قائمة المواضيع :
دية الذمّي والمستأمن
أقوال الفقهاء في المسألة
إنّ لفقهاء السنّة فيها آراء أربعة:
1. دية الذمّيّ مثل دية المسلم لا يفترقان. ذهب إليه من الصحابة: ابن مسعود، وهو إحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
2. دية الذمّيّ على النصف من دية المسلم. ذهب إليه من التابعين:عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، ومن الفقهاء: مالك بن أنس.
والظاهر من الشيخ الطوسي في «الخلاف» انّ النصف عند أصحاب هذا القول حكم كلّ من الذمّي والذمّيّة . فدية الذمّي نصف دية المسلم، ودية الذمّيّة نصف دية المسلمة.
لكن الظاهر من الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، انّ دية الذمّيّة مثل دية المسلمة حيث قال عند نقل هذا القول: دية الذمّيّ نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين أي كالنساء المسلمات.(1108) وسيوافيك أنّ القرطبي نقل خلاف ذلك.
3. دية الذمّي ثلث دية المسلم. وبه قال من الصحابة عمر و عثمان، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء، ومن الفقهاء: أبو ثور وإسحاق والشافعي. فدية الذمّيّ عندهم أربعة آلاف درهم بناء على أنّ دية المسلم اثنا عشر ألف درهم.
4. التفريق بين العمد، والخطأ، فلو كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم، حكاه الشيخ الطوسي عن أحمد بن حنبل.(1109)
قال شمس الدين السرخسي الحنفي: ودية أهل الذمّة وغيرهم مثل دية المسلمين رجالهم كرجالهم ونساؤهم كنسائهم، وكذلك جراحاتهم وجناياتهم بينهم وما دون النفس من ذلك سواء.
وقال مالك: دية الكتابي على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم(القول الثاني).
وحديث سعيد بن المسيب: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى في دية الكتابي بثلث دية المسلم، وفي رواية بنصف دية المسلم(القول الثالث).
وعن عمر أنّه قضى في دية المجوسي بثمانمائة درهم.(1110)
وقال القرطبي: وأمّا دية أهل الذمّة إذا قُتلوا خطأ، فإنّ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ ديتهم على النصف من دية المسلم، ذكرانهم على النصف من ذكران المسلمين، ونساؤهم على النصف من نسائهم.(1111) وبه قال: مالك وعمر بن عبد العزيز، وعلى هذا تكون دية جراحهم على النصف من دية المسلمين.
الثاني: أنّ ديتهم ثلث دية المسلم. وبه قال الشافعي، وهو مرويّ عن: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وقال به جماعة من التابعين.
الثالث: أنّ ديتهم مثل دية المسلمين. وبه قال أبو حنيفة والثوري وجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود، وقد روي عن عمر وعثمان، وقال به جماعة من التابعين.(1112)
ولندرس أدلّة أقوالهم.
دليل القول بالمساواة
استدلّت الحنفية على مماثلة الديتين بوجوه أتى بها السرخسي في مبسوطه، وهي:
1. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ).(1113) والمراد منه ما هو المراد من قوله في قتل المؤمن:(وَدِيةٌ مسلّمة إِلى أَهْله)، وهو الدية الكاملة.
2. وفي حديث ابن عباس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ودي العامريين اللّذين قتلهما عمرو بن أُميّة الضمري وكانا مستأمنين عند رسول اللّه بدية حرّين مسلمين، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «دية كلّ ذي عمد في عمده ألف دينار».
3. وعن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ مثل دية الحر المسلم.
4. وقال علي(عليه السلام): إنّما أعطيناهم الذمة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا.
5. وما نقلوا فيه من الآثار بخلاف هذا لا يكاد يصحّ، فقد روي عن معمر قال: سألت الزهري عن دية الذمّيّ، فقال: مثل دية المسلم، فقلت: إنّ سعيداً يروي بخلاف ذلك، قال: ارجع إلى قوله تعالى:(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ). فهذا بيان أنّ الرواية الشاذة لا تقبل فيما يدلّ على نسخ الكتاب، ثمّ تأويله: انّه قضى بثُلْث الدية في سنة واحدة فظن الراوي: أنّ ذلك جميع ما قضى به، وعند تعارض الأخبار يترجّح المثبت للزيادة.
6. وقوله:«المسلمون تتكافأ دماؤهم» لا يدلّ على أنّ دماء غيرهم لا تكافئهم، فتخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفي ما عداه، والمراد بالآثار: نفي المساواة بينهما في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا، فإنّا نرى المساواة بيننا وبينهم في بعض أحكام الدنيا، ولا يجوز أن يقع الخلف في خبر اللّه تعالى.(1114)
هذه هي أدلّة القول بالمساواة الّتي ساقها السرخسي في كتابه، وإليك دراستها ومناقشتها.
1. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ...)
أقول: لا صلة للآية بالمقام وذلك لوجهين:
الأوّل: المقتول في الآية مؤمن لا ذمّيّ
إنّ الاستدلال بالآية على أنّ دية الذمّيّ تساوي دية المسلم نشأ عن الغفلة عن أنّ مرجع الضمير في قوله: (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم...) هو المؤمن ، لا الكافر، وعليه يكون المقتول مؤمناً من قوم كافرين، لا كافراً. والدليل سياق الآية، وإليك لفظها في مقاطع ثلاثة:
1. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا).
2. (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).
3.(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة).
وقد بُيِّن في هذه المقاطع الثلاثة أحكام قتل المؤمن.
إذا كان المقتول مؤمناً من قوم مؤمنين فتجب الكفّارة والدية معاً.
وإن كان المقتول مؤمناً لكن من قوم محاربين، فتجب الكفّارة لقتل المؤمن خطأ، ولا تجب الدية، لأنّ المحارب لا يرث شيئاً من المؤمن.
وإن كان المقتول مؤمناً لكن لا من قوم محاربين، بل من قوم بينكم و بينهم ميثاق من الذمّة والأمان، فيجب الأمران: الكفّارة والدية.
وإن أردت توضيح مفاد الآية فاجعل الفقرات الثلاث كلاً تلو الأُخرى:
1.(مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَة...).
2. (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ...).
3. (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ...).
فالمقتول في الفقرتين الأُوليين مؤمن بتصريح الآية، فيكون المقتول في الثالثة أيضاً مؤمناً بحكم وحدة السياق، كما هو الظاهر.
الثاني: إيجاب الكفّارة دليل على كون المقتول مؤمناً
ثمّ إنّ في نفس الآية دلالة واضحة على أنّ المقتول خطأ مؤمن لا كافر ذمّي، وهي إيجاب الكفّارة والتوبة على القاتل في الآية وراء الدية، قال سبحانه: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤمِنَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ).(1115)
ولا كفّارة في قتل الكافر خطأ، ولا توبة إجماعاً.
وقد خاض جماعة من المفسّرين في تفسير الآية فذكروا في مرجع الضمير وجهين دون أن يرجّحوا أحدهما على الآخر:
الأوّل: أنّ المقتول كافر، إلاّ أنّه تلزم الدية على القاتل، لأنّ له ولقومه عهداً.
الثاني: أنّه مؤمن، فعلى قاتله دية يؤدّيها إلى قومه من المشركين، لأنّهم أهل ذمة.(1116)
وقد أطنب الرازي في تفسير الآية(1117) ورجّح كون المقتول، هو المؤمن فيما بين أهل العهد والذمة وقال:
إنّ المراد منه المسلم، وذلك لأنّه تعالى ذكر أوّلاً حال المسلم القاتل خطأ، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثمّ ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمّة، ولا شكّ انّ هذا ترتيب حسن، فكان حمل اللفظ عليه جائزاً، والّذي يؤكد صحّة هذا القول أنّ قوله: (وَإِنْ كانَ) لابدّ من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدّم، والّذي جرى ذكره فيما تقدّم هو المؤمن المقتول خطأ، فوجب حمل اللفظ عليه.
ثمّ إنّ القائلين بأنّ المقتول ذمّيّ، اعترضوا على أصحاب القول الآخر(المقتول مؤمن) بوجوه ثلاثة:
الأوّل: إنّ المسلم المقتول خطأ سواء أكان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمناً خطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ)، فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفاً للشيء على نفسه وانّه لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكّان دار الحرب، فإنّه تعالى أعاده لبيان انّه لا تجب الدية في قتله.
حاصل الإشكال: لو كان المقتول خطأ هو المؤمن كان اللازم الاقتصار بالشق الأوّل، دون ذكر الشق الثالث لأنّه داخل تحته.
ولمّا كان لازم ذلك، هو ترك الشق الثاني أيضاً، لأنّ المقتول فيه أيضاً مؤمن، استدركه وقال بخلاف ما إذا كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب فإنّه تعالى أعاده لبيان انّه لا تجب الدية في قتله.
يلاحظ عليه: بأنّ المقتول في الشقوق الثلاثة هو المؤمن، لكن باختلاف في الدار والأُسرة المنتمي إليها، فالمؤمن المقتول خطأ:
إمّا أن يكون من سكان دار الإسلام ففيه الدية والكفّارة.
أو من سكان دار الحرب ففيه الكفّارة دون الدية. أمّا الأوّل فلأجل كون المقتول مؤمناً، وأمّا الثاني فلأنّه لا يرث الكافر المؤمن.
أو من سكان مواضع أهل الذمّة والعهد.
وإذا اختلفت القيود المؤثرة في الحكم، لا يكون القسم الثالث من قبيل عطف الشيء على نفسه.
الثاني: إذا كان المقتول مؤمناً، فكيف يرثه قومه الكفّار؟! لأنّ المفروض أنّه مؤمن ولكن قومه كفّار لا يرثون بخلاف ما إذا كان المقتول كافراً، حيث يرثه قومه الكافرون.
يلاحظ عليه: أنّه لو قلنا بشمول «لا توارث بين أهل ملّتين» للدية أيضاً يُقيّد إطلاقه بما إذا كان المقتول مؤمناً وقتله مسلم خطأ، فيرثه قومه وإن كانوا كافرين.
على أنّه يمكن أن يكون المراد أنّ أهله المسلمين يرثونه منهم لا كلّهم.
الثالث: أنّ قوله:(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)يقتضي أن يكون من ذلك القوم في الوصف الّذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإنّ كونه منهم مجمل لا يدرى أنّه منهم في أي الأُمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الإجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلّت الآية على أنّه منهم في كونه معاهداً وجب أن يكون ذمياً أو معاهداً مثلهم.
يلاحظ عليه: بأنّ الإجمال كما يرتفع بكون المقتول أيضاً ممّن له الميثاق كقومه، يرتفع بكونه مؤمناً ولكن منهم، من حيث الدم والوطن والعيش بينهم.
وبالجملة: هذه الوجوه، لا تضر بظهور الآية في أنّ المقتول مؤمن لا ذمّيّ كما لا يخفى.
والحاصل: أنّ الآية في عامّة مواضعها بصدد بيان حكم قتل المؤمن، وأنّه على صور ثلاث: إمّا أن يكون من أُمّة مسلمة، أو من قوم عدو محارب، أو من قوم لهم ذمّة، فيجب الأمران في الأُولى والثالثة دون الثانية. بل فيها الكفّارة فقط.
وبذلك يظهر ضعف ما ذيّل به السرخسي كلامه، وقال:
1. إنّه لا يصحّ نسخ الكتاب بالرواية أوّلاً.
2. إنّ الرواية شاذة ثانياً.
3. يُردّ قول سعيد بن المسيب بالرجوع إلى الآية ثالثاً.
وذلك لأنّ الجميع فرع كون المقتول ذمّيّاً، لا مؤمناً.
دراسة سائر الوجوه
قد عرفت عدم دلالة الآية على ما تبنّوه، وإليك دراسة سائر أدلّتهم.
2. رواية ابن عباس
أخرج الترمذي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ودي العامريّين بدية المسلمين وكان لهما عهد من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال أبو عيسى(مؤلف السنن): هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.(1118)
ويكفي في ضعف الرواية أنّ الراوي إباضي، تجنّبه مسلم وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده، إلاّ من حديث أو حديثين، قال عبد اللّه بن الحارث: دخلت على علي بن عبد اللّه(بن عباس) فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحُشّ، فقلت: ألا تتقي اللّه؟! فقال: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي.(1119)
3. ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «دية كل ذي عمد في عمده ألف دينار».
أقول: لم نقف عليه مسنداً في الصحاح والسنن، وعلى فرض الثبوت، فهو منصرف إلى دية المسلم.
وعلى فرض العموم أو الإطلاق يقيّد بما دلّ على أنّه أقلّ من دية المسلم.
4. ما نقل عن علي (عليه السلام)
نقل عن الإمام علي(عليه السلام)أنّه قال: «إنّما أعطيناهم الذمّة وبذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا»، والرواية على فرض صحّة النقل، فإنّما تدلّ على حقن دمائهم وحرمتها، وأمّا تكافؤ دمائهم ومساواتها مع المؤمنين فلا يدلّ عليه كلامه.
كيف؟! وهو الراوي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عدو في عدوه».(1120)
فتخصيص التكافؤ بالمؤمنين لا يخلو من دلالة على حصره بهم. ولو كان هنا تكافؤ في الدماء فلماذا قال: «ألا لا يقتل مؤمن بكافر»؟
5. ما نقله عن الشيخين
ما رواه عن أبي بكر وعمر أنّهما قالا: دية الذمّيّ في مثل دية الحرّ المسلم.
لكن قول الصحابي أو فتواه ليس حجّة على غيره ما لم يرفعه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
مضافاً إلى أنّه معارض بما رواه ابن المسيب من أنّ عمر قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم وفي دية المجوسي بثمانمائة.(1121)
وبه يظهر ضعف الاستدلال بما روي عن عبد اللّه بن مسعود قال: من كان له عهد أو ذمة فديته دية المسلم.(1122) إذ الحديث موقوف غير مرفوع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبالجملة : الروايات عن الصحابة مختلفة متعارضة أوّلاً، وموقوفات ثانياً.
دليل القول بالنصف
ذهبت المالكية والحنابلة إلى أنّ دية الكتابي (اليهودي والنصراني) نصف دية المسلم.
واستدلّ عليه بما رواه أصحاب السنن بألفاظ مختلفة، تنتهي أسانيده إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه، وإليك ما نقلوه.
1. أخرج الترمذي باسناده، عن أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن».(1123)
2. أخرج النسائي، عن سليمان بن موسى ـ و ذكر كلمة معناها ـ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «عقل أهل الذمّة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى».
3. وأخرج بسند آخر، عن أُسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «عقل الكافر نصف عقل المؤمن».(1124)
4. أخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى: بأنّ عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى.(1125)
5. أخرج أبو داود، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«دية المعاهد نصف دية الحرّ».(1126)
قلت: الأسانيد تنتهي في الجميع إلى عمرو بن شعيب، وهو مختلف فيه.
وثّقه: ابن معين وابن راهويه، وقال الأوزاعي: ما رأيت قرشياً أكمل من عمرو بن شعيب.
يقول الذهبي بعد نقل هذه الكلمات:
قلت: ومع هذا القول فما احتجّ به البخاري في جامعه، وقال أبو زرعة: إنّما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جدّه، قالوا: إنّما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها.
وقال عبد الملك الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير وانّما نكتب حديثه لنعتبر به، فأمّا أن يكون حجّة
فلا.
وقال ابن شيبة: سألت ابن المديني، عن عمرو بن شعيب؟ فقال: ... وما روى عمرو عن أبيه عن جدّه، فإنّما هو كتاب وجده فهو ضعيف.(1127) إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تسلب الاعتماد على حديثه.
دليل القول بالثلث
ذهبت الشافعية إلى أنّ دية اليهودي والنصراني والمعاهد، والمستأمن ثلث دية المسلم.
واستدلّ عليه بأمرين:
1. ما رواه البيهقي عن سعيد بن المسيب: انّ عمر بن الخطاب قضى
في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف وفي دية المجوسي بثمانمائة درهم.(1128)
ونقله الترمذي مرسلاً، وقال: وروي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وبهذا يقول مالك بن أنس والشافعي والحنفي.(1129)
يلاحظ عليه: أنّ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، وعلى فرض السماع إنّ فعل الصحابي ليس بحجّة ما لم يسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. ما رواه أيضاً عن عمرو بن شعيب: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فرض على كلّ مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف(درهم).(1130)
يلاحظ عليه: أنّ الحديث موقوف غير موصول، أضف إلى ما ذكرنا ما في عمرو بن شعيب ـ الّذي كان جدّه من الصحابة ـ من الضعف.
دليل القول بالتفصيل
نسب إلى أحمد أنّه قال: إن كان القتل عمداً فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم. حكاه الشيخ في «الخلاف»، ولعله لأجل حمل ما دلّ على أنّ ديته دية المسلم على العمد، وما دلّ على النصف على الخطأ.
وحصيلة الكلام: إنّ ما رواه أهل السنّة في مورد دية الذمّيّ، وما عمل به الخلفاء أو نقل عن الصحابة والتابعين مختلفة، مضطربة جدّاً، لا يمكن الجمع بين الروايات والآثار، إلاّ جمعاً تبرعياً بلا شاهد كما في القول بالتفصيل، ومن لاحظ سنن البيهقي يرى تضارب الروايات والآثار بنحو واضح يسلب الاعتماد عليها.
دراسة المسألة على ضوء أحاديث الشيعة
إلى هنا تمّت دراسة المسألة على ضوء أُصول أهل السنّة، وإليك دراستها على ضوء أُصولنا فنقول:
المشهور هو أنّ دية الذمّيّ هو ثمانمائة، وهناك قولان أو احتمالان آخران:
1. دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم.
2. دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم. (ثلث الدية).
ونسبهما المحقّق إلى بعض الروايات دون أن يذكر لهما قائلاً. وسيوافيك الكلام فيهما بعد الفراغ من بيان أدلّة القول الأوّل.
1
دية الذمّيّ ثمانمائة درهم
اشتهر بين الأصحاب قديماً وحديثاً أنّ دية الحرّ الذمي هو ثمانمائة، ودية الحرّة الذمّيّة نصفها.
ولنذكر بعض الكلمات قبل الروايات:
1. قال المفيد: ودية أعضاء أهل الذمّة بحساب ديات أنفسهم، وهي ثمانمائة درهم للرجال منهم، وأربعمائة للنساء.(1131)
2. قال المرتضى: وممّا انفردت به الإمامية: القول بأنّ دية أهل الكتاب والمجوس، الذكر منهم ثمانمائة درهم والأُنثى أربعمائة درهم.(1132)
3. قال الشيخ: دية اليهودي والنصراني مثل دية المجوسي ثمانمائة درهم.(1133)
4. وقال أيضاً: ودية الذمي ثمانمائة درهم جياداً، أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم.(1134)
5. قال أبو الصلاح: ودية الحرّ الذمّيّ، ثمانمائة درهم وضحاً، ودية الحرة الذمية نصف دية الحرّ الذمي.(1135)
6. قال سلاّر: دية الذمّيّ إن كان رجلاً ثمانمائة درهم، وإن كانت امرأة أربعمائة درهم.(1136)
7. قال ابن البراج: ودية الكافر ثمانمائة درهم.(1137)
8. قال ابن زهرة: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم بدليل إجماع الطائفة.(1138)
9. قال الكيدري: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم.(1139)
10. قال ابن إدريس: ودية الرجل الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من الذهب، ودية نسائهم على النصف من دية ذكرانهم، ودية المجوسي ودية الذمّّي سواء، لأنّ حكمهم، حكم اليهود والنصارى.(1140)
11. قال المحقّق: ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية نسائهم على النصف.(1141)
12. وقال أيضاً: وفي دية الذمّيّ روايات، والمشهور ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.(1142)
13. قال ابن سعيد الحلّي : ودية الحرّ الذمّيّ ثمانون ديناراً والذمّيّة نصفها.(1143) وثمانون ديناراً يعادل ثمانمائة درهم تقريباً.
14. قال العلاّمة الحلّيّ: وأمّا الذمّيّ الحرّ فديته ثمانمائة درهم، سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم أربعمائة درهم.(1144)
15. وقال أيضاً: دية الذمّيّ من اليهود والنصارى والمجوس ثمانمائة درهم، ودية نسائهم على النصف.(1145)
إلى غير ذلك من كلمات علمائنا المتماثلة في اللفظ والمعنى إلى العصر الحاضر.
وقال أخيرهم لا آخرهم الإمام الخميني(قدس سره): دية الذمّيّ الحرّ ثمانمائة درهم، يهودياً كان أو نصرانياً أو مجوسياً، ودية المرأة الحرّة منهم نصف دية الرجل.(1146)
ويدلّ على هذا القول الروايات المتضافرة الّتي تناهز العشر أو تزيد عليها، وهي بين صحاح وحسان وهي على طوائف:
الطائفة الأُولى
دية الذمّيّ ثمانمائة درهم
قد وردت روايات تدلّ على أنّ دية الذمّيّ، أو دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم، دلالة مطابقية أو التزامية، نظير:
1. صحيحة أو حسنة ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): أنّه قال: «دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم».(1147)
2. موثّقة سماعة بن مهران، قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كم دية الذّمّي؟ قال: «ثمانمائة درهم».(1148)
3. صحيحة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دية النصراني واليهودي والمجوسي؟ فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم، ثمانمائة درهم».(1149)
4. معتبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عن دية اليهود والنصارى والمجوس؟ قال: «هم سواء ثمانمائة درهم».(1150)
وفي صدر السند إسماعيل بن مهران، وطريق الفقيه إليه صحيح، وفي أثنائه درست بن أبي منصور، وهو ممّن يروي عنه ابن أبي عمير والبزنطي بطريق صحيح، ولذلك قلنا: «معتبر أبي بصير».
5. خبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر في حديث قال:«دية الذمّيّ ثمانمائة درهم».(1151)
وإنّما وصفناه بالخبر، لتردّد محمد بن قيس بين الثقة والممدوح والمهمل والضعيف. والثقة منهم، هو محمد بن قيس البجلي، ويميّز عن غيره برواية عاصم بن حُميد عنه.
6. صحيح بريد العجلي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل فقأ عين نصراني؟ قال: «إنّ دية عين النصراني أربعمائة درهم».(1152) وهو يدلّ بالملازمة على أنّ دية النفس هو ثمانمائة، لأنّ في العينين دية كاملة.
7. خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن دية اليهودي والنصراني والمجوسي كم هي؟ سواء؟ قال: «ثمانمائة، ثمانمائة كلّ رجل منهم».(1153) ويدلّ بالمفهوم على أنّ دية الأُنثى منهم، تنقص منه.
8. وفي «دعائم الإسلام» عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال:«إذا قتل المسلم اليهودي، أو النصراني، أُدِّب أدباً بليغاً، وغرم ديته، وهي ثمانمائة درهم».(1154)
9. فقه الرضا: «ودية الذمّيّ الرجل ثمانمائة درهم، والمرأة على هذا الحساب أربعمائة درهم».(1155)
الطائفة الثانية
المرتكز عند الصحابة هو ثمانمائة درهم
يستفاد من بعض الروايات أنّ المرتكز لدى الصحابة في دية اليهودي والنصراني هو ثمانمائة درهم، وكان الشك عالقاً بدية المجوسي،نظير:
10. صحيح سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «بعث النبي خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى فوديتهم ثمانمائة درهم، ثمانمائة، وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنّهم أهل الكتاب».(1156)
رواه الشيخ عن ابن أبي عمير وسنده إلى كتبه في «الفهرست» صحيح.
وربّما تضعّف الرواية بأنّ التاريخ لم يسجّل بعث خالد بن الوليد إلى البحرين بينما بعث إلى أماكن أُخرى، والإشكال مبني على تصوّر أنّ المراد من البحرين ما هو المتبادر في عصرنا هذا، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث إنّ المتبادر من «البحرين» في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده، غير المتبادر منه في الأعصار المتأخرة، فإنّه في عصرنا عبارة عن الجزيرة الخاصة التي يحيطها الماء من كلّ جانب، وقد اعترفت إيران باستقلالها، كما اعترفت الأُمم المتحدة به، ولكنّه في عصر الرسول، كان يطلق على منطقة وسيعة. يقول ياقوت الحموي: وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان ـ إلى أن قال: ـ البحرين من أعمال العراق وحدّه من عمان ناحية جُرّفار، واليمامة على جبالها، وربّما ضُمَّت اليمامة إلى المدينة وربّما أُفردت. هذا كان أيّام بني أُميّة ولمّا ولي بنو العباس صيّروا عمان والبحرين واليمامة عملاً واحداً.(1157)
وقد أمدَّنا الجغرافيُّ الهمدانيّ بمعلومات قيّمة عن البحرين، فتحدث عن المدن والقرى ومن يسكنها من القبائل، فمن ذلك قوله: مدينة البحرين العظمى هجر، وهي سوق بني محارب من عبد القيس، ومنازلها ما دار بها من قرى البحرين، فالقطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وسكانها جذيمة من عبد القيس سيدهم ابن مِسْمار ورهطه، ثمّ العُقير من دونه وهو ساحل وقرية دون القطيف من العَطف، وبه نخل، ويسكنه العرب من بني محارب، ثمّ السِّيف سِيْفُ البحر، وهو من أوال، على يوم، وأوال جزيرة في وسط البحر مسيرة يوم في يوم، وفيها جميع الحيوان كلّه إلاّ السِّباع، ثمّ السَّتار وتعرف بستار البحرين، وهي منازل بني تميم فيه متصلة البيضاء وكان بها نخل وسكن، والفطح وهو طريق بين الستار والبحر إلى البصرة، ومن المياه المتصلاة معقلات ثمّ خمس ثم معقلات طويلع وهو عن يمين سنام ثم كاظمة البحور... فالإحساء منازل ودور لبني تميم، ثمّ لسعد من بني تميم، وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب، وعن يمين البحرين ودونها يبرين، والخِنّ، موضع فيه نخل كثير لبني وَدَعة، ويبرين نخل وحصون وعيون جارية وغير جارية وسِبَاخ، والبحرين إنّما سمّيت البحرين من أجل نهرها مُحلِّم ولنهر«عين الجريب».(1158)
وقد بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خالد بن الوليد إلى «بني جذيمة» من بني عامر بن لؤي.(1159) ولعلّه أصاب في سفره هذا بما أصاب، وقد عرفت ما في كلام الهمداني من أنّ القطيف موضع نخل وقرية عظيمة الشأن وهي ساحل وساكنها «جذيمة من عبد القيس».
الطائفة الثالثة
ما يخصّ المجوس بالمساواة بهما
وقد وردت روايات تحكي عن أنّ السائل أو عامة الناس كانوا يعرفون مقدار دية اليهودي والنصراني، ولكن كانوا في شك في دية المجوسي، وأنّها هل تساوي دية الطائفتين أو لا؟ نظير:
11. صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء؟ فقال: «نعم، قال الحق».(1160)والمراد بإبراهيم هو إبراهيم الكرخي من فقهاء السنّة.
12. موثق زرارة قال: سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: «هم من أهل الكتاب ومجراهم مجرى اليهود والنصارى في الحدود والديات».(1161)
والحديثان بصدد بيان التسوية، وأمّا ما هو مقدار الدية، فلا يدلاّن على شيء منه، فيحتمل أن تكون، ديتهم، دية المسلم، أو ثمانمائة، أو أربعة آلاف درهم.
ومع ذلك لا يخلو من إشعار لما هو المشهور، إذ لو كان المراد هو مماثلة ديتهم مع دية المسلم لقال ديتهم كدية المسلم، ويؤيد ما ذكر، صحيحي ابن مسكان وليث المرادي الماضيين (الحديث الأوّل والثالث) فإنّ التعبير في الجميع واحد، وقد جاء التصريح بمقدار الدية في الأخيرين.
الطائفة الرابعة
في أنّ العدول عن ثمانمائة لمصلحة
وقد وردت رواية تعرب عن كون ثمانمائة هو الحكم الشرعي، غير أنّ الإمام يحكم بتغريمه بأكثر منها لصيانة دماء الأبرياء من أهل الذمة، نظير:
13. موثّقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال:«هذا شيء شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّي، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيّين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها».(1162)
والحديث يدلّ على وجود التفاوت بين الديتين، أعني: قوله: «فليعط أهله، دية المسلم». كما أنّ قوله: «ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم» يدلّ على أنّ الحكم الأوّلي والمسلّم بين المسلمين في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده في دية الذميّ هو ثمانمائة، وإنّما عدل الإمام عنه إلى كونها دية المسلم، لمصلحة ملزمة وقد أشار إليها بقوله: «حتى ينكل عن قتل أهل السواد وعن قتل الذمّيّ». ويكون الحكم عندئذ أشبه بالحكم الولائي لدَرء المفسدة لا حكماً شرعياً كليّاً وإن فقد ملاكه.
وسيوافيك فقه الحديث عند الكلام في أدلّة القائلين بالمساواة.
الطائفة الخامسة
قتل المسلم بكافر مع ردّ فاضل الديتين
استفاضت الروايات على جواز قتل المسلم بكافر إذا ردّ فضل دية المسلم، وهي تنفي المماثلة بين الديتين وتثبت وجود التفاوت بين الديتين، وإن لم يعيّن مقدارها، وبالتالي تصلح لردّ القول بالمساواة:
14. روى الكليني بسند صحيح فيه محمد بن عيسى العبيدي ـ وهو أيضاً ثقة على المشهور ـ عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه».(1163)
15. موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة؟ فقال: «هذا حديث شديد لا يحتمله الناس ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ثمّ يقتل به المسلم».(1164)
والمراد فضل ما بين الديتين.
16. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه، وأدّوا فضل ما بين الديتين».(1165)
17. صحيح أبي بصير قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم؟ قال: «تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين، وإن قطع المسلم يد المعاهد خُيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية المسلم، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك».(1166)
ولما كانت هذه الروايات معارضة لما دلّ على أنّ المسلم لا يقاد بكافر(1167) ، صار فقهاء الإمامية أمام هذه الروايات على طوائف:
أ. منهم من ردّ العمل بها كابن إدريس قال: لا يجوز قتل المسلم به مطلقاً، سواء أكان معتاداً لقتل أهل الذمّة أو لا.(1168)
ب. منهم مَن عمل بها على وجه الإطلاق ولم يشترط شيئاً (الاعتياد) كالصدوق في «المقنع» قال: وإن قطع المسلم يد المعاهد، خُيّر أولياء المعاهد، فإن شاءوا أخذوا دية يده، وإن شاءوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صحّ كذلك.(1169)
ج. ومنهم من حملها على المتعوّد لقتل الذميّ، كالشيخ في «النهاية» قال: إذا قتل المسلم ذمّيّاً عمداً، وجب عليه ديته ولا يجب عليه القود، إلاّ أن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود كان على الإمام أن يقيّده به بعد أن يأخذ من أولياء الذمّي ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يردّوا أو لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال.(1170)
ويدلّ على مختار الشيخ ما رواه إسماعيل بن الفضل عن الصادق(عليه السلام)قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء اليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».(1171)
وعلى كلّ تقدير فالروايات صالحة لردّ القول بالمساواة وإن لم تُقدِّر مقدار الدية.
وهذه الروايات المتضافرة مع الإجماع بين المتقدّمين والشهرة من المتأخّرين تُشرف الفقيه على القطع بأنّ دية الذمّي لا تتجاوز عن ثمانمائة، ولأجل إيقاف القارئ على موقف المتأخّرين من الحكم المجمع عليه بين المتقدّمين، نذكر شيئاً من آرائهم.
موقف المتأخّرين من الحكم المشهور
قد عرفت أنّ الرأي السائد بين القدماء إلى عصر العلاّمة هو أنّ دية الذمّي ثمانمائة درهم، ويعلم ممّا ذكره الفقيه المتتبع السيّد العاملي اتّفاق المتأخرين عليه أيضاً.
قال في «مفتاح الكرامة» بعد قول العلاّمة«فديته ثمانمائة درهم»: إجماعاً كما في «الانتصار» و«الخلاف» و«الغنية» و«كنز العرفان»، وهو المشهور رواية وفتوى كما في «كشف اللثام» وأشهر فيهما كما في «الروضة»، والمشهور في عمل الأصحاب كما في «المقتصر»، والمشهور كما في «النافع» و «كشف الرموز» و «المهذب البارع» و«التنقيح» و «ملاذ الأخيار»، وعليه عامّة أصحابنا إلاّ النادر كما في «الرياض».
والأخبار بذلك متضافرة وهي سبعة أخبار أو أكثر وفيها الصحيح والمعتبر، معتضدة بالأصل، والشهرات، والإجماعات، ومخالفة العامة لأنّهم أطبقوا في دية اليهودي والنصراني على خلافنا، واختلفوا على أربعة أقوال: فمن قائل: إنّ ديته ثلث دية المسلم، وقائل بأنّـها نصفها، وقائل: بأنّها دية المسلم، وقائل: إن كان عمداً فديته وإن كان خطأ فنصف ديته.(نعم) وافقنا في المجوسي مالك والشافعي.(1172)
مقتضى الأصل العملي في المسألة
إنّ مقتضى الأصل العملي في المسألة هو البراءة من الزائد على ثمانمائة، لأنّه من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليّين.
فإن قلت: إنّ المقام من قبيل الشك في المحصِّل، لأنّه يعلم باشتغال ذمّته بالدية ويشك في أنّ محقّق الدية هل هو الأقل أو الأكثر؟
قلت: إنّ عنوان الدية كالعنوان المشير إلى ما اشتغلت به ذمّته وليست لها أصالة وموضوعية، والأصل إنّما هو اشتغال الذمّة بما هو مردّد بين الأقل والأكثر.
هذا نظير ما إذا علم أنّه مديون لزيد وقد سجّله في «مذكرة» لكنّه فقدها فانّه لا يُلزم إلاّ بالأقل لا بالأكثر، بتوهم أنّ ذمّته مشغولة بما في «المذكرة»، ولا يحصل اليقين بأداء ما فيها إلاّ بالعمل بالأكثر.
2
ديته دية المسلم
ورد في بعض الروايات أنّ ديته كدية المسلم، ولم نعثر على قائل به من عصر الشيخ إلى عصرنا الحاضر، ونسبه المحقّق في «الشرائع» إلى بعض الروايات وقال:
وفي بعض الروايات: دية اليهودي والنصراني والمجوسي دية المسلم. وفي بعضها: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف. والشيخ(رحمه الله)نزّلهما على من يعتاد قتلهم فيغلِّظ الإمام الدية بما يراه عن ذلك حسماً للجرأة.(1173)
وظاهر ذلك أنّه لم يجد قائلاً به ونسبه إلى بعض الروايات.
ومثله العلاّمة في «التحرير» قال: وفي رواية ديته دية المسلم، وفي أُخرى: أربعة آلاف، وحملها الشيخ على من يعتاد قتلهم فيغلظ الإمام بما يراه حسماً للجرأة عليهم.(1174)
وربّما يتصوّر أنّه نفس خيرة الصدوق في «الفقيه»، وسيوافيك أنّ مختاره في «الفقيه» غير هذا.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ عليه:
1. صحيحة أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«دية اليهودي والنصراني والمجوسي، دية المسلم».(1175)
والشيخ أخذ الرواية من كتاب إسماعيل بن مهران ولم يذكر سنده إلى الكتاب في المشيخة، وطريقه إليه في «الفهرست» ضعيف; ولكن نقلها في «الفقيه»(1176)، وسند الصدوق إليه صحيح، إذ في سنده إليه محمد بن موسى المتوكل وعلي بن الحسين السعد آبادي، وقد ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقة الأوّل، والثاني مؤدِّب أبي غالب الزراري ومعلمه، ولذلك قال الأردبيلي: والرواية بين حسنة في النهاية على ما قال العلاّمة وابن داود، وصحيحة على ما رأيته في الفقيه.(1177)
2. صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«من أعطاه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ذمّة فديته كاملة». قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«وهؤلاء من أعطاهم ذمّة».
وفي نسخة «الاستبصار»: ممّن أعطاهم.(1178)
وجه الدلالة: أنّ زرارة تلقّى قوله: «من أعطاه رسول اللّه ذمّة فديته كاملة» قضيّة خارجية تختص بمن أعطاه شخص الرسول تلك الذمّة، ولذلك عاد وسأله عن المتواجدين في عصره من اليهود والنصارى والمجوس، فأجاب الإمام بأنّهم أيضاً ممّن أعطاه الرسول ذمّة، لأنّه إنّما أعطى المتواجدين من أهل الكتاب في عصره ذمّة، بما هو رسوله سبحانه وتبيان شرعه وحامل وحيه، فلا يختص حكمه بعصر دون عصر.
وبعبارة أُخرى: إنّ حكمه على المتواجدين في عصره كان من باب القضية الحقيقية الّتي يعم الحكم جميع أفراد الموضوع عبر القرون.
ويتجلّى ذلك المعنى بوضوح على نسخة«الاستبصار» حيث جاء فيها «ممّن أعطاهم»، ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاهم لأجل أنّهم من مصاديق الضابطة الكلية في مورد الطوائف الثلاث.
3. ما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن مسلم قتل ذمّياً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد» .(1179)
يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات:
أوّلاً: إعراض الأصحاب عنها، إذ لم نجد مَن أفتى بها، وسيوافيك أنّ الصدوق لم يعمل بها، وانّما أفتى بالتفصيل بين حالات الذمّي.
وثانياً: كيف يمكن لنا طرح الروايات المتضافرة وقد اشتهر العمل بها عبر القرون، والأخذ بروايتين لم يعمل أحد بهما؟!
وثالثاً: احتمال التقية، لما عرفت من أنّه المروي عن ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر وعثمان، ومن التابعين: الزهري، ومن الفقهاء: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، كما مرّ.
ورابعاً: أنّ المهم في المقام ، هو موثّقة سماعة حيث إنّ الإمام قام بتنفيذ التسوية بين المسلم وغيره في زمانه قائلاً: بأنّ هذا شيء شديد لا يحتمله الناس.
والقائل بالتسوية يتمسّك بهذا التعليل ويقول: إنّ التعليل يعمّ زماننا حيث إنّ الناس لا يحتملون كون دية المسلم، عشرة آلاف درهم والذمّي ثمانمائة، مضافاً إلى أنّ منظمة حقوق الإنسان ـ الّتي انضمّ إليها أكثر البلاد الإسلامية ـ تصر على التسوية في الحقوق من دون تمايز بين المتديّن وغيره، ولا بين المسلم وغيره.
يلاحظ عليه:
إنّ قوله: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس» يحتمل وجهين:
1. انّ تقدير دية الذمّيّ بالأقل من دية المسلم ممّا لا يحتمله الناس مطلقاً، سواء كان القاتل عامداً أو خاطئاً، وسواء القتل بنيّة الإفساد وتملّك الأموال أو للتشفّي واستيلاء الغضب عليه.
2. انّ قتل الذمّي لغاية تملّك أراضيه والاستيلاء على أمواله والخروج من مغبّة هذا العمل بأداء ثمانمائة درهم، ممّا لا يحتمله الناس.
فلو كان المراد هو الأوّل، لكان الاستناد إليه صحيحاً، في الخاطئ والعامد، دون ما إذا كان المراد هو الثاني.
ولكن الظاهر غير الأوّل، ويشهد عليه ذيل الحديث: «لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميّين».
حيث إنّ العبارة ظاهرة في أنّ الإمام يندّد بأُناس كانوا بصدد قتل الذميّين وتملّك أراضيهم، والخروج عن مغبّة عملهم بدفع شيء قليل، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الأعمال يورث الفساد والفوضى في المجتمع، ويسلب الأمان عنه، فالإمام يلزم القاتل في هذه الصورة بدفع الدية الكاملة، وأين هذا من الصورتين التاليتين:
1. القاتل الخاطئ الّذي يعلو عليه الحزن لعمله.
2. القاتل العامد، من دون أن يكون الداعي، سفك دمه، وتملّك أمواله وأراضيه، وإنّما قتله نتيجة خلافات انتهت إلى قتل الذمي.
وعلى هذا فليس للفقيه النابه إلاّ الاقتصار بالتسوية في صورة واحدة، أعني: إذا كان الداعي، هو الفساد وإشاعة الفوضى.
ثمّ إنّ الحكم بالتسوية ليس بمعنى نسخ الحكم الشرعي، فإنّ النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)باطل بلا إشكال، بل من باب دَرء الفساد بتغريم القاتل بأكثر ممّا وجب عليه فيصبح حكماً ولائياً.
وخامساً: أنّ هنا جمعاً آخر ذكره الشيخ الطوسي في «التهذيب» وهو: أنّ ما دلّ على المماثلة في مقدار الدية، أو على أربعة آلاف درهم ـ كما في بعض الروايات ـ محمول على مورد المتعوّد لقتل الأبرياء من الذميّين حيث قال: الوجه في هذه الأخبار أن نحملها على من يتعوّد قتل أهل الذمّة، فإنّ من كان كذلك فللإمام أن يلزمه دية المسلم كاملة تارة، وتارة أربعة آلاف بحسب ما يراه أصلح في الحال وأردع لكي ينكل عن قتلهم غيره، فأمّا من ندر ذلك منه فلا يلزمه أكثر من ثمانمائة درهم حسب ما قدّمناه.(1180)
ويدلّ على هذا الجمع حديثان:
1. صحيح إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء، إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم والغش؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم»، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».(1181)
2. نفس موثّقة سماعة الّتي استدلّ بها على المماثلة، فقد جاء فيها قوله:«فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد»(1182)، أي حتّى يتراجع عن القتل مرّة أُخرى.
وحاصل الكلام : أنّ الحكم بالمثل في رواية سماعة مختص بالعامد دون الخاطئ وناظر إلى مَن هو بصدد قتل الأبرياء وأخذ أراضيهم، فلا محيص للإمام في ردعه عن القتل وتراجعه عن الظلم بالحكم عليه بأخذ دية المسلم، حتّى تنطفئ نائرة الفتنة. والتعليل ناظر إلى تلك الصورة، من غير فرق بين كونه حكماً ولائياً أو واقعيّاً. وإن كان الحقّ هو الأوّل، لأنّ الثاني يلازم النسخ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فإن قلت: إنّ مورد التعليل وإن كان ما ذكر، لكنّه يعمّم، كما أنّه يخصّص، فالناس لا يحتملون التفرقة بين الديتين بهذا المقدار الهائل.
قلت: لو صحّ ما ذكر لزم الشطب على قسم من الأحكام السياسية والقضائية والأحوال الشخصية، لأنّ الغربيّين ودعاتهم في الشرق لا يحتملون قطع يد السارق وحدّ الزاني ـ بالرضا ـ ورجم المحصن والمحصنة، والقضاء باليمين، وفصل الخصومة بعلم القاضي، أو كون الطلاق بيد الرجل فقط، فهؤلاء في منأى عن التفكير بمثل هذه الأُمور، أفهل يصحّ لنا تعطيل تلك الأحكام لأجل رفض هؤلاء؟! كلا ولا.
3
ديته أربعة آلاف درهم
وربّما تقدّر ديته بأربعة آلاف درهم الّتي تساوي أربعمائة دينار، ولم نقف على مَن عمل به من الأصحاب، وما نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد، غير هذا القول، بل هو كالصدوق يُفصِّل بين حالات الذمّيّ كما سيوافيك.
ويدلّ عليه خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم».(1183)
قال الصدوق في «الفقيه»: قد روي أنّ دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، لأنّهم أهل الكتاب.(1184)
وفي الفقه الرضوي:«وروي أنّ دية الذمّيّ أربعة آلاف درهم».(1185)
وقال المرتضى: فإن احتج القائل بالمثل بما رواه عمرو بن حزم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في النفس مائة إبل; قلنا: إنّه خبر واحد، ومعارض بأخبار نرويها كثيرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يتضمّن بعضها أنّ الدية النصف، وبعضها أنّ الدية الثلث، فإذا تعارضت الأخبار سقطت.(1186)
وهذه الأخبار الّتي أشار إليها السيّد المرتضى ليست في كتبنا، بل هي مبثوثة في «سنن البيهقي» وغيره على ما عرفت.
يلاحظ على الجميع أوّلاً: بإعراض الأصحاب عنه وما أفتى أحد بمضمونه.
وثانياً: احتمال التقيّة فيه لما عرفت من وجود نفس القول عند العامّة، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم، ودية المجوسي بثمانمائة درهم.(1187)
وثالثاً: أن يكون الحكم بالثلث ولائياً، لعدم تحمّل الناس الحكم الشرعي الواقعي، كما مرّ .
ورابعاً: أن يكون الحكم بالثلث راجعاً إلى العامد ولا يعم الخاطئ.
وخامساً: أن يحمل على المتعوّد قتل الأبرياء من أهل الذمة، ليكون تغريمه هذا المقدار الباهظ رادعاً له عن العمل، كما مرّ.
إلى هنا تمّت دراسة الأقوال والروايات، وعرفت أنّه لا قائل عندنا بالثاني والثالث بصورة أنّه حكم شرعي واقعي.
4
تفصيلان للصدوق وابن الجنيد
ثمّ إنّ هنا تفصيلين: أحدهما للصدوق، والآخر لابن الجنيد، وقد جنحا إلى هذا التفصيل لغاية الجمع بين الروايات.
لكلّ من المثل والثلث وثمانمائة مورد خاص
حاول الصدوق أن يجمع بين الأقسام الثلاثة من الروايات، بحمل كلّ على مورد خاص، وقال ما هذا لفظه:
قال مصنف هذا الكتاب (رحمه الله): هذه الأخبار اختلفت لاختلاف الأحوال وليست هي على اختلافها في حال واحدة، بل لهم أحوال ثلاثة:
1. متى كان اليهوديّ والنصرانيّ والمجوسيّ على ما عوهدوا عليه من ترك إظهار شرب الخمور وإتيان الزِّنا وأكل الرِّبا والميتة ولحم الخنزير ونكاح الأخوات وإظهار الأكل والشرب بالنهار في شهر رمضان واجتناب صعود مساجد المسلمين واستعملوا الخروج باللّيل عن ظهراني المسلمين والدخول بالنهار للتسوّق وقضاء الحوائج، فعلى من قتل واحداً منهم أربعة آلاف درهم، و مرّ المخالفون على ظاهر الحديث فأخذوا به ولم يعتبروا الحال.
2. ومتى آمنهم الإمام وجعلهم في عهده وعقده وجعل لهم ذمّة ولم ينقضوا ما عاهدهم عليه من الشرائط الّتي ذكرناها وأقرّوا بالجزية وأدّوها فعلى من قتل واحداً منهم خطأ دية المسلم وتصديق ذلك. إلى أن قال:
3. ومتى لم يكن اليهود والنصارى والمجوس على ما عوهدوا عليه من الشرائط الّتي ذكرناها، فعلى من قتل واحداً منهم ثمانمائة درهم، ولا يقاد لهم من مسلم في قتل ولا جراحة كما ذكرته في أوّل هذا الباب، والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك، كما جاء في المؤلى إذا وقف بعد أربعة أشهر أمره الإمام بأن يفيء أو يطلق، فمتى لم يفئ وامتنع من الطلاق ضربت عنقه لامتناعه على إمام المسلمين.(1188)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الشيخ الطوسي في الجمع بين المتعوِّد وغيره، المتعوِّد على اختلاف درجاته، أولى ممّا ذكره فإنّه جمع بلا شاهد حيث جعل ملاك الاختلاف في مقدار الدية، مقدار انضباط أهل الذمّة ومدى صلتهم بالإمام وعدمه، وهذا النوع من الجمع، جمع تبرّعي بلا شاهد.

1108 . لاحظ الفقه الإسلامي وأدلّته:6/311، تأليف الدكتور وهبة الزحيلي.
1109 . الخلاف: 5/263، المسألة 77.
1110 . المبسوط:26/ 84.
1111 . هذا يؤيد انّ ما نقلنا من القول بالنصف مطلقاً ذكراناً وإناثاً، خلافاً لما نسبه إليهم الفقيه المعاصر. فلاحظ.
1112 . بداية المجتهد:2/ 414.
1113 . النساء: 92.
1114 . المبسوط:26/ 85.
1115 . النساء: 92.
1116 . التبيان:3/292; مجمع البيان:2/91; وتفسير القرطبي:5/ 325.
1117 . راجع التفسير الكبير: 10 / 235 .
1118 . سنن الترمذي:4/30، كتاب الديات، الباب12، رقم 1404 .
1119 . ميزان الاعتدال:3/94، رقم الترجمة 5716.
1120 . سنن أبي داود: 4 / 181، برقم 4520.
1121 . سنن البيهقي:8/100، باب دية أهل الذمّة.
1122 . سنن البيهقي:8/ 103.
1123 . سنن الترمذي:4/25، كتاب الديات برقم 1413.
1124 . سنن النسائي:4/45، باب حكم الدية.
1125 . سنن ابن ماجة:2/883، باب دية الكافر، برقم 2644.
1126 . سنن أبي داود:4/194، باب 5 دية الذمي، برقم 4583. ولاحظ سنن البيهقي:8/ 101.
1127 . لسان الميزان:3 برقم 6382. ولاحظ بقية كلامه.
1128 . سنن البيهقي:8/ 100.
1129 . سنن الترمذي:4/26، كتاب الديات، ذيل الحديث 1412.
1130 . سنن البيهقي:8/ 101.
1131 . المقنعة: 765.
1132 . الانتصار: 545، المسألة 306، كتاب الحدود والقصاص والديات.
1133 . الخلاف:5/263، المسألة 77.
1134 . النهاية: 749.
1135 . الكافي: 391.
1136 . المراسم: 236.
1137 . المهذب:2/ 486.
1138 . غنية النزوع:2/ 414.
1139 . إصباح الشيعة: 500.
1140 . السرائر:3/ 352.
1141 . شرائع الإسلام: 4 / 1018.
1142 . المختصر النافع: 306.
1143 . الجامع للشرائع: 589.
1144 . قواعد الأحكام:2/ 668.
1145 . تحرير الأحكام: 5 / 568، المسألة 722.
1146 . تحرير الوسيلة:2/503ـ 504.
1147 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
1148 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 9.
1149 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 5 .
1150 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 8.
1151 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .
1152 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 4 .
1153 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 6.
1154 . مستدرك الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
1155 . مستدرك الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
1156 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 7.
1157 . معجم البلدان:1/346، مادة بحرين.
1158 . صفة جزيرة العرب:279ـ 281.
1159 . السيرة النبوية:4/77، باب مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة.
1160 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث1 .
1161 . الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 11.
1162 . الوسائل: ج 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
1163 . الوسائل: ج 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.
1164 . الوسائل: ج 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث3 .
1165 . الوسائل: ج 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 4.
1166 . الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1.
1167 . الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 وغيره.
1168 . السرائر:3/ 352.
1169 . المقنع: 191.
1170 . النهاية: 749.
1171 . الوسائل: ج 19، الباب47 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 .
1172 . مفتاح الكرامة:10/ 368. وقد عرفت أنّ عدد الروايات يُناهز العشر أو يتجاوزها.
1173 . شرائع الإسلام: 4 / 247، كتاب الديات، في أقسام القتل.
1174 . تحرير الأحكام: 5 / 565.
1175 . الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
1176 . الفقيه:4/122، برقم 5257.
1177 . مجمع الفائدة والبرهان:14/ 306.
1178 . الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 3 .
1179 . الوسائل: ج 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
1180 . التهذيب: 10/ 188، برقم 737.
1181 . الوسائل: ج 19، الباب16 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
1182 . الوسائل: ج 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 1.
1183 . الوسائل: ج 19، الباب14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.
1184 . الفقيه:4/ 91.
1185 . مستدرك الوسائل:18/304، الباب11 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.
1186 . الانتصار: 547.
1187 . سنن البيهقي:8/ 100.
1188 . الفقيه:4/123ـ 124.