قائمة المواضيع :
صور البيع الفضولي
قد سبق أنّ البيع الفضولي على أقسام ثلاثة ندرس كلّ قسم ضمن مسألة.
المسألة الأُولى:
البيع للمالك مع عدم سبق منع منه
إذا باع للمالك مع عدم سبق منع منه، قال الشيخ: هذا هو المتيقن من عقد الفضولي.
فلنذكر أقوال الفقهاء قبل الخوض في أدلة المسألة.
قال الشيخ: إذا باع إنسان ملك غيره بغير إذنه كان باطلاً، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ويقف على إجازة صاحبه. وبه قال قوم من أصحابنا. ثم استدل بإجماع الفرقة، وعدم الاعتداد برأي المخالف، ولأنّه ممنوع من التصرف في ملك غيره والبيع تصرف، وروى حكيم بن حزام عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن بيع ما ليس عنده، كما استدل أيضاً برواية عمرو بن شعيب عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه لا بيع إلاّ فيما يملك.(578)
والظاهر من الشيخ وجود الخلاف في المسألة بين القدماء، والعجب أنّ الشيخ أفتى في النهاية(579) بالصحة، نعم أفتى في المبسوط(580) بما في الخلاف.
وقال العلاّمة: بيع الفضوليّ جائز عندنا لكن يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز البيع، لزم وإلاّ بطل، ولا يقع فاسداً في أصله، ولا لازماً.
ولا فرق بين البيع والشراء ـ وبه قال مالك والشافعي في القديم ـ لأنّه عقد صدر من أهله ووقع في محلّه، وله مُجيزٌ في حال وقوعه، فجاز أن يقف على إجازته، كالوصيّة.
ولأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)دفع إلى عروة البارقي ديناراً يشتري به شاةً، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«بارك اللّه في صفقة يمينك» فأجاز(صلى الله عليه وآله وسلم)بيع الشاة وشراء الشاتين، ولو كان بيع الفضولي وشراؤه باطلين، لما أقرّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك.
وقال أبو حنيفة: يقف البيع على إجازة المالك، ولا يقف الشراء على إجازة المشتري له، بل يقع للوكيل.
وعن أحمد روايتان في البيع والشراء جميعاً.
وقال الشافعي في الجديد: يبطل البيع من أصله; لقوله(عليه السلام)لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك».(581)
أقول: أمّا القول بالصحة فقد قال بها المفيد(582)، وابن حمزة(583)، وابن
إدريس(584)، والعلاّمة في المختلف ونقلها عن ابن الجنيد أيضاً.(585)
أقول: الظاهر من كلّ من عنون بيع الفضولي وقال بصحّته، انّه بيع عقلاني حائز لأكثر أركان العقد، إلاّ جزءاً طفيفاً وهو الاستناد إلى المالك، أو رضاه، وهو يحصل بالإجازة.
والثابت عندي خلاف ذلك وهو أنّ بيع الفضولي، بمعنى قيام كلّ أجنبي ببيع مال المالك من عند نفسه من دون أن يستأذنه يعد عند العقلاء أمراً عبثاً، لغواً لا يقام له وزن ولا قيمة، فكيف يكون مثله حائزاً لأركان العقد إلاّ الشيء الطفيف.
وعلى ضوء ذلك فعقد الفضولي أشبه بالاتّفاقية الّتي يكتبها صاحب مكتب العقار قبل أن يُحرز رضا المالك أو المشتري أو كليهما على أمل أن يكتسب رضاهما فيما بعد في المستقبل، فهذه الورقة المكتوبة أو الألفاظ الّتي جرت على لسان العاقد، قبل أن يَختم عليها المالك أو يقرنها بالإجازة اللفظية ليست إلاّ حبراً على ورق لا قيمة لها أصلاً فليس هو بيعاً ولا عقداً ولا تجارة عن تراض.
فما في كلمات الفقهاء في هذا الصدد ومنها عبارة الشيخ الأعظم(رحمه الله): من كون المورد من مصاديق أدلة البيع والعقود، لأنّ خلوّه عن إذن المالك لا يوجب سلب اسم العقد والبيع عنه، فلم يبق الكلام إلاّ في اشتراط سبق الإذن وحيث لا دليل عليه فمقتضى الإطلاقات عدمه(586)، كلام غير تام لو أراد كونه بيعاً وعقداً قبل لحوق الإجازة.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع ما ذكره الشهيد الثاني في «غاية المراد» وقال: إنّه من باب المصادرة.(587)
وجهه: أنّ الإطلاقات ناظرة إلى العاقد الّذي له أهلية العقد على المبيع الخاص إمّا لأجل كونه مالكاً أو مأذوناً من المالك، وأمّا الأجنبي الّذي لا علاقة له بالبائع ولا صلة له بالمبيع فما معنى شمول الإطلاقات لبيعه وعقده، فما اشتهر بين العلماء من أنّ العقد الفضولي صدر من أهله، وقع في محله(588) ما هو إلاّ مصادرة، وما ذكره الشيخ الأعظم في دفع المصادرة مثله أيضاً حيث قال: إنّ كون العاقد أهلاً للعقد من حيث إنّه بالغ عاقل لا كلام فيه. وكذا كون المبيع قابلاً للبيع فليس محل الكلام إلاّ خلو العقد عن مقارنة إذن المالك وهو مدفوع بالأصل.(589)
وجهه: أنّه يفقد أمراً ثالثاً وهو صدوره عمّن له أهلية القيام ببيع ذلك المال، وكلّ من المفردات التي ذكرها الشيخ صحيحة، إنّما الكلام في صحة النسبة بينهما. وحصيلة الكلام: أنّه لو أراد بذلك أنّ عقد الفضولي وبيعه من مصاديق الإطلاقات قبل لحوق الإجازة فهو مصادرة جدّاً.
وإن شئت قلت: إنّ الإطلاقات إمضاء لما بيد العرف وليست بصدد التأسيس، والموجود بين العقلاء لزوم أهلية البائع والعاقد للبيع والعقد، والأهلية خاصة بالمالك والمأذون منه.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أيّد ما عليه الشيخ من كون العقد الفضولي لا يشذ عن سائر العقود إلاّ بتأخير القبول الذي هو الإجازة، وقال في بيان ذلك:إنّ البيع الفضولي لا يَشذُّ بشيء عن غيره إلاّ بتأخير القبول غالباً عن الإيجاب الّذي هو تمام البيع، والبيع غير الفضولي لا يزيد عن الفضولي إلاّ باتصال الإجازة غالباً به.
وقد أوضحه بقوله: إنّ الإيجاب ـ عند ما كان الطرفان أصليين ـ يكون إنشاءً لتمام ماهية المعاملة فالموجب أصيل بالنسبة إلى ماله وفضولي بالنسبة إلى مال المشتري، والقبول ليس ركناً في تحقّق مفهوم العقد بل هو بمنزلة إجازة بيع الفضولي.
إذا تقرر هذا فاعلم: أنّ الفضولي أوجد تمام ماهية البيع كما هو الحال إذا كان البائع أصيلاً وإجازة المالك بمنزلة قبول المشتري، ولا فرق بين البيعين إلاّ بتوالي الرضا والقبول في الأوّل وانفصاله في الثاني.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بينهما، فإنّ العاقد في البيع الأصلي مالك للمبيع فيصلح أن يُنشأ تمام ماهية البيع حتّى يأتي بعده القبول فيكون مشمولاً للإطلاقات بخلاف المقام فإنّ العاقد ليس بمالك ولا مأذون ولا مجاز فكيف ينشئ تمام ماهية البيع وينتظر قبول المالك مع عدم صلاحيته لبيع مال الغير.
وإن شئت قلت: إن كان المراد أنشاء حقيقة البيع الممضى لدى العقلاء فالفضولي لا يملكه ولا يقدر عليه، وإن أراد إنشاء البيع بمعنى إطلاق اللفظ وإرادة معناه فهو يملكه ويقدر عليه، لكنّه ليس موضوعاً للعمومات والإطلاقات.
نعم هنا أمران آخران نلفت نظر القارئ إليهما:
الأوّل: جرت سيرة العقلاء على أنّ الرجل إذا كانت له علاقة بصاحب المال ككونه سمساراً لبيع أموال الآخرين أو كان ابناً للمالك وما يشبه ذلك ربما يقوم بإجراء عقد يتعلق بأموال المالك، على أمل أن يعرضه عليه على نحو لو قبل يتم العقد بين المالك والمشتري وهذا شيء لا يمكن إنكاره، وسيوافيك أنّ الروايات الّتي استدل بها العلماء على صحة بيع الفضولي كلّها من هذا القبيل فالعاقد إمّا ابن للمالك كما في صحيحة محمد بن قيس، أو العامل المضارب الّذي خالف شرط صاحب المال كما في صحيحة الحلبي إلى غير ذلك من الروايات، ومع ذلك كلّه فالعقد الملفوظ أو المكتوب شيء لا يترتب عليه الأثر ولا يشمله القانون، مادام الحال كذلك.
الثاني: إنّه إذا وقف المالك على العقد أو البيع ووقع موقع الرضا من نفسه فختم الاتفاقية وأمضاها أو أعلن إجازته للبيع الملفوظ تكون الاتفاقية بيعاً شرعياً ومعاملة قانونية تشملها كلّ ما للبيع والعقد من الآثار، فعندئذ تشملها الإطلاقات الشرعية من حين لحوق الإجازة على نحو يكون كلّ الأثر للإجازة فهي من مصاديق المثل السائر:«كل الصيد في جوف الفرى».
عدم جريان الفضولي في الإيقاعات
وممّا ذكرنا يعلم وجه عدم جريان الفضولي في الإيقاعات كالطلاق والعتق والجعالة وغير ذلك، وما ذلك إلاّ لعدم وجود السيرة فيما يتعلق بالنواميس والروابط العائليّة والأُمور العبادية (كالعتق)، ولذلك اتفقت كلمتهم على عدم جريانه في الإيقاعات إلاّ من شذ.
وبذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد الطباطبائي في تعليقته حيث قال:
«إن قلنا: بكون الفضولي في البيع مقتضى القاعدة لشمول العمومات حسب ما اختاره المصنف(قدس سره)فإلحاق سائر العقود به في محله بل مقتضاها حينئذ القول بالصحة في الإيقاعات أيضاً إلاّ ما خرج بالإجماع فإنّ الظاهر إجماعهم على عدم جريان الفضولية فيهما ـ العتق والطلاق ـ... إلى أن قال: ولو قلنا بأنّ الفضولي على خلاف القاعدة ـ كما هو الحق ـ فإلحاق سائر العقود أيضاً محلّ إشكال».(590)
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ العمومات والإطلاقات ليست أُموراً تأسيسية بل إمضائية وهي لا تشمل إلاّ من له أهلية، والفضولي ليس له أهلية، خرج منه موارد خاصّة ممّا يرجع إلى بعض العقود كالبيع والإجارة إذا صدرا ممّن له علاقة بالمالك، وأمّا وراء ذلك كالطلاق والعتق فليس هناك سيرة بين العقلاء حتّى تشملهما الإطلاقات بعد لحوق الإجازة.
***
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يمكن الاستدلال على صحة الفضولي في الموارد التي جرت السيرة فيها على إنشاء العقد فضولة كما مرّ بأُمور ثلاثة:
أ. السيرة السائدة بين العقلاء على النحو الّذي ذكرناه.
ب. شمول الإطلاقات له بعد لحوق الإجازة حيث إنّ العقد بعد الإجازة سواء أكان مكتوباً أو ملفوظاً يستند إلى المالك كإستناده إلى المباشر، حتّى قوله تعالى:(أَوفُوا بِالْعُقُودِ) بناءً على أنّ معناه: «أوفوا بعقودكم» فإنّ الانتساب والاستناد يحصل بتوقيع الاتفاقية أو التصريح بالالتزام بها، فالميزان كون العقد عقداً للمالك سواء أكان بالمباشرة أو بالانتساب.
ج. الاستدلال بالروايات الخاصة الواردة في المقام ونحن نذكرها حسب ما ذكرها الشيخ واحدة بعد الأُخرى.
الأُولى: ما ورد عن عروة البارقي
روى الفريقان ما نسب إلى عروة البارقي باختلاف يسير في اللفظ، ونحن نذكر نصّين في ذلك هما:
1. روى عماد الدين الطوسي المعروف بابن حمزة في «ثاقب المناقب» عن عروة بن أبي جعد البارقي قال: قدم «جلبٌ»(591) فأعطاني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ديناراً فقال: اشتر بها شاة، فاشتريت شاتين بدينار، فلحقني رجل فبعت أحدهما منه بدينار ثم أتيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بشاة ودينار، فردّه عليّ وقال: «بارك اللّه لك في صفقة يمينك» ولقد كنت أقوم بالكناسة ـ أو قال بالكوفة ـ فأربح في اليوم أربعين ألفاً.(592)
2. روى أحمد في مسنده عن عروة بن أبي الجعد البارقي قال: عرض للنبي جلب فأعطاني ديناراً وقال: أي عروة أئت الجَلب فاشتر لنا شاة، قال: فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما ـ أو قال: أقودهما ـ فلقيني رجل فساومني فأبيعه شاة بدينار فجئت: بالدينار فقلت يا رسول اللّه هذا ديناركم وهذه شاتكم، قال: كيف صنعت؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: «اللّهمّ بارك له في صفقة يمينه». فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصل إلى أهلي وكان يشتري الجواري ويبيع.(593)
وربما تنسب القصة إلى حكيم بن حزام حيث روي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتصدّق به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ودعا أن يبارك له في تجارته.(594)
وجه الاستدلال واضح حيث إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا وكله في شراء الشاة الأُولى يكون شراء الشاتين فضولياً، اللهم إلاّ أن يقال أنّ عروة البارقي كان عالماً برضا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه التجارة الرابحة. وعندئذ تتمحضّ الفضولية في بيع إحدى الشاتين بدينار، فلمّا أخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمضاه وقال: «بارك اللّه في صفقة يمينك».
ولكن الاستدلال بالحديث مقرون بإشكالات عديدة:
1. لم يصحّ سند الرواية عندنا، نعم يمكن أن يقال بجبر ضعف السند بالاشتهار بين الفقهاء حيث مازالوا يتمسكون بها في مورد الفضولي.
2. انّ القصة تارة تنسب إلى عروة البارقي وأُخرى إلى حكيم بن حزام، وعلى كلّ تقدير فبما أنّ الرواية تتضمن مدح الراوي وهذا ممّا يثير سوء الظن بها.
3. كيف يرضى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه التجارة الرابحة مع أنّ المشتري أصبح مغبوناً (مائة بالمائة).
4. من المستبعد أن يكون المشتري جاهلاً بقيمة الشاة على نحو كان على استعداد أن يشتري بقيمة مضاعفة.
هذه بعض الإشكالات الجانبية على الرواية مضافاً إلى ما ذكره الشيخ من أنّ عروة البارقي اقبض المبيع وقبض الثمن، ولا ريب أنّ الإقباض والقبض في بيع الفضولي حرام لكونه تصرفاً في مال الغير، فلابدّ من توجيهه حسب الاحتمالات التالية:
1. نلتزم أنّ عروة فعل الحرام في القبض والإقباض ولكن هذا الاحتمال مناف لتقرير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. البيع الّذي يعلم الفضولي بتعقّبه بالإجازة يجوز التصرف فيه قبل الإجازة بناء على كونها كاشفة، وهذا الاحتمال ضعيف.
3. جعل هذا الفرد من البيع ـ و هو المقرون برضا المالك ـ خارجاً عن الفضولي، و هو خيرة الشيخ، وقد عرفت ضعفه فيما سبق.
4. علم عروة برضا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بإقباض ماله إلى المشتري حتّى يستأذن، وعلم المشتري بكون البيع فضولياً حتّى يكون دفعه للثمن بيد البائع على وجه الأمانة، وهذا أيضاً بعيد لبعد علم المشتري بكون البيع فضولياً.
وهناك احتمال خامس وهو ما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ تحقّق القبض والإقباض بين عروة والمشتري لا يكون قرينة على عدم كون البيع الواقع بينهما فضوليّاً بدعوى أنّه لو كان فضولياً لكان التصرف في الثمن والمثمن بالقبض والإقباض حراماً، وذلك لما ذكرناه آنفاً من عدم الملازمة بين كون البيع فضولياً وبين حرمة التصرف في الثمن والمثمن، ضرورة أنّ العلم بالرضا الباطني للمالك يفيد جواز التصرف تكليفاً لا جوازه وضعاً». (595)
هذا ولكن الّذي يصد الفقيه عن الاستدلال بها على صحّة بيع الفضولي مطلقاً هو أنّ البيع هنا كان مقروناً بالرضا فيكون القدر المتيقن من الصحة ما إذا علم العاقد برضا المالك بالبيع وتعقبه للإجازة، وأمّا إذا كان شاكاً فلا يمكن الاستدلال على صحّته بهذه الرواية.
الثانية: ما روي عن محمد بن قيس
روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» بسند موثّق عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: قضى (أمير المؤمنين(عليه السلام)كما في الكافي) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثمّ قَدِمَ سيّدُها الأوّل فخاصم سيّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه ـ يعني الّذي باع الوليدة ـ حتّى ينفِّذ لك ما باعك، فلمّا أُخذ البيّع الابنُ قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أُرسل ابنك حتّى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه.(596)
وقال في الدروس: وفيها دلالة على صحّة الفضولي وأنّ الإجازة كاشفة.(597)
وجه الدلالة فقرتان:
الأُولى: قول الإمام للمشتري:«خذ ابنه حتّى ينفّذ لك البيع».
الثانية: قول الراوي: «فلمّا رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه».
وكلتا الفقرتان ظاهرتان في أنّ بيع الفضولي ينفذ بالإجازة.
ولو قطعنا النظر عن الموهنات الأربعة في الرواية فهي صريحة في المدّعى، وأمّا الإشكالات أو الموهنات فهي كالتالي:
الإشكال الأوّل:
إنّ الإجازة في الرواية كانت بعد الردّ بوجوه شتى:
1. ظهور المخاصمة في ردّ البيع.
2. إطلاق حكم الإمام بتعيّن أخذ الجارية وأنّها من المالك، لأنّه لو لم يردّ البيع وجب تقييد الأخذ بصورة الردّ.
3. مناشدة المشتري للإمام وإلحاحه عليه في علاج فك ولده.
4. قوله: «حتّى ترسل ابني» ، لظهوره على أنّه حبس الولد ولو على قيمته يوم الولادة.
وظهور الرواية في أنّ الإجازة بعد الرد على حدّ وصفه الشيخ الأعظم بأنّه لا ينكره المنصف إلاّ أنّه تخلص من الإشكال بقوله: الإنصاف أنّ ظهور الرواية في أنّ أصل الإجازة مجدية في الفضولي مع قطع النظر عن الإجازة الشخصية في مورد الرواية غير قابل للإنكار، فلابدّ من تأويل ذلك الظاهر لقيام القرينة وهي الإجماع على اشتراط الإجازة بعدم السبق.(598)
ويمكن التخلّص من هذا الإشكال من وجوه:
الأوّل: إنّ فقرات الرواية ليست على وتيرة واحدة فبعض منها ظاهر في سبق الردّ على الإجازة، غير أنّ بعضها الآخر ظاهر في خلاف ذلك، وهي:
أ. قوله: خذ ابنه حتّى ينفّذ لك البيع.
ب. قول أبي جعفر(عليه السلام): حتّى أجاز البيع.
فالفقرتان ظاهرتان في قابلية البيع للإجازة وعدم لحوق الردّ به. فلو كانت الإجازة مسبوقة بالردّ، لما أمره الإمام بأخذ ابنه لتنفيذ البيع.
ومع هذا التنافي بين الفقرات كيف يمكن الإذعان بسبق الردّ على الإجازة؟!
الوجه الثاني: أنّ الفقرات الّتي استشهد بها الشيخ الأنصاري ليست صريحة إلاّ في إظهار الكراهة وأنّ البيع كان غير مرضي عنده وليست ظاهرة في الردّ، لأنّ سبق الكراهة لا يمنع عن لحوق الإجازة وإلاّ لبطل عقد المكره إذا لحقته الإجازة. كيف وأنّ الردّ من الأُمور الإنشائية الإيجادية فيحتاج إلى الإنشاء في الخارج وليس في الرواية دلالة على إنشاء المالك للرد، وأقصى ما يستفاد عدم رضاه بالبيع.
الوجه الثالث: أنّه لم يثبت الإجماع على اشتراط عدم سبق الرد في تأثير الإجازة، بل يمكن أن تكون الرواية دليلاً على صحة الإجازة حتّى بعد الردّ، كما عليه السيد الطباطبائي في تعليقته.(599)وسيوافيك في «مبحث الإجازة والردّ»، أنّه لا دليل على هذا الشرط، أي عدم سبق الردّ عليها في صحّة العقد.
الإشكال الثاني:
إنّ الإمام(عليه السلام)حكم بأخذ الوليدة مع ابنها، أمّا أخذ الوليدة فهو مطابق للقاعدة، إنّما الكلام في أخذ ولدها مع أنّه ولد الحرّ ، إذ الظاهر أنّ الوطء كان بالشبهة. فكيف قال الإمام: خذ وليدتك وابنها؟
أجاب عنه السيد في تعليقته: أنّه يمكن أن يكون أخذه لأخذ قيمته يوم الولادة.(600) يريد أنّ حكم الإمام(عليه السلام)بأخذه ليس بمعنى كونه مملوكاً للمولى الأوّل كأُمّه، بل بمعنى أنّه يأخذه لغاية دفع ثمنه إليه.
وبعبارة أُخرى: لوكان الأخذ لغاية استرقاق الابن كان الإشكال متوجهاً، وأمّا إذا كان الأخذ مؤقتاً لغاية أخذ ثمنه فإذا دفع الثمن دفع الولد الحرّ إلى أبيه فلا مانع منه.
الإشكال الثالث:
حكم الإمام(عليه السلام)بأخذ ابن السيد مع أنّ ذلك لا يجوز، إذ غاية الأمر
كونه غاصباً وليس السجن حكم الغاصب بعد إزالة استيلائه عن
المغصوب.
وأجاب عنه السيد بأنّه يمكن أن يكون ذلك للمطالبة بالثمن الّذي دفعه إليه، ولعلّه طلب الثمن الّذي دفعه إليه فامتنع فأرشده الإمام(عليه السلام)إلى أخذ ابنه.(601)
ولكن الجواب غير مقنع، لأنّه لا ينسجم مع قوله: «لا واللّه لا أُرسل إليك ابنك حتّى ترسل ابني» لأنّه صريح في أنّ حبس ابن السيّد للتوسل إلى إطلاق ابنه، لا لطلب القيمة.
الإشكال الرابع:
تعليم الإمام(عليه السلام)الحيلة للمشتري مع أنّ ذلك ليس من وظيفة الحاكم.
يلاحظ عليه: أنّه كانت هناك مصلحة لتعليم الإمام المشتري لأخذ ولد السيد وهي خافية علينا. وذلك أنّ كيفية طرح الدعوى لم تنقل على وجه التفصيل، كما أنّ قضاء الإمام علي(عليه السلام)نقل على وجه الإجمال والاختصار فلذلك أعقب هذه الأسئلة، فلا يمكن رفع اليد عمّا هو صريح في المقام وهو تصحيح بيع الفضولي بالإجازة.
ثمّ إنّ لسيد مشايخنا الحجة الكوهكمري(رحمه الله)جواباً آخر عن الإشكال وهو أنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)كان عالماً بأنّ المالك أجاز لولده بيع الوليدة، ولكنّه رأى المصلحة في إنكارها وبما أنّ الإمام(عليه السلام)كان مأموراً بالعمل بالظواهر وما تؤديه الأمارات لم يكن له أن يحكم على خلاف ما تدلّ عليه القرائن. ولكنّه لأجل إيصال الحق إلى ذيه (أي المشتري) علّمه طريقة الوصول إلى مقصوده وقال: «خُذ ابنه حتّى يجيز لك البيع».
وهذه الطريقة وإن كانت تشتمل على ما يخالف القواعد ـ حسب الظاهر ـ لكنّها لمّا كانت ذريعة للتوصل إلى الحقّ فلا مانع من تعليمها للمشتري، لأنّها أحكام صورية، وكم لها من نظير في أقضية الإمام(عليه السلام); فقد ورد أنّ امرأة كانت تنفي ولدها والولد يصر على أنّها أُمّه، فقال الإمام للمرأة والولد: «هل تقبلان أمري في حقكما؟»، فلما أظهرا الرضا قال الإمام(عليه السلام): «أُشهد اللّه وأُشهد من حضر من المسلمين الواقعة: إنّي قد زوجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم والنقد من مالي...»، فقام الغلام فصبّ الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها فقال لها: قومي، فنادت المرأة: النار النار يابن عم محمد، تريد أن تزوجني من ولدي.(602)
الثالثة: ما ورد في عقد النكاح
والروايات في باب النكاح على قسمين:
1. ما يكون العاقد هو المتزوج.
2. ما يكون العاقد غير المتزوج، وإليك بعض ما ورد في كلا القسمين.
القسم الأوّل: إذا كان العاقد هو المتزوج
1. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده، إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما»، قلت: أصلحك اللّه، انّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد، ولا تحلّ إجازة السيد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّه لم يعص اللّه، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز».(603)
2. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال: سألته عن رجل تزوّج عبده بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه؟ قال: «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما، وإن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرّق بينهما فللمرأة ما أصدقها، إلاّ أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً، وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل»، فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): فإنّ أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّه إنّما عصى سيّده ولم يعص اللّه، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدّة وأشباهه».(604)
أمّا فقه الحديث، فربما يقال: كيف فرّق الإمام بين عصيان اللّه وعصيان السيد وقال: «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده» مع أنّ عصيان السيد يلازم عصيانه سبحانه، لأنّه تعالى أمر العبد بإطاعة مولاه وعدم التصرف في شيء إلاّ بإذنه، فإذا خالف مولاه وسيّده فهو في الحقيقة خالف أمر اللّه؟!
وقد أجبنا عن السؤال في بحوثنا الأُصولية على وجه التفصيل.
وحاصله: أنّ المراد من العصيان هو العصيان الوضعي أي كون الشيء غير موافق للقانون والضابطة الشرعية، فالإمام(عليه السلام)نفى هذا النوع من العصيان من غير تعرض للعصيان التكليفي، ومن المعلوم أنّ العصيان الوضعي يلازم الفساد، لأنّ كون العمل غير موافق للضابطة عبارة أُخرى عن عدم إمضاء الشارع له وهو لا ينفك عن الفساد بخلاف العصيان التكليفي فهو لا يلازم الفساد، وإنّما لم يتعرض الإمام، للعصيان التكليفي بالنسبة إلى اللّه سبحانه، ـ مع وضوح أنّ مخالفة المولى عصيان للرب أيضاً ـ لعدم كونه مؤثراً في بطلان العقد.
والّذي يدلّ على أنّ المراد نفي العصيان الوضعي قوله: «إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح من عدة وأشباهه». نعم يلزم على ما ذكرنا التفكيك في المراد بين عصيانه سبحانه وعصيان مولاه، فالأوّل محمول على الوضعيّ و الثاني على التكليفي ولا إشكال فيه إذا دلّت القرينة عليه.
وأمّا كيفية الاستدلال بهاتين الروايتين فبوجوه ثلاثة:
1. عموم التعليل
إنّ قوله:«إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز» بمنزلة ضابطة كليّة في تمييز الصحيح من العقد من باطله، وأنّ الميزان كون المورد في العقد ممّا حرّمه اللّه كالعقد على المحارم نسباً أو رضاعاً أو مصاهرة، فهذا ممّا لا يجوز مطلقاً ولا يصحّ برضى المعقود له أو وليّه.
وأمّا إذا كان المورد غير حرام بالذات ولم يكن العقد عليه مصداقاً لتحليل ما حرّم اللّه، بل أقصى ما يتصوّر كونه مصداقاً لعصيان المخلوق، فهذا يصحّ إذا رضي.
ومقتضى عموم العلة كون عقد البيع فضولة داخلاً تحت الضابطة، فلو باع كلب الغير أو خنزيره أو صنمه بلا إذن منه فهذا لا يصحّ وإن رضي صاحبها، وأمّا إذا باع غنم الغير أو بقره فهذا ممّا يتوقف على رضا صاحبه فإذا رضي جاز، إذ لا وجه للبطلان لا من جانب التشريع السماوي، لأنّ المفروض أنّ بيعه حلال بالذات ولا من جانب المالك لافتراض أنّه أجازه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الوجه في البطلان منحصر بمخالفة اللّه الّتي لا يمكن جَبرها بالإجازة، وأمّا مخالفة السيد فهي قابلة للجَبر بالإجازة.
2. إلغاء الخصوصية
إنّ إلغاء خصوصية المورد أمر متعارف بين الفقهاء خصوصاً في غير العبادات بشرط موافقة العرف لها، والمورد(النكاح) لا خصوصية له في الحكم الشرعي بل الموضوع العقد الّذي ليس فيه عصيان اللّه سبحانه وهو مشترك بين النكاح والبيع.
وهذان الوجهان لا يترتب عليهما شيء ممّا يترتّب على الوجه الثالث.
3. الفحوى وادّعاء الأولوية
وهذا ما سلكه الشيخ وقال: إنّ تمليك بضع الغير(605) إذا لزم بالإجازة كان تمليك ماله أولى بذلك، مضافاً إلى ما علم من شدة الاهتمام في عقد النكاح، لأنّه يكون منه الولد كما في بعض الأخبار.(606)
وحاصل الاستدلال: أنّه إذا صحّ الفضولي في مورد النكاح ـ مع تأكيد الاحتياط فيه ـ لزمت صحة عقده في مورد البيع الّذي لم يؤكد بالاحتياط، فجواز بيع الفضولي فيما أُوصي بالاحتياط فيه يدلّ على جوازه في البيع الّذي لم يوص به.
لكن هذا الاستدلال ربما يوهن بالنص الوارد في الردّ على فقهاء السنّة حيث إنّهم فرّقوا بين مسألتين:
1. تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل.
2. بيع الوكيل المعزول مع جهله بالعزل.
فقالوا بالصحة في الثاني محتجين بأنّ المال له عوض، وبالبطلان في الأوّل قائلين بأنّ البضع ليس له عوض.
ولما نقل العلاء بن سيابة (607) للإمام الصادق(عليه السلام)فتوى فقهاء السنة في هذا المورد وقال: يزعمون أنّها لو وكلت رجلاً وأشهدت في الملأ وقالت في الملأ: اشهدوا إنّي قد عزلته، أبطلت وكالته بلا أن يُعلم بالعزل، وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة، وفي غيره لا يبطلون الوكالة إلاّ أن يعلم الوكيل بالعزل، ويقولون: المال منه عوض لصاحبه، والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد.
فلمّا أخبر الراوي عن فتوى فقهائهم قال الإمام الصادق(عليه السلام): «سبحان اللّه ما أجْوَر هذا الحكم وأفسده، إنّ النكاح أحرى وأحرى أن يحتاط فيه وهو فرج، ومنه يكون الولد».(608)
والتدبر في الحديث يعطي أنّ مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحة من البيع الواقع، من حيث الاحتياط المؤكد في النكاح دون غيره، فدلّ على أنّ صحّة البيع تستلزم صحّة النكاح بطريق أولى لا العكس كما هو مبنى الاستدلال.
وعلى ضوء هذا فالاستدلال بصحة النكاح على صحة البيع بالفحوى مطابق لمذاق العامة.
فإن قلت: كيف جعل الإمام (عليه السلام)الصحة في النكاح موافقة للاحتياط في مقابل فقهاء السنة الذين جعلوا البطلان موافقاً للاحتياط؟
قلت: قد بيّنه الشيخ بما هذا توضيحه: ولو قلنا بصحة العقد كما عليه الإمام(عليه السلام)فالواقع لا يخلو عن أحد أمرين:
أ. إمّا يكون العقد صحيحاً في الواقع، لم يترتب عليه إشكال.
ب. أو يكون العقد باطلاً في الواقع فأقصى ما يلزم هو الزنا بامرأة غير ذات بعل.
وأمّا لو قلنا ببطلان العقد كما عليه فقهاء السنة، فلو كان الواقع كذلك لم يترتب عليه شيء، وأمّا لو كان صحيحاً في الواقع فعندئذ تتزوج المرأة برجل آخر فيلزم منه الزنا بذات البعل.
واعلم أنّ هذا القسم من الروايات لا يكون دليلاً على صحة الفضولي مطلقاً، بل يكون دليلاً على ما إذا صدر العقد ممّن له أهليّة العقد كالعبد المتزوج لنفسه وبيع الراهن العين المرتهنة بلا إذن المرتهن ونحو ذلك، وقد سبق منّا أنّ هذا القسم من أقسام الفضولي، وأمّا إذا صدر العقد ممّن ليس له العقد كما إذا باع مال غيره أو زوّج من ليس له الولاية، فهذا القسم يحتاج إلى دليل آخر، و سيوافيك بيانه في القسم التالي.
القسم الثاني: ما إذا كان العاقد غير المتزوج
1. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه سأله عن رجل زوجته أُمّه وهو غائب؟ قال: «النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل وإن شاء ترك، فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر، لازم لأُمّه».(609)
2. ما رواه أبان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا زوّج الرجل ابنه كان ذلك إلى ابنه، وإذا زوّج ابنته جاز في ذلك».(610)
3. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والآخر لا يعلم ثم إنّه علم بعد ذلك، أله أن يفرّق بينهما؟
قال(عليه السلام): «للذي لم يعلم ولم يأذن، أن يفرّق بينهما، وإن شاء تركه على نكاحه».(611)
4. رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى(عليه السلام)قال: سألته عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما والآخر غائب، هل يجوز النكاح؟
قال: «إذا كره الغائب لم يجز النكاح».(612)
فإنّ المزوّج فيها المولى لا المملوك واحتمال كون التزويج بإذن المملوك أو المملوكة بعيد، على أنّ ترك الاستفصال دليل على عدم الفرق، سواء كان بإذنهما أو لا.
ثمّ إنّ المراد من قوله: «إذا كره الغائب» هو كراهة التزويج حين الاطّلاع.
تزويج الأولياء للصغيرين
وربّما يستدلّ بالروايات الواردة في تزويج الأولياء العرفيين للصغير أو الصغيرة وهي كالتالي:
5. روي صحيحاً عن عبيدة الحذّاء أنّه قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن غلام وجارية زوّجهما وليّان لهما وهما غير مدركين.
قال: فقال(عليه السلام): «النكاح جائز، أيّهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا».
قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟
قال: «يجوز ذلك عليه إن هو رضي».
قلت: فإن كان الرجل الّذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح، ثمّ مات قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: «نعم يعزل ميراثها منه حتّى تدرك، وتحلف باللّه بأنّه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج، ثمّ يدفع إليها الميراث، ونصف المهر».
قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك!
قال: «لا; لأنّ لها الخيار إذا أدركت».
قلت: فإن كان أبوها هو الّذي زوّجها قبل أن تدرك؟
قال: «يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية».(613)
ثمّ إنّ المراد بالوليين هما الوليان العرفيان لوجهين:
أ. الحكم الوارد في الرواية ـ أعني: الخيار ـ إذ لو كان الولي شرعياً ولم يكن العقد مضرّاً بالمولّى عليه لما كان له الخيار.
ب. قوله في آخر الرواية الأُولى: «فإن كان أبوها هو الّذي زوجها».
كما أنّ المراد من قوله(عليه السلام): «النكاح جائز» هو الجواز بمعنى الاقتضاء كما هو الحال في البيع الفضولي بقرينة قوله(عليه السلام):«فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلاّ إذا كانا قد أدركا ورضيا».
بقي الكلام في قوله: «قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر يجوز ذلك عليه إن هو رضي»، إذ ليس المراد تحقّق الزوجية من جانبه دون الطرف الآخر، فإنّه غير معقول، لأنّ الزوجية ربط بين الشخصين وهو أشبه بالإضافة المقولية، بل المراد أنّه إذا رضي لا يجوز له التخلف بل لابدّ من الانتظار، فإن أدرك الآخر ورضي لم يجز له التخلّف وإن لم يرض جاز له التخلّف.
6. روى عباد بن كثير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل زوّج ابناً له مدركاً من يتيمة في حجره. قال: «ترثه إن مات، ولا يرثها; لأنّ لها الخيار ولا خيار عليها».(614)
إلى هنا تم الكلام في بعض ما ورد من الروايات في باب النكاح الّذي يمكن الاستدلال به على صحة عقد الفضولي، وليست الروايات منحصرة فيما ذكرنا،(615) فقد ورد فيها (أيضاً) نكاح العم لابن أخيه، والجميع يدلّ على أنّه إذا كانت للعاقد صلة تربطه بالمعقود له، يجوز له أن يزوّجه وينتظر إلى إجازته بعد العلم بالعقد.
الرابعة: ما ورد في المضاربة إذا خالف العامل الشرط
قد وردت في باب المضاربة روايات ربّما يستدل بها على صحة عقد الفضولي، نذكر منها ما يلي:
1. معتبر جميل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى به غير الّذي أمره؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط».(616)
وجه الاستدلال: هو أنّ بيع العامل أو شراءه لمّا كان على خلاف ما اشترط صار عقده فضولياً، فإذا اطّلع المالك على عمله، فإن رأى عمله رابحاً أجازه مضاربة فيكون الربح بينهما، وإن رآه خاسراً ردّه وعندئذ يكون عليه الضمان فينزل الحكم بالاشتراك في الربح على صورة الإجازة كما ينزل الضمان على صورة الردّ.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم جعل الرواية بين ما يمكن أن يستدلّ بها وما يمكن أن يستأنس بها.
قال: إن حملنا الرواية على صورة إجازة المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح اندرجت المعاملة في الفضولي، فيستدل بها على صحة الفضولي .
وإن أُبقيت على ظاهرها من عدم توقف ملك الربح على الإجازة وعدّ هذا خارجاً عن بيع الفضولي بالنص، كان فيها استئناس لحكم المسألة من حيث عدم اعتبار إذن المالك سابقاً في نقل مال المالك إلى غيره.(617)
ولكنّ للتأمّل في الاستدلال مجالاً:
نحن نفترض أنّ المورد من مصاديق الفضولي وأنّ المالك أجاز البيع الواقع على خلاف الشرط وإن لم تكن الإجازة مذكورة في الرواية.
لكن الإشكال في أمر آخر، وهو أنّ كون الربح بينهما، يلازم كون البيع المذكور مضاربة حتى يكون الربح بينهما لكن الإجازة تصحح البيع ـ الصادر من العامل على خلاف الشرط ـ بما هو هو بيع فيكون مستنداً إلى المالك كذلك ويكون الربح له خاصة.
ولكنها لا تقلب الواقع عما هو عليه، ولا تجعل ما صدر من غير المضاربة، من مصاديقها، لأنّه إذا كان الشرط قيداً للمضاربة فلا يكون العقد الصادر مضاربة، ومن المعلوم أنّ الإجازة المتأخرة لا تجعل العقد الفاقد للعنوان واجداً له حقيقة فإذا لم يكن العقد من مصاديقها، كيف يكون الربح بينهما؟!
فلأجل إيضاح أنّ الإجازة لا تقلب الواقع نأتي بمثال:
نفترض: أنّ الرجل وكّل رجلاً لبيع شيء خاص ولكنّه باع شيئاً آخر وأجازه المالك، فالإجازة تصحح ذلك البيع فقط ولا تجعله من مصاديق البيع الّذي وُكّل فيه الرجل.
ومع ذلك يمكن دفع الإشكال و أنّ ما قام به العامل كان داخلاً في إطار المضاربة ـ و إن خالف الشرط ـ وعندئذ يكون الربح بينهما حسب ما اتفقا عليه، ولكن عليه الضمان لأنّه خالف الشرط، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الشروط المأخوذة في المضاربة على قسمين:
قسم يكون قيداً للمضاربة، ويخصِّصها بموردها كما إذا قال: اشتر به متاعاً ولا تشتر الأكفان، فإنّه يخصّ مورد المضاربة بغير الأكفان ويكون الاشتراء بمال المضاربة فضولياً قطعاً.
وقسم يذكر لأجل حفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً لها ومن دون أن يخصّها بغير مورده، وذلك كالنهي عن السفر مطلقاً، أو السفر إلى جهة معيّنة، فإنّ روح هذه القيود تضمينية لغاية صيانة رأس المال عن التلف، فلو خالف فأقصى ما يترتب عليه هو الضمان، لا كون العقد فضولياً، لأنّ الغاية هو الضمان لا عدم الرضا بالمعاملة.
وعلى هذه الصورة تحمل الرواية فتنحل بها العقدة.
وممّا يدلّ على أنّ الشرط لم يكن دخيلاً في تخصيص المضاربة بمورده، بل كان لأجل صيانة المال من التلف، ما ورد في المقام من الروايات:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال:«في المال الّذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال. فإنّ العباس كان كثير المال وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فإن خالفت شيئاً ممّا أمرتك به فأنت ضامن المال».(618)
وجه الدلالة: انّ قوله(عليه السلام)«إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال» بمعنى أن يخالف الشرط، والمقصود منه هو ما جاء في عبارة العباس وهو «أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبد رطبة» والشرط الأوّل ورد لحفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً للمضاربة، وأمّا الشرط الثاني فيحتمل أن يكون قيداً للمضاربة.
2. ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة فكان يشترط أن لا يركبوا بحراً ولا ينزلوا وادياً فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأُبلغ ذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فأجاز شرطه عليهم».(619)
وبذلك يمكن الإجابة عن مجموع الأسئلة المطروحة في المقام.
أ. بما أنّ المورد كان من مصاديق المضاربة ولم يكن الشرط قيداً لمورد المضاربة حتّى يكون فضولياً، وعندئذ استغنى عن الإجازة الّتي جعل الشيخ عدمها مانعاً عن كون المورد من مصاديق الفضولي.
ب. كون الربح مشتركاً بينهما لأجل صحة المضاربة.
ج. كون الضمان على العامل لصيرورة يده يداً عدوانية.
ثمّ إنّ لصاحب الجواهر كلاماً لعلّه يريد ما ذكرناه، حاصله: تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الإذن في المضاربة وإرادة الضمان من الاشتراط كما يومي إليه خبر رفاعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مضارب يقول لصاحبه إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن، قال: «هو ضامن إذا خالف شرطه».(620)
الخامسة: ما ورد في اتّجار غير الولي بمال اليتيم والربح له(621)
قد وردت روايات فيما إذا اتّجر غير الولي بمال اليتيم، أنّ التجارة صحيحة لكن الربح لليتيم.
وجه الاستدلال: انّ مقتضى كون الربح لليتيم والخسارة على العامل هو أنّ المتّجر كان غير ولي فإذا اتّجر، فإن كانت رابحة أجازها الولي ويكون الربح لليتيم، وإن كانت خاسرة ردّها ويكون الضمان على العامل.
قال في البلغة: ورد مستفيضاً في مَن اتّجر بمال الطفل لنفسه بغير إذن وليّه: إنّه يضمن المال والربح للطفل أو اليتيم.(622)
وقال السيد الطباطبائي: ليس في تلك الأخبار ما يكون نصاً أو ظاهراً في كون المتجر غير ولي.(623)
وقال السيد الخوئي: إنّا لم نعثر على خبر يكون نصاً أو ظاهراً في كون المتجر بمال اليتيم هو غير الولي، بل الروايات الواردة في الاتجار بماله كلها على طائفتين:
الأُولى: صريحة في تجارة نفس الولي بذلك.
الثانية: مطلقة وغير مقيدة بالولي ولا بغيره.
فأمّا الطائفة الثانية الّتي تدل على جواز الاتجار بمال اليتيم مطلقاً فهي ناظرة إلى رعاية حال اليتيم وواردة في مقام التوسعة له والامتنان عليه، لأنّه تعالى قد رخّص في الاتجار بماله لأي أحد مع كون ربح التجارة له ووضيعتها على التاجر، ولعل النكتة في ذلك هو أن لا يقرب أحد مال اليتيم إلاّ بالّتي هي أحسن، ولا شبهة في أنّ هذا حكم تعبّدي محض لا صلة له بالفضولي أصلاً ولا تنطبق عليه القواعد.(624)
***
إنّ الشيخ الأنصاري والمعلّقين على متاجره ـ مع الاعتراف بفضلهم ـ مرّوا على هذه المسألة والروايات الّتي وردت فيها بشكل عابر ولم يهتموا بها،(625) إلاّ السيد الأُستاذ الحجة الكوهكمري(قدس سره)فقد أمعن في الروايات وجمع شتاتها ورفع تعارضها بشكل علمي، ونحن نصدر في المقام عن إفاضاته القيّمة، بتحرير جديد منّا.
أقول: إنّ الروايات الواردة في الاتّجار بمال اليتيم على أصناف:
1. ما يدلّ على أنّ الربح بينهما وليس على العامل ضمان.
2. ما يدلّ على أنّ الربح لليتيم والضمان على العامل.
3. التفصيل بين كون العامل فقيراً فالربح لليتيم والضمان على العامل، وكونه غنياً فالربح له والضمان عليه.
وهذه الأصناف المختلفة بظاهرها ليست منصبّة على مورد واحد بل مسوقة لبيان حكم موردين:
1. اتّجار الوصي بأقسامه الثلاثة.
2. استقراض الولي أو الوصيّ من مال الطفل لا غير.
ولا صلة لها باتّجار الأجنبي. فالوصي يتّجر، والولي أو الوصي يستقرض ويتّجر لنفسه، ولذلك تختلف أحكامهما، ويتّضح ذلك بالإمعان في الروايات.
أمّا اتّجار الوصي فإليك صوره وأحكامه.
الكلام في اتّجار الوصي بمال اليتيم
إنّ اتّجار الوصي بمال اليتيم على صور ثلاث:
الصورة الأُولى: اتّجار الوصي المأذون من الولي
أن يكون الوصي مأذوناً من ولي الطفل ـ أعني: الأب أو الجد ـ فيكون تصرفه صحيحاً، وبما أنّ الاتجار بمال اليتيم على وجه المضاربة يكون الربح بينهما ولا ضمان على المتجر كما هو الحال في سائر الموارد، فالربح يقسّم بين العامل والمالك والوضيعة على الأخير.
ويدلّ عليه ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: «لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حيّ».(626)
ومورد الرواية هو اتّجار الوصيّ ونظيره ما رواه خالد بن بكير الطويل قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح واعطهم النصف وليس عليك ضمان.
فقدّمتني أُم ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إنّ هذا
يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي
ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثمّ أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن
أنا حرّكته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقصصتُ عليه قصّتي،
ثمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما
بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان.(627)
وظاهر الرواية انّ الإمام(عليه السلام)أمضى وصية الأب من كون الربح بينهما ولا ضمان عليه. وعلى كلّ تقدير فالوصي كان مأذوناً من الولي كما هو صريح الحديث بخلاف الشق الآتي فليس تصريح من الوليّ للوصي بالأولى بالتجارة.
الصورة الثانية: مضاربة الوصي الناظر غير المأذون
إذا اتّجر الوصي ـ غير المأذون من الولي ـ بمال اليتيم لأجل حفظه من الضياع إذا توقّف حفظه على التجارة به، وحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة فالربح بينهما والوضيعة على اليتيم، ويدل عليه رواية أبي الربيع قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يكون في يديه مال لأخ له يتيم وهو وصيّه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: «نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما»، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: «لا، إذا كان ناظراً له».(628)
والدليل على أنّ الرواية ناظرة إلى الصورة الثانية قوله(عليه السلام)في آخر الرواية: «إذا كان ناظراً له».
فالمراد من الناظر هو المدير لأموال اليتيم، وبالتالي يكون شفيقاً على اليتيم، يقال: «فلانٌ تحت نظر فلان» أي أنّه تحت حمايته والتفاته.
كما يقال: نظره بعين النظرة، أي بعين الرحمة. فيكون الاتّجار بمال اليتيم لا لأجل الربح بل لصالح اليتيم والشفقة عليه.
يقول الشيخ في التهذيب بعد نقله للرواية: يكون ضامناً للمال ويكون الربح لليتيم والزكاة في مال اليتيم وعلى الولي إخراجها منه، إذا لم يكن قد قصد بالتجارة نظراً لليتيم... إلى أن قال: ومتى كان قصده نظراً لليتيم جاز له أن يأخذ من الربح شيئاً ما يكون له بلغة.(629)
الصورة الثالثة: مضاربة الوصي غير المأذون ولا الناظر
إذا اتّجر بلا إذن من الولي ولا نظراً لحفظ المال فتبطل مضاربته، وأمّا نفس الاتجار ـ مع قطع النظر عن المضاربة ـ فبما أنّه اتّجر بعين مال اليتيم لا في ذمته، فيصح لعدم بطلان ولايته ببطلان المضاربة لأنّه وصيّ، وولايته على أموال اليتيم ثابتة بوصية من الوليّ غاية الأمر أنّه صار خاطئاً في أمر المضاربة فلا يكون سبباً لبطلان وصايته الّتي هي نوع من الولاية ، النابعة من إيصاء الولي.
وعليه يحمل ما رواه سعيد السمّان قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، إلاّ أن يتّجر به، فإن اتّجر به فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الّذي يتّجر به».(630)
والرواية محمولة على أنّ المتّجر كان وصيّاً، لأنّ مال اليتيم يكون بيد الوصيّ غالباً وقد اتّجر بعنوان المضاربة كما يدلّ عليه قوله: «فالربح لليتيم»، ردّاً على نية المتّجر.
هذا مجموع ما ورد في مضاربة الوصي وباختلاف الصور اختلفت الأحكام كما ارتفع التعارض بينها حيث إنّ ما دلّ على المشاركة في الربح والوضيعة على الطفل راجع إلى الصورتين الأُوليين، وما دلّ على أنّ الربح للطفل والوضيعة على العامل راجع إلى الصورة الثالثة.
وعلى كلّ تقدير فهذه الروايات لا صلة لها بباب الفضولي، لأنّ المضاربة في الصورتين الأُوليين، والاتجار ـ بعد بطلان المضاربة ـ في الصورة الثالثة، قام بها الوصيّ ولا يعدّ عمله فضولياً.
في استقراض الولي أو الوصيّ
إنّ قسماً من الروايات ناظر إلى صورة استقراض الوليّ أو الوصيّ من مال الطفل والاتجار به لنفسه دون المضاربة، وهي على قسمين:
القسم الأوّل: أن يستقرض وهو فقير ففي هذا القسم يكون الربح للصبي والضمان على الولي، ويدلّ عليه رواية ربعي بن عبداللّه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: في رجل عنده مال اليتيم، فقال:«إن كان محتاجاً وليس له مال فلا يمسّ ماله، وإن هو اتّجر به فالربح لليتيم وهو ضامن».(631)
وجه كون الربح لليتيم، هو بطلان الاستقراض ويتبعه بطلان كون الاتّجار لنفسه ولما كان الاتجار بعين مال اليتيم يتبعه الربح.
فإن قلت: لماذا حملت الرواية على صورة الاستقراض دون المضاربة؟
قلت: يدلّ على أنّ الرواية ناظرة إلى صورة الاستقراض أمران:
1. قوله: فلا يمسّ ماله، الظاهر في كون المسّ لمصالحه.
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في مال اليتيم: قال: «العامل به ضامن، ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال إن عطب أدّاه».(632) فإنّ قوله: «إن عطب أدّاه» ظاهر في اشتغال ذمّته بمال الطفل وهو يتحقّق في الاستقراض دون المضاربة حيث إنّه يتملك مال الطفل وتشتغل ذمته به، فيؤدي عند العطب.
القسم الثاني: أن يستقرض الولي أو الوصي ويتجر وكان مليّاً والروايات تخصص الربح والوضيعة على الولي أو الوصي.
1. روى منصور الصيقل قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مال يعمل به؟ قال: فقال: إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال.(633)
2. روى أسباط بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)كان لي أخ هلك فأوصى إلى أخ أكبر مني وأدخلني معه في الوصية وترك ابناً له صغير وله مال، أفيضرب به أخي؟ فما كان من فضل سلّمه لليتيم، وضمن له ماله؟ فقال: «إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف فلا بأس به، وإن لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم».(634)
وظاهر الروايتين خصوصاً الثانية أنّ الاتّجار كان بعنوان المضاربة لكنّها انقلبت إلى الاستقراض بقرينة الضمان فيهما.
توضيح ذلك: أنّ الضابطة الموجودة في باب المضاربة هي أنّ صاحب المال إذا ضمّن العامل فليس له إلاّ رأس ماله ويدلّ عليه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)في حديث أنّ علياً (عليه السلام)قال:«مَن ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله وليس له من الربح شيء»(635)، وقد ورد في الرواية الأُولى قوله: «وضمنته»، وجاء في الرواية الثانية قوله:«وضمن له ماله» فلذلك صار الربح كلّه للعامل ولم يكن لليتيم منه نصيب.
نعم لو لم يُضمّن يكون من باب المضاربة ويكون الربح بينهما والضمان على صاحب المال.
وبعبارة أُخرى: أنّ شرط الضمان يقلب المضاربة إلى القرض، ومن المعلوم أنّ الربح للمستقرض لا للمقرض، وإلاّ فلو كانت المضاربة باقية على حالها فيحكم عليها بما ثبت في المضاربة من أنّ الربح بينهما والضمان على المالك.
إنّ ما ذكرناه في اتجار الوصي والولي بأقسامه وأحكامه هو الذي فهمه الشيخ الطوسي من الروايات وإليك نصّه في «النهاية» الذي هو في مجرد الفتوى، مأخوذة من الروايات بلفظها أو معناها. قال: ومتى اتّجر الإنسان بمال اليتيم نظراً لهم وشفقة عليهم فربح كان الربح لهم(636)، وإن خسر كان عليهم ويستحب أن يخرج من جملته الزكاة، ومتى اتّجر لنفسه وكان متمكناً في الحال من ضمان ذلك المال وغرامته، وإن حدث به حادث جاز ذلك، وكان المال قرضاً عليه فإن ربح كان له وإن خسر كان عليه وتلزمه في حصته الزكاة كما يلزمه لو كان المال له ، ندباً واستحباباً، ومتى اتّجر لنفسه بمالهم وليس بمتمكّن في الحال من مثله وضمانه، كان ضامناً للمال. فإن ربح كان ذلك للأيتام وإن خسر كان عليه دونهم.(637)
وبذلك ظهر أنّ الربح تارة يكون بينهما كما في المأذون والناظر، وأُخرى لليتيم وحده كما إذا اتّجر بلا إذن ولا نظر أو استقرض وهو فقير واتّجر لنفسه، وثالثة للمتّجر إذا استقرض وهو مَلْي.
وبذلك تستطيع أن تجمع شتات الروايات وتعارضها. وعلى كلّ تقدير فالروايات لا صلة لها ببيع الفضولي.
السادسة: رواية ابن أَشْيَم
روى ابن أَشْيَم، عن أبي جعفر (عليه السلام)عن عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألفَ درهم، فقال: اشتر بها نسمة واعتقها عنّي وحُجّ عني بالباقي، ثمّ مات صاحب الألف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميّت ودفع إليه الباقي يحجّ عن الميت فحجّ عنه. وبلغ ذلك موالي أبيه وموإليه وورثة الميّت جميعاً فاختصموا جميعاً في الألف.
فقال موالي العبد المعتَق: إنّما اشتريت أباك بمالنا.
وقال الورثة: إنّما اشتريت أباك بمالنا.
وقال موالي العبد: إنّما اشتريت أباك بمالنا.
فقال أبو جعفر(عليه السلام): «أمّا الحجّة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأمّا المعتَق فهو رد في الرقّ لموالي أبيه(638)، وأي الفريقين بعد أقاموا البيّنة على أنّه اشترى أباه من أموالهم كان له رقّاً».(639)
أمّا السند فهو ضعيف، لأنّ المراد من ابن أشيم هو موسى بن أَشْيَم من رجال الباقر والصادق(عليهما السلام)، قال الكشي: إنّه كان من الخطابية وذمّه الصادق (عليه السلام) .(640)
وأمّا الدلالة أو الاستئناس به على جواز الفضولي فوجهه: هو أنّ كلاً من الموالي يدّعي أنّ العبد اشترى أباه بعين مالهم، فلو لم يكن الاشتراء بعين المال كافياً في تملّك المبيع بعد المطالبة الّتي تتضمن إجازة البيع، لم يكن مجرد دعوى الشراء بالمال ولا إقامة البينة عليها كافية في تملّك المبيع.
هذا وقد جعله الشيخ مؤيداً لصحة بيع الفضولي ولكنّه غير تام بوجهين:
1. أنّه إنّما يصحّ إذا لم يكن العبد مأذوناً من الجميع في البيع والشراء، ولكن الظاهر من الرواية أنّ العبد المأذون كان عنده مال من الموالي الثلاثة فهو كان يبيع ويشتري لهم بعين أموالهم فادّعى كلّ منهم أنّه اشترى أباه بعين مالهم، وعند ذلك يخرج الحديث عن كونه مؤيداً للفضولي.
2. أنّ من المحتمل أن يكون العبد وصيّاً للميت في شراء العبد وأنّ المال الّذي دفعه إليه لم يكن بأكثر من الثلث، فعندئذ لا يكون الشراء فضولياً; وأمّا إصرار ورثة الميت على شرائه بمال الوصية، فلأجل أن لا يُردّ المشترى بمال أبيهم رقّاً، ويكفي هذا في تدخّلهم في النزاع.
هذا ما يرجع إلى التأييد، وأمّا فقه الحديث فلا يخلو من إشكالات، وهي:
1. انّ المعروف في الأُمور الّتي لا تعلم إلاّ من جانب صاحبها، هو الرجوع إليه والاستفسار منه لتعلم حقيقة الحال. والقائم بأمر الشراء هو العبد وهو أعرف بقصده ونيّته، فلماذا أُهمل الرجوع إليه، وأُرجع الأمر إلى إقامة البيّنة كما قال الإمام(عليه السلام):«وأيّ الفريقين بعد أقاموا البيّنة على أنّه اشترى أباه من أموالهم كان له رقّاً».
2. انّ عتق العبد عن الميّت وبعثَه إلى الحجّ عنه أمارة على أنّه اشتراه بمال الميّت، فكيف ترك هذا الظاهر وصار المرجع إقامة البيّنة؟!
3. كيف صحّح الإمام(عليه السلام)الحجّ وقال:«أمّا الحجّة فقد مضت بما فيها لا تُردّ» مع أنّه ردّ النائب رقاً لصاحبه، ومع الحكم بكونه رقّاً يبطل حجّه، لأنّ حجّ الرق بلا إذن صاحبه غير صحيح.
ويمكن الجواب عن ذلك بأنّ المراد أنّ الحجّ قد انتهى أمره وانقضى، هو ليس كالعبد أمراً موجوداً يمكن ردّه إلى صاحبه، وأمّا أنّ الحجّ كان صحيحاً أو لا، فليس الإمام (عليه السلام)بصدد بيانه.
4. إنّ الإمام رخص إقامة البيّنة للطائفتين: ورثة الميت، وموالي العبد المعتِق، مع أنّهما يدّعون الصحة وأنّه اشترى بأموالهم عبداً من غيرهم، وأمّا الطائفة الثالثة فهم يدّعون الفساد لأنّهم يدّعون أنّه اشترى أباه بأموالهم والثمن والمثمن ملكاً لهم، وعند ذلك فمن وافق قوله الصحة فهو المنكر، ومن ادّعى الفساد فهو المدعي، وعلى ضوء ما ذكرنا تنحصر إقامة البيّنة في الطائفة الثالثة فقط ولا تتوجّه للأخيرتين بل عليهم الحلف.
ولو قيل: إنّ الطائفة الثالثة ينفون أصل الشراء والطائفتان الأُوليان يدّعون وقوعه، فعندئذ ينعكس الأمر، وتتوجّه إقامة البيّنة عليهما دون الطائفة الثالثة.
وعلى كلّ تقدير فالاستدلال بالرواية مع ضعف السند واقترانها بهذه الإشكالات، أمر مشكل.
السابعة: صحيحة الحلبي
قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): عن رجل اشترى ثوباً(ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه) ثمّ ردّه على صاحبه، فأبى أن يقبله إلاّ بوضيعة، قال: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأوّل مازاد.(641)
والاستدلال به على صحة الفضولي على ما قال الشيخ كالتالي: إنّ الحكم بردّ ما زاد لا ينطبق إلاّ على صحة بيع الفضولي لنفسه وأنّه يقع عن المالك الواقعي (المسألة الثالثة).(642) ويريد بكلامه هذا هو أنّ الفسخ لمّا كان باطلاً وكان المتاع باقياً على ملك المشتري فلمّا باعه البائع بأكثر من ثمنه وجب عليه ردّ مازاد من الثمن.
فإن قلت: من أين نعلم أنّ المشتري لو كان عالماً بواقع الحال (وهو كون الفسخ باطلاً) يرضى بالبيع الثاني حتّى يردّ إليه ما زاد من الثمن الّذي أخذه من البائع عند الفسخ؟
قلت: طبيعة الحال توجب رضاه،لأنّه إذا رضي بالإقالة بنفس الثمن، فكيف لا يرضى بها بمازاد؟!
هذا ما يمكن أن يقال في توجيه دلالة الرواية على الفضولي.
ولكن الاستدلال لا يخلو من إشكال، وذلك لأنّ الفسخ عبارة عن فك العقد وحلّه، بحيث يرجع كلّ من المثمن والثمن إلى محملهما فالمبيع بتمامه يرجع إلى البائع، والثمن يرجع إلى المشتري، فإذا كان الفسخ بهذا المعنى باطلاً وكان المبيع باقياً على ملك المشتري يجب على البائع ردّ شيئين:
أ. الوضيعة الّتي أنقصها من الثمن الأوّل.
ب. ردّ مازاد على الثمن.
مع أنّ الإمام لم يذكر إلاّ ردّ مازاد.
أضف إلى ذلك: أنّه ليس من الإجازة في الحديث أثر.
والقول بأنّ الراضي بالإقالة بردّ نفس الثمن يجيز مازاد على الثمن، وبالتالي يجيزُ البيع الثاني ويغضّ النظر عن الوضيعة غير تام، لأنّ المفروض أنّه ردّ مازاد على الثمن لا الوضيعة. إذ لو كانت الوضيعة أكثر ممّا زاد على الثمن ربما لا يرضى بالبيع الثاني. نعم لو كانت أقل ربما يرضى بالبيع مع غضّ النظر عن الوضيعة.
الثامنة: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه
قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع إليه الورق ويشترط عليه أنّك تأتي بما تشتري، فما شئتُ أخذتُه، وما شئتُ تركتُه، فيذهب فيشتري ثمّ يأتي بالمتاع فيقول: خذ ما رضيتَ، وادفع ما كرهتَ؟ قال: «لا بأس».(643)
ذكر الشيخ الأنصاري أنّ في الرواية احتمالات:
1. يحتمل أن يكون الشراء لنفسه ليكون الورق عليه قرضاً فيبيع على صاحب الورق ما رضيه من الأمتعة ويوفيه دينه.
2. يحتمل أن يكون الشراء لصاحب الورق بإذنه مع جعل خيار له على بائع الأمتعة فيلتزم بالبيع فيما رضي ويفسخه فيما كره.
3. يحتمل أن يكون فضولياً عن صاحب الورق فيتخير ما يريد ويردّ ما يكره.
وليس في مورد الرواية ظهور في إذن صاحب الورق للسمسار على وجه ينافي كونه فضولياً.
فإذا احتمل مورد السؤال لهذه الوجوه وحكم الإمام(عليه السلام)بعدم البأس من دون استفصال عن المحتملات أفاد ثبوت الحكم على جميع الاحتمالات.(644)
وأضاف في البلغة احتمالاً رابعاً; وهو وقوع الاشتراء بالمساومة وإطلاقه عليه إطلاق شائع أو مجاز بالمشارفة ويكون دفع الورق لطمأنة السمسار وهو كثير الوقوع لا سيّما مع الدلال والسمسار، وأضاف; فلا تصلح للاستئناس بها على صحة الفضولي فضلاً عن التأييد بها.(645)
فلو كان أحد الاحتمالات أظهر من الأُخرى فيؤخذ به، وإلاّ فمع التساوي لا يمكن الاستناد إليه بحجّة ترك الاستفصال في كلام الإمام(عليه السلام)، وذلك لأنّ تركه عند الجواب إنّما يحتجّ به إذا كان السؤال واضحاً، وإنّما طرأ عليه الإجمال في بعض الشؤون والفروع، وأمّا إذا كان أصل السؤال مجملاً كما في المقام حيث إنّه مردّد بين الاحتمالات الأربعة فلا يحتج بترك الاستفصال على مشروعية عامّة الصور، بل إجمال السؤال يسري إلى الجواب أيضاً.
والحقّ أنّ ما ذكره صاحب البلغة هو أفضل الاحتمالات، وأنّ السمسار الّذي يعمل بالأجر إنّما يقوم بالمساومة والمذاكرة بين المالك والمشتري فيعرّف أموال المالك على المشتري من دون أن ينجّز البيع حتّى يعرف رأي المشتري، فعلى ضوء ذلك فلم يقع هناك بيع ولا شراء جدّي.
إلى هنا تمّ عرض ما ذكره الشيخ من الروايات للاستدلال بها على صحة البيع الفضولي، وهي لا تتجاوز عن الثمانية، وهناك روايات أُخرى يمكن أن يستدلّ بها أو يستأنس بها على صحة بيع الفضولي.
التاسعة: رواية مِسْمَع أبي سيّار
قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّي كنت استودعت رجلاً مالاً فجحدنيه وحلف لي عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الّذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك، واجعلني في حلّ.
فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح وأوقفت المال الّذي كنت استودعته، أتيت استطلع رأيك فما ترى؟
قال: فقال(عليه السلام): «خذ الربح وأعطه النصف وأحلّه، إنّ هذا الرجل تائب واللّه يحبّ التوابين».(646)
أمّا سند الحديث ففيه الحسن بن عمارة عن أبيه، قال الشيخ في رجال السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام): عامّي أُسند عنه. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: كان على قضاء بغداد في خلافة المنصور (مات 153هـ)(647)، وروى عنه ابن محبوب، وأبان بن عثمان.
وأمّا مِسْمَع فهو مِسْمع بن عبدالملك بن مسمع، قال النجاشي: أبو سيّار الملقب كِرْدِين شيخ بكر بن وائل بالبصرة، ووجهها وسيد المسامعة، وكان أوجه من أخيه عامر بن عبد الملك، روى عن أبي جعفر(عليه السلام)رواية قليلة، وروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)وأكثر واختصّ به.(648)
ولولا أنّ الحسن بن عمارة قد ضُعّف في الرجال لصحّ الاستناد إليه.
نعم رواه الصدوق بسند ليس فيه مَن يغمض فيه إلاّ القاسم بن محمد الجوهري، وهو واقفي ضعّفه في الوجيزة والخلاصة لكنّه من مشايخ ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، وقد قلنا في محله: إنّ مشايخهما ثقات، مضافاً إلى نقل الشيخين الصدوق والطوسي لهذا الحديث في جوامعهما.
وأمّا الدلالة فهي موقوفة على أنّ كون تجارة الرجل بعين الوديعة معاطاة أو بيعاً بالصيغة، وتكون النتيجة: أنّ المعاملة كانت فضوليّة فلما رضيت صحّت، ولكن من المحتمل أنّ التجارة كانت بالكلي في الذمّة وكان الأداء بعين الوديعة، وعندئذ يكون صحيحاً والربح للغاصب.
نعم ربما ينافي ذلك الاحتمال قوله: «هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك» وكأنّه ظاهر في أنّ المعاملة كانت بعين الوديعة لكن هذا التعبير ربّما يكون صحيحاً حتّى فيما إذا اتجر بذمته ثم أداه من نفس الوديعة، وما ذلك إلاّ لأنّ اعتماده للشراء بالذمة كان على عين الوديعة ولولاها لما أقدم عليها، ولذلك يصحّ أن يقال: هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك.
ويؤيّد ما ذكرنا قوله: «هذا مالك» ومن المعلوم أنّ الوديعة لم تبق بعينها عبر سنين بل وقعت المبادلة بها مرة بعد أُخرى.
العاشرة: الشراء ممّن لا يخمّس
تضافرت الروايات على صحّة الشراء ممّا فيه الخمس ممّن لا يخمّس من غيرنا، مع كونه من المعاملة على مال الإمام(عليه السلام)من غيره، وهو فضولي صحّ بإجازة الإمام(عليه السلام)بحكم أخبار الإباحة والتحليل.(649)
يلاحظ عليه: أنّ من لا يخمّس على صنفين:
1. من لا يعتقد بوجوب الخمس.
2. من يعتقد به ولكنّه يتساهل في أدائه.
فجواز الشراء من كلتا الطائفتين أجنبي عن بيع الفضولي.
أمّا الأوّل: فلإجازة من صاحب الخمس إجازة عامّة حيث إنّه بتحليله أجاز شراء حصته، وبذلك خرجت المعاملة عبر الزمان عن الفضولية.
وأمّا الثاني: فهو مبني على تعلّق الخمس بعين المال على وجه الإشاعة، ولو صحّ ذلك فإنّما يصحّ في مورد خمس الغنائم التي ليس لها مالك معيّن فخمسه للّه وللرسول و...
وأمّا إذا كان للعين مالك شخصي كما في مورد أرباح المكاسب فالظاهر أنّه يملك الجميع، غير أنّه يجب عليه إخراج خمس ماليّته من غير فرق بين إخراجه من نفس العين أو من غيره، فإذا باع فقد باع ما يملك وانتقل الفرض إلى ذمّته دون أن يكون البيع فضوليّاً.
أدلّة القائلين ببطلان الفضولي
تمّ الكلام آنفاً فيما يمكن الاستدلال به على صحّة الفضولي، وحان الكلام في أدلة المبطلين له، وقد استدلوا بالأُمور التالية:
1. الاستدلال بالكتاب على بطلان الفضولي
استدلّ القائل بالبطلان بقوله تعالى:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض).(650)
فقد استدل تارة بمفهوم الحصر ـ حيث إنّ الاستثناء يفيده ـ و أُخرى بسياق التحديد، وأنّه يدلّ على أنّ غير التجارة عن تراض، كالميسر والرشوة أو التجارة لا عن تراض غير مبيحة لأكل مال الغير وإن لحقها الرضا، والعقد الفضولي غير داخل في المستثنى لعدم نشوء التجارة ـ في وقتها ـ عن تراض من المالك.
وأجاب الشيخ عن الاستدلال بوجوه أربعة:
1. منع دلالة الاستثناء على الحصر.
2. منع دلالة السياق على الحصر لاحتمال ورود القيد (عَنْ تَراض)وارداً مورد الغالب، كما في قوله سبحانه:(وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ).(651) لأنّ الغالب على المعاملات هو صدورها عن تراض.
3. احتمال أن يكون الظرف (عَنْ تَراض) خبراً بعد خبر لقوله: (تَكُونَ)لا قيداً لتجارة، وعليه لا يلزم نشوء التجارة عن تراض، بل يكفي تحقّقه متقدماً أو مقارناً أو متأخّراً.
4. أنّ الخطاب لمُلاّك الأموال، والتجارة في الفضولي إنّما تصير تجارة المالك بعد الإجازة ـ و عندئذ ـ فتجارته عن تراض.(652)
ولا يخفى ضعف الأجوبة إلاّ الأخير منها.
أمّا الأوّل: فلأنّ المستثنى في الاستثناء المنقطع وإن كان خارجاً عن الموضوع حقيقة لكنّه داخل فيه تصوراً وتخيلاً، ولولا توهّم الدخول لما صحّ الاستثناء، ولذا لا يصحّ أن يقال: جاء العلماء إلاّ الجهال.
ولكن يصحّ أن يقال: «جاء السيد إلاّ خادمه» وذلك لتوهم وجود الملازمة العادية بين مجيء السيد ومرافقة خادمه له، ولذلك صحّ الاستثناء دفعاً لذلك التوهم.
وقد اشتهر قولهم: جاء القوم إلاّ حمارهم، وما ذلك إلاّ لأنّ القوم إذا خرجوا إلى مكان فإنّما يخرجون مصطحبين دوابّهم، فلأجل دفع هذا التوهم استثني الحمار.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاستثناء ـ خصوصاً المنقطع ـ يفيد الحصر، وذلك لأنّ استثناء ما هو خارج حقيقة، وداخل فيه توهماً، يدلّ على عناية المتكلم لبيان كلّ من جاء فإذا سكت عن استثناء شخص يدلّ ذلك على أنّه لم يشذّ من القوم أحدٌ، وإلاّ لما سكت.
وقد مرّ أنّ الاستثناء في الآية منقطع فإنكار الحصر لا يقبله الذوق السليم، والعجب انّ السيد الخوئي أنكر الاستثناء المنقطع وقال: إنّ الاستثناء المنقطع من أوضح الأغلاط، إذ لا يصحّ أن يقال: ما رأيت عالماً إلاّ الجاهل وما اتجرت تجارة باطلة إلاّ تجارة صحيحة، فإنّهما وأشباههما من الأغلاط الواضحة الّتي لا تصدر من الأخصائيين في الفصاحة والمدرّبين في البلاغة بل هي لا تصدر ممّن دونهم ولا توجد في كلماتهم فضلاً عن صدوره من اللّه ووجوده في كتابه الكريم.(653)
يلاحظ عليه : كيف أنكر وجود الاستثناء المنقطـع في الكتاب العزيز
مع وروده فيه، كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَـلائِكَةِ اسْجُـدُوا لآدَمَ فَسَجَـدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ) (654)، وكيف ينكر ذلك وقد ورد في الأدب العربي قول الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غير أنّ سيوفَهُم *** بهن فلول من قراعِ الكتائبِ
وقد عرفت أنّ مجوز الاستثناء المنقطع هو توهم الدخول وليس في المثال الذي ذكره هذا التوهم. وأمّا وجه الاستثناء المنقطع في الآية فقد ذكرنا وجهه عند الكلام عن عقد المكره، فلاحظ.
وأمّا الثاني: أعني: حمل القيد (عَنْ تَراض) على الغالب خلاف الظاهر، وإنّما قيل به في الآية المباركة لاتفاق الفقهاء على حرمة الربيبة مطلقاً، سواء أكانت في حجر الرجل أو لا.
وأمّا الثالث: أعني: جعل قوله:(عَنْ تَراض) خبراً لا قيداً فهو أيضاً كالثاني خلاف الظاهر والمتبادر.
فلم يبق إلاّ رابع الوجوه وهو كلام صحيح لما تقدّم منّا في صدر البحث أنّ العقد الفضولي ليس بيعاً ولا عقداً ولا تجارة قبل الإجازة، لأنّ الخطاب في الآيات كلّها لملاّك الأموال فمادام البيع لم يكن بيعَه والعقدُ عقدَه والتجارةُ تجارتَه لا تشمله الإطلاقات وإنّما تشمله عند لحوق الرضا، ففي ذلك الظرف تكون التجارة مقرونة بالتراضي لا مفارقة.
2. الاستدلال بالسنّة على بطلان الفضولي
استدل بالسنّة على بطلان عقد الفضولي بأحاديث وهي كالتالي:
الأوّل: ما دلّ على النهي عن بيع ما ليس عنده:
1. ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تبع ما ليس عندك».(655)
2. ما ورد من طرقنا في مناهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن بيع ما ليس عندك.(656)
3. ما رواه سليمان بن صالح عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «نهى رسول اللّه عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن».(657)
والاستدلال مبني على أنّ قوله:«ليس عندك» كناية عمّا لا يكون مملوكاً للبائع، والنهي إرشاد إلى الفساد.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الحديث كونه جواباً لسؤال تقدّمه فأجابه بقوله: «لا تبع ما ليس عندك»، وإلاّ فمن البعيد أن يتكلم النبي بلا مناسبة.
وقد نقل العلاّمة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ذكره جواباً لسؤال من سأله أنّه يبيع الشيء ثم يمضي ويشتريه من مالكه ويسلمه إلى المشتري وهذا غير ما نحن فيه.(658)
وبعبارة أُخرى: الحديث ناظر لمن يبيع مال الغير عن نفسه منجزاً ثم يذهب إلى اشترائه وتملّكه وتسليمه إلى المشتري، وهذا غير الفضولي فإنّه يقوم بإجراء العقد فقط دون أن ينجزه بل ينتظر إجازة المالك.
ويظهر من الروايات أنّ بعض الناس ربّما كانوا يبيعون مال غيرهم قبل أن يتملّكوه ولذلك وافاهم النهي، ففي رواية يحيى بن الحجاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل قال لي: اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أرابحك فيها كذا وكذا، قال(عليه السلام): «لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها».(659)
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده سيدنا الأُستاذ(قدس سره)بأنّ حمل السؤال على بيع العين الشخصية خلاف الظاهر المتعارف بين الدلالين، بل ما تعارف هو بيع الكلي من الأجناس الّتي كانت تحت يد التجار للبيع فيأتي الدلال ويبيع طاقات وأصواعاً ثم يمضي ويشتري ويسلم.(660)
وجه الملاحظة: أنّ رواية يحيى بن الحجاج شاهد على أنّ المبيع هو العين الشخصية من دابة معينة أو ثوب خاص، لا بيع الكلي.
وإن شئت قلت: إنّ الحديث إمّا مطلق يعمّ الكلي في الذمة والعين الشخصية أو مختص بالأخيرة.
أمّا الأوّل فهو لا يوافق أُصولنا، لأنّ البيع في الذمة الّذي يسمّى بيع السلف والسلم جائز بيننا بالاتفاق، وتضافر النقل على جوازه، فتعيّن الثاني وهو بيع العين الشخصية منجزاً قبل التملك.
الثاني: ما يدلّ على عدم جواز بيع ما لا يملك
تضافر النقل على عدم جواز بيع ما لا يملك:
1. روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا بيع إلاّ فيما تملك».(661)
2. روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا طلاق إلاّ فيما تملكه ولا بيع إلاّ فيما تملكه».(662)
3. التوقيع المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام):«لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك».(663)
إنّ الطائفتين تهدفان إلى أمر واحد، وهو المنع عن إيجاب البيع على المشتري، قبل أن يشتري المبيع، فتارة عُبِّر عنه «ببيع ما ليس عندك» وأُخرى ببيع ما لا تملك ومثل هذا لا يشمل الفضولي، لأنّه ليس بيعاً حقيقة قبل الإذن، حتى يكون أمراً حتمياً وإنّما هو أشبه بالمقاولة.
ويشهد له التوقيع المبارك حيث ورد فيه أنّ محمد بن الحسن الصفار كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري(عليهما السلام)في رجل باع قطاع أرض، فيحضره الخروج إلى مكّة والقرية على مراحل من منزله، ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، وعرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أنّي قد بعت فلاناً ـ يعني المشتري ـ جميع القرية الّتي حدّ منها كذا، والثاني والثالث والرابع وإنّما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك وإنّما له بعض هذه القرية وقد أقر له بكلّها؟
فوقّع(عليه السلام): «لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك».(664)
والتوقيع صريح في أنّ البائع باع مال نفسه منضماً إلى مال الغير بصفقة واحدة عسى أن يشتري مالا يملكه ثم يسلمه إلى المشتري.
وعلى ضوء ما ذكرنا فمجموع ما مرّ عليك من الروايات يهدف إلى شيء واحد وهو بيع مال الغير عن نفسه قبل التملك بنية أن يتملّكه ويسلمه، وقد تقدّم أنّه لا يمكن تعميمها إلى بيع السلف والسلم فإنّه جائز عندنا وإن كان غير جائز عند فقهاء السنة اغتراراً بهذه الظواهر.(665)
الثالث: صحيح محمد بن مسلم
روى الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)ـ في حديث ـ : قال سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل(666)، وأهل الأرض يقولون: هي أرضهم، وأهل الأُستان يقولون: هي من أرضنا، فقال: «لا تشترها إلاّ برضا أهلها».(667)
إنّ هذه الرواية لا تدلّ على أزيد من لزوم الرضا في صحّة البيع من غير فرق بين المقارن والمتأخر وليس فيها ما يدلّ على التقارن.
الرابع: صحيح محمد بن القاسم بن الفضيل
قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام)عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم وكتب عليها كتاباً بأنّها قد قبضت المال (الثمن) ولم تقبضه، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: «قل له ليمنعها أشدّ المنع فإنّها باعته ما لم تملكه».(668)
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة للرواية بالمقام، لأنّ المبيع كان من الأراضي المفتوحة عنوة التي هي ملك للمسلمين وكانت البائعة من العباسيين كما في التهذيب (669) .
هذه الروايات هي عمدة ما استدل بها على عدم صحة الفضولي ونقلها الشيخ في المتاجر، وقد عرفت عدم دلالتها. وربّما يُستشم من بعض الروايات في بادئ النظر بطلان الفضولي ولكنّها لا تدل على مطلوب القائل. فلاحظ.(670)
3. الاستدلال بالإجماع على البطلان
استدلّ على بطلان بيع الفضولي بإجماع الأصحاب، ولكن لم يوجد الإجماع إلاّ في كلام العلمين; الشيخ الطوسي في الخلاف وابن زهرة في الغنية.
قال الأوّل: إذا باع الإنسان ملك غيره بغير إذنه كان البيع باطلاً. دليلنا: إجماع الفرقة ومن خالف منهم لا يُعتد بقوله. ولأنّه ممنوع من التصرف في ملك غيره، والبيع تصرف.(671)
وقال الثاني: اشترطنا ثبوت الولاية احترازاً من بيع من ليس بمالك ولا في حكم المالك فإنّه لا ينعقد وإن أجازه المالك بدليل الإجماع الماضي ذكره.(672)
يلاحظ عليه: أنّ الشيخ كيف يدّعي الإجماع مع أنّه أفتى في النهاية بالجواز; قال: لا يجوز أن يبيع الإنسان إلاّ ما يملكه، فإن باع ما لا يملك كان البيع موقوفاً على صاحبه، فإن أمضاه رضي وإن لم يمضِ كان باطلاً.(673)
إلاّ أن يقال: إنّه ألّف النهاية في مقتبل حياته وألّف الخلاف في متأخّرها.
والظاهر أنّ الشيخ استنبط الإجماع على البطلان من الإجماع على القاعدة، ويعرب عنه ذيل كلامه حيث قال: «ولأنّه ممنوع من التصرف في ملك غيره والبيع تصرف»، فإنّه استنبط الإجماع على البطلان في هذا المورد من الاتفاق على القاعدة المذكورة، وهذا النوع من الإجماع ورد كثيراً في كلمات الشيخ بل السيد المرتضى، وأمّا الإجماع الوارد في الغنية فحاله كإجماع الشيخ.
إنّ دراسة أدلة القائلين بالبطلان لا تحتاج إلى بسط في الكلام لأنّها أدلة واهية، ولكن الشيخ أطنب الكلام في ردّها لمّا رأى أنّ المحدث البحراني أخذ بالاستدلال بها على البطلان وأطنب الكلام في ذلك.(674) وقد ردّ عليه صاحب الجواهر ردّاً عنيفاً.(675) وقد خرج العلمان في كتابيهما عن أدب النقد.
الرابع: الاستدلال بحكم العقل
إنّ بيع مال الغير بلا إذنه يُعد تصرفاً في ماله، والتصرف في مال الغير بلا إذنه قبيح عقلاً وهو يلازم الحرمة شرعاً، وأجاب الشيخ عن الاستدلال بوجوه:
1. إنّ العقد على مال الغير متوقعاً الإجازة غير قاصد لترتيب الآثار عليه، لا يُعدّ تصرفاً.
2. نعم لو فرض تصرفاً فهو ممّا استقل العقل بجوازه مثل الاستضاءة والاصطلاء بنور الغير وناره.
3. قد يفرض الكلام فيما إذا عُلم الإذن في البيع من الحال أو المقال.
4. انّ الحرمة لا تدلّ على الفساد.
5. لـو دلّ علـى بطلان البيـع فإنّما يـدلّ على عدم ترتيب الأثر عليه وعدم استقلاله في ذلك ولا ينكره القائل بالصحة، نعم لو وقع العقد من الفضولي قاصداً لترتيب الأثر من دون مراجعة المالك(676) بناءً على أنّ العقد المقرون بهذا القصد قبيح محرّم لا نفس القصد المقرون بهذا العقد، يصحّ الاستدلال.(677)
ولا يخفـى أنّ مـا ذكـره أوّلاً هـو الجواب الحاسم للنـزاع، إذ كيف يُعـدّ العقـد تصرفاً في مال الغير مع أنّه تصرف في لسانه وليس تصرفاً في حوزة الغير؟!
والحقّ أن يقال: إنّ عقد الفضولي مردد بين كونه عملاً عقلائياً رائجاً بين العقلاء، فضلاً عن كونه تصرفاً في مال الغير، وبين كونه لغواً لا يصدر عن عاقل.
أمّا الأوّل: فكما إذا كانت بين العاقد والمالك صلة نسبية أو سببية أو زمالة عمل في السوق كما هو حال الدلاّلين الذين يعرضون ممتلكات الناس على المشترين بأجر يأخذونه قبال ذلك، فهذا النوع من العقد الفضولي إذا صدر من هؤلاء أمر رائج بين العقلاء.
وأمّا الثاني: فكما إذا فقدت هذه العلاقة بين العاقد المالك فهو لا يصدر عن عاقل ولا يُقام له وزن.
هذا وقد تقدم أنّ الوجه المهم في الأجوبة هو الجواب الأوّل، وأمّا بقية الأجوبة فهي بين ما هو غير لازم كما هو واضح أو غير صحيح، مثل قوله:«إنّ الحرمة لا تدلّ على الفساد» فإنّه بإطلاقه غير صحيح، فإنّ النهي عن الأثر أي المسبب، أو التسبب بالسبب يدل على الفساد. كما قُرّر في محلّه.
وربّما يستدل على البطلان بوجهين آخرين والكلّ بمعزل عن الصحة.
1. انّ القدرة على التسليم معتبرة في صحة البيع والفضولي غير قادر.
يلاحظ عليه: بالنقض بالوكيل في إجراء العقد، فإنّه غير قادر على التسليم مع أنّ عقده صحيح.
وأمّا بالحل فهو أنّ القدرة على التسليم شرط في المالك لا العاقد.
2. الفضولي غير قاصد حقيقة إلى مدلول العقد.
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من القصد، إنشاء البيع عن قصد متوقعاً للإجازة، فهي موجودة في الفضولي والمكره; وإن أُريد بها إنشاء النقل الفعلي قبل لحوق الإجازة، فهو غير موجود وليس شرطاً.
المسألة الثانية:
إذا باع مع سبق منع المالك
قد سبق أنّ بيع الفضولي على أقسام ثلاثة وكلّ قسم يدرس ضمن مسألة، وهذه هي المسألة الثانية.
إذا باع الفضولي مع سبق منع المالك عن البيع فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في وجود الدليل على الصحة الأهلية مع سبق المنع. وبعبارة أُخرى: وجود المقتضي للصحة.
الثاني: هل النهي السابق يشكِّل مانعاً عن صحة البيع إذا لحقته الإجازة؟
أمّا الأوّل: فلو كان الدليل على صحة بيع الفضولي، العمومات والإطلاقات فلا شكّ أنّها تعم كلتا الصورتين بسبق المنع وعدمه، لما عرفت من أنّ العمومات لا تشمل عقد الفضولي قبل الإجازة فمنع المالك عن بيعه لا يؤثر قبل الإجازة، وأمّا بعد الإجازة فالعمومات وإن كانت تشمله لكن المفروض تبدل الكراهة بالرضا وزوال النهي بالإجازة.
وأمّا لو كان دليل صحة بيع الفضولي، الروايات الخاصة فهي غير شاملة لهذا القسم، لأنّ مواردها ما إذا لم يسبق من المالك نهي عنه حتّى صحيحة محمد بن قيس حيث إنّ المالك يدّعي أنّ ابنه باع وليدته بغير إذنه لا أنّه باعها مع منعه عن البيع، وإلاّ كان عليه أن يحتج بسبق المنع لا بعدم الإذن.
فإن قلت: الروايات الواردة في زواج العبد بغير إذن سيده مقرونة بالنهي عن النكاح عادة ،إذ الموالي لا يرضون بنكاح عبيدهم بغير إذنهم فيصحّ الاستدلال بهذا القسم من الروايات على هذه المسألة.
قلت: نعم إنّهم لا يرضون بنكاحهم إلاّ بإذنهم لكنّه لا يلازم سبق المنع، غاية الأمر يلازم الكراهة منهم بما يصدر عن العبيد بلا إذن، وهو غير المنع عن النكاح.
لكن يمكن أن يستدل على هذه المسألة بالتعليل الوارد في هذا القسم من الروايات حيث ورد فيها «إنّه لم يعصِ اللّه وإنّما عصى سيده فإذا أجاز جاز» فمقتضى هذا التعليل عدم إخلال عصيان السيد بصحة العقد، فينتج أنّ سبق المنع عن البيع بما أنّه عصيان للمالك، لا يؤثر في بطلان البيع.
فإن قلت: المراد من العصيان الوارد في الرواية هو عدم الاستئذان، لا مخالفة نهي المولى، فليس في التعليل عموم يشمل المقام.
قلت: العبرة بمفهوم العصيان العام حيث إنّه يشمل كلا القسمين: عدم الاستئذان، وسبق المنع، وكون المورد هو الأوّل لا يؤثر في تخصيص مفهوم العصيان به.
إلى هنا تبيّن أنّه يمكن الاستدلال على المسألة الثانية بالعمومات والإطلاقات، بعد لحوق الإجازة وبخصوص التعليل الوارد فيما يرجع إلى نكاح العبد.
وأمّا المقام الثاني: أي كون سبق النهي مانعاً عن لحوق الإجازة فقد ذكره الشيخ بقوله: إنّ العقد إذا وقع منهياً عنه فالمنع الموجود بعد العقد ولو آناً ما، كاف في الرد فلا تنفع الإجازة اللاحقة به بناءً على أنّه لا يعتبر في الرد سوى عدم الرضا الباطني بالعقد.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ مجرد عدم الرضا الباطني أو الكراهة الباطنية ليس بكاف في الرد، وإلاّ لما صحّ عقد المكره إذا رضي.
ثانياً: أنّ النهي السابق لا يكون ردّاً للعقد لعدم وجود الموضوع وقت النهي، فكيف يكون بمنزلة إنشاء الرد لشيء غير موجود، والأولى التفصيل ـ بناء على أنّ سبق الرد مانع عن لحوق الإجازة ـ بين ما كان النهي عن البيع قريباً من بيع الفضولي بحيث يكون أمراً باقياً في نظر العرف إلى زمان عقد البيع، فمثله يصلح أن يكون ردّاً له وبين ما إذا طال الفصل بين الرد والعقد، ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الإيرواني بقوله: مع وجود شهادة الحال على المنع، خرج عن محل البحث إذ شهادة الحال لوجوده الاستمراري إلى ما بعد العقد تكون ردّاً فلا تجدي بعده الإجازة.(678)
نعم إنّ ما ذكرناه من التفصيل مبني على مانعية سبق الردّ عن لحوق الإجازة، وهي غير ثابتة ـ و إن ادّعي عليها الإجماع ـ بل أنكرها السيد الطباطبائي في تعليقته وقال: والحقّ انّ الرد من المالك غير مانع من الإجازة بعد ذلك ولا يوجب الفسخ، أمّا ظهور الإجماع ـ فمضافاً إلى المنع منه ـ لا دليل على حجيته ما لم يصل حد القطع، بل أقول لا تصحّ دعوى الإجماع القطعي على بطلان العقد إذا تخلّل الرد من القابل بين الإيجاب والقبول. نعم لا يبعد دعواه على بطلانه إذا ردّ الموجب إيجابه قبل قبول القابل.(679)
***
المسألة الثالثة:
في بيع الفضولي لنفسه
إذا باع الفضولي لنفسه فهل يقع للمالك إذا أجاز كالمسألتين السابقتين، أو لا؟
أقول: هذا النوع من البيع يصدر من الغاصب وقد يتّفق من غيره، كما إذا باع مال الغير بزعم أنّه ماله ثم تبين الخلاف، ولعلّ ما مرّ في صحيحة الحلبي من هذا القبيل حيث إنّ البائع أقال بوضيعة وكانت الإقالة باطلة فباع المبيع بزعم أنّه ماله، مع أنّه مال المشتري.
وتفترق هذه المسألة عن الأُولى بل والثانية بما يلي:
1. انّ المالك لا يرضى ببيع ماله لغير نفسه، والكراهة وعدم الرضا في المسألة الثالثة أوضح ممّا في المسألة الثانية، وفي الوقت نفسه هذا الإشكال غير موجود في المسألة الأُولى.
2. انّ إطلاق النبويين السابقين ـ أعني: «لا تبع ما ليس عندك»، و «لا بيع إلاّ في ملك» ـ أوضح انطباقاً على المورد من المسألتين الأُولى والثانية، ولكنّ الوجهين ضعيفان لا يشكلان إشكالاً في المقام.
أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ عدم الرضا والكراهة غير مانعين من لحوق الإجازة.
أمّا الثاني فلما مرّ أنّ مورد النبويين عبارة عمّن باع ملك الغير من نفسه ثم ذهب إلى اشترائه وتسليمه إليه، فلا يقع عنه، وأمّا عدم وقوعه بالنسبة إلى المالك إذا أجاز، فلا يدلّ عليه.
نعم في المقام إشكالان: أحدهما عقلي والآخر عقلائي، أتى بهما الشيخ وأجاب عنهما خصوصاً عن الثاني بتفصيل أكثر. ثم أضاف في آخر كلامه إشكالاً ثالثاً.
وإليك فهرس الإشكالات:
1. الفضولي الغاصب غير قاصد للمعاوضة الحقيقية.
2. إذا أجاز المالك ما باعه الفضولي لنفسه فالمجاز غير منشأ، والمنشأ غير مجاز.
3. إذا ردّ المالك بيع الغاصب مع علم المشتري بالحال يبقى الثمن في ملك الفضولي ولا يردّ إلى المشتري العالم بأنّ البائع غاصب.
فلندرس الإشكالات واحداً بعد الآخر.
الإشكال الأوّل: عدم تمشّي قصد المعاوضة
إنّ الفضولي إذا قصد بيع مال الغير لنفسه، فلم يقصد حقيقة المعاوضة، إذ لا يعقل دخول أحد العوضين في ملك من لم يخرج الآخر عن ملكه ، فالمعاوضة الحقيقية غير مقصودة فحقيقته (بيع الفضولي) ترجع إلى إعطاء المبيع وأخذ الثمن لنفسه ـ لا لصاحب المبيع ـ وهذا ليس بيعاً.(680)
وإن شئت قلت: إنّ حقيقة البيع عبارة عن المعاوضة أي دخول أحد العوضين في ملك من يخرج الآخر عن ملكه، فإذا كان هذا حقيقة البيع فهذا لا يتصور في بيع الغاصب، لأنّه قصد دخول العوض في ملك مَن لم يخرج المعوض عن ملكه ففي مثل هذا لا تجدي الإجازة، إذ لم تتحقق المعاوضة حتّى يجيزه المالك، فافترقت هذه المسألة عن المسألتين السابقتين فإنّ المقتضي فيهما كان تامّاً وكان النقص في جانب الشرط اللازم، وهذا بخلاف المقام فالنقصان في جانب المقتضي.
وأجاب عنه الشيخ: إنّ قصد المعاوضة الحقيقيّة مبني على جعل الغاصب نفسه مالكاً حقيقياً وإن كان هذا الجعل لا حقيقة له لكن المعاوضة المبنية على هذا الأمر غير الحقيقي، حقيقيّة ، نظير المجاز الادّعائي في الأُصول. نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن ولا اعتقاد له كانت المعاملة باطلة غير واقعة له ولا للمالك لعدم تحقّق معنى المعاوضة ولذا ذكروا انّه لو اشترى بماله لغيره شيئاً بطل، ولم يقع له ولا لغيره، والمراد ما لو قصد تملك الغير للمبيع بإزاء مال نفسه.(681)
وحاصل كلامه: أنّ الغاصب يدّعي مالكية المبيع مالكية ادّعائية ـ لا مالكية شرعية ولا قانونية ـ فعندما يبيع مال الغير عن نفسه فإنّما يصدر عن هذا الادّعاء وهذا النوع من المالكية الادّعائية كاف في تمشي قصد المعاوضة الحقيقية، ولا مانع من ابتناء الحقيقي قصد المعاوضة على أساس ادّعائي، كما هو الحال في المجاز المنسوب إلى السكاكي حيث إنّه يفسر الاستعارة أنّ المتكلم يدّعي أنّ الرجل الشجاع من مصاديق الأسد فيكون هذا أساساً لإثبات خواص الأسد له كما في قول الشاعر:
لدى أسد شاكي السلاح مقذِّف *** له لُبَد أظفارُه لم تُقلَّم
وقد أورد عليه المحقّق الإيرواني بقوله: كيف تكون المعاوضة المبنيّة على أمر غير حقيقي، حقيقية وهل يزيد الفرع على أصله، ولعمري أنّ هذه الدعوى من المصنّف في غير محلها.(682)
أقول: إنّ مراد الشيخ من الأمر الحقيقي هو قصد المعاوضة ومن الأمر الادّعائي ادّعاء المالكية فإذا تظاهر الغاصب بالمالكية ـ كما هو الحال ـ بين الناس، يكون هذا سبباً لتمشي القصد الجدي للمعاوضة، كما هو الحال كذلك في ادّعاء أنّ الرجل الشجاع أسد حيث إنّ هذا الادّعاء يكون مبرراً لإثبات خواصه عليه.
ومن ذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد الحجة(قدس سره)حيث أورد على الشيخ أنّ اعتبار الغاصب نفسه مالكاً لا تترتب عليه الآثار العرفية والشرعية، لأنّها تترتب على اعتبار العرف والشرع فما يحصل بدعوى الغاصب هو حصول الملكية في اعتباره وليس هذا منشأ لحصول المعاوضة العرفية والشرعية.(683)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال في المقام عقلي وهو عدم تمشّي القصد الجدي للغاصب، فحاول الشيخ أن يثبت أنّ القصد في المقام جدّي باعتبار أنّ الغاصب يرى نفسه مالكاً ويدّعيه، إذ ليس المالك عنده إلاّ من كان مسلّطاً على الشيء وهو بعد مسلّط.
وليس الإشكال ناظراً إلى ترتيب الآثار العرفية والشرعية على هذا الادّعاء حتّى يقال: إنّ اعتبار الغاصب ليس موضوعاً لها، بل الموضوع لها اعتبار العرف والشرع. فجواب الشيخ ناظر إلى رفع الإشكال العقلي، أعني: تمشّي القصد الجدي للمعاوضة.
وليس الإشكال في لفظي الادّعاء والحقيقة حتّى يقال كلّ أمر مبني على الادّعاء فهو ادّعائي لا حقيقي. وإنّما الإشكال في تمشّي قصد المعاوضة وعدمه، ويكفي في تمشّيه هو انّ الغاصب إذا صار متسلّطاً على المبيع يرى نفسه مالكاً، إذ ليس المالك عنده إلاّ المسلّط على الشيء فيصير هذا الادّعاء سبباً لتمشّي القصد الجدي للمعاوضة، سواء أوصفنا الأمرين بالادّعائيين أو الحقيقيين أو المختلطين.
نعم سيوافيك أنّ ما أجاب به الشيخ عن الإشكال الثاني بنفسه كاف عن دفع هذا الإشكال (الأوّل) بلا حاجة إلى ما ذكره من الجواب في المقام.
الإشكال الثاني: المجاز غير منشأ، والمنشأ غير مجاز
هذا الإشكال هو الّذي وصفه سيدنا الأُستاذ(قدس سره)بالعقلائي وهو ما أشار إليه الشيخ بقوله: إنّ الفضولي إذا قصد البيع لنفسه فإن تعلقت إجازة المالك بهذا الّذي قصده البائع كان منافياً لصحة العقد، لأنّ معنى صحة العقد هو صيرورة الثمن لمالك المثمن بإجازته. ومفاد الإجازة على هذا الفرض صيرورة الثمن للفضولي، وإن تعلقت بغير المقصود كانت عقداً مستأنفاً لا إمضاءً لنقل الفضولي فيكون النقل من المنشأ غير مجاز والمجاز غير مُنشأ.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجهين:
الوجه الأوّل: ما نقل عن المحقّق القمّي بأنّ حاصل الإجازة يرجع إلى أنّ العقد الّذي قصد إلى كونه واقعاً على المال المعيّن لنفس البائع الغاصب والمشتري العالم، قد بدّلته بكونه على هذا الملك بعينه لنفسي فيكون عقداً جديداً كما هو أحد الأقوال في الإجازة.(684)
وأورد عليه الشيخ بأنّ الإجازة على هذا تصير معاوضة جديدة ولم يُعهد من أحد من العلماء إلاّ ما حكاه كاشف الرموز عن شيخه المحقّق الحلي.(685)
أضف إلى ذلك إشكالاً ثانياً وهو أنّ المفروض عدم رضا المشتري ثانياً بالتبديل المذكور، لأنّ قصد البائع البيع لنفسه إذا فرض تأثيره في مغايرة العقد الواقع للعقد المجاز، فالمشتري إنّما رضي بالإيجاب السابق المغاير لمؤدّى الإجازة، فإذا التزم بكون مرجع الإجازة إلى تبديل عقد بعقد وبعدم الحاجة إلى قبول المشتري ثانياً، فقد قامت الإجازة من المالك مقام إيجابه وقبول المشتري، وهذا خلاف الإجماع والعقل.(686)
الوجه الثاني: إنّ الفضولي تارة يقصد وقوع البيع لنفسه دون أن يصرّح به في مقام الإنشاء، وأُخرى يصرح بذلك، فهنا صورتان:
الصورة الأُولى:
إذا قصد كون البيع لنفسه من دون تصريح، فحاصل الجواب، أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال وإضافة بين المالين، كما أنّ النكاح رابطة بين الشخصين. وأمّا كون الثمن مالاً للبائع أو لغيره فهو خارج عن إيجاب البيع وليس مأخوذاً في مفهومه، فإنّ مفهومه تمليك المثمن بعوض من دون تعرض لمن يرجع إليه العوض.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المالك يُجيز مفاد الإيجاب أي نفس المبادلة، وأمّا كون الثمن للعاقد أو للمجيز فيرجع فيه إلى مقتضى المبادلة والمعاوضة، وحيث إنّ المثمن ملك لمالكه الواقعي فإذا أجاز المالك المعاوضة، انتقل عوضُه إليه فيكون المنشأ هو المجاز والمجاز هو المنشأ.
وبذلك علم أنّ منشأ الإشكال أخذ كون الثمن مالاً للعاقد وأخذ قصد البائع البيع لنفسه في مفهوم الإيجاب. فإذا أجاز المالك لنفسه يتولد الإشكال وهو أنّ المجاز غير منشأ والمنشأ غير مجاز.
وأمّا إذا أخرجنا كون الثمن مالاً للعاقد أو قصد البائع البيع لنفسه عن مفهوم البيع وتعلقت الإجازة بهذا المفهوم، (مبادلة مال بمال) فعندئذ يتحد المنشأ والمجاز.
دفع الإشكال الأوّل بهذا الجواب
إنّ هذا الجواب كما يصلح أن يكون جواباً للإشكال العقلائي (تعدد المنشأ والمجاز) فهو أيضاً يصلح أن يكون جواباً للإشكال العقلي (عدم القصد للبيع الجدّي)، وذلك لأنّ الغاصب قصد ماهية البيع وليس هو إلاّ المبادلة بين المالين، وهذا أمر يتعلق به قصد المالك والغاصب على السواء، أمّا المالك فيقصد المبادلة لتملك الثمن، وأمّا الغاصب فيقصد المبادلة لغاية الانتفاع بالثمن وإن لم يملكه.
وأمّا صدور المبادلة عن كون العاقد مالكاً أو دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض فليس مأخوذاً في مفهوم البيع بشهادة صحة عقد الوكيل والولي، فعندئذ يرفع المانع عن تمشّي قصد المعاوضة الحقيقية، لأنّ المانع هو الأمران المذكوران، وقد مرّ عدم أخذهما في حقيقة البيع، وعلى ضوء ذلك فنحن في غنى عمّا تكلّفه الشيخ من ادّعاء أنّ الفضولي مالكيته للمثمن إلى آخر ما ذكره، إذ لا حاجة لهذا التكلّف بعد إمكان تعلق القصد بنفس المبادلة والمعاوضة.
وحصيلة الجواب: أنّ مفهوم البيع لا يتجاوز عن مفهوم المبادلة بين المالين، وهذا أمر يتمشى قصده من المالك والغاصب. وأمّا ما وراء ذلك نظير:
أ. صدور المبادلة من المالك.
ب. دخول الثمن في ملك من خرج عنه المثمن.
أو ما أشبه ذلك، فليست داخلة في مفهوم البيع حتّى يستوجب عدم تمشي القصد الجدي وإنّما هو من لوازم المبادلة والمعاوضة.
وبذلك اتّضح دفع الإشكالين بجواب واحد.
وأمّا الصورة الثانية:
قد عرفت أنّ الفضولي إذا باع لنفسه تارة يقصد البيع لنفسه دون أن يذكره في العقد، وأُخرى يذكره في نفس العقد. فقد عرفت الجواب عن الصورة الأُولى، وأمّا الثانية فهذا ما افترضه الشيخ في جانب المشتري فيما إذا كان الثمن للغير وقال: ولكن يُشكل فيما إذا فرضنا الفضولي مشترياً لنفسه بمال الغير فقال للبائع الأصيل: تملّكت منك أو ملكت هذا الثوب بهذه الدراهم، فإنّ مفهوم هذا الإنشاء هو تملّك الفضولي للثوب، فلا مورد لإجازة مالك الدراهم على وجه ينتقل الثوب إليه، فلابدّ من التزام كون الإجازة نقلاً مستأنفاً غير ما أنشأه الفضولي الغاصب.
ثمّ إنّ تقييد كون الثوب ملكاً للغاصب ينشأ من أحد أمرين:
أ. نسبة الفضولي تملك المثمن إلى نفسه، كما في قوله: تملكت أو ملكت هذا الثوب بهذه الدراهم.
ب. نسبة البائع الأصيل تملك المثمن إلى الفضولي، كما إذا قال: ملكتك هذا الثوب بهذه الدراهم. مع علمه بكون الدراهم لغيره، أو جهله.(687)
وكان على الشيخ أن يجيب عن هذه الصورة بنفس ما أجاب به عن الصورة الأُولى، وهو أنّ حقيقة البيع قائمة بالربط بين المالين، وأمّا كون المبيع للمشتري فهو خارج عن حقيقة البيع وإن صرّح به المشتري أو البائع، فإذا تعلّقت إجازة المجيز بنفس المبادلة تكون النتيجة إلغاء القيد أي كونه للفضولي سواء أكان في كلامه أم في كلام الأصيل، لأنّ التقييد أمر زائد غير داخل في مفهوم المبيع المجاز.
ولكن الشيخ تفصّى عن الإشكال بوجه آخر، حاصله: أنّ نسبة الملك إلى الفضولي العاقد لنفسه في قوله: تملكت منك، أو قول غيره: ملكتك، ليس من حيث هو، بل من حيث جعل نفسه مالكاً للثمن اعتقاداً أو عدواناً ـ إلى أن قال:ـ
فإذا قال الفضولي الغاصب المشتري لنفسه: تملّكت منك كذا بكذا، فالمنسوب إليه التملك إنّما هو المتكلم لا من حيث هو بل من حيث عدّ نفسه مالكاً اعتقاداً أو عدواناً. وحيث إنّ الثابت للشيء من حيثية تقييدية ثابت لنفس الحيثية، فالمسند إليه، للتملك حقيقة هو المالك للثمن، إلاّ أنّ الفضولي لمّا بنى على أنّه المالك أسند ملك المثمن الّذي هو بدل الثمن، إلى نفسه، فالإجازة الحاصلة من المالك متعلقة بإنشاء الفضولي وهو التملّك المسند إلى مالك الثمن وهو حقيقة نفس المجيز، فيلزم من ذلك انتقال الثمن إليه.(688)
وكأنّ الشيخ يقول: إنّ الفضولي وإن قام بعمل واحد وهو تملّك المثمن لنفسه ولكنه لبّاً قام بأمرين:
أ. تملك المثمن لمن هو مالك للثمن.
ب. لمّا اعتقد كونه مالكاً للثمن نسب تملّك المثمن إلى نفسه.
فالمجيز يجيز الأمر الأوّل و يلغي الأمر الثاني.
يلاحظ عليه: بأنّه ليس هنا إلاّ إنشاءً واحداً وهو كون المثمن لنفس الفضولي، وأمّا الإنشاء الثاني ـ أعني: كون المثمن لمالك الثمن ـ فهو أمر غير منشأ فكيف تتعلق به الإجازة؟! ومجرد تحليل العقد إلى أمرين أحدهما منشأ والآخر غير منشأ لا يوجب ملكية المثمن لمالك الثمن الواقعي.
وبعبارة أُخرى: أنّ الملكية سواء أكانت للغاصب أو كانت للمالك، من الأُمور الاعتبارية الّتي يتوقف وجودها على الإنشاء والإيجاب بسبب لفظي أو فعلي، والمفروض أنّ المنشأ هو مالكية الفضولي للمثمن لا مالكية مالك الثمن له واقعاً.
وإن شئت قلت: إنّ الملكية المنشأة (ملكية المثمن) مضيّقة من أوّل الأمر، منتسبة إلى الفضولي، وإن كانت مالكيته له رهن قضية كلية وهي: بما أنّه مالك للثمن يملك المثمن لكن الملكية الاعتبارية لمالك الثمن ملاك تملك الفضولي للمثمن، وفي الوقت نفسه ليست تلك الملكية منشأة باللفظ أو الفعل، فكيف يمكن أن تتعلق بها الإجازة.
***
المنشأ هو المجاز عند كاشف الغطاء
ثمّ إنّ المحكي عن كاشف الغطاء في شرح القواعد في ردّ أنّ المجاز غير المنشأ هو أنّ إجازة المالك لعقد الفضولي تكون سبباً لصيرورة العوض ملكاً للفضولي، فالإجازة تتعلق بذلك فعندئذ يتّحد المجاز والمنشأ.
وهذا ممّا نسب إلى كاشف الغطاء وإلى غير واحد من أجلاّء تلامذته.
ولمّا كان هذا أمراً بديعاً في الفقه ذكر بعض تلامذته في تصحيح هذا الكلام وجهين نقلهما الشيخ في المتاجر.
الأوّل: أنّ الإجازة كما تكون إجازة للعقد، تكون تمليكاً ضمنياً عن المالك للفضولي، بحيث ينتقل المثمن عنه إلى المشتري ويتملّك الثمن لانتقال المثمن عن ملكه.
الثاني: أنّه لا دليل على اشتراط كون أحد العوضين ملكاً للعاقد في انتقال بدله إليه، بل يكفي أن يكون مأذوناً في بيعه لنفسه أو الشراء به فلو قال: بع هذا لنفسك، أو اشتر لك بهذا، ملك الثمن في الصورة الأُولى بانتقال المبيع عن مالكه إلى المشتري، وكذا ملك المثمن في الصورة الثانية.
ويتفرع عليه أنّه لو اتّفق بعد ذلك فسخ المعاوضة رجع الملك إلى مالكه دون العاقد.
وكلا الوجهين ضعيفان:
أمّا الوجه الأوّل: ففيه أوّلاً: أنّ الإجازة لو تضمنت تمليك المثمن للفضولي احتاج إلى القبول منه والمفروض عدم صدور قبول منه.
وثانياً: أنّ الصحـة تتوقف على صـدور إجازة ثانية من الفضولي لنفسه، لأنّه باع ما لم يملك فإذا ملك بإجازة المالك يتوقف على إجازته حتّى يتملك الثمن.
ولعلّ ما ذكرنا من الإشكالين أوضح ممّا أورده الشيخ.
وأمّا الوجه الثاني: فإنّه وإن لم يكن منافياً لماهية البيع ـ أعني: المبادلة بين المالين ـ إلاّ أنّه مناف للازم الماهية وهو دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض لا دخوله في ملك من لم يخرج عنه المعوض.
وأمّا الأمثلة الواردة في كلامه فالجميع مؤوّل فإنّ قوله: بع هذا لنفسك، يتضمن تمليك المبيع ضمناً له، كما أنّ قوله: اشتر هذا بهذا، يتضمن تمليك الثمن له.ولا يجري هذا التأويل في المقام لتقدم البيع على الإجازة بخلاف المثالين.
إشكال ثالث على صحة بيع الفضولي لنفسه
ثمّ إنّ هنا إشكالاً ثالثاً (وراء الإشكالين السابقين) في صحة البيع لنفسه مختص بصورة علم المشتري، وهو أنّ المشتري الأصيل إذا كان عالماً بكون البائع لنفسه غاصباً فقد حُكي عن بعض الأصحاب(689) أنّ المالك لو ردّ فليس للمشتري الرجوع على البائع بالثمن وهذا كاشف عن عدم تحقق المعاوضة الحقيقية وإلاّ لكان ردّها موجباً لرجوع كلّ عوض إلى مالكه، فإذا أجاز المالك لم يملك الثمن لسبق اختصاص الغاصب به فيكون البيع بلا ثمن.
ولعلّ هذا هو الوجه في إشكال العلاّمة في التذكرة على ما حكاه الشيخ حيث قال بعد الإشكال في صحة بيع الفضولي مع جهل المشتري: إنّ الحكم في الغاصب مع علم المشتري أشكل.(690)
ولكن ضعف المحكي ظاهر لأنّ الأصل في الأموال هو الحرمة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وحرمة ماله كحرمة دمه»(691)، خرج منه ما إذا أهدر كرامة ماله كما إذا وهبه، أو ملّكه الغاصب مطلقاً سواء أردّ المالك البيع أم أجاز.
وأمّا إذا سلّطه عليه على أمل أن يجيز المالك فلا، إذ عندئذ يعود الثمن إلى ملك المشتري لعدم حصول الشرط، وذلك لأنّه لم يملّكه على كلّ حال، بل بقيد المعاوضة العدوانية والمفروض أنّ القيد لم يتحقق ويتبعه المقيّد.
والحق أنّ هذا الإشكال بمعزل عن التحقيق، وكان اللازم على الشيخ عدم ذكره في عداد الإشكالين السابقين.

578 . الخلاف: 3 / 168، المسألة 275.
579 . النهاية ونكتها:2/ 135.
580 . المبسوط:2/ 397.
581 . تذكرة الفقهاء: 10/ 216.
582 . المقنعة: 606.
583 . وسيلة النجاة: 236.
584 . السرائر: 2/ 275.
585 . المختلف: 5/ 54.
586 . المتاجر:124ـ 125.
587 . غاية المراد: 178.
588 . المختلف:5/ 54.
589 . المتاجر: 125.
590 . تعليقة السيد: 133.
591 . الجلب ما جلب من خيل وإبل ومتاع إلى الأسواق للبيع.
592 . مستدرك الوسائل:13/ 245.
593 . مسند أحمد:4/ 376.
594 . البحار:103/136، الباب12 من أبواب العقود والإيقاعات، الحديث 4.
595 . مصباح الفقاهة:2/ 629.
596 . الوسائل: ج 14، الباب88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.
597 . الدروس الشرعية:3/ 233.
598 . المتاجر: 125.
599 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 135.
600 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 135.
601 . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 135.
602 . الوسائل : ج 18، الباب21 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
603 . الوسائل: ج 14، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.
604 . الوسائل: ج 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.
605 . الأولى أن يقول تحليل بضع الغير.
606 . الوسائل: ج 14، الباب157 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1و 3.
607 . وهو من مشايخ ابن أبي عمير، والرواية معتمدة.
608 . الوسائل: ج 13، الباب2 من أبواب الوكالة، الحديث 2.
609 . الوسائل: ج 14، الباب7 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث 6.ولزوم المهر على الأُمّ عند ردّ الابن محمول على دعواها الوكالة.
610 . الوسائل: ج 14، الباب 13 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 3.
611 . الوسائل: ج 14، الباب25 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.
612 . الوسائل: ج 14، الباب70 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.
613 . الوسائل: ج 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.
614 . الوسائل: ج 17، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.
615 . انظر : الوسائل: ج 14، الباب6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2و غيره.
616 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث 9.ولاحظ الحديث5 والحديثان متحدان مضموناً.
617 . المتاجر: 126 .
618 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث 7.
619 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث 11. ولاحظ في هذا الصدد الحديث 1و 2 و 6 و 10، ترى أنّ الجميع تفسر الشرط بالخروج إلى مواضع خاصّة.
620 . الجواهر: 26/ 355.
621 . إنّ أساس الاستدلال بهذه الروايات هو كون المتجر غير ولي حتى يكون الاتجار فضولياً وإلاّ سقط الاستدلال بهذه الطائفة كما سيأتي في المتن.
622 . بلغة الفقيه:2/ 214.
623 . تعليقة السيد الطباطبائي: 137.
624 . مصباح الفقاهة:2/ 66.
625 . والّذي سبّب الإبهام في المسألة هو أنّ الشيخ الحر العاملي قد وزّع الروايات في أبواب مختلفة، فقد أورد قسماً منها في كتاب الزكاة، وقسماً آخر في كتاب التجارة، وثالثاً في باب المضاربة، وقسماً رابعاً في كتاب الوصايا; ولذلك نشأ الإبهام في المقصود من الروايات، ولو كان الكلّ مجتمعاً في باب واحد لسهل الأمر.
626 . الوسائل: ج 13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 1.
627 . الوسائل: ج 13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 2. يريد (عليه السلام) من قوله:«لا أستطيع ردّه» عدم تمكنه من نقض حكمه ، لأنّ الحكومة مؤيّدة له وهو منصوب من جانب الخلفاء ولا يريد بهذه الكلمة تكريمه.
628 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.
629 . التهذيب:4/28، الحديث 70. وسيأتي نصّ النهاية للشيخ في تفسير النظر، فانتظر.
630 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.
631 . الوسائل: ج 12، الباب75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.
632 . الوسائل: ج 12، الباب 75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
633 . الوسائل: ج 6، الباب2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.
634 . الوسائل: ج 12، الباب75 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.
635 . الوسائل: ج 13، الباب4 من أبواب المضاربة، الحديث 1.
636 . الضمير يرجع إلى الطرفين، كما أنّ الضمير في «عليهم» يرجع إلى اليتيم حسب ما مرّ في الروايات.
637 . النهاية: 361ـ 362.
638 . لاستصحاب بقاء العبد في ملك المولى.
639 . الوسائل: ج 12، الباب25 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.
640 . اختيار معرفة الرجال:2/634، باب ما روي في موسى بن أشيم وحفص بن ميمون وجعفر بن ميمون. وراجع معجم رجال الحديث:20/ 21.
641 . الوسائل: ج 12، الباب17 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1.
642 . المتاجر: 126.
643 . الوسائل: ج 12، الباب20 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2.
644 . المتاجر: 126.
645 . بلغة الفقيه:2/ 219.
646 . الوسائل: ج 13، الباب10 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 1.
647 . تهذيب التهذيب: 2 / 263، برقم 532.
648 . رجال النجاشي: 420، برقم 1124.
649 . راجع الوسائل: ج 6، الباب4 من أبواب الأنفال(كتاب الخمس) جميع أحاديث الباب.
650 . النساء: 29.
651 . النساء: 23.
652 . المتاجر: 127.
653 . مصباح الفقاهة:2/ 676.
654 . البقرة: 34.
655 . سنن البيهقي:5/ 339.
656 . الوسائل : ج 12، الباب7 من أبواب أحكام العقود، الحديث 5.
657 . الوسائل: ج 12، الباب7 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2.
658 . التذكرة:10/ 15.
659 . الوسائل: ج 12، الباب8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 13.
660 . البيع:2/ 176.
661 . مستدرك الوسائل: ج 13/230، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.
662 . نفس المصدر، الحديث 4.
663 . الوسائل: ج 11، الباب2 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.
664 . الوسائل: ج 11، الباب2 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.
665 . الوسائل: ج 12، الباب7 من أبواب أحكام العقود، لاحظ أحاديث الباب.
666 . النيل نهر يخرج من الفرات الكبير فيمرّ بالحلة، وعلى هذا النهر بلدة صغيرة قرب الحلّة تعرف بهذا الاسم.
667 . الوسائل: 11، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3. ولعل المراد الذين بيدهم الأرض وإن ادّعاها الآخرون.
668 . الوسائل: ج 12، الباب11 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.
669 . لاحظ التهذيب: ج 7، برقم 795 .
670 . لاحظ : الوسائل: ج 12، الباب1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث5، حديث إسحاق بن عمار; والحديث12، حديث علي بن جعفر، إلى غير ذلك من الروايات.
671 . الخلاف:3/ 168.
672 . الغنية:1/ 205.
673 . النهاية: 385.
674 . انظر : الحدائق الناضرة: 18 / 388 .
675 . لاحظ الجواهر:22/280ـ 281.
676 . في المصدر«المشتري» والصحيح ما أثبتناه.
677 . المتاجر: 128.
678 . تعليقة الإيرواني: 123.
679 . (لم يذكره السيد الطباطبائي في هذا المقام بل عند البحث عن اشتراط الإجازة باللفظ الصريح دون الكناية) لاحظ التعليقة: 159.
680 . المتاجر: 128.
681 . المتاجر: 128.
682 . تعليقة الإيرواني: 123.
683 . كتاب البيع: 272.
684 . جامع الشتات:2/272; غنائم الأيّام: 541.
685 . لاحظ كشف الرموز:1/445ـ 446.
686 . المتاجر: 129.
687 . المتاجر: 129.
688 . المتاجر: 129.
689 . مفتاح الكرامة:4/ 193.
690 . المتاجر: 130.
691 . الوسائل: ج 19، الباب3 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.