قائمة المواضيع :
الحلف بالطلاق
اعلم أنّ الطلاق غير المنجّز ينقسم إلى قسمين:
1ـ الطلاق المعلّق.
2ـ الحلف بالطلاق.
وكلاهما من أقسام غير المنجّز، والفرق بينهما أنّه لو قصد من التعليق الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، يسمّى حلفاً بالطلاق كقوله: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، أو إن لم تدخلي الدار فأنت طالق; أو قصد منه تصديق المخبر، كقوله: زوجتي طالق لو كان في حقيبتي بضاعة ممنوعة.
وأمّا إذا علّق ولم يكن منه لا الحث على الفعل ولا المنع منه، ولا التنبيه على تصديق المخبر، يسمّى طلاقاً معلّقاً، كقوله: أنتِ طالق إن طلعت الشمس، أو أنتِ طالق إن قدم الحاج، أو أنتِ طالق إن لم يقدم السلطان، فهو شرط محض ليس بحلف، لأنّ حقيقة الحلف، القسم.
وإنّما سمّي تعليق الطلاق على شرط حلفاً تجوزاً، لمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر نحو قوله: واللّه لأفعلنّ، أو لا واللّه لا أفعل، أو واللّه لقد فعلت أو واللّه لم أفعل، وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا تصحّ تسميته حلفاً (883).
وقال السبكي تقي الدين علي بن عبدالكافي (المتوفّى 756 هـ) : إنّ الطلاق المعلّق، منه ما يعلّق على وجه اليمين، ومنه ما يعلّق على غير وجه اليمين، فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق.
والذي على وجه اليمين كقوله: إن كلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علّق الطلاق على هذا الوجه، ثمّ وجد المعلّق عليه وقع الطلاق (884).
ثمّ إنّ وقوع الطلاق بالحلف هو مذهب أكثر أهل السنّة إلاّ من شذّ وسنشير إليه، فقد أجازت مذاهبهم الطلاق (وراء الحلف) بكل ما دلّ عليه لفظاً وكتابة وصراحة وكناية، مثل: أنتِ عليّ حرام، أو أنتِ بريّة، أو اذهبي فتزوّجي، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، إلى غير ذلك من الصيغ.
والجدير بالذكر أنّهم سوّدوا الصفحات الطوال العراض حول أقسام الطلاق المعلّق خصوصاً النوع الخاص به، أعني: الحلف به، وجاءوا بآراء وفتاوى لم يبرهنوا عليها بشيء من الكتاب والسنّة، والراجع إليها يقطع بأنّ الطلاق عند هؤلاء أُلعوبة، يتلاعب به الرجل بصور شتّى.
وإن كنت في شكّ ممّا ذكرت فلاحظ الكتابين المعروفين:
1. المغني: تأليف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (المتوفّى 620 هـ) وهو أوسع فقه ظهر عند الحنابلة مع الترجيح بين الأقوال بالدليل المقنع لهم. فقد خصّص (45) صفحة من كتابه بهذا النوع من الصيغ .(885)
2. الفقه على المذاهب الأربعة: تأليف الشيخ عبد الرحمن الجزيري، فقد ألّفه ليعرض الفقه بثوبه الجديد على الناشئ ، ومع ذلك فقد خصّ من كتابه لهذا النوع من صور الطلاق صفحات كثيرة. (886) وإليك نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه; ننقله من الكتاب الأوّل:
1. إن قال لامرأتيه: كلّما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلك ثلاثاً، طلّقت كل واحدة منهما ثلاثاً.
2. إن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقك فضرّتك طالق، ثمّ قال للأُخرى مثل ذلك ...
3. وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفت بطلاق زينب، فعمرة طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمرة، فحفصة طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصة، فزينب طالق، طلقت عمرة، وإن جعل مكان زينب عمرة طلّقت حفصة، ثمّ متى أعاده بعد ذلك طلّقت منهنّ واحدة ...
4. ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد وقع بكلّ صفة ما علّق عليها كما لو وجدت متفرّقة وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلّمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلّمت طويلاً فأنت طالق، وإن كلّمت أسود فأنت طالق، فكلّمت رجلاً أسود طويلاً، طلّقت ثلاثاً. (887)
إلى غير ذلك من الصور التي لا يترتب على نقلها سوى إضاعة الوقت والورق.
وفي مقابل هؤلاء، أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، يرون الحلف بالطلاق باطلاً و لا يذكرون للطلاق إلاّ صيغة واحدة، روى ابن سماعة قال: ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهر من غير جماع ـ : أنت طالق ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى. (888)
ومع أنّ المشهور عند أهل السنّة وقوع الطلاق بالحلف به، فنجد بين الصحابة والتابعين من ينكر ذلك ويراه باطلاً ، ووافقه بعض المتأخّرين كابن حزم من الظاهريين ، وابن تيمية من الحنابلة.
قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلك (وقوع الطلاق باليمين) عن السلف.
1. روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: أنّ رجلاً تزوّج امرأة وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث بشيء، فلمّـا قدم خاصموه إلى عليّ، فقال عليّ (عليه السلام): «اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها عليه» (889).
2. روينا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج عليك. قال: إن لم يتزوّج عليها حتى تموت أو يموت، توارثا. والحكم بالتوارث آية بقاء العلقة.
3. ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن غيلان بن جامع، عن الحكم بن عتيبة قال: في الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل كذا، ثمّ مات أحدهما قبل أن يفعل، فإنّهما يتوارثان.
إنّ في عدم اعتداد الإمام عليّ (عليه السلام)بالطلاق ـ بلا إكراه ـ والحكم بالتوارث في الروايتين الأخيرتين دلالة على عدم الاعتداد باليمين
بالطلاق.
4. ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرني ابن طاووس عن أبيه أنّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قلت: أكان يراه يميناً؟ قال: لا أدري.
قال ابن حزم بعد نقل هذه الروايات: فهؤلاء علي بن أبي طالب (عليه السلام)وشريح (890) وطاووس لا يقضون بالطلاق على مَن حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ثم يقول: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة، والرجعة بصفة كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلّقة، أو قال: فقد تزوّجتك، وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل ذلك ولا سبيل إلى فرق. (891)
فقد سئل ابن تيميّة عن مسألة الحلف بالطلاق، فأفتى بعدم وقوع الطلاق بنفس الحلف ولكن قال: تجب الكفّارة إذا لم يطلّق بعد، فقال: إنّ في المسألة بين السلف والخلف أقوالاً ثلاثة:
1. إنّه يقع به الطلاق إذا حنث في يمينه، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخّرين حتى اعتقد طائفة منهم أنّ ذلك إجماع، ولهذا لم تذكر عامتهم عليه حجّة، وحجّتهم عليه ضعيفة، وهي أنّه التزم أمراً عند وجوب شيء فلزمه ما التزمه (892).
2. إنّه لا يقع به طلاق ولا تلزمه كفّارة. وهذا مذهب داود وأصحابه، وطوائف من الشيعة، ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف (893)، بل هو مأثور عن طائفة صريحاً كأبي جعفر الباقر (عليه السلام)رواية جعفر بن محمد (894)، وأصل هؤلاء أنّ الحلف بالطلاق والعتاق والظهار لغو كالحلف بالمخلوقات.
3. وهو أصح الأقوال، وهو الذي يدلّ عليه الكتاب والسنّة، والاعتبار أنّ هذا يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفّارة عند الحنث إلاّ أن يختار الحالف إيقاع الطلاق، فله أن يوقعه، ولا كفّارة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف كطاووس وغيره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الباب، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، حتى يقال: إنّ في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمّة المالكية، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأُصول في غير موضع(895).(896)
إنّ هنا أُموراً:
الأوّل: في وقوع الطلاق بنفس هذا الإنشاء.
الثاني: لزوم الكفّارة عند الحنث أي عند عدم إيقاع الطلاق.
الثالث: ما هو حكم الزوجة في الفترة التي لم يقع المعلّق عليه.
أمّا الأوّل: فالدليل الذي نقله ابن تيمية عن القائل كان عبارة أنّه التزم أمراً عند وجوب شرط فلزمه ما التزمه، مثلاً التزم بأنّه إذا كلّمت الزوجة فلاناً فهي طالق.
يلاحظ عليه: أنّه ليس لنا دليل مطلق يعم نفوذ كلّ ما التزم به الإنسان حتّى فيما يحتمل أنّ الشارع جعل له سبباً خاصّاً كالطلاق والنكاح، إذ عند الشكّ يكون المرجع هو بقاء العلقة الزوجية إلى أن يدلّ دليل على خروجها عن عصمته، أخذاً بالقاعدة المأثورة عن أئمّة أهل البيت بأنّه لا ينقض اليقين بالشك، المعبّـر عنه في مصطلح الأُصوليين بالاستصحاب.
قال السبكي: قد أجمعت الأُمّة على وقوع المعلّق كوقوع المنجز، فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق، ولا يظهر الخلاف في ذلك إلاّ عن طوائف من الروافض، ولمّـا حدث مذهب الظاهريين، المخالفين لإجماع الأُمّة ، المنكرين للقياس، خالفوا في ذلك ـ إلى أن قال ـ : ولكنّهم قد سبقهم الإجماع.
ثمّ قال: وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الإسلام، وقد نقل إجماع الأُمّة على ذلك أئمّة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقّف في صحّة نقلهم.(897)
كيف يحكم بسبق الإجماع مع خلاف الإمام علي ولفيف من التابعين وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وليس ابن تيميّة ناقلاً للخلاف بل نقله ابن حزم الأندلسي ونقله هو عنه كما صرّح في رسائله.
وهناك كلمة لبعض مشايخ الإمامية نأتي بنصّها وفيه بيان وبلاغ، قال: إنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلَّقة، وصيغة الطلاق وشهوده. كلّ ذلك لأنّ الزواج عصمة
ومودّة ورحمة وميثاق من اللّه. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَـى بَعْضُكُمْ إلى بَعْض وَأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غليظاً)(898)، وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)(899)، إذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق إلاّ بعد
أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شكّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه.(900)
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على بطلان هذا الطلاق، بل وعدم الاعتداد بهذا اليمين مطلقاً ـ ومن أخذ دينه عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد أخذ عن عين صافية ـ ، نكتفي ببعض ما ورد عنهم:
1. روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كل يمين لا يراد به وجه اللّه في طلاق أو عتق فليس بشيء». (901)
2. جاء رجل باسم «طارق» إلى أبي جعفر الباقر (عليه السلام)وهو يقول: يا أبا جعفر إنّي هالك إنّي حلفت بالطلاق والعتاق والنذور، فقال: «يا طارق إنّ هذا من خطوات الشيطان». (902)
3. عن أبي أُسامة الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ لي قريباً أو صهراً لي حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق ثلاثاً، فخرجت فقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقة فأمرني أن أسألك فأصغى إليّ، فقال: «مره فليُمسكها فليس بشيء»، ثمّ التفت إلى القوم فقال: «سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج» (903).
وقد عرفت الشيعة بإنكارها الأُمور الثلاثة في باب الطلاق:
1ـ طلاق المرأة وهي حائض.
2ـ الطلاق بلا إشهاد عدلين.
3ـ الحلف على الطلاق.
هذا كلّه حول وقوع الطلاق، وإليك الكلام في المقامين: الثاني والثالث.
أمّا الثاني: وهو ترتّب الكفّارة وعدمه، فيحتاج إلى تنقيح ما هو الموضوع للكفّارة، فلو دلّ الدليل على أنّ الكفّارة من آثار الحلف بلفظ الجلالة أو ما يعادله أو يقاربه، كالربّ وغيره فلا تترتب على الحلف بالطلاق والعتاق، وبما أنّ المسألة خارجة عن موضوع البحث، نحيل تحقيقها إلى محلّه.
وأمّا الثالث: فقد نقل ابن حزم عن الشافعي: الطلاق يقع عليه والحنث في آخر أوقات الحياة (فلو قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أضرب زيداً، فإنّما يتحقّق الحنث ـ إذا لم يضرب ـ عند موته، ومعنى هذا أنّها زوجته إلى ذلك الآن) ونقل عن مالك: يوقف عن امرأته وهو على حنث حتى يبرّ ، ثمّ استشكل على الإمامين.(904)
وجملة الكلام فيه ـ على القول بانعقاد الطلاق به ـ أنّ المعلّق عليه تارة يكون أمراً وجودياً ـ كالخروج عن الدار ـ وأُخرى عدمّياً ـ مثل إن لم أفعل ـ وعلى التقديرين تارة يكون محدّداً مؤقتاً بزمان وأُخرى مطلقاً مرسلاً عنه، فلو كان أمراً وجودياً فهي زوجته مالم يتحقّق، فإذا تحقّق في ظرفه المعيّـن، أو مطلقاً ـ حسب ما علّق ـ تكون مطلّقة. ولو كان أمراً عدمياً، فلو كان محدداً ومؤقّتاً بزمان، فلو لم يفعل في ذلك الزمان تكون مطلّقة، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، فلا تكون مطلّقة إلاّ في آخر الوقت الذي لايستطيع القيام به.
ولكنّها فروض على أساس منهار.
الكلام في الطلاق المعلّق
قد عرفت أنّ الطلاق غير المنجّز ينقسم إلى قسمين: منه ما يوصف بالحلف بالطلاق ومنه ما يوصف بالمعلّق فقط، وقد عرفت حكم الأوّل وإليك الكلام في الثاني:
فنقول: إنّ للشروط تقسيمات:
1. ما تتوقّف عليه صحّة الطلاق ككونها زوجة، وما لا تتوقّف عليه كقدوم زيد.
2. ما يعلم المطلّق بوجوده عند الطلاق، كتعليقه بكون هذا اليوم يوم الجمعة، وأُخرى ما يشك في وجوده.
3. ما يذكر في الصيغة تبرّكاً، لا شرطاً وتعليقاً كمشيئته سبحانه (إن شاء اللّه)، و ما يذكر تعليقاً حقيقة.
ومورد البحث هو الشق الثاني من القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة، وقد اتّفقت كلمة الإمامية (905) على بطلان المعلّق والدليل المهم هو النص والإجماع وإليك البيان:
الطلاق المعلّق باطل نصّاً وإجماعاً
دلّ النصّ عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على بطلان الطلاق المعلّق، ويكفي في ذلك ما رواه بكير بن أعين عنهم (عليهم السلام)أنّهم قالوا: ليس الطلاق إلاّ أن يقول الزوج لها وهي طاهرة من غير جماع: أنتِ طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكل ما سوى ذلك فهي ملغى. (906)
فأيّ تصريح أولى من قوله: «وكل ما سوى ذلك فهي ملغى» مع شيوع الطلاق المعلّق خصوصاً قسم الحلف في أعصارهم.
وإذا أُضيف إلى ذلك ما روي عنهم (عليهم السلام)في بطلان الحلف بالطلاق لاتّضح الحكم بأجلى وضوح، لأنّ الحلف به قسم من أقسام المعلّق، فليس بطلانه إلاّ لبطلان المعلّق غاية الأمر يتضمّن حلفاً ويميناً، وقد عرفت أنّ الإمام (عليه السلام) قال: «سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج». (907)
وأمّا الاجماع فقد قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية أنّ تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة أيّ جزء كان لا يقع فيه الطلاق. (908)
وقال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم فلان. لا يقع طلاقه. (909)
وقال ابن إدريس: واشترطنا إطلاق اللفظ احترازاً من مقارنة الشروط.(910)
ومن تفحّص فقه الإمامية يجد كون البطلان أمراً متّفقاً عليه.
ويؤيّد ذلك: أنّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة الذي أُسّها النكاح والطلاق، يقتضي أن يكون الأمر فيها منجّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إمّا يقدم على النكاح والطلاق، أو لا. فعلى الأوّل فينكح أو يطلّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتّى يحدث بعد ذلك أمراً، فالتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر
الهام، فقد قال سبحانه: (ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْـنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رَحيماً)(911).
واللّه سبحانه يشبّه المرأة التي يترك الزوج أداء حقّها الواجب عليه بالمعلّقة التي هي لا ذات زوج ولا أيّم، فالمنكوحة معلّقاً، أو المطلّقة كذلك، أشبه شيء بالمعلّقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.
نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلية على البطلان وهي ليست تامّة عندنا، نظير:
أ ـ أنّ الطلاق المعلّق من قبيل تفكيك المنشـأ عن الإنشاء، لأنّ المفروض عدم وقوعه قبل الشرط، فيلزم تفكيك المنشأ عن الإنشاء.
وأنت خبير بعدم استقامة الدليل، فإنّ المنشأ بعد الإنشاء محقّق من غير فرق بين المنجّز والمعلّق، غير أنّ المنشأ تارة يكون منجّزاً وأُخرى معلّقاً، وفائدة الإنشاء أنّه لو وقع المعلّق عليه لا يحتاج إلى إنشاء جديد.
ب ـ ظاهر الأدلّة ترتّب الأثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق عليه، خلاف ظاهر الأدلّة.
يلاحظ عليه: أنّه ليس في الأدلّة ما يثبت ذلك، فالوارد في الأدلّة هو لزوم الوفاء بالإنشاء، غير أنّ الوفاء يختلف حسب اختلاف مضمونه، فالأولى الاستدلال بالنص والإجماع.

883 . المغني: 7/ 365.
884 . الدرّة المضيئة: 155.
885 . لاحظ الجزء السابع 369 ـ 414 بتصحيح الدكتور محمد خليل هراس.
886 . لاحظ: الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الرابع.
887 . المغني: 7/369ـ 376.
888 . الوسائل : ج 15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشروطه، الحديث 1.
889 . ظاهر الحديث: أنّ الإمام ردّ المرأة لوقوع الطلاق مكرهاً، وبما أنّه لم تكن هناك كراهة ولم يطلب أهل المرأة سوى النفقة، يحمل على خلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لأجل الحلف به.
890 . نقل رواية عن شريح تركنا نقلها لعدم دلالتها على ما يريده. وكان عليه عطف عطاء عليه أيضاً.
891 . المحلّى: 10/212ـ 213.
892 . سيوافيك ضعف هذا الدليل بعد الفراغ من نقل كلامه.
893 . قد تعرفت على القائلين بعدم كفاية الحلف في تحقّق الطلاق في كلام ابن حزم الظاهري.
894 . هكذا وردت العبارة في المصدر .
895 . هكذا وردت العبارة في المصدر.
896 . الفتاوى الكبرى: 3/12 و 13.
897 . الدرّة المضيئة : 155ـ 156.
898 . النساء: 21.
899 . الروم: 21.
900 . الفقه على المذاهب الخمسة: 414.
901 . الوسائل: ج 16، الباب 14 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 1 .
902 . الوسائل: ج 16، الباب 14 من أبواب كتاب الايمان، الحديث 4، ولاحظ سائر أحاديث الباب .
903 . الوسائل: ج 15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3.
904 . المحلّى: 9/ 213.
905 . الخلاف: 2 /506، كتاب الطلاق ، المسألة 40.
906 . الوسائل: ج 15، الباب 16 من أبواب مقدّمات الطلاق ، الحديث 1.
907 . الوسائل: ج 15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3.
908 . الانتصار : 14.
909 . الخلاف: 4 / 476، كتاب الطلاق، المسألة 13.
910 . السرائر: 2/ 665.
911 . النساء: 129.