قائمة المواضيع :
في قاضي التحكيم والمأذون
قد تعرّفت على انقسام القضاء بالنسبة إلى الإذن الخاص والعام إلى المنصوب والمأذون، فالأوّل هو المختصّ بزمان الحضور إذا بعث المعصوم، شخصاً معيّناً للقضاء، روي عن علي(عليه السلام)أنّه قال: «بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى اليمن قاضياً». وبعث عليٌّ (عليه السلام)، عبد الله بن عباس قاضياً إلى البصرة.(1016)
وأمّا المأذون فهو من أذن له الإمام على الوجه الكلّي كما هو الحال في الفقيه الجامع للشرائط ولايختصّ بزمان الغيبة بل يعمّها والحضور، والفقيه الإمامي في البلاد النائية في عصر الأئمّة كان قاضياً مأذوناً حسب المقبولة وغيرها.فسيوافيك الكلام فيه بعد الفراغ عن البحث، إنّما الكلام في قاضي التحكيم، فيقع البحث فيه من جهات:
الجهة الأُولى: في تفسيره وتبيين مفهومه
إنّ الهدف من القضاء هو تبيين الوظيفة للمتخاصمين من حيث الواقع إذا كانت الشبهة حكمية، أو من حيث التنازع إذا كانت موضوعية أوّلاً، وإلزامهما على القبول بما حكم في ظلّ القوّة ثانياًـ وعلى ذلك ـ فقاضي التحكيم لايفتقد إلاّ الأمر الثاني، ويُتدارك بقبول الطرفين ورضاهما بقضائه وإجرائهما حكمه وقد كانت القضاة في عصر الأُمويين والعباسيين منقسمين إلى رسميين وغير رسميين ، فكانت الدولة والحكومة وراء الرسميين دون غيرهم ، نعم كان وراءهم رضا الطرفين وطيب نفسهما بحكمهم. وبما أنّ القضاء من شؤون النبيّ أو وصيّه، (1017) قالوا: يشترط في ثبوت الولاية إذن الإمام (عليه السلام)ولو استقضى أهل البلد قاضياً لم تثبت ولايته. ثم استثنوا منه صورة قاضي التحكيم وقالوا : نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة فترافعا إليه، فحكم لزمهما حكمه وإن كان هناك قاض منصوب بل وإن كان إمام ،(1018)وسيوافيك وجهه.
الجهة الثانية: في تصويره في زمان الغيبة
ربّما يقال أنّ قاضي التحكيم مختصّ بزمان الحضور، قال الشهيد: واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط، التي من جملتها كونه مجتهداً، وعلى هذا فقاضي التحكيم مختصّ بحال حضور الإمام ليفرّق بينه وبين غيره من القضاة، فيكون القاضي منصوباً وهذا غير منصوب إلاّ من جانب المترافعين، وأمّا في حال الغيبة فسيأتي أنّ المجتهد يَنفُذ قضاؤه لعموم الإذن، وغيره لايصحّ حكمه مطلقاً فلايتصوّر في زمان الغيبة قاضي التحكيم.(1019)
يلاحظ عليه : أنّ الفقيه مأذون في القضاء بالإذن العام في زمان الحضور والغيبة مطلقاً، كما هو مقتضى المقبولة وغيرها، وعليه فلايتصوّر المنصوب إلاّ في حال الحضور مع بسط اليد، كعصر الإمام علي (عليه السلام)، وأمّا مع عدم البسط فزمان الحضور وعصر الغيبة سيّان في كون الفقيه مأذوناً ونافذاً حكمه من دون حاجة إلى التحكيم.
ومع ذلك يمكن تصويره في عصر الغيبة عندما قامت دولة إسلامية وكان على رأسها فقيه جامع للشرائط، كما في عصر الدولة الصفوية حيث
كان يرأسها فقيه جامع للشرائط كالمحقّق الكركي وغيره، وهكذا الأمر
في الثورة الإسلامية المباركة في إيران، فعند ذاك يمكن أن يقال: إنّ كل
فقيه وإن كان قاضياً حسب المقتضي لكن لأجل إيصاد باب الفوضى،
يُمْنع الفقيه عن التدخل في القضاء إلاّ بنصب من جانب الحكومة الإسلامية. وعند ذاك تصبح تلك الظروف كعصر الحضور مع بسط اليد، فينقسم
القاضي إلى منصوب وغير منصوب، فليس لغيره القضاء وإن كان
واجداً للولاية بنحو الاقتضاء لكن تمنعه رعاية المصالح العامّة إلاّ بنحو التحكيم.
نعم هنا وجهان آخران لتصوّر قاضي التحكيم في زمان الغيبة، وإليك بيانهما:
1. ما أفاده المحقّق الأردبيلي بقوله: إلاّ أن يكون أعلم منه موجوداً ويتمكّن من الوصول إليه و إنفاذ حكمه وحينئذ يتعيّن ذلك بناءً على القول المشهور من تعيين الأعلم، وحينئذ يتصوّر تراضي الخصمين بواحد من الرعيّة، فتأمّل.(1020)
و سيوافيك عدم وجوب كون القاضي أعلم في البلد، بل يكفي الصدور عن الكتاب والسنّة، فعندئذ تنتفي الفائدة.
2. ما سيجيء من المحقّق الخوئي تبعاً لصاحب الجواهر من عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم فتظهر الثمرة في غير المجتهد، فيصحّ حكمه بعنوان التحكيم دون المجاز و سيوافيك الدليل على شرطية الاجتهاد مطلقاً من غير فرق بين المأذون و قاضي التحكيم.
الجهة الثالثة: قاضي التحكيم في كلمات الأصحاب
قال الشيخ: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما، وسألاه الحكم بينهما كان جائزاً بلاخلاف، فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار.(1021)
وقال في المبسوط:إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً و سألاه أن يحكم لهما بينهما، جاز و إنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء، و هو أن يكون من أهل العدالة و الكمال و الاجتهاد، على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنّه رضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام.(1022)
وقال المحقق: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة فحكم، لزمهما حكمه في كل الأحكام.(1023)
وقال ابن سعيد الحلي: وإن اختار الخصمان رجلاً يحكم بينهما وله شروط القضاء لزمهما حكمه.(1024)
وقال العلامة: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة وحكم بينهما لزمهما حكمه.(1025)
وقال الأردبيلي: نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة أن يحكم بينهما بحكم الله ولم يكن مأذوناً ومنصوباً بخصوصه من الإمام ونائبه للحكم والقضاء، وحكم بحكم موافق للحق ونفس الأمر، بشرط اتصافه بشرائط الحكم غير الإذن من الاجتهاد والعدالة، صحّ ذلك الحكم ومضى حكمه فيهما وليس لهما نقضه بعده. ولا يشترط الرضا بعد الحكم على المشهور ولايجوز لهما خلاف ذلك وهذا إنّما يتصوّر في زمان الحضور وإمكان الاستئذان. لاحال الغيبة التي لايمكن الاستئذان ، إذ حينئذ كل من اتصف بما تقدّم من الشرائط فهو قاض وحاكم ولم يحتج إلى شيء آخر غير ذلك كما تقرّر عندهم.(1026)
الجهة الرابعة: ما هو الدليل على مشروعيّته؟
استدلّ الأصحاب على نفوذ قضائه بوجوه قاصرة نشير إليها:
1. استدل الشيخ في الخلاف بما روي عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله تعالى.(1027)
يلاحظ عليه: أنّه ـ على فرض صحّة الاحتجاج به ـ يدلّ على أنّه يجب عليه الحكم بالعدل، وأنّه لو انحرف فعليه لعنة الله، وأمّا أنّه ينفذ حكمه ويحرم خلافه فلا، إذ من المحتمل أن يكون للمتخاصمين خيار بعد الحكم أيضاً.
فإن قلت: إذا افترضنا أنّه حكم بالحق، فلامعنى للخيار بعد الحكم به .
قلت: ذلك إذا حكم بالحق الواقعي لا الظاهري ، وحكم القاضي، حكم ظاهري لاواقعي، ولزوم الأخذ به مختصّ بالثاني دون الأعم منه ومن الأوّل، وأمّا لزوم الأخذ بحكم القاضي لا لأجل كونه حكماً حقّاً، بل لأجل الروايات التي منها المقبولة.
2. ما مرّ من العمومات في الآيات والروايات من لزوم الحكم بالحق والقسط وما أنزل الله دون غيرها، وهو مطلق يعمّ كلا الصنفين، وقد دلّت الأدلّة على نفوذ حكمه إذا حاز ذلك الشرط.
يلاحظ عليه: عدم الإطلاق في العمومات من هذه الناحية فإنّها بصدد بيان لزوم كون الحكم على وفق ما أنزل الله، لاعلى وفق الحكم الجاهلي، وأمّا من هو الحاكم وما شرائطه فليست بصدد بيانه حتى يتمسّك بإطلاقها.
3. إنّ الصحابة قاموا بعمل التحكيم، ولم ينكره الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .
يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل على أنّه كان بمرأى ومنظر منه. نعم لو كان الإمام موجوداً وسكت كان دليلاً على السعة.
لكن الظاهر أنّا لانحتاج في إثبات نفوذ حكمه إلى دليل خاص وراء العمومات الدالّة على نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لأنّ المستفاد منها، هو نفوذ حكم الفقيه مطلقاً، في زمان الحضور والغيبة،وتوهم اختصاصها بزمانها، غيرتام، لأنّ المقبولة تضمّنت حجية قول الفقيه في عصر الصادق وبعده، فكيف تكون مختصّة بعصر الغيبة؟
غير أنّه إذا كانت للإمام المعصوم قدرة ظاهرية ، أو كانت هناك حكومة إسلامية يرأسها الفقيه النائب عن الإمام المعصوم، يتوقف جواز القضاء على النصب، لا لعدم المقتضي وعدم الصلاحية بل لأجل وجود المانع وهو تسرّب الفوضى إلى المجتمع الإسلامي ، و ليس المقيّد دليلاً شرعياً حتى يؤخذ بإطلاقه وإنّما حكم عقليّ لغاية صدّ تسرّب الفساد في وجه الأُمة فلأجل ذلك يشتغل الفقيه المنصوب بالقضاء دون غيره حفظاً للمصالح، ولكن الفساد رهن اشتغال غير المنصوب كالمنصوب، لاما إذا اشتغل به في واقعة أو واقعتين بصورة استثنائية، لأجل رضا الطرفين، فلايتسرّب الفساد وعند ذاك تكون العمومات شاملة له كالمنصوب، لوجود المقتضي وعدم وجود المانع.
الاستئناس بالآيات والروايات
ويمكن الاستئناس ببعض الآيات والروايات في إثبات مشروعيّته، وإنّما عبّرنا به دون الاستدلال لعدم الوثوق بكونها واردة في قاضي التحكيم:
1. ما ورد في شقاق الزوجين من بعث الحكمين من جانبهما لينظرا في
شقاقهما، قال سبحانه: (وإنْ خِفتُمْ شِقاق بَيْنهما فَابْعَثُوا حَكماً مِنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أهْلِها إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما إنّ الله كان عليماً خبيراً) (1028)، وكأنّ الطرفين اتّفقا على أن يبعث كل حكماً حتى يتشاورا ثمّ
يحكما، فالحكم بالتالي لكل من الطرفين، هو مجموعهما. ولو اتّفقا على رأي يكون نافذاً.
والذي يبعِّد أن يكون مفاد الآية من قبيل قاضي التحكيم، أنّه لو كان من ذاك لزم تواجد جميع شروط القاضي في الحكمين من الإيمان والعدالة والاجتهاد، وهو كما ترى، إذ لو وجبت الرعاية لانسدّ باب التحاكم في أُمور الأُسرة.
2. ما ورد في تشاجر قبائل قريش عند بنيان الكعبة حيثما انتهى أمرهم في نصب الحجر الأسود في موضعه، فكل قبيلة أرادت أن ترفعه إلى موضعه دون الأُخرى حتى أُعِدّوا للقتال إلى أن اتّفقوا على قضاء «محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)» وهو ابن خمس وثلاثين سنة.(1029)
3. لما انسحب جيش قريش ويهود خيبر عن المدينة وتركوا حليفهم «بني قريظة» في المدينة وهم قد نقضوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الأحزاب، حاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدتهم الحصارة وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقبله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فحكم في حقّهم بما هو المعروف في تاريخ السيرة.(1030)
4. ولعلّ نزول الإمام علي(عليه السلام)ومعاوية على حكم الحكمين مشروطاً بشروط، من هذا القبيل .
إنّ هذا المقدار من الشواهد التاريخية يثبت جوازها، أضف إليه: أنّ الرجوع إلى الحكم الحرّ أمر رائج بين الأُمم ومن البعيد أن يكون غير مشروع في الإسلام.
نعم هناك روايات ربّما تحمل على قاضي التحكيم:
1. روى أبوبصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّه فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجلّ:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(1031). (1032)
2. روى أبو بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله عزّوجلّ في كتابه: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ) (1033)فقال:«يا أبا بصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أما إنّه لم يعن حكّامَ العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور يا أبا محمد! انّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت...».(1034)
3. روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا، فقال: «ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(1035)
أقول: الروايات تحتمل وجهين:
1. إنّها واردة في قاضي التحكيم فإنّ مقوّمه عبارة عن أُمور ثلاثة: أـ كونه غير منصوب .ب ـ كونه جامعاً للشرائط.ج ـ تراضي المتخاصمين على قضائه، والموارد فيها جامع لها.
2. إنّها واردة في القاضي المأذون وهو يتقوّم بالشرطين الأوّلين ولايتوقف على التراضي، غير أنّ أخذ الثالث فيها لأجل أنّه لولاه لمايثمر الرجوع إليه إلاّ إذا كانا متدينين واقعيين وهو قليل.
والظاهر أنّها واردة في القاضي المأذون وأنّ وزانها وزان المقبولة وروايتي أبي خديجة حيث جاء فيها أيضاً، قيد التراضي، وما هذا إلاّ لأجل أن يكون الرجوع مفيداًومثمراً، وإلاّ سواء تراضيا أم لا فإنّ العمل بقولهم من واجبهم .
المقبولة و قاضي التحكيم
ولمّا بلغ الكلام إلى المقبولة وروايتي أبي خديجة فَلْندرسها فإنّ بعض الأعاظم، حاول تطبيق ما ورد في باب القضاء من إرجاع الناس إلى الفقيه الجامع للشرائط على قاضي التحكيم، فلنبحث في المقبولة وغيرها.
أمّا المقبولة فالذي يوهم كون موردها من قبيل قاضي التحكيم أمران:
1. قوله (عليه السلام): «فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(1036) فإنّ رأي القاضي المنصوب و المأذون نافذ شرعاً رضيا به أم لا.
2. فرض تعدّد القاضي حيث قال :فإن كان كل واحد، اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم.
فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».(1037)
وجه الدلالة: إنّ اختيار كل من الطرفين رجلاً لايصحّ في القاضي المنصوب بل يجب عليهما فيه الرجوع إلى قاض واحد، فالقاضي المنصوب وإن كان يتعدّد وجوداً لكن لايتعدّد رجوعاً.
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ المراد هو القاضي المأذون وبما أنّ قضاءه نافذ شرعاً، لاعرفاً وقانوناً وليست الدولة وراءه، أمر الإمام المتخاصمين بالتراضي حتى يكون جابراً لما يفوته من القدرة الظاهرية.
يلاحظ على الوجه الثاني: أنّه لو كان المختلفان في الرأي من قبيل قاضي التحكيم، لما وجب على أحد المتخاصمين الأخذ بالقول الأرجح، لأنّه رضي بالراجح لابالأرجح. وبعبارة أُخرى رضي بقضاء العادل الفقيه الصادق الورع لابقضاء الأعدل الأفقه الأصدق الأورع ، فإلزامه بالأخذ لايتفق مع كونه قاضي التحكيم ، فلامناص من إرجاعه إلى القاضي المأذون.
روايتا أبي خديجة وقاضي التحكيم
قد ورد في إحدى روايتيه: «فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(1038) .
وفي الأُخرى: «اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(1039)
وجه الدلالة: أنّه أمرهما بجعله قاضياً، فإنّ القاضي المنصوب والمأذون ، لايحتاج إلى جعل المتخاصمين.
يلاحظ عليه: أنّ الدعوة إلى الجعل، ليس لأجل مدخليته في مشروعية القضاء كما هو الحال في مورد التحكيم ، وإنّما هي لأجل تدارك ما يفوت المأذون من القوّة التنفيذية، حتى يقوم إقدامهما بالجعل مقامها.
رواية داود بن الحصين وقاضي التحكيم
روى داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما ،عن قول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولايلتفت إلى الآخر».(1040)
وليس الموهم إلاّ قوله: «فرضيا» وقد عرفت وجهه.
أضف إليه: أنّه جزء من رواية المقبولة، لأنّ الراوي لها عن عمر بن حنظلة هو داود بن الحصين، فنقل جزء منها، بحذف آخر السند، أو سقوطه من قلم النساخ، فيأتي فيها ما قلناه في المقبولة.
وبذلك يعلم حال رواية موسى بن أكيل(1041) فلا نطيل الكلام.
فاتّضحت أنّه لاوجه لحمل تلك الروايات الواردة في القاضي المأذون على قاضي التحكيم، وليس القاضي منحصراً بالمنصوب والتحكيم حتى يدور الأمر بينهما ـ كما ربّما يبدو من بعضهم ـ فهناك قسم ثالث وهو القاضي المأذون والروايات وردت في حقّه.
الجهة الخامسة: في بيان ما هو الشرط في قاضي التحكيم
هل يشترط في قاضي التحكيم، كلّ ما يشترط في القاضي المنصوب، سوى كون الثاني منصوباً دون الأوّل، أو لايشترط فيه سوى الأُمور العامّة من العقل و البلوغ والإسلام والإيمان؟
صريح المحقّق هو الأوّل، قال: يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام(عليه السلام).(1042)
وقال الشهيد في المسالك: واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهداً.(1043)
والحق هو الاشتراط والدليل حسب ما استظهرنا من عمومات نفوذ قضاء الفقيه، واضح، لما مرّ من أنّ الموضوع لنفوذ القضاء هو الصادر عن الكتاب والسنّة الذي يعبّر عنه اليوم بالفقيه الجامع للشرائط أو المجتهد، من غير فرق بين زمان الحضور (من عصر الصادق بل قبله أيضاً لوحدة الحكم في جميع الأزمنة) وزمان الغيبة، غير أنّ الظروف الخاصة كبسط اليد، أو قيام الدولة الحقّة قسّمه إلى منصوب وغير منصوب، وإلاّ فالجميع داخل تحت عنوان الفقيه ولايمنع عن قضاء غير المنصوب، شيء سوى إيصاد باب الفوضى، وعند ذلك يكون دليل الشروط في الجميع واحداً، فلو كان شيء شرطاً في المنصوب يكون شرطاً في غيره لكونه شرطاً لنفوذ قضائه لا للنصب.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر استظهر من روايتي أبي بصير والحلبي عدمَ اشتراط أي شيء خاص في قاض التحكيم سوى الشروط العامة من البلوغ والعقل والإسلام والإيمان، قائلاً بأنّ الموضوع في الرواية الأُولى لأبي بصير هو الدعوة إلى قضاء الأخ فقط حيث قال:«فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه». (1044) كما أنّ الموضوع في الرواية الثانية له هو كونه حاكماً بالعدل كما قال:«لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكام أهل العدل...».(1045)والموضوع في الثالث هو «رجل من الشيعة» كما قال: «فيتراضيان برجل منّا».(1046) فإنّ مفاد هذه الروايات أنّهم أذنوا لشيعتهم أجمع، الحكم به وأنّ المدار هو القضاء بأحكامهم لابغيرها.(1047)
يلاحظ عليه أوّلاً: ما عرفت من عدم ثبوت ورود هذه الروايات في مورد قاضي التحكيم، بل هو أحد الاحتمالين، والاحتمال الآخر كونها واردة في حقّ القاضي المأذون وأخذ قيد «الدعوة إلى الأخ»، و«حكّام العدل» أو «برجل منّا»، لتدارك ما يفوت المأذون من القوّة والقدرة، على ما تقدّم.
وثانياً: أنّ الروايات بصدد بيان أصناف القضاة وأنّه لايجوز الرجوع إلى حكّام الجور، بل يجب الرجوع إلى حكّام العدل، وأمّا ما هي شرائط أُولئك الحكّام؟ فليست الروايات بصدد بيانها، بل يمكن الاستئناس من عطف أحد الحكّام على الآخر، وحدة حكمهما، لأنّ حكّام الجور يوم ذاك كانوا من فقهاء العامة ومن الذين كانوا يصدرون عن الكتاب والسنّة فليكن حكّام العدل أيضاً مثلهم.
إنّ المحقّق الخوئي ممّن ذهب إلى عدم شرطية الاجتهاد في قاضي التحكيم، اعتماداً على رواية أبي خديجة الّتي جاء فيها قوله:«ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم»(1048) حيث حملها على قاضي التحكيم، وقد مرّ الكلام فيها وأنّه لايصح الاحتجاج بها، لأجل احتمال وحدة الروايتين وتردّد اللفظ الصادر عن أئمة أهل البيت بين دال على شرطية الاجتهاد وعدمه.
الجهة السادسة: في اشتراط الرضا بعد القضاء و عدمه
المشهور، عدم اشتراط الرضا بعد القضاء قال الشيخ في المبسوط : إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً بينهما و سألاه أن يحكم لهما بينهما جاز، وإنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء وهو أن يكون من أهل العدالة والكمال والاجتهاد، على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنّه رُضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام، ولا فصل بين أن يرضيا به في بلد فيه حاكم سواه أو لا حاكم فيه، الباب واحد، لأنّه إذا كان ذلك إليهما في بلد لا قاضي به، كذلك في بلد به قاض.
فإذا ثبت أنّه جائز فإذا نظر بينهما فمتى يلزم حكمه في حقّهما؟ قال قوم: بالرضا بما حكم به بعد حكمه . وقال آخرون: يلزم حكمه بما يلزم به حكم الحاكم وهو إذا أمضاه هو عليهما لما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما، فعليه لعنة الله» فلولا أنّ حكمه بينهما يلزم، ما تواعده باللّعن عند الجور . (1049)
وقال في الخلاف: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما، كان جائزاً بلا خلاف فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار. وللشافعي فيه قولان :أحدهما أنّه يلزم بنفس الحكم كما قلناه، والثاني: يقف بعد إنفاذ حكمه على تراضيهما، فإذا تراضيا بعد الحكم لزم.(1050)
وقال المحقّق: ولا يشترط رضاهما بعد الحكم.(1051)
وقال العلاّمة في القواعد:ولايجوز نقض ما حكم به ممّا لاتنتقض فيه الأحكام، وإن لم يرضيا بعده إذا كان بشرائط القاضي المنصوب في الإمام.(1052)
وقال الشهيد: قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض ويلزم الخصمين المتراضيين به حكمه حتّى في العقوبة، وهل يشترط رضاهما بعد الحكم؟ الأقرب لا.(1053)
وقال الأردبيلي: مضى حكمه بينهما وليس لهما نقضه بعده، ولا يشترط الرضا بعد الحكم على المشهور، ولا يجوز لهما خلاف ذلك.(1054)
وقال الشهيد الثاني في الروضة:وهل يلزم حكمه بنفس الحكم كحكم القاضي، أو لايلزم إلاّ بتراضيهما بعد الحكم؟فيه قولان، ويقال وجهان: أظهرهما الأوّل.(1055)
نعم قال العلاّمة في التحرير:ولو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة وترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم وإن كان غائباً.(1056)
ومع ذلك فالحقّ هو عدم الحاجة إلى التراضي، وذلك لوجهين:
1. إنّ قاضي التحكيم، ليس موضوعاً جديداً بل هو والقاضي المنصوب من أقسام القاضي المأذون في عصر الغيبة، غير أنّ حفظ النظم، ألجأ غير المنصوب الى الانسحاب من ساحة القضاء مع أنّ له أهليّة القضاء وصلاحيته، فإذا قضى في مورد لاتشمله أدلّة المنع، تعمّه أدلّة نفوذ القضاء وأنّه: «إذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله».(1057)
2. إذا كان نفوذ الحكم منوطاً بتراضي الطرفين، تلزم لغوية القضاء،
لأنّه لايخلو إمّا أن يحصل التراضي أو لا. فعلى الأوّل، يكون الفاصل، هو التراضي دون القضاء ويكون القضاء بمنزلة الإفتاء، وعلى الثاني، يطرح ويكون بلا أثر.
وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ في الخلاف ويقول:وأيضاً لو كان الحكم لايلزم بنفس الالتزام والانقياد ، لما كان للترافع إليه معنى فإن اعتبر التراضي كان ذلك موجوداً قبل الترافع إليه.(1058)
فإن قلت: إنّ قوله (عليه السلام)في صحيح الحلبي: «ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط» (1059) إذا كان وارداً في قاضي التحكيم يكون مفاده شرطية النفوذ بالتراضي.
قلت: مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الحديث يحتمل أمرين، أنّ الفقرة عنوان مشير إلى السلطات الجائرة، الذين كانوا يجبرون الناس على أحكامهم الباطلة بالسيف والسوط، وإلاّ فهل يمكن لأحد أن ينكر لزوم القوّة والقدرة في إجراء الأحكام الحقّة؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخير كلّه في السيف، وتحت ظلّ السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف».(1060)
الجهة السابعة: نفوذ حكمه بحقوق الناس و عدمه
الظاهر من كلمات الأصحاب نفوذ حكمه مطلقاً. قال المحقّق: يعمّ الجواز كل الأحكام.(1061)
وقال العلاّمة في القواعد: «لزمهما حكمه في كل الأحكام حتّى العقوبات».(1062) وقال شارح القواعد:«والمراد بالعقوبة في كلام المصنف، الحبس وإقامة الحدود والتعزير والنفوذ نفساً وطرفاً» وقال (المصنّف) فيما بعد: «وهل له الحبس واستيفاء العقوبة إشكال» فلا أراه إلاّ رجوعاً .(1063)
وقال في الدروس: «ويلزم الخصمين المترافعين به حكمه حتى في العقوبات».(1064)
وقال في المسالك: «وظاهر الأصحاب وصريح بعضهم ثبوت هذا الحكم في جميع ما يقع فيه التداعي من المال والنكاح والقصاص والحدود وغيرها، لوجود المقتضي في الجميع وعموم الخبر، واستشكل العلاّمة ثبوته في الحبس واستيفاء العقوبة من حيث إنّه ولاية شرعية وأمر خطير فلايصلح أن يكون لغير الحاكم الشرعي، وهو قول لبعض الشافعية .
نعم يختصّ بحقّ الآدمي حيث إنّه يتوقّف على نصب المتخاصمين فلايحكم في حقوق الله تعالى، إذ ليس لها خصم معيّن، ويختصّ حكمه بمن رضى فلايضرب دية القتل خطأ على العاقلة إذا لم يرضوا بحكمه ولايكفي رضى القاتل.(1065)
ويظهر نظرنا في المقام ممّا ذكرناه في الجهات السابقة، وهو نفوذ رأيه وقضائه في جميع الموارد، إلاّ فيما إذا لم يكن في المورد مشتك، وذلك لأنّه لايقصر عن القاضي المنصوب قدر شعرة وربّما يترجّح عليه و إنّما عاقه عن التصدي صيانة النظام عن تسرّب الفوضى إليه، فإذا كان المانع مفقوداً، فيكون قضاؤه نافذاً.
نعم فيما إذا لم يكن هنا أيّ مشتك ، فلاموضوع للتحكيم كما لايخفى.
القاضي المأذون
قد عرفت أنّ القاضي ينقسم إلى قاض منصوب يختصّ بزمان الحضور مع بسط اليد، وقاضي التحكيم يتوقّف نفوذ قضائه على رضاء الطرفين وهو يختصّ عند الأصحاب بزمان الحضور، مع عدم بسطها ـ و قد عرفت إمكان تصويره في زمان الغيبة أيضاً كما تقدّم ـ وقاض مأذون من جانبهم ومنصوب عنهم بالنصب العام، لا الخاص، ولأجل التفريق بين القسمين نسمّيه بالمأذون لا بالمنصوب، وإلاّ فالنصب ممّا لابدّ منه عموماً أو خصوصاً، وما في المسالك: وأمّا مع عدم تمكّن ذلك إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده، فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط وهو نصب الإمام له(1066)، محمول على سقوط النصب الخاص لا العام وإلاّ فيفقد الولاية كما سيوافيك توضيحه. وعلى كل تقدير يقع الكلام في جهات:
الجهة الأُولى: في نقل كلمات الأصحاب في نفوذ قضاء الفقيه
اتّفق الأصحاب على أنّه ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)الجامع للصفات المشروطة في الفتوى:
1. قال المحقّق: فمع عدم حضور الإمام (عليه السلام)ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى.(1067)
2. قال ابن سعيد: فإن تنازع المؤمنون حال انقباض يد الإمام (عليه السلام)فالحاكم من روى حديثهم وعرف أحكامهم والرادّ عليه كالرادّ عليهم.(1068)
3. قال العلاّمة في الإرشاد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(1069)
4. قال في القواعد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء.(1070)
5. قال الشهيد في الدروس: وفي غيبة الإمام ينفذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط.(1071)
6. قال الشهيد الثاني: وينفذ عندنا قضاء الفقيه العدل الإمامي الجامع لباقي الشرائط وإن لم يتراض الخصمان.(1072)
7ـ قال المحقّق الأردبيلي معلِّقاً على قول العلاّمة في الإرشاد: دليله كأنّه الإجماع والأخبار المتقدّمة الدالّة على جعله العالمَ بالأحكام قاضياً وحاكماً وأنّ خلافه لايجوز، بل الرادّ عليه هو الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله وإن لم يكن سندها معتبراً على ما عرفت، إلاّ أنّ مضمونها موافق للعقل وكلامهم وقواعدهم المقرّرة.(1073)
الجهة الثانية: في إغناء الإذن عن النصب
التصفح في كلمات الأصحاب يعرب عن اتّفاقهم على إغناء الإذن العام عن النصب، قال الشهيد الثاني: أمّا مع عدم ذلك (التمكّن من الإمام) إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط، وهو نصب الإمام له.(1074)
وقال المحقق الأردبيلي عند البحث في روايات المقام:لعلّهم خصّوا بحال الغيبة وعدم إمكان النصب و الإذن للإجماع و نحوه.(1075)
أقول: مرادهم من الغناء عن النصب ، نصب الإمام المعصوم وذلك لعدم التمكّن ولكن لايستلزم ذلك، الغنى عن النصب مطلقاً ولو من جانب الحاكم الأعلى إذا قامت دولة حقّ للإسلام يرأسها فقيه جامع للشرائط، فإنّ صيانة النظام عن تسرّب الفوضى يقتضي توقف النفوذ على نصب الحاكم الأعلى، وذلك لا لعدم المقتضي، بل لرعاية المصالح الملزمة.
الجهة الثالثة: في سعة نفوذ قضائه
لا شكّ في نفوذ قضاء الفقيه في الجملة، وإنّما الكلام في سعة نفوذه فيظهر منهم أنّه نافذ حتى في الموارد التالية:
1. ينفذ حكمه على مجتهد آخر يخالفه في الرأي.
2. ينفذ حكمه على مقلد مجتهد آخر يخالفه في الرأي.
3. لايجوز نقض حكمه بحكم آخر إلاّ إذا علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المحقّق أو الخبر المتواتر أو تبيّن تقصيره في الاجتهاد، ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز نقضه و إن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأوّل أخذاً بإطلاق عدم جواز ردّ حكم الحاكم الذي منه نقضه إلاّ إذا حصل القطع بكونه على خلاف الواقع فلايكفي في جواز النقض كون الدليل علمياً لبعض دون بعض.(1076)
4. لايجوز نقض الحكم بفتوى المخالف.
5. يجوز نقض الفتوى بالحكم في مورد ذلك الحكم، مثلاً إذا ترافع شخصان على بيع شيء من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من حرام مثلاً عند من يرى طهارته فحكم بذلك، كان محكوماً بالطهارة للمحكوم عليه وإن كان مجتهداً يرى نجاسته أو مقلّد مجتهد كذلك، لإطلاق دليل ما دلّ على وجوب قبول حكمه وأنّه حكمه والرادّ عليه كالرادّ عليهم ،ويخرج حينئذ هذا الجزئي من كل الفتوى بأنّ المائع الملاقي عرق الجنب ـ من حرام ـ نجس في حقّ ذلك المجتهد ومقلّديه وكذا البيوع والأنكحة والطلاق والوقوف وغيرها ،وهذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الأوّل وإن خالف رأيه مالم يعلم بطلانه.(1077)
وبما أنّ المحقّق وشرّاح الشرائع بحثوا عن هذه الأحكام بعد الفراغ عن صفات القاضي وآدابه، في ضمن المسألة الثالثة، فنحن أيضاً نقتفي أثرهم فانتظر.
الجهة الرابعة: في حرمة الترافع إلى حكّام الجور
يحرم الرجوع إلى حكّام الجور إجمالاً و إليك كلمات الفقهاء:
1. قال المحقّق : ولو عدل إلى قضاة الجور والحال هذه كان مخطئاً.(1078)
2. قال أبو سعيد: ولايجوز الترافع إلاّ إلى الإمام أو نائبه، ومن أذن له.(1079)
3. قال العلاّمة: ومن عدل عنه إلى قضاة الجور كان عاصياً.(1080)
4. قال الشهيد الثاني ـ بعد نقل رواية أبي خديجة والمقبولة: ـ وقد ظهر منها الحكم بتخطئة التحاكم إلى أهل الجور.(1081)
5. قال المحقّق الرشتي: لايجوز الترافع والتحاكم إلى حكّام الجور في حال الاختيار أي مع إمكان الرجوع إلى حكّامنا بالأدلّة الأربعة.(1082)
6. قال السيّد الطباطبائي : لايجوز الترافع إلى قضاة الجور اختياراً ولا يحلّ ما أخذه بحكمهم إذا لم يعلم بكونه محقّاً إلاّ من طرف حكمهم.(1083)
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الكتب الفقهية في عنوان المسألة، ويدل على التحريم: الكتاب والسنّة والعقل.
أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)(1084) . وروى
المفسّرون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أُحاكم إلى محمّد، لأنّه علم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم. فقال المنافق: لا! بل بيني وبينك كعب بن الأشرف لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة.(1085) ومورد الآية و إن كان هو اليهود لكن المتفاهم هو كل من يحكم بغير الحقّ .قال الطبرسي: والطاغوت يوصف به أيضاً كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله، وصريح الآية أنّه لايجتمع الإيمان بما أنزل الله إلى نبيّه والأنبياء السالفين، مع التحاكم إلى الطاغوت ، بل لايجتمع زعم الإيمان بالله مع إرادة التحاكم إليه، فإذا لم يجتمع زعم الإيمان معه، فكيف يجتمع الإيمان مع الرجوع، وذكر زعم الإيمان دون الإيمان نفسه لأجل الإيعاز إلى نفاقه.
وأمّا من السنّة فيكفي في ذلك، ما في المقبولة:«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به».(1086) أضف إلى ذلك رواية أبي خديجة (1087)، وصحيح الحلبي(1088)، وروايتي أبي بصير (1089)وداود بن الحصين (1090)، وخبر موسى بن أكيل النميري (1091) التي تقدمت، وغير ذلك من الروايات الواردة في المقام.
وأمّا من العقل، فإنّ حكم الجائر بينهما حرام والترافع إليه يقتضي ذلك فيكون اعانة على الإثم وهي منهيّ عنها.
وأورد عليه في الجواهر: بمنع الصغرى أوّلاً ومنع حرمة الكبرى ثانياً(1092).
أقول: إنّ المستدل تارة يستدلّ بحكم العقل على حرمة مقدّمة الحرام ، وأُخرى بما دلّ على حرمة التعاون على الإثم والعدوان وإن كان ظاهر كلامه هو الثاني.
فعلى الأوّل لاوجه للشك في كونه مقدّمة للحرام، وأمّا الكبرى فلو قلنا بحرمة مطلق المقدّمة أو الجزء الأخير منها فهو حرام أيضاً، لأنّ المقصود من الترافع ليس مجرّد الرجوع إلى محكمته، بل طرح الدعوى بالإتيان بالشاهد أو تحليف المنكر، ولا شكّ أنّه الجزء الأخير من مقدّمات الأمر المحرّم، أعني: حكم الجائر.
وعلى الثاني فلمنع كل من الصغرى والكبرى وجه وإن كان غير مرضيّ عندنا. أمّا منع الصغرى فلأنّ المحرم حسب ظاهر الآية، هو المعاونة القائمة بالطرفين، لا الإعانة القائمة بالطرف الواحد كما في المقام. وأمّا منع الكبرى فلاحتمال كون النهي تنزيهياً، كالأمر الوارد في عدله أعني :(وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَ التَّقْوى)(1093).
يلاحظ على الأوّل: أنّ التعاون كما يصدق في مورد الاجتماع على الإتيان بالإثم والعدوان كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال، كذلك يصدق إذا قام واحد بالعمل مستقلاً وأعان آخرون عليه، والحاصل أنّه يصدق فيما اشتركوا في الإتيان بالمحرّم وفيما إذا اشتغل واحد، وأعان الآخر عليه، قال في اللسان: «تعاونا: أعان بعض بعضاً»(1094).
والذي يدلّ على ذلك أنّ أمين الإسلام فسّره بنحو عام وقال:أمر الله عباده بأن يُعين بعضهم بعضاً ، على البرّ والتقوى ; أو هو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يُعين بعضهم بعضاً على الإثم وهو ترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، وهو تجاوز ما حد الله لعباده في دينهم وفرض لهم في أنفسهم.(1095)
ويلاحظ على الثاني: بأنّ الموضوع لايناسب كون النهي تنزيهياً وهو التعاون على الإثم والعدوان وعندئذ لايكون الصدر قرينة على الذيل.
إلى هنا تمّ بيان ما دلّ على حرمة الترافع إلى قضاة الجور، غير أنّ للمسألة صوراً فيقع الكلام في كون الحكم عاماً لجميع الصور أمكن الرجوع إلى الفقيه الإمامي أو لا. وأيضاً إذا ترافع إليهم ، هل يكون ما يأخذه بحكمه حراماً وسحتاً من غير فرق بين الدين أو عين ماله، أو يفرق بينهما؟ ولأجل إيضاح الحال نقول:
إنّه تارة يتمكّن من استيفاء حقّه من الرجوع إلى الفقيه الإمامي، وأُخرى لايتمكّن من ذلك. وعلى كل تقدير تارة يكون محقّاً قبل الترافع، وأُخرى يكون محقّاً بالترافع. وعلى جميع التقادير، فتارة يكون المأخوذ بحكمهم، هو عين ماله الذي كان استولى عليه الخصم، وأُخرى يكون دينه الذي كان عليه ويتشخص بالترافع والقضاء عليه. هذه هي الصور المطروحة في المسألة ونبحث عنها في ضمن صور أربع:
الأُولى: إذا تمكّن من استيفاء حقّه بالرجوع إلى الفقيه الإمامي وكان محقّاً قبل الترافع، عالماً بأنّ العين الفلانية الّتي هي بيد المدّعى عليه ماله، أو أنّ له مالاً في ذمّته فلا شكّ أنّ الرجوع إليهم حرام للأدلة السابقة، والمأخوذ بحكمه حرام أيضاً، كيف وقد أسماه الإمام (عليه السلام)سحتاً؟ فقال: «وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به».(1096)
واحتمال اختصاص الرواية بما إذا ثبت كونه محقّاً بالترافع، لامن كان محقّاً قبله يردّه ظهور الرواية في كونه محقاً قبله قال:«وإن كان حقّه ثابتاً، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» أضف إليه عموم التعليل، أعني قوله:«لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» من غير فرق بين كونه محقّاً قبله أو بعده.
هذا ممّا لا ينبغي الشكّ فيه إنّما الكلام في سعة الحكم للعين والدين فهل الحكم عام أو يختصّ بالثاني ؟قولان مبنيّان على أنّ السحت هل هو مطلق الحرام، سواء كان مال الغير أو لا، أو هو مال الغير الحرام، بحيث يعدُّ كونه (مال الغير) مقوّماً له؟ وقد اختار المحقّق الرشتي القول الثاني ولم يذكر له دليلاً (1097). ويمكن استظهاره من الكتاب وكلمات اللغويين :
أمّا الكتاب فقد استعمله في خصوص الرشوة . قال سبحانه :(سمّاعُونَ للكذبِ أكّالُونَ للسُّحت)(1098) ، وقال تعالى:(لَولا يَنهاهُمُ الرّبّانيُّونَ والأحبارُ عن قولهِمُ الإثمَ وأكلهِمُ السُّحت)(1099) وفسر في كلا الموردين بالرشوة(1100).
وأمّا اللغة فقد فسّروه بثمن الكلب والخمر والخنزير والرشوة،
وفي حديث ابن رواحة أنّ اليهود لما أرادوا أن يرشوه قال: أتطعموني السحت، أي الحرام سمّى الرشوة في الحكم سحتاً وفي الحديث: يأتي زمان يستحلّ فيه كذا وكذا، والسحت : الهدية أي الرشوة في الحكم والشهادة ونحوهما.(1101)
ويؤيده أنّ حرمة مال الإنسان لمالكه على خلاف الأصل لايصار إليه إلاّ لوجه، ككونه رهناً، أو كون المالك قاصراً كالسفيه أو مفلَّساً متعلّقاً ماله بحقوق الغرماء، وأمّا المقام فليس هنا قصور لافي العين ولا في المالك، فلاوجه لكون التصرّف فيه حراماً وسحتاً وإن كان أصل الترافع أمراً محظوراً ولايقاس بالدين، لأنّ كون ماله عوضاً عن الدين، يتوقف على الولاية أو الرضا به، والقاضي لاولاية له، وهو أيضاً غير راض، بخلاف العين فهي باقية على ملك المالك.
ويمكن أن يستظهر القول الأوّل بوجهين:
1. بما ورد في صدره من منازعة في دين أو ميراث، والثاني يراد منه ما يقابل الدين.
2. الأخذ بعموم التعليل، وهو: لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به .
يلاحظ على الأوّل: أنّ الميراث، يكون مشاعاً غالباً ، فاختصاص واحد من الورثة به، يتوقّف على الولاية أو الرضا وكلاهما مفقودان ويكون حكمه حكم الدين.
وعلى الثاني: أ نّه لايعدو عن كونه إشعاراً، ولعلّ المراد أنّه تملّك بحكم الطاغوت ، لامطلق الأخذ، فيكون مختصّاً بالدين لا الأعم.
ثمّ إنّ المراد من ثبوت كونه محقّاً قبل الترافع، أعم من كون الحقّ معلوماً واقعاً، كما إذا استولى المنكر على ماله، أو استقرضه ثم أنكر المديون، أو معلوماً في ظاهر الشرع كما إذا شهدت البيّنة بأنّ أباه، كان له على فلان كذا وكذا، أو كان مقتضى فتوى مقلّده كونه ذا حقّ، وأمّا مع عدم العلم واقعاً ولاظاهراً، ولكن لمّا رفع الترافع إلى حاكم الجور، فقد قضى له. وهذا ما توضحه الصورة التالية.
الصورة الثانية: إذا أمكن الترافع لدى حكّام العدل وكان هناك نزاع بينه وبين شخص من أبناء جلدته ولم يكن الحق متبيّناً قبل الترافع وإنّما صار محقّاً بقضاء قاضي الجور، فالترافع إليه حرام أوّلاً، وهو الفرد الأجلى للروايات السابقة، ويحرم عليه الأخذ عيناً وديناً، ثانياً، لعدم الاعتداد بقضاء أهل الجور، فلايثبت به كونه مالكاً للعين، والدين فضلاً عن تشخّصه بحكمه في مال معين.
الصورة الثالثة: إذا علم كونه محقّاً قبل الترافع وعالماً بأحد الأنحاء المذكورة أنّه مالك للعين أو الدين في ذمّته غير أنّه توقف استيفاء حقّه المعلوم واقعاً على الترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور إمّا لعدم رضى الطرف المقابل إلاّ بالترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور، أو لعدم وجود الحاكم الشرعي، أو لعدم إمكان إثبات الحقّ عنده، أو لعدم نفاذ قضائه .فالظاهر جوازه لانصراف الأخبار عن هذه الصورة، بشهادة أنّها تأمر بالتراضي على الرجوع إلى من له شرائط القضاء من الشيعة ومعناه إمكان الرجوع إلى الأهل فيحلّ ما يأخذه عيناً أو ديناً. أمّا العين فقد علمت حالها، وأمّا الدين فلسقوط شرطية رضائه بإبائه وعدم وجود طريق آخر للاستنقاذ .
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه إعانة على الإثم، ولكن إطلاقها مخصّص بنفي الضرر والضرار ويمكن الاستدلال بصحيح علي بن مهزيار، عن علي بن محمّد(عليهما السلام)سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب(عليه السلام): «يجوز ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم».(1102)
إذ بناء على ما احتمله الفيض في الوافي من «أنّه يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضائهم كما يأخذون منّا بحكم قضائهم، يعني إذا اضطرّ إليه كما إذا قدّمه الخصم إليهم» (1103) يكون دليلاً على جواز الترافع عند الاضطرار.
وحمله في الجواهر على أنّ المراد المعاملة معهم كمعاملتهم معنا في مثل الشفعة بالجوار، وتوريث العصبة.(1104) ونحو ذلك وعندئذ يخرج عن مورد الترافع ، ويكون من أدلّة قاعدة الإلزام،ولكن هذا المعنى لا يتلاءم مع ما في كتاب أبي الأسد(1105)، فتعيّن الأوّل.
وأمّا خبر عطاء بن السائب عن علي بن الحسين (عليه السلام)قال: «إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولاتشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم». ورواه في العلل إلاّ أنّه قال: وإن تعاملتم بأحكامهم.(1106)
ولعلّه يهدف إلى جواز العمل بأحكامهم تقيّة كتعيين أوّل الشهر صياماً وإفطاراً، وعند ذلك لاتكون له صلة بباب القضاء خصوصاً على ما رواه في الجواهر «فامضوا» مكان «فاقضوا».
وأولى بالصّحة إذا كان الخصم من أهل الخلاف.
فإن قلت: جواز التصرّف في العين لاغبار عليه إنّما الكلام في جواز التصرّف في عوض الدين، إذ كيف يتشخّص له مع عدم الولاية للقاضي، والرضا للمنكر؟
قلت: تسقط شرطية الرضا في المقام لأجل إبائه وعدم طريق آخر للاستيفاء ، فليس لحكم قاضي الجور دور سوى إعطاء القدرة الرسمية لإعادة عينه إلى سيطرته، واستيفاء دينه المسلّم .
الصورة الرابعة: نفس الصورة الثالثة، لكن لم يتبيّن كونه محقّاً إلاّ بالترافع إليهم، فالترافع إليهم وإن كان جائزاً لانصراف الأدلّة عن صورة الاضطرار، لكن لايصحّ الأخذ بحكمهم لعدم العلم بكونه مالكاً للعين أو الدين، ولاقيمة لقضاء قاضي الجور عندئذ فيصبح كالعدم، إلاّ إذا كان الخصم مخالفاً أخذاً بقاعدة الإلزام بشرط أن لايعلم باستحقاقه، وإلاّ فيحرم كما هو مفاد رواية أبي الأسد.
الصورة الخامسة : إذا استعان بظالم من دون أن يكون حاكم جور أو قاضيه في استيفاء حقّه فإن لم يتبيّن له كونه محقّاً، فيحرم الرجوع ولايملك ما أخذه من العين والدين لعدم ثبوت كونه مالكاً لها.
إنّما الكلام فيما إذا كان محقّاً، فإن أمكن استيفاء حقّه بالرجوع إلى حاكم العدل، فالرجوع إليه حرام لكونه ركوناً إلى الظالم، وقد قال سبحانه:(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار)(1107). فإن استعان والحال هذه يجوز له التصرّف في العين دون عوض الدين وإن لم يمكن الاستيفاء به، وانحصر الطريق بالاستمداد من الظالم فالظاهر جواز الرجوع، لقاعدة لاضرر وجواز التصرّف في العين ، وعوض الدين كما عرفت في الصورة الثالثة.

1016 . المبسوط: 8 / 2.
1017 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.
1018 . شرائع الإسلام : 4/ 68.
1019 . مسالك الافهام : 2 / 390، وقريب منه كلام المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد ، لاحظ ج 2/184 وسيوافيك نصه في الجهة الثالثة.
1020 . مجمع الفائدة: 12/ 184.
1021 . الخلاف: 6 / 241 ،كتاب القضاء، المسألة 40.
1022 . المبسوط: 8/ 164.
1023 . جواهر الكلام : 40 ، قسم المتن / 23.
1024 . الجامع للشرائع: 530.
1025 . إرشاد الأذهان: 2/138، ط النشر الإسلامي.
1026 . مجمع الفائدة: 12 / 184.
1027 . الخلاف: 3/ 322.
1028 . النساء: 35.
1029 . السيرة النبوية: 1/ 197.
1030 . السيرة النبوية: 2/ 239.
1031 . النساء: 60.
1032 . الوسائل: ج 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
1033 . البقرة: 188.
1034 . الوسائل: ج 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.
1035 . الوسائل: ج 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
1036 . الوسائل: ج 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1037 . الوسائل: ج 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1038 . الوسائل: ج 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
1039 . الوسائل: ج 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.
1040 . الوسائل: ج 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.
1041 . الوسائل: ج 18، الباب9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.
1042 . جواهر الكلام: 40/28، قسم المتن.
1043 . مسالك الافهام: 2/ 390.
1044 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2 .
1045 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 .
1046 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8 .
1047 . جواهر الكلام : 40/ 30.
1048 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
1049 . المبسوط: 8/ 164.
1050 . الخلاف: 3 / 241 ، كتاب القضاء، المسألة 40.
1051 . جواهر الكلام: 40/23، قسم المتن.
1052 . مفتاح الكرامة: 10/3، قسم المتن.
1053 . الدروس الشرعية: 2/17ـ 18.
1054 . مجمع الفائدة: 2 / 182.
1055 . الروضة البهية: 3/ 71.
1056 . تحرير الأحكام: 5 / 113، برقم 6420 .
1057 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1058 . الخلاف: 6 / 242، كتاب القضاء، المسألة 40.
1059 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
1060 . الوسائل: ج 11، الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.
1061 . شرائع الإسلام : 4/ 68.
1062 . مفتاح الكرامة: 10/30 متناً وشرحاً.
1063 . مفتاح الكرامة: 10/30 متناً وشرحاً.
1064 . الدروس الشرعية: 2/ 68.
1065 . مسالك الافهام : 2/389ـ 390.
1066 . مسالك الأفهام: 13 / 334 .
1067 . شرائع الإسلام : 4/ 68.
1068 . الجامع للشرائع: 531.
1069 . إرشاد الأذهان: 2/ 138.
1070 . مفتاح الكرامة : 10/3، قسم المتن.
1071 . الدروس الشرعية: 2/ 67.
1072 . مسالك الافهام : 2/ 390.
1073 . مجمع الفائدة: 12/ 18.
1074 . مسالك الافهام : 2/ 390.
1075 . مجمع الفائدة: 12/ 18.
1076 . ملحقات العروة: 2/ 26.
1077 . جواهر الكلام : 40/98 ، ووافقه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة :2/27، المسألة 35. ولاحظ العروة الوثقى قسم التقليد، المسألة 55، فقد أفتى فيها السيد بفساد المعاملة من رأس، وهو ينافي مع ما ذكره في المقام، وسيوافيك تفصيله في محلّه.
1078 . شرائع الإسلام : 4/ 68.
1079 . الجامع للشرائع: 530.
1080 . الايضاح: 4/294، قسم المتن.
1081 . مسالك الافهام : 2/ 390.
1082 . كتاب القضاء: 14.
1083 . ملحقات العروة: 2/ 9.
1084 . النساء: 60.
1085 . مجمع البيان: 2/ 66.
1086 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4 .
1087 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5 .
1088 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8 .
1089 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3.
1090 . الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 .
1091 . الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.
1092 . الاستدلال من المحقق السبزواري نقله في الجواهر: 40/35 وأورد عليه بما عرفت.
1093 . المائدة: 2.
1094 . لسان العرب: 13/ 299.
1095 . مجمع البيان: 2/155، ط صيدا.
1096 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
1097 . كتاب القضاء: 65.
1098 . المائدة: 42.
1099 . المائدة: 63.
1100 . مجمع البيان: 2/196و 217 ط صيدا.
1101 . لسان العرب،2/41; النهاية2/340; تاج العروس: 550.
1102 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1. والمراد من علي بن محمّد هو الإمام الهادي (عليه السلام)، فما في الجواهر من قوله:«خبر علي بن محمّد» ليس في محلّه ، لإيهامه أنّ علي بن محمّد راو، أضف إليه أنّ الشيخ رواه في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى وسنده إليه صحيح كما نصّ به الأردبيلي في جامع الرواة: 2/ 469.
1103 . نقله عنه في الجواهر: 40 / 35 .
1104 . الجواهر: 40/ 35.
1105 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
1106 . الوسائل: ج 18، الباب11، من أبواب آداب القاضي، الحديث 2. وفي الجواهر المطبوع: فامضوا مكان «فاقضوا» ، الجواهر40/ 36. و في السند صالح بن عقبة وعطاء وكلاهما لم يوثقا، نعم عمرو بن أبي المقدام ضعّفه الغضائري في أحد كتابيه ووثّقه في كتابه الآخر، كما نقله العلاّمة في الخلاصة، وروى الكشي في رجاله مدحاً له.
1107 . هود: 113.