيذ فعل الموجب. فلا يوجب الفصلُ بين الإيجاب والقبول الفصل بين الخلع واللبس.
وأمّا ما أفاده في ذيل كلامه من لزومه مقارنة القبول لإيجاد العلقة وإلاّ تقع الإضافة أو العلقة بلا محل، فمنظور فيه إذ لو تمّ لزم بطلان كافة العقود، لأنّه يفصل بين الإيجاب والقبول شيء من الزمان، وامتناع العلقة بلا محل أمر عقلي لا تأثير لطول الزمان وقصره عليه.
وبذلك يظهر أنّ الوجه الثالث أشبه بدليل فلسفي على أمر اعتباري بخلاف الوجهين الأوّلين فإنّ لهما عرفية واضحة خصوصاً الوجه الأوّل.
الرابع: ما ذكره المحقّق الإيرواني بقوله: إنّ الإيجاب يفيد النقل من حينه، فإذا تأخّر القبول عنه، فإمّا أن يكون قبولاً لتمام مضمون الإيجاب، فعلى فرض الصحّة لزم حصول النقل قبل تمام العقد; أو بعض مضمونه، أعني: النقل من حين تحقّق القبول، فيلزم عدم المطابقة بين الإيجاب والقبول، وهو معفوّ في الفصل القليل دون الكثير.(542)
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ ما ذكره مبني على أنّ للقبول دوراً في النقل وعندئذ يتجه ما ذكره. وأمّا إذا قلنا بأنّه ليس له دور سوى تنفيذ ما نقله البائع، فالقابل ينفّذ ما نقله البائع بعد تمام الإيجاب ويكون دور القبول أشبه بدور الإجازة في الفضولي.
2. انّ ما ذكره مبني على أخذ الزمان قيداً للإيجاب مع أنّه ظرف لا قيد فمضمونه ليس سوى النقل فقط لا النقل من حين الإيجاب. نعم وقع النقل في حين الإيجاب لكنّه ليس قيداً لمضمون الإيجاب، بل هو مجرّد عن أيّ زمان، فإذا انضم إليه القبول يكون مطابقاً لمضمون الإيجاب.
أدلة القائل بعدم اعتبار الموالاة
ذهب المحقّق الخوئي إلى عدم اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول قائلاً: بأنّ العقد ليس اسماً للّفظ المركب من الإيجاب والقبول، بل هو عبارة عن العهد المطلق أو العهد المشدّد، وهذا المعنى أمر نفساني قائم باعتبار الموجب والقابل، ومن الواضح أنّه لا ينفصم بتخلّل الفصل بين الإيجاب والقبول اللفظيين.
نعم لابدّ بعد ذلك أن يكون هناك مُظهِر في نظر أهل العرف لذلك الاعتبار النفساني، فإذن لا يكون الوجه المزبور دليلاً على اعتبار الموالاة بين الإيجاب والقبول مادام الاعتبار قائماً بنفس الموجب.(543)
وحاصله: أنّ العقد قائم بالاعتبار النفساني إذا انضم إليه المبرز، فمادام الأمر النفساني موجوداً يؤثر، وإذا ما انضم إليه القبول يتحقّق العقد. ولا يشترط بقاء المبرز.
والظاهر أنّ السيد المحقّق الخوئي تأثّر بما ذكره السيد الطباطبائي في تعليقته حيث قال: إنّه لا دليل على اعتبار الموالاة بالمعنى المذكور لعدم الإجماع ـ وإن قيل:إنّ ظاهرهم الاتفاق عليه في العقود اللازمة ـ وعدم منافاته لصدق العقد إلاّ إذا كان بحيث لا يبقى معنى المعاهدة في نفس الموجب، وإلاّ فمع كونه باقياً عليه وبانياً على العمل بمقتضاه فنمنع عدم الصدق، ولذا لا يعتبر ذلك في العقود الجائزة بالاتفاق.(544)
ولعلّ الشهيدي(قدس سره)تبعه في تعليقته حيث قال: إنّ المدار في صدقه على بقاء الموجب على عهده إلى زمان مجيء القبول لا على الموالاة.(545)
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: عدم تسليم المبنى، فإنّ البيع وأمثاله من الأُمور الاعتبارية الإيجادية على نسق الأُمور التكوينية الموجودة بالتكوين، فالبيع عبارة عن إنشاء المبادلة بين المالين لا إبراز الإرادة النفسانية بتعلّقها على المبادلة، وهذا ما فرغنا منه في الفرق بين الإخبار والإنشاء.
الثاني: سلّمنا أنّ البيع من مقولة الإرادة الباطنية بشرط الإبراز لكن ليس كلّ إبراز موضوعاً عند العقلاء للأثر، فلو قال القائل: «بعتُ» وسكتَ القابل عن قبوله فترة طويلة لا يُعد ذلك موضوعاً لوجوب الوفاء بالعقد عرفاً، إلاّ في الموارد الّتي يقتضي المورد فيها جواز الفصل كما يأتي في البحث التالي.
ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي أيّد ما اختاره بالوجوه التالية:
أ. انّ بعض الناس يرسل هدية إلى صاحبه الساكن في البلاد النائية وتصل إلى المهدى إليه بعد مدة طويلة مع أنّها صحيحة.
ب. انّ ملك الحبشة أهدى مارية القبطية للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقبلها النبي مع عدم الموالاة بينهما.
ج. قيام السيرة بين التجار المتدينين على معاملة بعضهم بعضاً بالكتابة والبرقية مع تخلل الفصل الطويل بين إيجابها وقبولها.
د. فحوى ما ورد في جواز جعل المهر شيئاً من القرآن بناءً على أنّ القبول في الرواية هو قول الصحابي: زوجنيها، والإيجاب هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):« قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلّمها إياه»(546).(547)
يلاحظ على الوجهين الأوّل والثاني: أنّ الموردين من العقود الإذنية ويكفي فيها وجود الإذن وبقاؤه في ذهن الموجب، غاية الأمر يحتاج إلى كاشف وهو إرسال الهدية إلى المهدى إليه.
ويلاحظ على الوجه الثالث: بأنّ للكتابة بقاء عرفياً فإذا وقّع عليها القـابل يتحقّـق العقد مع عـدم الفصل، وكذا لو أبـرق بالكتابة ووقّـع عليها القابل.
ويلاحظ على الوجه الرابع: أنّ المرأة فوضّت أمر تزويجها للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قالت: زوّجني، كما أنّ الرجل وكّل النبي أيضاً بقوله: زوّجنيها، فأصبح النبي وكيلاً عنهما، عندئذ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوجتكها على ما معك من القرآن»، ولو صحت الرواية لدلت على كفاية صيغة واحدة عنهما عن الإيجاب والقبول.
وقد ورد في بعض الروايات أنّه سبحانه عقد فاطمة(عليها السلام)لعلي(عليه السلام)فقال: «زوّجت أمتي فاطمة عبدي علياً»(548)، وهذا ليس ببعيد في الأولياء، فإذا كان الرجل ولياً للصغير والصغيرة يزوجهما بصيغة واحدة من باب الولاية.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ اختار مذهباً وسطاً بين نفي التوالي وإيجابه وقال: ما هو المعتبر ارتباط قرارهما وعهدهما أي عهد البائع وقراره بقبول المشتري ـ لا تواليهما ـ وهو حاصل مع بقاء الإيجاب الاعتباري، ففيما لم يصر الإيجاب الكذائي منسياً ومعرضاً عنه، صحّ ضم القبول إليه، فلو قال: بعتك هذا الفرس قم وتفكّر في ما تراه صالحاً لك، فقام وتأمل ساعة أو ساعتين بل يوماً أو يومين فاختار القبول يصدق العقد عليه ويجب الوفاء به عرفاً وشرعاً. كما أنّ العهود والاتفاقيات بين الدول المكتوبة وبين الشركاء في التجارات لا يعتبر فيها التوالي لدى العقلاء، فالمضرّ عدم ربط المسببات، والمعتبر ربطها، لا التوالي بين الإيجاب والقبول وبين الأسباب، من غير فرق بين كون دليل التنفيذ قوله سبحانه: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) أو (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)، أو (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).(549)
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ الفصل بين الإيجاب والقبول ربّما يكون من مقتضيات المورد، كما إذا باع بالكتابة ووصل الكتاب بعد شهر إلى المشتري فأمضاه، وهذا داخل في العمومات لأنّ موالاة كلّ شيء بحسبه، ومثله العقود والاتفاقيات بين الدول والشركاء في التجارات. فإنّ لكلّ مورد توالياً عرفياً فلا يكون هذا دليلاً على جواز الفصل بين الإيجاب والقبول في التجارات الدارجة في السوق وبين الناس.وأمّا ما ذكره من المثال فالرائج هو الوعد من جانب المالك إلى أن يرى المشتري ثم يفي بوعده، لا البيع القطعيّ، فتدبّر.
إكمال
قال الشهيد في «القواعد»: الموالاة معتبرة في العقد ونحوه، وهو مأخوذ من اعتبار الاتصال بين الاستثناء والمستثنى منه.(550)
وقد حمل المحقّق الخوئي الاستثناء في كلام الشهيد على ما هو المعروف في مصطلح النحاة والأُصوليين ولكن المراد منه هو الاستثناء بالمشيئة، قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّهُ).(551) وقال تعالى:(إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرمُنَّها مُصْبِحينَ * ولا يَسْتَثْنُونَ)(552)، أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا: إن شاء اللّه. قال: معنى قول القائل: لأفعلنّ كذا إلاّ أن يشاء اللّه، استثناء; ومعناه إلاّ أن يشاء اللّه منعي أو تمكين مانعي.(553)
وقد ورد في الروايات تعقيب النذر واليمين بالاستثناء .(554) والمراد به المشيئة.
كما ورد في بعض الروايات عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين فهو ـ و اللّه، يا أبا محمد ـ من أهل الجنّة، لا أستثني فيه أبداً، ولا أخاف أن يكتب اللّه عليّ في يميني إثماً، وإنّ لهاتين السورتين من اللّه مكاناً».(555)
ومعنى «لا أستثني في ذلك أبداً» :أي لا أضمّ إلى قسمي هذا لفظة إن شاء اللّه، ليقيني على هذا، وربما تصحف لفظة أبداً بـ(أحداً).
10
التنجيز في مقابل التعليق
من شرائط صحّة العقد هو التنجيز في العقد، بأن لا يكون معلقاً، ذكره جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين. وقد نقل الشيخ الأنصاري كلماتهم في «المتاجر».
وقبل الخوض في بيان الأحكام نذكر أُموراً:
1. أقسام التعليق
قد ذكر الشيخ الأنصاري للتعليق أقساماً أنهاها إلى اثني عشر قسماً، وإليك بيانها:
إنّ الشرط المعلّق عليه على أصناف:
أ. أن يكون دخيلاً في مفهوم العقد.
ب. أن يكون دخيلاً في صحّة العقد.
ج. أن لا يكون دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.
وهذه الأصناف الثلاثة تُعدّ أُصولاً للتقسيم.
وكلّ من هذه الأصناف ينقسم إلى معلوم الحصول في الحال ومجهوله، وإلى معلوم الحصول في المستقبل ومجهوله. فهذه اثنا عشر قسماً، إليك بيانها.
أمّا الصنف الأوّل ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في مفهوم العقد ـ فهو على أقسام أربعة:
1. أن يكون المعلق عليه أمراً حاليّاً معلوم الحصول، كما إذا قال: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق، حيث إنّ الزوجية مأخوذة في عنوان الطلاق إذ هو فرع لها.
2. أن يكون المعلّق عليه أمراً حاليّاً مجهول الحصول، كما إذا قال وهو شاك: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.
3. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في ظرفه، كما إذا قال البائع للمشتري: بعتك داري إن قبلت، مع علمه بأنّ المشتري يقبله.
4. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول في ظرفه، كما إذا باع بالنحو السابق مع جهله بأنّه يقبله.
هذه الأقسام الأربعة كلّها ترجع إلى الشرط الّذي هو دخيل في مفهوم العقد.
وأمّا الصنف الثاني ـ أعني: ما إذا كان الشرط دخيلاً في صحّة العقد ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:
5. أن يكون المعلّق عليه أمراً حاليّاً معلوم الحصول، كما إذا قال البائع: إن كان هذا ملكي فقد بعته لك بكذا مع علمه بأنّه ملكه.
6. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق والحصول، كما إذا قال البائع: بعت هذا بكذا إن كان ملكي.
7. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول في المستقبل، كما إذا علّق البائع بيعه بتسلم المشتري ـ في بيع الذهب والفضة ـ فإذا قال: بعتك هذا الدينار أو الدرهم إن أخذتها وسلمت إليّ الثمن.
8. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول التحقّق، كما إذا باعهما بقيد التسلم مع الشك في قبول المشتري.
وهذه هي الأقسام الأربعة للصنف الثاني.
وأمّا الصنف الثالث ـ أعني: ما إذا لم يكن الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته ـ فهو أيضاً على أقسام أربعة:
9. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً معلوم التحقّق، كما إذا قال: بعتك إن كان اليوم يوم الجمعة بكذا درهماً، مع العلم بكون اليوم يوم الجمعة.
10. أن يكون المعلّق عليه أمراً حالياً مجهول التحقّق، كما إذا قال: إن كان هذا اليوم يوم الجمعة فقد بعتك هذا الكتاب، مع الشك في كون هذا اليوم يوم الجمعة.
11. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً معلوم الحصول، كما إذا قال: بعتك داري إذا دخل شهر رمضان، ويريد بذلك تحقّق البيع من حين دخول شهر رمضان لا من الآن.
12. أن يكون المعلّق عليه أمراً استقبالياً مجهول الحصول والتحقّق، كما إذا قال: بعتك هذا الكتاب إن جاء زيد يوم الجمعة.
2. ما هو محل النزاع في هذه الأقسام؟
الظاهر أنّ الأقسام الأربعة الأُولى خارجة عن محط النزاع، لأنّها من مقتضيات العقد ومقوّماته، وذكرها وحذفها سيّان، وكأنّ القيود في الأقسام الأربعة من مقوّمات الصيغة.
ومثلها الأقسام الأربعة الوسطى، فإذا كان الشرط دخيلاً في صحة العقد فكأنّه مذكور، وإلى ذلك يشير الشيخ الطوسي في كلامه فيقول: ومنهم من قال: يصح، لأنّه لم يشرط إلاّ ما يقتضيه إطلاق العقد، لأنّه إنّما يصحّ بيعه لهذه الجارية من الوكيل إن كان أذن له في الشراء بعشرين، وإذا اقتضاه الإطلاق لم يضر إظهاره وشرطه، كما لو شرط في البيع تسليم الثمن وتسليم المثمن وما أشبه ذلك.(556)
نعم أورد عليه الشيخ الأنصاري بأنّه لا يدفع مشكلة تعليق الإنشاء، حيث قال: إنّ المعلق على ذلك الشرط في الواقع هو ترتّب الأثر الشرعي على العقد دون إنشاء مدلول الكلام الّذي هو وظيفة المتكلّم، فالمعلّق في كلام المتكلّم غير معلق في الواقع على شيء، والمعلّق على شيء ليس معلّقاً في كلام المتكلّم على شيء ، بل ولا منجزاً بل هو شيء خارج عن مدلول الكلام.(557)
وحاصل إشكاله: أنّ الشارع رتّب الأثر على وجود هذه الشرائط في الواقع وهو أمر صحيح، ولكن المتكلم قيّد إنشاءه بهذه الأُمور، فالمعلّق في كلام الشارع هو الآثار، والمعلّق في كلام المتكلم هو الإنشاء أي إنشاء البيع.
ولكن كلام الشيخ الطوسي يعرب عن خروج هذه الأقسام الثمانية عن معقد الإجماع الّذي أُدعيّ على بطلان المعلّق ويثبت أنّ معقد الإجماع على فرض وقوعه هو الأقسام الأربعة للقسم الثالث، أعني: ما لا يكون الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته.
3. دخول التعليق في جوهر بعض الصيغ
إنّ بعض العقود يكون التعليق داخلاً في جوهرها بحيث ليس له إلاّ قسم واحد، كما في الصور التالية:
أ. في الوصية التمليكية، كما لو قال: هذا لفلان إن متُّ.
ب. في التدبير، إذا قال: أنت حرٌّ إن مت.
ج. في السبق، كما إذا قال: هذه الجائزة لك إن كنت سابقاً، أو يخاطب الجماعة (الفريق الرياضي) ويقول: هذه الجائزة لكم إن فزتم على الفريق الآخر في المباراة.
د. الجعالة، كما إذا قال: من وجد ضالتي فله كذا.
إلى غير ذلك من الموارد.
والعجب أنّهم اتّفقوا على صحّة التوكيل إذا قال: أنت وكيلي ولكن لا تبع مالي إلاّ يوم الجمعة، ولكن اختلفوا إذا قال: أنت وكيلي في أن تبيع مالي يوم الجمعة، مع أنّ الاختلاف بينهما في اللفظ دون المعنى، ومن البعيد أن تكون إحدى الصيغتين نافذة دون الأُخرى عند الشرع.
4. اختلاف الأدلة سعة وضيقاً
إنّ القائلين ببطلان التعليق استدلّوا بوجوه يختلف مفادها سعة وضيقاً، وإليك الإشارة إلى بعضها:
أ. بطلان التعليق في الإنشاء.
ب. التعليق على الشرط تعليق على أمر مجهول وهو ينافي الجزم.
فلو كان المستند للبطلان هو الأوّل فهو يعم جميع الأقسام الاثني عشر.
وأمّا لو كان المستند هو الثاني فلا يضرّ التعليق إذا كان الشرط معلوم التحقّق في الحال أو معلوم الحصول في المستقبل.
إذا عرفت هذه الأُمور الأربعة فلندرس أدلّة القائلين بالبطلان.
11
أدلة القائلين ببطلان العقد المعلّق
الدليل الأوّل: الإجماع
قد عدّ من أدلة لزوم التنجيز وبطلان التعليق الإجماع الوارد في كلام
غير واحد من علمائنا، منهم الشيخ قال: إذا قال: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك في البيع، فإنّ ذلك لا يصحّ. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصح. دليلنا: أنّه لا دليل على صحة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج إلى دليل.(558)
وذكر صاحب مفتاح الكرامة في شرح قول العلاّمة في القواعد: «ويجب أن تكون منجزة»: عند علمائنا كما في التذكرة، أجمع كما في جامع المقاصد، وفي شرح الإرشاد لفخر الإسلام أنّ تعليق الوكالة على الشرط لا يصحّ عند الإمامية، وعن غاية المرام أنّه لا خلاف فيه، ومع ذلك قال في الكفاية:إنّه المشهور وأنّه غير مرتبط بدليل واضح، ثم قال: قد صرح بوجوب التنجيز في الخلاف والمبسوط والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد واللمعة والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك والروضة وهو مقتضى بقية الشروح والحواشي حيث سكتوا كما في بطونها.(559)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لو كان في المسألة إجماع لاستند إليه الشيخ الطوسي في الخلاف حيث إنّه يستدل في أكثر المسائل إليه، ولكنّه في هذه المسألة اقتصر بقوله: إنّه لا دليل على صحّة هذا العقد.
ثانياً: أنّه لو كان التنجيز شرطاً في الصحة، والتعليق مبطلاً لها، لأشار إليه المفيد في المقنعة والطوسي في النهاية وابن الصلاح في الكافي والديلمي في المراسم وابن حمزة في الوسيلة والراوندي في فقه القرآن وابن سعيد في الجامع.(560)
ثالثاً: لو افترضنا وجود الإجماع فالإجماع مدركي اعتمده القائلون بالأدلة العقلية الّتي نتلوها عليك ، ومثله لا يكشف عن نص وصل إليهم ولم يصل إلينا.
نعم كلّ مورد قام الإجماع على بطلان التعليق يؤخذ به كما في مورد الطلاق والنكاح، وأمّا في غيرهما فالعموم والإطلاق في أدلّة البيع والعقد هو المحكم. وسيوافيك الكلام فيما ذكره الشيخ في آخر المبحث.
الثاني: استلزام التعليق في الإنشاء
هذا ما اعتمد عليه بعض القائلين بالبطلان، قال الشيخ: وربما يتوهم أنّ الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق، ثم أجاب عنه بقوله: المراد بالإنشاء إن كان هو مدلول الكلام، فالتعليق فيه غير متصوّر، وإن كان الكلام في أنّه كما يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على كلّ تقدير فهل يصحّ إنشاء الملكية المتحقّقة على تقدير دون آخر، كما إذا قال: هذا لك إن جاء زيدٌ غداً، أو: خُذ هذا المال قرضاً أو قراضاً إن أخذته من فلان، فلا ريب في أنّه متصوّر واقع في العرف والشرع كثيراً، في الأوامر والمعاملات من العقود والإيقاعات.(561)
توضيحه: أنّه إذا قال: بعتك هذا المال إن جاء زيد غداً، فالشرط دائر بين أن يرجع إلى الإنشاء وبين أن يرجع إلى المنشأ.
أمّا الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه فهو يدور أمره بين الوجود والعدم، إذ أنّه إمّا أنشأ وإمّا لم يُنشئ، ولا يتصور أن يقال: أنشأ على وجه ولم يُنشئ على وجه. وهذا نظير قولنا: استعمل على وجه ولم يستعمل على وجه.
وأمّا المنشأ فهو الملكية فلا مانع من تصويرها على وجهين: فتارة يكون المنشأ ملكية مطلقة كما إذا قال: هذا لك، وأُخرى يقول: هذا لك إذا جاء ابني يوم الجمعة.
فما لم يتحقّق الشرط فالملكية تقديرية لا تحقيقية، ولها واقعية في حدّ نفسها، ولذلك يستغني البائع عن الإنشاء الجديد إذا حصل الشرط.
فإن قلت: كيف لا يجوز تعليق الإنشاء مع أنّ المحقّق الخراساني قال ـ في القضايا الشرطية نظير «أكرم زيداً إن أكرمك» ـ برجوع القيود إلى مفاد الهيئة، أعني: الطلب، خلافاً للشيخ الأنصاري الّذي قال برجوعها إلى المادة، أي الإكرام.
قلت: إنّ الإنشاء على كلا القولين مطلق غير مقيّد.
وإنّما الاختلاف في أنّ القيد راجع إلى المنشأ وهو الوجوب، أو راجع إلى ما تعلّق به الوجوب، أعني: الصلاة.
توضيحه: أنّه إذا قال: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فهنا أُمور ثلاثة:
1. الإنشاء.
2. المنشأ.
3. المادة أو المتعلّق.
فالإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه الإيجادي أمر مطلق لا يقبل التعليق، لأنّ أمر الاستعمال دائر بين الوجود والعدم.
والمنشأ عبارة عن المعنى الحاصل بسبب الاستعمال في عالم الاعتبار، أعني: الطلب، فهو عند المحقّق الخراساني مقيّد بالزوال.
والمتعلّق عبارة عن الصلاة التي تعلّق بها الوجوب. نعم الصلاة عند الشيخ الأنصاري مقيدة بالزوال.
فعلى كلّ تقدير فالإنشاء مطلق غير مقيد.
فقوله: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، عند المحقّق الخراساني بمنزلة قوله: تجب عند زوال الشمس الصلاة.
وعند الشيخ الأنصاري بمنزلة قوله: تجب الصلاة المقيّدة بزوال الشمس.
الثالث: منافاة التعليق الجزم حال الإنشاء
اعتمد العلاّمة في «التذكرة» على هذا الدليل وقال: الخامس من الشروط: (الجزم); فلو علّق العقد على شرط، لم يصح، وإن كان الشرط المشيئة (إن شاء اللّه) للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته.(562)
يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّما يتم فيما إذا كان الشرط مجهول الحصول لا محقّقه كما في بعض الأقسام.
أضف إلى ذلك أنّه لم يذكر لهذا الشرط دليلاً، إذ ليس هناك دليل قاطع على لزوم الجزم في العقود، بل يكفي في صحّة العقود كونها أمراً متعارفاً، وهو كذلك كما إذا شك في زوجية امرأة، فلا محيص من الطلاق بالتعليق ويقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق.
ثمّ إنّ المنع عن التعليق بوجه مطلق ينافي المصلحة الاجتماعية، لأنّ كثيراً من الناس يعقدون الوكالة لشخص ولكن لا يريدون أن يكون مطلق العنان في الوكالة، بل يقيّدون الوكالة بقيد أو شرط.
الرابع: عدم ترتب الأثر حال العقد
ما ذكره صاحب الجواهر وهو أنّ ظاهر أدلّة سببية العقد هو ترتّب مسببه عليه حال وقوعه، فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون الشارع معارض لذلك، بل هو شبه إثبات حكم شرعي من غير أهله.(563)
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به على طبق مدلوله، فليس مفاد (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)إلاّ مفاد: (أوفوا بالعهد)، في أنّ العقد كالعهد إذا وقع على وجه التعليق، فترقّب تحقّق المعلّق عليه في تحقّق المعلّق لا يوجب عدم الوفاء بالعهد.(564)
توضيحه: أنّ الأثر الشرعي يترتّب على كيفية المنشأ، فإن كان المنشأ ملكية فعلية، فالأثر ـ أعني: جواز التصرف ـ يترتّب عليه بالفعل، وإن كان المنشأ هو الملكية المعلّقة فيترتب عليه الأثر الشرعي على وجه التعليق، أي إذا وجد المعلق عليه يصحّ للمشتري التصرف فيه.
الخامس: الشك في شمول الأدلّة
إنّ المنجز داخل في الآية، وأمّا المعلّق ففيه الشك في شمول الآية ونحوها له.(565)
وإليه ينظر قول الشيخ ويقول: والأضعف من الوجه المتقدّم التمسّك في ذلك بتوقيفية الأسباب الشرعية الموجبة لوجوب الاقتصار فيها على المتيقّن، وليس إلاّ العقد العاري عن التعليق.(566)
وأظن أنّ هذا الدليل هو الدليل الحاسم في المقام، وهو أنّ المرجع في صحّة عقد دون عقد هو العرف، فلو كان التعليق في البيع والإجارة أمراً عرفياً، ورائجاً بين الناس تشمله أدلة الإمضاء، وأمّا إذا كان أمراً غريباً غير رائج عندهم فلا يمكن الاستدلال بإطلاق أدلة الإمضاء على صحّته، لما عرفت من السابق من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى تصحيح ما بيد العرف على وجه يكون الصحيح عند العرف مرآة إلى الصحيح عند الشرع، فإذا كان التعليق أمراً غير مقبول عندهم فكيف يجوز التمسّك بإطلاق الأدلة؟!
ومن هنا يعلم أنّ ما أورده الشيخ على هذا الاستدلال، غير تام، قال: إذ فيه: أنّ إطلاق الأدلّة مثل حلّية البيع وتسلّط الناس على أموالهم(567)، وحلّ التجارة عن تراض، ووجوب الوفاء بالعقود، وأدلة سائر العقود، كاف في التوقيف. وبالجملة فإثبات هذا الشرط في العقود مع عموم أدلّتها ووقوع كثير منها في العرف على وجه التعليق بغير إجماع محقّق أو منقول، مشكل.(568)
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ أدلة الإمضاء ناظرة إلى ما هو الصحيح في العرف، فإذا كان التعليق مرفوضاً عندهم فلا يمكن إثبات صحّته بالإطلاقات، ومن هنا يعلم أنّ الميزان في صحّة التعليق وعدمه كونه رائجاً بين الناس، كما هو الحال في الوكالة، وبعض ما يشبهها، وأمّا الطلاق والنكاح والبيع والإجارة، فالتعليق فيها غير رائج، وما هذا إلاّ لأنّ الغرض من المعاملة قضاء الحاجات، والتعليق ينافي ذلك.
وبذلك يظهر الفرق بين مختارنا وما اختاره الشيخ الأنصاري(رحمه الله)،
فقد ذهب الشيخ إلى جواز التعليق إلاّ إذا كان هناك إجماع على الخلاف
محقّقاً أو منقولاً، وأمّا نحن فقد قلنا بأنّ الأصل كونه متعارفاً بين الناس، فما تعارف يجوز كما في التدبير والوصية والسبق والرماية والوكالة، وإلاّ فلا يجوز.
12
التطابق بين الإيجاب والقبول
من جملة شروط العقد: التطابق بين الإيجاب والقبول.
قال العلاّمة: لابدّ من التطابق في المعنى بين الصيغتين.
فلو قال: بعتك هذين بألف، فقال: قبلت أحدهما بخمسمائة، أو قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال: بعتكما هذا بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن، لم يقع على إشكال في الأخير. أقربه: الصحة واختيار البائع.(569)
وقال المحقّق النائيني: إنّ اعتبار التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، لأنّ العقد عبارة عن أمر وحداني متحصّل من الإيجاب والقبول، فلو أنشأ أحدهما البيع والآخر قبل بعنوان الهبة، أو أحدهما باع الجارية والآخر اشترى العبد، لم يتحصّل معنى واحد منهما، لعدم ارتباط كلام أحدهما بالآخر.(570)
ويمكن أن يقرر ببيان آخر، وهو: أنّ القابل بقبوله يطاوع ما أنشأه الموجب، ومقتضى المطاوعة هو تعلّق القبول بنفس ما تعلّق به الإيجاب، وإلاّ لم يصدق القبول ولا المطاوعة، بل لا يصدق عليه العقد الواحد، بل كلامان منفصلان لا صلة لأحدهما بالآخر.
ثمّ إنّ التطابق على أقسام:
1. التطابق في مقوّمات العقد وهذا كما في المبيع، لما مرّ من أنّه ربط بين المالين، كما أنّ النكاح ربط بين الزوجين; فلو باع عبداً وقبل الآخر جارية فلا يصدق عليه البيع، لأنّ البائع ربط بين العبد والثمن لا بين الجارية والثمن.
ونظيره ما لو زوجت المرأة نفسها بعمرو وقبلها بكر، فلا يصدق النكاح، لأنّ الموجبة ربطت بين نفسها وعمرو لا بينها وبين بكر، هذا كلّه راجع إلى التطابق في مقوّمات العقد ومحقّقاته.
2. التطابق في غير المقوّمات كالتطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية البائع والمشتري، فلو قال زيد لعمرو: بعتك داري بكذا، ويقول عمرو: قبلت البيع لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي بكذا، فهل يبطل العقد؟ ذكر المحقّق الخوئي(رحمه الله)أنّه يبطل العقد لعدم ورود الإيجاب والقبول على مورد واحد.(571)
أقول: قد عرفت أنّ مقوم البيع هو تبادل المالين ولا مدخلية للبائع والمشتري في حقيقته، فعلى ذلك يجب التفصيل بين ما إذا كان الثمن كليّاً قائماً بذمة المخاطب، كما إذا قال: بعتك داري بكذا في ذمتك، فلا يصح أن يقول القابل: قبلت لخالد، أو يقول خالد: قبلت البيع لنفسي، إذ لا اعتبار لذمّة خالد، سواء قبل مباشرة أو قبل عنه وكيله.
نعم لو كان الثمن عيناً خارجية فقال البائع: بعتك داري من عمرو في مقابل هذا الثمن، وكان الثمن لخالد، فقبل عمرو وكالة عن خالد، أو قبل خالد مباشرة، صح البيع.
3. التطابق بين الإيجاب والقبول في أجزاء المبيع والثمن، فلو قال البائع: بعتك داري بخمسين ديناراً، وقال المشتري: قبلت البيع في نصف المبيع بخمسة وعشرين ديناراً، فالظاهر بطلان البيع، لأنّ البائع ربط بين مجموع الدار ومجموع الخمسين ديناراً، أي المجموع في مقابل المجموع ، فقبول نصف المبيع في مقابل نصف الثمن خارج عن واقع عمل البائع.
4. التطابق بين الإيجاب والقبول من ناحية الشروط، فإذا باع البائع داره بثمن معين بشرط أن يخيط له ثوباً وقبل المشتري البيع بذلك الثمن مجرداً عن الشرط، فهل يصحّ أو لا؟ ربما يقال بالصحة وثبوت الخيار للمشروط له نظراً إلى أنّ الشرط لا يرتبط بالعقد وإنّما هو التزام في التزام.
والمسألة مبنية على أنّ الشرط التزام ثان وراء الالتزام بالثمن، أو هو جزء الالتزام الواحد، والعرف مع الثاني دون الأوّل، والضابطة الكلية: أنّه إذا كان متلقّى العرف انحلال العقد الواحد إلى عقدين، لا يضرّ قبول أحد العقدين دون الآخر، كما إذا باع فرسه بألف وثوبه بألف، فقال من باب الجمع في التعبير: بعتهما بألفين، فقبل أحدهما دون الآخر ،صحّ في المقبول ولا يعد مثل ذلك على خلاف التطابق. وأمّا إذا كان المجموع في نظر العرف مبيعاً واحداً، فباع المجموع بألف، فلا يصحّ قبول البعض ورفض البعض الآخر. وقد مرّ كلام العلاّمة في صدر المبحث، فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ التطابق من القضايا الّتي قياساتها معها، كلام تام.
13
بقاء المتعاقدين على الأهلية
قال الشيخ: ومن جملة الشروط في العقد أن يقع كلٌّ من إيجابه وقبوله في حال يجوز لكلّ واحد منهما الإنشاء، فلو كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للقبول، أو خرج البائع حال القبول عن قابلية الإيجاب، لم ينعقد.(572)
وقال المحقّق النائيني: إنّ هذا الشرط أيضاً كالشرط السابق من القضايا الّتي قياساتها معها، بل منشأ اعتباره هو المنشأ لاعتبار الشرط السابق.
واستدل عليه بقوله: لأنّ العقد لا ينعقد إلاّ بفعل الاثنين، فلو فقد ـ حين أنشأ أحدهما ـ شرائط العقد فوجودها سابقاً أو لاحقاً لا أثر له، ومجرد تحقّق الشرط حين أنشأ الآخر لا يفيد بعد كون إنشائه جزءاً للعقد لا إيقاعاً مستقلاً، فلو كان المشتري حين إنشاء البائع نائماً لا يصحّ العقد وكذلك العكس.(573)
وفصّل السيد الطباطبائي بين ما كان المشتري في حال إيجاب البائع غير قابل للتخاطب من جهة الإغماء أو النوم أو الجنون، وبين ما لو لم يكن كذلك، كما إذا نام البائع بعد الإيجاب مع علمه بأنّ المشتري يقبل لا محالة. وكذا فيما إذا كان المانع هو الفلس أو السفه، ويشهد لما ذكرنا من صدق المعاهدة عدم الفرق في ذلك بين كون العقد جائزاً أو لازماً، مع أنّه لا بأس بالنوم بين الإيجاب والقبول في العقود الجائزة.(574)
وحاصل التفصيل بطلان العقد في مورد وصحته في موردين، بطلانه فيما إذا كان المشتري غير قابل للخطاب وإن أفاق بعده، وضمنه فيما إذا كان البائع واجداً للشرط ثم فقد عند قبول المشتري. وفيما إذا كان المانع هو الفلس والسفه، مثلاً إذا كان البائع محجوراً عند الإيجاب ، وصار غير محجور عند القبول.
والظاهر التفصيل بين ما هو مقوّم لماهية العقد وقوامه، كالحياة والعقل; وبين ما هو مؤثر في ترتّب الآثار الشرعية والعرفية.
أمّا الأوّل: فوجود هذه الشرائط من بدء الإيجاب إلى ختام العقد ممّا لا ينبغي أن يشك في شرطية بقائها.
وذلك لأنّ الموجب يملك ماله في مقابل الثمن، فإذا قال: بعت هذا بهذا، ثم مات، فليس هناك تمليك حتّى يقبله المشتري، لأنّ التمليك زال بالموت وليس له عند العرف بقاء.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الأُستاذ (قدس سره)أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال، وهذه المبادلة أُنشئت بفعل الموجب وإيجابه من غير دخالة مخاطبه، فإذا كان المشتري نائماً عند الإيجاب فانتبه وعلم إيجاب البائع فقبله، صح العقد.
وجه النظر إنّه إنّما يصحّ في جانب المشتري دون البائع، فلو مات البائع عند قبول المشتري فلا تمليك حتّى يقبل.
فإن قلت: إنّ الموصي يملّك ماله للموصى له، فيقبله الثاني بعد موت الموصي.
قلت: إنّ حياة الموصي ليست مقوماً لتملّك الموصى له، بل موته شرط لتملّكه، فلا يضر موت الموصي لتملّكه، وهذا بخلاف المقام فإنّ حياة البائع مقوم لبقاء تمليك البائع حتّى يقبله المشتري، وبذلك يُعلم ضعف ما أفاده السيد في تعليقته حيث قال: ويشهد له ما في باب الوصية.
أمّا الثاني ـ أعني: ما هو المؤثر في ترتّب الآثار كالقبض والاختيار ـ : فوجودها في مواردها كاف في الصحة، فلو كان المشتري مكرهاً عند الإيجاب ثم رضي عند القبول، ومثله ما لو باع شيئاً ثم ملكه فإنّ الملكية ليست معتبرة في أوّل العقد، بل تكفي عند التسليم.
14
اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغة
إذا اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فهل يجوز أن يكتفي كلّ بما يقتضيه مذهبه، أو لا؟ وجوه.
وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:
الأوّل: صور الاختلاف:
إنّ للاختلاف صوراً نذكرها تالياً:
1. في شروط العقد.
2. في شروط المتعاقدين.
3. في شروط العوضين.
4. في نفس الشروط من حيث الصحة والفساد.
أمّا الأوّل: كالعقد بالفارسية أو بغير الماضوية إذا صحّ عند أحد المتعاقدين دون الآخر.
وأمّا الثاني: كالاختلاف في حدّ البلوغ للمرأة، فأحدها رأى أنّ بلوغها بتمام التسع والآخر يراه بالحيض أو بالثلاث عشرة سنة، فعقدت ولها من العمر تسعاً.
وأمّا الثالث: كما إذا رأى أحد الطرفين الشيء مكيلاً أو موزوناً و الآخر رآه معدوداً.
وأمّا الرابع: كما لو اختلف في جواز شرط خاص وانّه هل هو مخالف لمقتضى العقد أو لا؟
الثاني: الأقوال والاحتمالات في المسألة
إنّ في المسألة أقوالاً أو احتمالات نذكر أهمها:
1. الاكتفاء مطلقاً.
2. عدم الاكتفاء مطلقاً.
3. الاكتفاء إلاّ إذا كان العقد المركب منهما ممّا لا قائل بكونه سبباً في النقل، كما إذا لم يوجد قائل بجواز تقديم القبول على الإيجاب والعقد بالفارسية، فعقدا بالفارسية وقدم القبول على الإيجاب، وهذا ما عدّه الشيخ أردأ الأقوال.
4. التفصيل بين العلم بالبطلان من ناحية أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، فيصح على الثاني دون الأوّل.
5. التفصيل بين ما لا يسري فساد أحد جزئي العقد إلى الآخر فيصح، وهذا كما إذا أوجب بالمضارع أو بالفارسية، دون ما لو سرى من جزء إلى آخر وهذا كالموالاة، فلو كانت الموالاة شرطاً عند الموجب دون القابل، فقبل بعد فوت الموالاة، فيسري الفساد إلى مجموع العقد، لأنّ الموالاة قائمة بمجموع الإيجاب والقبول.
الثالث: تقسيم الأحكام
إنّ الأحكام الشرعية حسب تقسيم القوم على أقسام ثلاثة:
1. الحكم الواقعي الأوّلي، المشترك بين جميع الناس، سواء أكان عالماً أم جاهلاً، قادراً أم عاجزاً.
2. الحكم الواقعي الثانوي، وهو الحكم الثابت في حق المضطر، كوجوب التيمم بالنسبة إلى فاقد الماء، فهذا النوع من الحكم حكم شرعي له آثاره، ولذا يجوز للمتيمّم دخول المسجد ومس القرآن وغير ذلك.
3. الحكم الظاهري، وهو الحكم الموضوع عند الشكّ في الحكم الواقعي، كالبراءة والتخيير واستصحاب الحكم الثابت في زمان اليقين وجرّه إلى زمان الشك، فقد عدّ المشهور الحكم الظاهري حكماً مجعولاً من الشارع في ظرف الشك ثم ذكروا وجوهاً لوجه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي إذا تعارضا.
وهناك قول آخر وهو الّذي رآه سيدنا المحقّق الكوهكمري(قدس سره)، وهو أنّ الحكم الظاهري ليس حكماً شرعياً مجعولاً، بل هو جعل عذر للشاك إذا خالف الواقع.
وإن شئت قلت: إنّ الشارع يرفع اليد عن الحكم الواقعي في مقام الفعلية عند الجهل به، مع ثبوته إنشاءً دون أن يكون هناك جعل من الشارع.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة الأقوال والاحتمالات.
أدلّة الاحتمالات الخمسة في المسألة
أمّا الاحتمال الأوّل ـ أعني ترتيب الأثر مطلقاً حتّى بالنسبة إلى العالم بفساده ـ فهو مبنيّ على أنّ الأحكام الظاهرية، بمنزلة الأحكام الواقعية الاضطرارية، فالإيجاب بالفارسية بمنزلة إشارة الأخرس في طلاقه وصلاة المتيمّم بالنسبة إلى واجد الماء، فكما يجب ترتيب الأثر لإشارته وصلاته فهكذا المقام.
وأمّا الاحتمال الثاني فهو مبني على أنّ الأحكام الظاهرية ليست أحكاماً شرعية مجعولة من الشارع في حقّ الجاهل، غاية الأمر أنّها أحكام عذرية لمن جهل الحكم الشرعي دون العالم بخلافه.
وأمّا الاحتمال الثالث فهو احتمال مؤلف من الاحتمالين المذكورين: الأوّل والثاني حيث فصل بين كون الحكم الظاهر حكماً شرعياً مجعولاً كالأحكام الاضطرارية فيكون مجزياً مطلقاً، أو حكماً عذرياً بالنسبة إلى الجاهل فلا يكون كذلك.
وأمّا الاحتمال الرابع وهو التفصيل بين العلم بالبطلان من أحدهما وبين مجرد الظن الحاصل من الأمارات، مثلاً إذا حصل العلم ببطلان العقد الفارسي عند القابل، لا يجوز له ترتيب الأثر، وأمّا إذا قام الدليل الظني على بطلان العقد غير العربي، يجوز له ترتيب الأثر، فوجهه أنّ الشارع أمضى الحكم الظاهري في حق القائل بالجواز، فيجب على الطرف الآخر ترتيب الأثر على عمله، لأنّ القائل بالبطلان لم يحرز الحكم الواقعي المشترك بين الجميع وإنّما أحرز حكم الشارع بالأمارات، وهو بعد غير قطعي.
وأمّا الاحتمال الخامس ـ الّذي أشار إليه الشيخ أيضاً في ذيل كلامه ـ فلا غبار عليه بأن يقال: إنّ الكلام فيما إذا كان أحد الجزأين عند أحد المتعاقدين فاسداً دون الجزء الآخر، وأمّا إذا سرى الفساد من أحد الجزأين إلى الجزء الآخر فالعقد حينئذ محكوم بالبطلان، مثلاً الموجب القائل بالموالاة إذا قبله المشتري بلا موالاة فقد أفسد قبوله، وإيجاب الآخر أيضاً، فلا يعتمد عليه.
وهناك احتمال سادس ذكره السيد الطباطبائي في تعليقته، وحاصله: أنّه لا مانع من أن يكون الحكم الظاهري في حق واحد منهما حجّة في حقّ الآخر وإن اعتقد خطأه، وذلك فيما لو كان فعله موضوعاً للحكم بالنسبة إليه كما في مثال النكاح إذا عقد بالفارسية فيحرم ـ على من يرى وجوب العقد بالعربية ـ تزويجها.
وأمّا إذا كان فعله قائماً مقام فعله بأن يتحمّل بفعله عن الطرفين، مثلاً إذا استأجر الولي الذي يجب عليه قضاء الميت من يعتقد بطلان صلاته وإن كانت صحيحة عند نفسه، فإن فعل الأجير فعل الولي ـ المستأجر ـ فلا يجوز الاكتفاء به.(575)
وقد أشار إليه السيد أيضاً في «العروة الوثقى» في أحكام الجماعة وقال: يجوز اقتداء أحد المجتهدين أو المقلدين أو المختلفين بالآخر مع اختلافهما في المسائل المتعلقة بالصلاة... إلى أن قال: فيما عدا ما يتعلق بالقراءة في الركعتين الأُوليين الّتي يتحملها الإمام عن المأموم، وذلك لأنّ الضامن حينئذ لم يخرج من عهدة الضمان حسب معتقد المضمون عنه، مثلاً إذا كان معتقد الإمام عدم وجوب السورة وقد تركها فيشكل جواز اقتداء من يعتقد وجوبها به، وكذا إذا كانت قراءة الإمام صحيحة عنده وباطلة بحسب معتقد المأموم من جهة ترك إدغام لازم أو مدّ لازم.(576)
نعم ما ذكره يختص بغير باب البيع، إذ ليس فيه ضمان بل كلّ يعمل بوظيفته.
وفي المقام قول سابع اختاره المحقّق الخوئي وحاصله: إنّ كلاًّ من المتبايعين يعمل بمقتضى وظيفته، قال: التحقيق ـ هو ما ذكرناه ـ من الحكم بالصحة من جانب، وبالفساد من جانب آخر، ضرورة أنّ العقد وإن كان متقوماً بالإيجاب والقبول، إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي إلاّ التلازم ـ في الصحة أو الفساد ـ بحسب الحكم الواقعي، لأنّه لا يمكن في الواقع أن ينتقل المبيع إلى المشتري، ولا ينتقل الثمن إلى البائع أمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فلا مانع من الالتزام بالتفكيك: بأن يعمل كلّ من الموجب والقابل بما تقتضيه وظيفته الظاهرية.
مثلاً: إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة العقد بالفارسي وكان المشتري مقلداً لمن يقول ببطلان ذلك، جاز للبائع أن يتصرف في الثمن، لأنّه يراه ملكاً لنفسه، ولا يجوز له أن يتصرف في المبيع، لأنّه خارج عن ملكه في نظره.
أمّا المشتري فلا يجوز له التصرف في المبيع، لأنّه لا يراه ملكاً لنفسه بل يراه ملكاً لمالكه الأوّل.
ولا عجب في ذلك، لأنّ التفكيك في الأحكام الظاهرية بما لا يحصى.(577)
يلاحظ عليه: أنّه لو تم، ما ذكر فإنّما يتمّ لو كان المتبايعان عالمين بالحكم الشرعي حين البيع، فيجوز للبائع التصرف في الثمن لأنّه ملكه باعتقاده، ولا يجوز للمشتري التصرف في المبيع لاعتقاده بأنّه ملك للبائع; وأمّا لو كانا جاهلين أو كان المشتري جاهلاً ثم علم الحكم الشرعي، فكيف يجوز للبائع التصرف في الثمن مع أنّ تمليك المشتري مقيّد بتملّكه المبيع، وإلاّ فلا يرضى بالتصرف أصلاً.
على أنّ هذا القول يورث الفوضى في المعاملات.
هذه هي الأقوال والاحتمالات ودلائلها.
وتلخص ممّا ذكرنا عدم الصحة على مذاق القوم في الموارد التالية:
1. إذا كان الاختلاف سبباً إلى جريان البطلان إلى مجموع العقد كالموالاة والتعليق، فإذا علّق الموجب وكان الحكم عند القابل بطلان التعليق، يكون العقد بما هوهو معلقاً فيسري البطلان إلى مجموع العقد.
2. إذا كان الطرف المخالف عالماً وقاطعاً بفساد الإيجاب أو القبول، إذ مع العلم به لا يمكن أن يرتّب الأثر عليه.
3. ما يرجع إلى غير مقام البيع إذا كان أحد الطرفين متحمّلاً لضمان الآخر ولم يكن العمل موافقاً لرأي المضمون عنه، كما مرّ في مسألة القرابة.
وأمّا في غير تلك الموارد فالاكتفاء يتوقّف على جعل حكم شرعي ظاهري في موارد الجهل فيجب ترتيب الأثر حتّى من جانب المخالف، وأمّا إذا أنكر حكماً شرعياً ظاهريّاً بل قلنا:إنّ غاية ما في الباب وجود عذر للجاهل، فلا يترتّب الأثر.
ومع ذلك يمكن أن يقال:إنّ الحكم ببطلان المعاملة في هذه الموارد وما شابهها مخالف للسيرة المستمرة بين المسلمين في كثير من الموارد، مضافاً إلى أنّه يوجب العسر والحرج، لأنّ كثيراً من الناس يتعاملون مع أشخاص يختلفون معهم في الأحكام نظير الموارد التالية:
1. إذا عقد الرجل على امرأة بعقد، فيجب لمن يقول بفساده أن يترتّب عليه أثر الصحة.
2. إذا أوصى بشيء وكانت الوصية صحيحة حسب اجتهاده ، ولكن الوصي يرى ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ فساد الوصية فليس له أن يبدل الوصية، بل يجب عليه إجراؤها.
3.إذا وقف شيئاً وكان الوقف صحيحاً ـ حسب اجتهاده أو تقليده ـ ومات، وكان الوقف عند الموقوف عليهم باطلاً ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ لم يصح تبديل الوقف.
4. انّ أهل السنة لا يرون الخمس في غير الغنائم، كما أنّ كثيراً من الشيعة لا يخمسون في بعض الموارد ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ كالهبة وشبهها.فلو أهدى أحدهم شيئاً من ماله أو جعله مهراً لزوجته فهل يجوز لنا القول بعدم جواز الأخذ؟
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الشارع دفعاً للحرج والعسر أمضى الحكم السائد في جانب المخالف في حق الآخرين، واللّه العالم.

479 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 2.
480 . المصدر السابق، الحديث 3.
481 . المصدر السابق، الحديث 5.
482 . المتاجر: 93.
483 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1.
484 . لاحظ الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4.
485 . الوسائل: ج 15، الباب19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4.
486 . مصباح الفقاهة:2/ 256.
487 . راجع: معجم رجال الحديث: 21 / 228 برقم 13863 .
488 . قال الشهيد في الدروس:3/320: ولا تكفي الكناية.
489 . المتاجر: 94.
490 . المتاجر:94ـ 95.
491 . كذا في المصدر: والصحيح أخيراً، لأنّها غير عربية وإن استعملها التفتازاني في مورد من المطوّل.
492 . المتاجر: 94.
493 . منية الطالب: 1 / 105 ـ 106.
494 . بناء على أنّ الكناية عبارة عن ذكر اللازم وإرادة الملزوم على ما هو مختار القائل تبعاً للسكاكي، وربما تفسر بذكر الملزوم وإرادة اللازم، فراجع.
495 . يوسف: 31.
496 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 86.
497 . شرائع الإسلام :2/13، الفصل الثاني من كتاب التجارة، في عقد البيع.
498 . التوبة: 111.
499 . حاشية السيد على المكاسب: 87.
500 . البقرة: 254.
501 . النور: 37.
502 . يوسف: 20.
503 . النساء: 74.
504 . البقرة: 207.
505 . مصباح الفقاهة: 2/ 972.
506 . مفتاح الكرامة: 4/ 150.
507 . البقرة: 89 ـ 90.إنّ قوله:(أن يكفروا بما أنزل) مبتدأ لخبر مقدّم: أي بئسما: أي كفرهم بما أنزل اللّه.
508 . المتاجر: 95.
509 . الجواهر:22/ 250.
510 . تعليقة المحقق الاصفهاني: 68.
511 . المتاجر: 95.
512 . التنقيح الرائع:2/ 184.
513 . جامع المقاصد:4/59ـ 60.
514 . الروضة البهية:3/ 225.
515 . المتاجر: 95.
516 . تذكرة الفقهاء: 10 / 8 .
517 . مختلف الشيعة: 5 / 53 .
518 . السُّكرجة ـ بضم السين والكاف ـ إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم.
519 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.
520 . الوسائل: ج 12، الباب11 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.
521 . الوسائل: ج 14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث 1. ولاحظ الحديث2، 3، 4.
522 . الوسائل: ج 14، الباب18 من أبواب المتعة، الحديث 5.
523 . لاحظ الوسائل: ج 12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 2، 3و 6.
524 . شرائع الإسلام:2/ 267.
525 . مفتاح الكرامة:4/ 164.
526 . تذكرة الفقهاء:10/ 8.
527 . قواعد الأحكام: 2 / 17 .
528 . لاحظ المتاجر: 97.
529 . والفرق بين الجوابين هو أنّ القبول في الأوّل مشروط فلا يتحقّق إلاّ بعد الإيجاب شأن كلّ قضية شرطية بخلافه في الثاني فإنّ القبول فعلي، وإن كان المقبول استقبالياً شأن الواجب المعلّق حيث إنّ الوجوب فيه حالي والواجب استقبالي.
530 . كتاب البيع للسيد الخميني:1/ 336.
531 . منية الطالب: 109.
532 . المتاجر: 97.
533 . الوسائل:ج14، الباب2 من أبواب المهور، الحديث 1.
534 . صيغة أمر من «رأى» يرى و نظير وقى يقي، قِ
535 . صحيح البخاري:1323، رقم الحديث 5149، باب التزويج على القرآن وبغير صداق (8/175).
536 . المتاجر: 97.
537 . كتاب البيع:1/ 335.
538 . القواعد والفوائد:1/ 234.
539 . المتاجر: 98.
540 . تعليقة المحقّق الاصفهاني: 71.
541 . منية الطالب:1/ 111.
542 . تعليقة المحقّق الإيرواني:1/90 ، السطر 35.
543 . مصباح الفقاهة:2/ 308.
544 . تعليقة السيد الطباطبائي: 90.
545 . تعليقة الشهيدي: 197.
546 . الوسائل: ج 14، الباب1 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 13.
547 . مصباح الفقاهة:2/310ـ 311.
548 . راجع بحارالأنوار: 43/128، الحديث 32; نقلاً عن كشف الغمة: 1/367، ومناقب الخوارزمي: 347.
549 . كتاب البيع:1/ 345.
550 . القواعد والفوائد: 1/234، القاعدة 73 ، ولاحظ أيضاً الدروس:2/ 165 في أحكام اليمين.
551 . الكهف:23ـ 24.
552 . القلم:17ـ 18.
553 . مجمع البيان:5/ 336.
554 . انظر: الوسائل : ج 15، الباب25 من أبواب الأيمان، الحديث 2. وقد ورد فيها: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حلف سرّاً فليستثن سرّاً، ومن حلف علانية فليستثن علانية».
555 . الوسائل: ج 10، الباب 33 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
556 . المبسوط:2/ 385.
557 . المتاجر: 100.
558 . الخلاف:3/355، كتاب الوكالة، المسألة 23.
559 . مفتاح الكرامة:7/ 526.
560 . مفتاح الكرامة:7/ 526.
561 . المتاجر: 100.
562 . تذكرة الفقهاء:10/ 10.
563 . الجواهر:22/ 253.
564 . المتاجر: 100.
565 . الجواهر:22/ 253.
566 . المتاجر: 100.
567 . لا يخفى أنّ الاستدلال بدليل السلطنة على الأموال، ينافي ما مرّ من الشيخ من أنّه ليس مشرعاً، والسلطنة على الأموال غيرها على الضوابط والقواعد العقلائية. فلاحظ.
568 . المتاجر: 100.
569 . تذكرة الفقهاء:10/ 10.
570 . منية الطالب:1/ 114.
571 . مصباح الفقاهة:2/ 226.
572 . المتاجر: 101.
573 . منية الطالب:1/ 114.
574 . تعليقة السيد: 92. وهذا هو الظاهر من المحقّق الاصفهاني ، لاحظ : تعليقة الاصفهاني على المتاجر: 1 / 73 .
575 . التعليقة: 93.
576 . العروة الوثقى:278، أحكام الجماعة، المسألة 31.
577 . مصباح الفقاهة:2/ 84.