قائمة المواضيع :
في الاعتكاف
تعريف الاعتكاف
الاعتكاف لغة هو الاحتباس، ويدلّ عليه قوله سبحانه:(هُمُ الّذِينَ كَفروا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَرامِ وَالهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه)(118)، أي أنّ قريشاً صدّوكم عن المسجد أن تطوفوا وتُحلُّوا من عمرتكم كما منعوا الهدي الذي ساقه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصار الهدي معكوفاً، أي محبوساً عن أن يبلغ محلّه، أي منْحَره وهو مكة، لأنّ هدي العمرة لا يُذبح إلاّ في مكة، كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلاّ بمنى.(119) وكأنَّ المعكتف يحبس نفسه في المسجد لغاية قدسيّة.
وأمّا شرعاً فقد عُرف بتعاريف، منها ما اختاره صاحب العروة من اللبث في المسجد بقصد العبادة. والأولى ما في المدارك من أنّه لبث في مسجد جامع مشروطاً بالصوم ابتداءً.(120) لما في الإخلال بذكر الصوم إخلال لما هوالمقوِّم للاعتكاف.
كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وعدمها
هل يكفي صرف التعبّد بنفس اللبث، أو يحتاج إلى ضمّ عبادة أُخرى؟ وبعبارة أُخرى: هل نفس اللبث بنفسه عبادة، أو هو مقدّمة لعبادة أُخرى؟
اللائح من تعاريف القوم هو الثاني، حيث عرَّفه المحقّق بأنّه اللبث المتطاول للعبادة.(121) وعرّفه الشهيد بأنّه لبث في مسجد جامع ثلاثة أيّام فصاعداً صائماً للعبادة.(122) وهو أحد المحتملين من عبارة صاحب العروة والمرتكز في أذهان المتشرّعة حيث إنّ الغاية من احتباس النفس في المسجد وعدم الخروج منه، هو التفرّغ للعبادة والانقطاع عن غيره سبحانه بها.
ولكن ربما يستدل للأوّل بوجهين:
الأوّل: ظاهر الكتاب، قال تعالى :(وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسماعيلَ أَن طَهِّرا بَيْتِيَ للطائِفينَ وَالْعاكِفِين والرُّكَّعِ السُّجُود) (123). والرُّكّع جمع الراكع، كما أنّ السجود، جمع الساجد.
وجه الدلالة هو أنّ في جعل الاعتكاف قسيماً للطواف وللركوع والسجود أي الصلاة وعدّه قبالاً لهما، دلالة واضحة على أنّه بنفسه عبادة مستقلة، وأنّه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضمّ عبادة أُخرى.(124)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره أحد المحتملات، وقد فسر أيضاً تارة بالمقيمين بحضرته، وأُخرى بالمجاورين، وثالثة بأهل البلد الحرام، ورابعة بالمصلّين، وعلى ذلك فالآية بصدد بيان أنّ الحاضر حول البيت بين مرتحل ومقيم، فالأوّل كالطائف والراكع والساجد، والثاني كالعاكف، فيجب على الوالد والولد أي إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)تطهير البيت لكلتا الطائفتين أي المقيم والمرتحل، وأمّا أنّ حقيقة الاعتكاف قائم بنفس الإقامة في المسجد لأجله سبحانه، فليست الآية بصدد بيانها. و يؤيّد ما ذكرنا وهو العاكف بمعنى المقيم، في مقابل المرتحل قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه وَالْمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سواءً العاكِفُ فِيهِ والباد)(125) ، فقد فسر العاكف بالمقيم، والباد بالطارئ الذي ينتابه من غير أهله.(126)
الثاني: الاستشعار من بعض الأخبار، وعمدتها صحيحة داود بن سرحان، قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أُريد أن أعتكف، فماذا أقول؟ وماذا أُفرض على نفسي؟ فقال: «لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».(127)
فإنّ ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولاً وفعلاً، فلم يُجبه (عليه السلام)بأكثر من العزم على اللّبث، وانّه متى خرج لحاجة ملحَّة يعود فوراً بعد قضائها، فلا يعتبر في حقيقته شيء آخر وراء ذلك.
يلاحظ عليه: أنّ السؤال لم يتعلّق بحقيقة الاعتكاف، بل تعلّق بشيء آخر، وهو تحديد الاعتكاف بالنسبة إلى الخروج من المسجد وعدمه، وعلى فرض الجواز فما هو حدّه؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)بحرمة الخروج إلاّ لحاجة، فلو خرج فلا يقعد تحت ظلال حتى يعود إلى المسجد، وأمّا أنّ اللبث تمام حقيقة الاعتكاف فليست الرواية بصدد بيانه.
وقت الاعتكاف
يصحّ الاعتكاف في كلّ زمان يصحّ فيه الصوم، كما لا يصحّ فيما لا يصحّ فيه الصوم، كالاعتكاف في أيّام العيدين أو فيما إذا كان مسافراً لا مقيماً.
نعم، أفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر منه.
أمّا الأوّل فلما رواه السكوني، عن الصادق (عليه السلام)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين».(128)
وأمّا الثاني فلما في صحيحة أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان في العشر الأُولى، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثمّ لم يزل (صلى الله عليه وآله وسلم)يعتكف في العشر الأواخر».(129)
انقسام الاعتكاف إلى واجب ومندوب
ينقسم الاعتكاف إلى واجب ومندوب. فالواجب منه ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك. وقد تقدّم منّا غير مرّة أنّ المستحب لا ينقلب بطروء العنوان الثانوي عليه إلى الواجب، فالاعتكاف مستحب مطلقاً، وإنّما الواجب هو الوفاء بالنذر أو العهد أو اليمين، فالاعتكاف بما انّه مندوب مصداق للوفاء بالنذر، لأنّه نذر أن يأتي بالاعتكاف المستحب، ولو نوى الوجوب لم يف بنذره.
جواز الإتيان عن الميت والحيّ
في جواز الاعتكاف عن الحيّ وجهان. ذهب الشيخ كاشف الغطاء إلى أنّه تجوز نيّته عن الميت والأموات دون الأحياء خلافاً لصاحب الجواهر حيث قوّى الجواز وقال:
لا يقدح ما فيه من النيابة من الصوم التبعي كالصلاة للطواف ونحوها.(130)
وتبعه صاحب العروة حيث قال: ولا يضرّ اشتراط الصوم فيه، فإنّه تبعي، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.
أقول: المرتكز في الأذهان هو عدم جواز النيابة عن الحيّ في الأُمور العباديّة، لأنّ الغاية المتوخّاة منها لا تتحقّق إلاّ بقيام الإنسان بها مباشرة، فقيام الغير بدلاً عن الشخص على خلاف القاعدة، فلا يجوز إلاّ إذا ورد فيه النصّ، كما في النيابة في الحجّ عن الحيّ، وما ذكره من التعليل فهو أشبه بالقياس حيث قيس الصوم في الاعتكاف بالصلاة في الطواف نيابة، وهذا لا يصلح دليلاً، والمهم وجود الدليل العام المجوز للنيابة في الأُمور العبادية وعدمه.
نعم استدلّ على جواز النيابة عن الحي في الأُمور العباديّة بروايتين:
1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن علي، عن الحكم بن مسكين، عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين، يُصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك».(131)
والاستدلال رهن صحّة السند وثبوت الدلالة.
أمّا الأوّل فقد روى أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن محمد بن علي(والمراد هو محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بقرينة أنّه روى عنه البرقي حوالي مائتين وستين حديثاً).(132)
قال النجاشي: كان يكنّى أبا سمينة، ضعيف جداً، فاسد الاعتقاد، لا يعتد في شيء.
روى الكشي عن الفضل بن شاذان انّه أشهر الكذّابين المشهورين.(133)
وهو يروي عن الحكم بن مسكين الذي لم يرد في حقّه مدح ولا ذم سوى أنّ البزنطي وابن عمير يرويان عنه; وهو عن محمد بن مروان المردّد بين البصري الذي هو من رجال الباقر والصادق (عليهما السلام)، والذهلي هو أيضاً من أصحاب الصادق (عليه السلام) الذي له كتاب وتوفّي عام 161 هـ ، وعلى كلّ تقدير لم يرد في حقّهما توثيق. نعم وثّق الذهلي السيد الخوئي لكونه من رجال «كامل الزيارات».
هذا حال السند، وأمّا الدلالة فلاحتمال رجوع ضمائر التثنية كلّها إلى «الميتين» لا إلى الوالدين و إن كان بعيداً.
2. ما رواه ابن طاووس عن كتاب «غياث سلطان الورى» عن الحسين ابن أبي الحسن العلوي الكوكبي من كتاب «المنسك» عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أحجّ وأُصلّي وأتصدق عن الأحياء و الأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال: «نعم تصدق، وصلّ عنه، ولك أجر بصلتك إيّاه».(134)والسند ضعيف جدّاً.
فقد ظهر ممّا ذكرناه عدم قيام دليل على صحّة النيابة في الاعتكاف عن الحيّ.
الشروط اللازمة في صحّة الاعتكاف
الأوّل: الإيمان
فلو أراد منه الإسلام، فقد مرّ أنّه لا يصحّ الصوم من الكافر، وأنّ الاعتكاف مشروط بالصوم، على أنّه جنب غالباً فلا يجوز لبثه فيه; وإن أراد الإيمان بالمعنى الأخص، وهو كونه موالياً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد مرّ أنّه شرط قبول العمل لا صحّته.
الثاني: العقل
فلا يصحّ من المجنون، لعدم قصده وإن كان أدوارياً إذا صادف اعتكافه في دوره، ومنه يظهر حال السكران، ولا من المغمى عليه وإن سبقت منه النية، للفرق الواضح بين النوم والإغماء.
الثالث: نية القربة
وفيها أُمور:
1. إتيان العمل للّه سبحانه المعبَّر عنه بقصد القربة.
2. التعيين إذا تعدّد ما في ذمّته من الاعتكاف، كما فيما لو نذر: إن شفى مريضه، اعتكف; وإن رزق ولداً، اعتكف.
3. عدم اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب وكيفيته إذا نوى.
4. وقت النيّة قبل الفجر.
5. لو نوى الوجوب في المندوب أو العكس.
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر:
1. اشتراط قصد القربة
يشترط في صحّة الاعتكاف قصد القربة، لأنّه عبادة، وروحها هو قصد
التعبّد وإتيان العمل للّه سبحانه، ويشير إليه قوله سبحانه: (انْ طَهّرا بَيْتِي لِلْطائِفينَ وَالعاكِفينَ وَالركَّع السُّجُود)، لظهور كون تطهير البيت لغاية العبادة،
مضافاً إلى كون المعطوف، والمعطوف عليه في الآية من مقولة العبادة ووحدة السياق تقضي كونه كذلك. لكن عرفت أنّه من المحتمل أن يكون المراد من العاكفين، هو المقيمين، لا المعنى المصطلح.
2. قصد التعيين إذا تعدّد ما في وقته
قد تقدم الكلام في ذلك في الفصل الأوّل من كتابنا الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء عند شرح قول السيد الطباطبائي: «ويعتبر فيما عدا شهر رمضان ـ من الواجب أيضاً ـ القصد إلى نوعه، من الكفارة، أو القضاء أو النذر،...» وقلنا هناك ما هذا حاصله:
إنّ اختلاف الآثار يدل على اختلاف الطبائع والقيود المأخوذة فيها، ولذلك تعدّ طبيعة صوم القضاء غير طبيعة صوم الكفّارة، وطبيعتهما غير طبيعة صوم النذر، كما أنّ طبيعة صلاة الظهر غير طبيعة صلاة العصر، لاختلاف آثارهما. (135)
وعلى ضوء ذلك فلو كان ما عليه من الاعتكافين، غير مختلفين في الأثر، فلا يجب التعيين كما في المثال السابق حيث نذر أن يعتكف إن شفي مريضه، ونذر أيضاً أن يعتكف إن رزق ولداً، فيأتي باعتكافين ويسقط ما هو الواجب، لأنّ عليه اعتكافين غير متميزين في الواقع، مثل ما إذا كان عليه درهمان للغير، فيكفي إذا أتى بها للّه سبحانه أو إذا دفع الدرهمين إلى الدائن فإذا كان الواجبان غير متميّزين في الواقع فلا يجب قصد التميّز بإتيان أحدهما لغاية امتثال ذاك النذر والآخر لذلك.
وأمّا إذا كان ما عليه من الواجبين مختلفين في الأثر، فيكون كلّ من
الواجبين متميزاً عن غيره في ذمّته كما في المثالين لكن بتفاوت أنّه نذر أن يعتكف نيابة عن أبيه عند شفاء ولده وعن أُمّه عند رزق الولد، فلا يحسب العمل لواحد منهما إلاّ بالنيّة، ونظيره ما إذا كان عليه اعتكافان أحدهما نيابة عن أبيه والآخر عن نفسه، فإنّ الثاني و إن كان لا يتوقّف على النية لكن الأوّل رهن النية، إذ النيابة من العناوين القصدية.
3. عدم اعتبار قصد الوجه
قد حقّقنا في محلّه أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة سوى الإتيان بها للّه سبحانه، و أمّا قصد وجه العمل من كونه واجباً أو مندوباً فلا يجب، وما استدل لوجوبه غير تام.
وعلى فرض الالتزام بما لا يلزم قال صاحب العروة: ينوي الوجوب في الواجب والندب في المندوب(136)، وما ذكر مبني على أنّ المندوب إذا تعلّق به النذر ينقلب ويصير واجباً، لكن عرفت أنّ انطباق عنوان واجب على أمر عبادي لا يجعله واجباً بل يبقى على ما كان عليه، وإنّما الواجب هو العنوان المنطبق عليه، أعني: الوفاء بالنذر، غير أنّ الوفاء به رهن الإتيان بالاعتكاف المندوب بالذات، وعلى ذلك فليس له إلاّ وجه واحد وهو الندب.
ولا ينافي ذلك، لزوم الاعتكاف في اليوم الثالث مطلقاً حتى لو اعتكف خمسة أيام، وجب السادس وهكذا، لأنّه من أحكام الاعتكاف إذا استمر إلى يومين، نظير إتمام النافلة إذا شرع، على القول به، وإتمام الحجّ بعد الإحرام، مع كون الشروع مستحباً.
4. وقت النية قبل الفجر
أمّا وقت نيته فهو قبيل الفجر، كما هو الحال في الصوم، و الاعتكاف هو اللبث في المسجد صائماً فيكون مبدؤُه مبدأه، إنّما الكلام في صحّة النية أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان، فقد استشكل فيه صاحب العروة، بعد الإجماع على صحته في الصوم، وذلك لأنّّ الأصل هو اعتبار مقارنة النيّة للعبادة، وجواز التقديم من أوّل الليل في الصوم لا يقتضي القول به، لأنّ المكث في المسجد يجب أن يقع على وجه العبادة فلابدّ من المقارنة.
أقول: لا شكّ في عدم صحّة العمل إذا فسِّرت النية بالإخطار بالبال، لعدم وجوده مع كونه نائماً في أوّل الفجر إنّما الكلام في صحّته إذا فسّرت بالداعي المركوز في النفس، والظاهر صحّته، لأنّ من دخل المسجد ناوياً اللبث فيه من الفجر إلى ثلاثة ثمّ نام مع هذه النية، يعد بقاؤه في المسجد عملاً اختيارياً نابعاً عن نيته المستمرة في حالتي اليقظة والنوم، لأنّ لبثه في حالة النوم، وإن كان خارجاً عن الاختيار، لكنّه لأجل انتهائه إلى ما بالاختيار، وهو إرادة اللبث في المسجد للّه سبحانه من أوّل الليل يعدّ فعلاً اختياريّاً مقروناً بالنيّة.
لو نوى الوجوب مكان الندب
لو نوى الوجوب مكان الندب أو بالعكس، فقد فصّل صاحب العروة بين ما إذا كان على وجه التقييد فيبطل، دون ما إذا كان من باب الخطأ في التطبيق. فلو اعتكف ناوياً للوجوب مع كونه مندوباً، على وجه لولا كونه واجباً لما اعتكف فهو من قبيل التقييد، فيحكم بالبطلان، لأنّه ليس بصدد امتثال الأمر الواقعي الذي هو الأمر الندبي، بخلاف ما لو قصد امتثال أمره سبحانه على كلّ تقدير، لكنّه زعم أنّ أمره في المقام هو الأمر الوجوبي على وجه لو وقف على خطئه لعدل إلى قصد الأمر الندبي، فيحكم بالصحّة.
غير أنّك عرفت أنّه ليس لنا إلاّ أمر واحد وهوالأمر الندبي وليس للاعتكاف إلاّ قسم واحد ، ومع ذلك يمكن تصوير التقييد والتطبيق بالنسبة إلى الأمر المتعلّق بالنذر، فلاحظ.
الرابع: الصوم :
وفيه أُمور:
1. لا يصحّ الاعتكاف إلاّ بالصوم.
2. لا يصحّ إلاّممن يجوز له الصوم، فخرج من لا يصحّ منه الصوم.
3. لا يصحّ الاعتكاف إلاّفي زمان يصحّ فيه الصوم، فخرج العيدان.
4. لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس فيه عيداً، ففيه التفصيل بين التقييد والإطلاق.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.
أمّا الأوّل: فهو أمر متفق عليه وفي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «لا اعتكاف إلاّ بصوم».(137)
وفي صحيحه الآخر: «وتصوم مادمت معتكفاً».(138) وغيرهما من الروايات. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وفي التابعين خلق. وقال الشافعي: يصحّ الاعتكاف بغير صوم، ويصحّ أن يفرّد الليل والعيدين وأيّام التشريق بالاعتكاف، وبه قال أحمد.(139)
وأمّا الثاني: أي عدم صحّة الاعتكاف إلاّ ممّن يصحّ منه الصوم، فخرجت الحائض و ا لنفساء والمسافر في غير ما يجوز له الصوم.
أمّا الأُوليان فعدم الصحّة مستند إلى حرمة لبثهما في المسجد، قبل أن يكون مستنداً إلى عدم صحّة صومهما، فكأنّ صاحب العروة ترك التعليل بالذاتي، وعلّله بالعرضي، أمّا الثالث فدليله واضح، فإنّ صحّة الصوم مشروطة بعدم السفر في الأدلّة الشرعية، هذا من جانب.
ومن جانب آخر دلّ الدليل على عدم صحّة الاعتكاف إلاّ بالصوم، ومعنى ذلك أنّ الاعتكاف يكون مشروطاً بالصوم بكلّ قيوده وشروطه.
وقد خالف في ذلك ابنا بابويه فقالا بصحّة الاعتكاف نفلاً في السفر. واختاره الشيخ في المبسوط وقال: المسافر وكلّ من لا تجب عليه الجمعة يصحّ اعتكافه من عبد أو امرأة أو مريض أو مسافر.(140)
وصحّحه ابن إدريس، وقال العلاّمة: الأقرب، الكراهة.
احتج القائل بالصحّة بأنّه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر فجاز صومها في السفر. وأجاب العلاّمة بقوله: نمنع من عدم اشتراط الحضر، فإنّه مشروط بالصوم المشروط بالحضر، وشرط الشرط شرط.
والظاهر ابتناء المسألة على جواز الصوم المندوب للمسافر وعدمه، وقد تقدّم حكمه.
وأمّا الأمر الثالث: أي اشتراطه بزمان يصحّ فيه الصوم فخرج العيدان، فقد ظهر وجهه ممّا سبق، فإنّ صحّة الاعتكاف فرع صحّة الصوم، وصحّته مشروطة بغير هذين اليومين.
وأمّا الأمر الرابع: لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس عيداً.
فقد قال صاحب العروة بالبطلان إذا كان على وجه التقييد بالتتابع، لأنّ الاعتكاف أمر واحد لا يُتبعض، فقد نوى اعتكافاً واحداً لا يصحّ الصوم في بعض أجزائه، على وجه لو لم يكن جزءاً للاعتكاف لما اعتكف.
وهذا بخلاف ما إذا كان على وجه الإطلاق فقد احتمل صاحب العروة أن يكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.
والظاهر عدمه لما عرفت من أنّ الاعتكاف عمل واحد لا يتبعّض، فلو كان الباقي بعد إخراج يوم العيد ثلاثة يكون اعتكافاً جديداً، فإذا كان أقلّ يبطل الاعتكاف فيه.
الخامس: أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيام
في المقام أُموراً أربعة:
1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة.
2. تجوز الزيادة وإن كان يوماً أو بعضه.
3. لا حدّ لأكثره.
4. لو اعتكف خمسة وجب السادس وهكذا.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.
1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة
أقلّ ما ينعقد به الاعتكاف ثلاثة أيّام، قال المحقّق: وقد أجمع علماؤنا على أنّه لا يجوز أقلّ من ثلاثة أيّام، بليلتين، وأطبق الجمهور على خلاف ذلك.(141)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: هذا قول علمائنا أجمع.(142)
وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(143)
وأمّا الجمهور فقد نقل الشيخ أقوالهم في الخلاف وقال:ومن وافقنا في اعتبار الصوم فيه قال: أقلّه يوم وليلة، ومن لم يعتبر الصوم مثل الشافعي وغيره قال: أقلّه ساعة ولحظة. وقال في سنن حرملة: المستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة.(144)
2. جواز الزيادة وإن كان يوماً
تجوز الزيادة على الثلاثة وإن كان يوماً أو بعض يوم. و استدلّ عليه بوجهين:
1.إطلاق أدلّة مشروعيتها من الكتاب والسنّة حيث إنّه لم يُحدَّد إلاّ من جانب القلّة، لا الكثرة، فتبقى الإطلاقات بحالها.
2. موثق أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أُخر».(145) فإنّ مفهوم الذيل جواز الخروج قبل استكمال اليومين بعد الثلاثة، كأن يخرج في اليوم الرابع، فيدلُّ بالدلالة الالتزامية على جواز نيّة الاعتكاف بهذا المقدار من أوّل الأمر.
وفي كلا الوجهين نظر:
أمّا الأوّل، فإنّ ما ورد في المصدرين، ليس بصدد بيان مدته، حتى يتمسّك بإطلاقه.
فهو تارة بصدد بيان كونه مشروطاً بالصوم كما في قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم».(146)
أو زمانه الأفضل كقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):« اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجّتين وعمرتين»(147).
أو مكانه كقوله (عليه السلام): «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(148)
أو لبيان أقله زماناً كقوله: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(149)وليس هناك أمر بالاعتكاف، مجرّداً عن بيان هذه الخصوصيات حتى يؤخذ بإطلاقه بأن يقول:«من اعتكف فله كذا وكذا».
وأمّا الثاني، فهو يدلّ على جواز الخروج قبل إتمام اليومين إذا بدا له الخروج، لا أنّ له أن ينوي عند الاعتكاف الخروج قبل استكمالهما، فما في المتن تبعاً للجواهر(150) من قوله: «وله أن يأتي بالأزيد» محل تأمل.
نعم يمكن الاستدلال بعمل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث اعتكف بعشر في شهر رمضان، فإنّ اليوم العاشر بعد التسعة، كاليوم الرابع بعد الثلاثة، فلاحظ.
3. لا حدّ لأكثره
واستدلّ له بأنّ النصوص متعرضة للتحديد في طرف الأقل من دون تعرض للأكثر، وفيه تأمل، لأنّ عدم التعرض لا يكشف عن عدم التحديد خصوصاً أنّ العبادة أمر توقيفي، لا يصلح التقرب به إلاّ بما ورد في الشرع. وقد مرّ أنّ رسول اللّه اعتكف عشرة أيام، وعشرين، عشراً لعامه وعشراً قضاء لما فاته.(151)
4. لو اعتكف خمسة يجب السادس
ويدلّ عليه موثق أبي عبيدة الماضي، قال في المدارك: ومقتضى هذه الرواية وجوب السادس أيضاً، ويلزم من ذلك وجوب كلّ ثالث، إذ لا قائل بالفصل، وربما كان في الرواية إشعار بذلك.(152) وقد تبع في ذلك جده في المسالك حيث قال:أمّا السادس فهو منصوص خبر أبي عبيدة عن الباقر (عليه السلام): أمّا ما بعده فلعدم القائل بالفرق.(153)
لكن التمسّك في مثل هذه المسألة بالإجماع المركّب، كما ترى وانقلاب العمل المندوب واجباً، يتوقف على الدليل وقد ورد في السادس، دون التاسع والثاني عشر .
ما هو المراد باليوم لغةً وشرعاً ؟
اليوم لغة وعرفاً عبارة عن البياض المتحقّق بطلوع الشمس إلى غروبها لكن دخول ما بين الفجرين، لأجل اشتراط صحّة الاعتكاف بالصوم، وهو محدّد بالإمساك من الفجر الصادق إلى الغروب وأمّا دخول الليلين المتوسطين، فلأنّه المتبادر من العمل المتصل المستمرّ خصوصاً بالنظر إلى ما ورد من عدم الخروج عن المسجد إلاّ لضرورة الدال على دخولهما في الاعتكاف، وأمّا خروج الليلة الأُولى، فلما عرفت من توقف صحّته على الصوم الظاهر في كونه مبدوءاً به، فيخرج الليلة الأُولى، والرابعة مضافاً إلى النص الوارد في الأخير.(154)
كفاية الثلاثة التلفيقية وعدمها
هل تكفي الثلاثة التلفيقيّة بأن تبتدئ من ظهر أوّل شهر رجب إلى ظهر اليوم الرابع منه أو لا؟ فيه وجهان مبنيان على أنّ الاعتبار في أمثال هذه التقديرات، على المقدار، كما هو الحال في مثل أقلّ الحيض وأكثره، وأكثر النفاس وإقامة العشرة والعدّة و مدة الخيار، ونزح البئر وإجارة البيوت والفنادق، وعلى أنّ الوارد في النصوص هو ثلاثة أيّام واليوم عبارة عن بياض بين مطلع الشمس ومغربها، والملفّق من اليومين، ليس يوماً واحداً حقيقة، بل هو يومان ونصفا يوم، فلا تصدق ثلاثة أيّام.
والظاهر هو الثاني لما تقدّم من ظهور الأدلة باقتران الاعتكاف بالصوم الذي لا يكون إلاّ في تمام اليوم، فعدم الاكتفاء هو الأقوى.
السادس: أن يكون في المسجد الجامع
قال الشيخ في الخلاف: لا ينعقد الاعتكاف لأحد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ إلاّ في المساجد الأربعة، التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي في القديم والجديد: يكره لها أن تعتكف في غير مسجد بيتها، و هو الموضع المنفرد في المنازل للصلاة. وبه قال أبو حنيفة.(155)
وحكى ابن قدامة في المغني عن حذيفة: أنّ الاعتكاف لا يصحّ إلاّ في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(156)
أقول: المسألة عندنا ذات أقوال:
1. لا يصحّ إلاّ في مسجد أقام الإمام فيه الجمعة
وقال الشيخ والسيد المرتضى: لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في أربعة مساجد كما عرفت. وبه قال الصدوق في الفقيه، وسلاّر، وأبو الصلاح، وابن البراج، وابن حمزة، وابن إدريس.
وجه التخصيص: انّه قد أقام صلاة الجمعة فيها إمام عدل كالنبي والوصي، وذكر ابن بابويه مكان مسجد البصرة، مسجد المدائن، ولكنّه في غير محلّه، إذ لو كان الملاك هو إقامة الجمعة، فلم يصل الحسن المجتبى (عليه السلام)فيه إلاّ صلاة جماعة لا جمعة.(157)
2. ما صلّى فيه الإمام جماعة
لا يجوز الاعتكاف إلاّ في مسجد صلّى فيه الإمام جماعة، ولذلك عطف ابن بابويه مسجد المدائن على الأربعة ـ كما سيوافيك ـ وإلى ذينك القولين أشار المحقّق وقال:
وضابطه كلّ مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة، ومنهم من قال جمعة.(158)
3. المسجد الجامع
لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في المسجد الجامع. قال المفيد: ولا يكون الاعتكاف إلاّ في المسجد الأعظم، وقد روي أنّه لا يكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي.(159) وهو خيرة المحقّق قال: فلا يصحّ إلاّ في مسجد جامع.(160) وهو خيرة أكثر المتأخرين.
4. مساجد الجماعات
يظهر من ابن أبي عقيل أنّه يجوز الاعتكاف في مساجد الجماعات. قال: الاعتكاف عند آل الرسول (عليهم السلام)لا يكون إلاّ في المساجد. وأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام ـ إلى أن قال: ـ و سائر الأمصار، مساجد الجماعات.(161)
وعلى كلّ تقدير فالفرق بين القولين الأوّلين قليل جداً، إذ على الأوّل (شرطية إقامة الإمام المعصوم الجمعة) يحدّد جواز الاعتكاف بالمساجد الأربعة، وعلى الثاني (شرطية إقامة الجماعة فيه) يعمّ الجواز مسجد المدائن أيضاً، فإنّ المروي أنّ الحسن (عليه السلام)صلّى فيه جماعة لا جمعة. فمع غضّ النظر عن الفرق القليل بين القولين ندرس دليلهما معاً فنقول:
استدل للقولين بوجوه ثلاثة:
الأوّل: رواية عمر بن يزيد ورواها المشايخ الثلاثة:
1. روى الكليني بسند صحيح ـ إلاّ أنّ فيه سهل بن زياد ـ قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: «لا اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل صلاةَ جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة و مسجد مكة».(162)
2. روى الشيخ في التهذيب ـ مضافاً إلى ما نقله الكليني ـ عن علي بن الحسن بن فضّال، عن محمد بن علي، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد مثل ذلك.(163)
وذكر السيد الخوئي أنّ الطريق معتبر، لأنّ المراد بـ«محمد بن علي» الواقع في السند، هو محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب.(164)
وفيه تأمّل، لأنّ الراوي عنه هو علي بن الحسن بن فضّال الذي كان من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)المتوفّى عام 254 هـ ، والعسكري (عليه السلام)المتوفّـى عام 260 هـ ، وأمّا محمد بن علي بن محبوب فقد عدّه الشيخ في رجاله ممن لم يرو عن الأئمّة وقال: روى عنه أحمد بن إدريس (المتوفّى عام 306 هـ) ومحمد بن يحيى العطار.
هذا من جانب و من جانب آخر أنّهما يرويان أيضاً عن محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة، المتوفّـى حوالي 290هـ ، فيكون محمد بن علي بن محبوب في مرتبة صاحب النوادر.
وأمّا علي بن الحسن بن فضّال، فهو من أصحاب الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، فلو لم يكن متقدّماً عليه في المرتبة فهما معاصران.
وممّا يشهد على خلاف ما ذكره أنّ محمد بن علي بن محبوب يروي عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال الذي هو أخو «علي بن الحسن بن فضّال» وإن كان أكبر منه. ولعلّ المراد هو محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة واستثناه ابن الوليد من اسناد نوادر الحكمة.
3. رواه الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب وسنده إليه صحيح، وإن كان في طريقه إليه محمد بن موسى المتوكّل لكن ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقته، ووثّقه ابن داود والعلاّمة، وقد صحّح العلاّمة الطريق في الخلاصة.(165)
هذا هو حال السند وأمّا الدلالة: فالظاهر أنّها تامّة، فإنّ الإمام العادل
وإن كان كالشاهد العادل يطلق على كلّ إمام عادل مقابل إمام فاسق، لكن
نفي البأس عن الاعتكاف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة
ومكة الدالّ على وجوده في غيرها دليل على أنّ المراد هو الإمام المعصوم، وذلك لأنّ نفي البأس عن الاعتكاف في هذه المساجد دون غيرها، لو كان بملاك إقامة الإمام المعصوم الجماعة أو الجمعة فيها، فيكون قرينة على أنّ المراد من الإمام العادل في الصدر، هو الإمام المعصوم لا كلّ من يجوز به الاقتداء، إذ لو كان الملاك هو الأعم من المعصوم وغيره، فما وجه تخصيص نفي البأس به؟
وبذلك يظهر ضعف ما أُورد على الاستدلال بأنّ الإمام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق إلاّ من يصحّ الاقتداء به في الجماعة في مقابل من لا يصحّ كحكام الجور.(166) وذلك لما عرفت من أنّه لو أُريد ذلك، كان نفي البأس عن خصوص الأربعة دون غيرها بلا وجه، إذ ما أكثرَ المساجد التي أقام الإمام العدل فيها جماعة.
أضف إلى ذلك: أنّ لازم ذلك جواز الإقامة في خصوص مسجد صلّى فيه الإمام العدل، وهو شرط لم يقل به أحد، ولذلك التجأ (قدس سره) إلى حمله على الاستحباب، وهو كما ترى.
الثاني: الفقه الرضوي:
وصوم الاعتكاف في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن، ولا يجوز الاعتكاف في غير هذه المساجد الأربعة، والعلّة في ذلك انّه لا يعتكف إلاّ في مسجد جمع فيه إمام عادل، وجمع رسول اللّه بمكة والمدينة وأمير المؤمنين في هذه المساجد الثلاثة ، وقد روي في مسجد البصرة.(167)
الثالث: مرسلة المفيد:
روي أنّه لايكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، قال: وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (عليه السلام). ورواه الصدوق أيضاً في المقنع مرسلاً.(168) ولعلّ مصدر المرسلتين هو صحيحة عمر بن يزيد بقرينة تقارب ألفاظهما في بعض المقاطع.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من الآيات والروايات الواردة في الاعتكاف أنّه تشريع عالميّ لا يختص ببلد دون بلد كما هو مقتضى قوله سبحانه: (وَلا تُباشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَقْرَبُوها) (169)، لكن لازم تخصيصه بالمساجد الأربعة أو الخمسة هو عدم تمكن المسلم منها إلاّ إذا كان من أهلها أو سافر إليها وأقام فيها عشرة أيّام وهو كما ترى، فلا محيص من حمل الحديث على الاستحباب المؤكّد في المساجد الأربعة.
وأمّا القول الثالث: عدم جواز الاعتكاف إلاّ في المسجد الجامع، فقد ورد في غير واحد من الروايات:
1. صحيح الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(170)
2. معتبر داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«إنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد جامع».(171)
3. خبر علي بن النعمان، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن الاعتكاف ـ إلى أن قال: ـ «لا أرى الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد جامع».(172)
والموجود في التهذيب(173) هو لفظ «جامع» بلا ضم «جماعة» كما في الوسائل المطبوعة.
وأمّا القول الرابع: أي مساجد الجماعات، فقد اتخذ الموضوع المسجد الذي تقام فيه صلاة الجماعة كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يصلح العكوف في غيرهاـ يعني: مكة ـ إلاّ أن يكون في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أو في مسجد من مساجد الجماعة».(174)
وصحيحة يحيى بن العلاء الرازي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة».(175)
وفي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن الاعتكاف؟ قال: «لا يصلح الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة، وتصوم ما دمت معتكفاً».(176)
ولكن الظاهر أنّ المراد من مسجد الجماعة هو الجامع لمختلف الناس، في مقابل مسجد القبيلة أو المحلّة، فبما أنّها وصف للمسجد يكون المراد منه، المسجد الجامع، وإلاّيكون القيد زائداً، لأنّ المسجد بما هو هو معدّ للجماعة ، قلّت أو كثرت.
فتلخّص أنّ الأقوى، هو القول الثالث الذي اختاره المفيد، وأمّا ما رواه العلاّمة في «المنتهى» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا اعتكاف إلاّ بصوم، وفي المصر الذي أنت فيه».(177) ففيه مضافاً إلى ضعف سنده ـ لأنّ العلاّمة نقلها عن جامع البزنطي بالوجادة من دون أن يذكر سنداً إليه ـ أنّ الحديث مجمل، ولعلّ المراد من حصر الاعتكاف في المصر الّذي هو فيه، هو النهي عن الاعتكاف في السفر، والسائل أسديّ بالولاء، كوفي الموطن، وإلاّ يكون الحصر غير صحيح لصحة الاعتكاف في غير مسجد الكوفة كما في المساجد الثلاثة.
السابع: في إذن السيد والزوج والوالدين والمستأجِر
في المسألة فروع:
1. يشترط في صحّة اعتكاف العبد إذن سيده إلاّ في العبد المكاتَب الذي كان اعتكافه اكتساباً لأداء دينه لمولاه، وإلاّ العبد المبعّض الذي هاياه وقاسمه مولاه فيجوز الاعتكاف في نوبته بلا حاجة إلى الإذن، بل مع المنع عنه.
2. إذن المستأجِر بالنسبة إلى أجيره الخاص.
3. إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقّه.
4. إذن الوالد والوالدة بالنسبة إلى الولد.
وإليك دراسة الكلّ واحداً تلو الآخر.
أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّه لا يملك شيئاً، فحركاته وسكناته للمولى، فصرفها في الاعتكاف تصرف في حقّه ومالِه، ولا يصحّ إلاّ بإذنه من غير فرق بين القِنّ والمدبَّر وأُمّ ولد. وأمّا المكاتب فالمبعّض منه يجوز إذا هاياه مولاه وقاسمه بأن جعل أُسبوعاً له وأُسبوعاً للعبد، فيجوز في نوبته، و غير المبعَّض، يجوز إذا كان الاعتكاف اكتساباً لأداء دينه، ويصح حتى مع المنع، لأنّ ذلك مقتضى عقد المكاتبة.
قال الشهيد: والمبعض كالقنّ، نعم لو هاياه مولاه واعتكف في نوبته فالأقوى الجواز مالم يؤدِّ إلى الضعف في نوبة السيد.(178) وعلى كلّ تقدير فعدم الابتلاء بالموضوع يغنينا عن بسط الكلام فيه.
أمّا الثاني: فقد فصل صاحب العروة بين الأجير الخاص وغيره. فاعتبر في الأوّل في صحّة الاعتكاف إذن المستأجِر، دون الثاني، لأنّ الأجير الخاص أشبه بالعبد فإنّ منافعه له كخادم البيت و الموظف في الدوائر، أو العامل في المصانع فقد ملك المستأجر، ما يصرفه الأجير في الاعتكاف اللّهمّ إلاّ إذا لم يكن منافياً للاعتكاف، كما إذا صار أجيراً لعمارة المسجد و حفر بئره أو كنسه من الأعمال التي يقوم بها العامل في المسجد، وأمّا الأجير غير الخاص كما إذا آجره للسفر في وقت خاص فخالف واعتكف، فبطلان الاعتكاف يتوقف على أنّ الأمر بالشيء كالسفر مقتض للنهي عن ضدّه كالاعتكاف، وأنّ مثل هذا النهي موجب للفساد و كلاهما ممنوعان، وعلى فرض التسليم يمكن تصحيح الاعتكاف عن طريق الترتب بأن يكون مأموراً بالوفاء بالعقد، و إن عصى فبالاعتكاف.
وأمّا الثالث: فلأنّ الاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد ثلاثة أيام هذا من جانب، و من جانب آخر يحرم عليها الخروج عن الدار و المكث خارجه بلا إذن الزوج، فيكون المكث في المسجد، منافياً لحقّه، فيكون مبغوضاً لا يمكن التقرّب به.
نعم الخروج من البيت بما جرت عليه العادة على نحو لا يعد منافياً لحقّه، كالخروج لشراء ما تحتاج إليه، أو لزيارة الوالدين، أو الحرم الشريف، خارج عن حريم النهي في صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا رسول اللّه ما حقّ الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه، ولا تعصيه، ولا تُصدِّق من بيته إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه ـ إلى أن قال: ـ ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه».(179)
نعم لو لم يكن المكث في المسجد منافياً لحقّه، كما إذا كان المسجد سكناً لها ، يصح اعتكافها بلا إذنه، بل مع نهيه.
وأمّا الرابع: أي إذن الوالد والوالدة في اعتكاف الولد إذا كان مستلزماً لإيذائهما، فهو أمر قابل للتأمل، لأنّ الحاصل من الآيات التالية، هو وجوب المعاشرة والمصاحبة الحسنة معهما، والإحسان إليهما ، قال سبحانه: (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَينِ إِحْساناً).(180)
(وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلاَ تَقُلْ لَهُما أُفّ ولاَ تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ
لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغِيراً
).(181)
(وَوَصَّيْنا الإِنْسانَ بِوالدَيْهِ حُسْناً). (182)
(وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنيا مَعْرُوفاً).(183)
والآيات تدلّ على وجوب حسن المعاشرة والإحسان إليهما، وأمّا وجوب إطاعتهما في غير الحرام مطلقاً، ولو كان على ضرر الولد، ولغير صالحه فلم يدلّ عليه دليل.
فإن قلت: دلّت الآية على حرمة التأفيف والنهر والزجر، وبوجه أولى الضرب، فيكون الجامع هو حرمة إيذائهما، فإذا كان الاعتكاف سبباً له فيحرم، فيكون مبغوضاً، وهو لا يصلح للتقرّب.
قلت: القدر المتيقن هو حرمة إيذائهما في الأُمور التي يرجع إليهما في مجال المعاشرة والمصاحبة، وأمّا ما لا يرجع إليهما من الأُمور التي تسبّب إيذاءهما، فلا دليل على وجوب الإطاعة، فالأولاد أحرار في انتخاب المهنة والزوجة، والسير والسفر وإن صار سبباً لإيذائهما، وعلى ضوء ذلك فيصحّ اعتكافه من دون اعتبار إذنهما، بل مع نهيهما. واللّه العالم.
الثامن: استدامة اللبث في المسجد
في المقام فروع:
1. يبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد عالماً كان أو جاهلاً إلاّ بالأسباب المبيحة له.
2. لو خرج ناسياً أو مكرهاً فلا يبطل.
3. يجوز الخروج لضرورة .
4. حكم الاغتسال في المسجد بلا تلويث.
5. لا بأس بإخراج بعض بدنه إذا صدق اللبث في المسجد.
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر:
1. بطلان الاعتكاف بالخروج عن المسجد عمداً
وهو موضع اتفاق فتوى ونصاً. قال الشهيد: ولزوم المسجد، فلو خرج بطل إلاّ لضرورة.(184)
وقال في الحدائق: واستدامة اللبث في المسجد، فلو خرج بغير الأسباب المبيحة بطل اعتكافه، وهو إجماع منهم كما صرح به غير واحد منهم.(185) وتدل عليه روايات:
منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ إلى الجمعة أو جنازة أو غائط».(186)
والصحيحة كغيرها ظاهرة في الخروج الاختياري دون الإكراهي والاضطراريّ، لكن إطلاقه يعمُّ العالم والجاهل بكلا قسميه ، لكن يمكن تصحيح العمل في الجاهل القاصر دون المقصّر، برفع وجوب اللبث مادام جاهلاً أو رفع جزئيته مادام كذلك بحديث الرفع(بشرط أن لا يطول زمن الخروج بحيث يخرج عن كونه معتكفاً) فإذا علم وجب العود وإلاّ يبطل الاعتكاف.
فإن قلت: إنّ رفع الوجوب أو الجزئية في تلك الحالة لا يستلزم وضع الباقي وتعلّق الحكم به، لأنّ الحديث حديث رفع لا وضع.
قلت: إنّ تعلّق الوجوب بالباقي إنّما هو بالدليل الأوّلي المتعلّق بالموضوع، الصادق على الفاقد والواجد، لأنّ المفروض أنّ الموضوع ليس قيداً مقوماً وركناً يرتفع الموضوع بارتفاعه، فإذا صدق على الباقي يتعلّق به الحكم قطعاً.
فإن قلت: إنّ مفاد حديث الرفع، حكم ظاهري وليس في مرتبة الأدلّة الواقعية، فيكون الرفع مخصوصاً بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة، لأنّ الحكومة ظاهرية، وإلاّ فالواقع باق على حاله ولا يتغيّر ولا يتبدل بتاتاً، فمع انكشاف الخلاف لا مناص من الإعادة، والاجتزاء بالناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل كما في مورد الصلاة فيما عدا الأركان بمقتضى حديث «لا تعاد».
قلت: إنّ حديث الرفع وإن كان حكماً ظاهرياً وارداً في حقّ الجاهل ولا يعم حالة العلم بوجوب ما جهل سابقاً، لكن القول بإجزاء الناقص عن الكامل، إنّما هو لأجل الملازمة بين الأمر بالعمل بالأمارة أو الأصل في امتثال أمر المولى، والاجتزاء بالمأتي به. مثلاً إذا أمر المولى بصنع معجون مركب من عدة أجزاء، ثمّ قال: إذا شككت في كون شيء جزءاً أو لا، فاسأل الصيدليّ واتّبع قوله، فمعنى ذلك أنّه اكتفى في تحصيل مقاصده بما أدّى إليه الطريق الذي عيّنه، مع علمه بأنّه ربّما يُخطئ، ولذلك لو امتثل العبد على النحو الذي بيّنه المولى، يعد ممتثلاً ومعذوراً في ترك ما ترك.
و لذلك، قلنا بالإجزاء مطلقاً في مورد الأمارات والأُصول، خلافاً للمتأخّرين حيث اقتصروا في القول بالإجزاء في مورد الأُصول دون الأمارات.
و بما أنّ الإجزاء في هذه الصورة وقع موقع المناقشة من جانب العلمين السيد الحكيم والسيد الخوئي ـ قدس اللّه أسرارهما ـ نأتي بنص المناقشة وما يمكن أن يكون حلولاً لها.
أ. انّ الحديث المذكور ليس في مرتبة الأدلّة الواقعية كي تلحظ النسبة بينها، لأنّ المفروض كونه حكماً ظاهرياً، وهو في غير مرتبة الواقع، وإلاّلزم انتفاء الشكّ بالواقع، وهو خلف.
يلاحظ عليه: أنّ حديث الرفع لاختصاصه بموضوع الشكّ لا يتصرف في موضوع الأحكام الواقعية لتأخّر رتبته عن رتبة الأدلّة الواقعية، ولكنّه يؤثّر في رفع الشرطية أو وجوب اللبث في حالة الجهل وهذا أمر لا سترة فيه.
و أمّا الإجزاء والاقتصار بالمأتيّ به، فهو ليس وليد الأصل، وإنّما هو نتيجة وجود الملازمة بين الإجزاء والأمر بالعمل بالأمارة أو بالأصل في امتثال الأمر الواقعي، فهذا الأمر يلازم الإجزاء في نظر العقلاء، وانّ المولى اكتفى في امتثال أوامره وتحقّق أغراضه بما أدّت إليه الأمارة أو الأصل الذي أمر به في تحصيل أجزاء المأمور به وشرائطه، فلو أمر المولى عبده بتحضير معجون مركب من أجزاء ثمّ أمر بالرجوع إلى أهل الخبرة من أجل معرفة الأجزاء الداخلة في المعجون المذكور ، فامتثل العبد ثمّ بان الخطأ في المعلومات التي أدلى بها أهل الخبرة، حينها يعدّ العبد ممتثلاً. وأمّا اقتصار المولى بالمأتي به لمصلحة موجودة فيه، وذلك لأنّ قول الثقة يوافق الواقع 95% ويخالف 5% فلأجل التسهيل وإيجاد الرغبة في الناس اقتصر بهذا المقدار من الموافقة وغضّ النظر عن المخالفة.
وحاصل الكلام: أنّ الدال على الإجزاء ليس هو الأصل بل أمر المولى بالعمل به الملازم عرفاً للإجزاء واقتصار المولى بما أدّى إليه الأصل.
ب. أنّ الوجوب على تقديره ارتباطي، فهو كما يتلازم في مقام الثبوت والسقوط واقعاً، كذلك يتلازم في مقام السقوط والثبوت ظاهراً، فرفعه في مقام الظاهر بالنسبة إلى المجهول رفع بالنسبة إلى سائر الأجزاء، لما عرفت من الملازمة في السقوط والثبوت ظاهراً و إلاّ كان خلفاً.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الملازمة بين المقامين ثبوتاً وسقوطاً إنّما يرجع إلى الأُمور التكوينية المرتبطة المحصِّلة لطبيعة مادية، فالأجزاء متلازمة ثبوتاً في إيجاد الطبيعة وسقوطاً في انعدامها.
وأمّا الأُمور الاعتبارية، فمعنى كون الواجب ارتباطيّاً أنّ الأجزاء لا تنفع في تحصيل الملاك التام إلاّ باجتماعها معاً. ولكنّه في حدِّ نفسه لا يمنع من أن يقتصر المولى بالناقص عن الكامل في موضع الجمل لمصلحة كاملة في تقبل هذا النوع من الامتثال.
ج. أنّ رفع الجزئية عن اللبث مرجعه إلى رفع الأمر المتعلّق بالمركب منه فإذا كان هذا الأمر مرفوعاً، فلابدّ من دليل يثبت تعلّق الأمر بالباقي ليحكم بصحته بعد أن لم يكن شأن الحديث إلاّ الرفع دون الوضع.
يلاحظ عليه: أنّ تعلّق الأمر بالمركب الفاقد، ليس مستنداً إلى أصالة البراءة بل إلى الإطلاقات حيث إنّها كما تصدق على الواجد، تصدق على الفاقد.
د. هذا الرفع مخصوص بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة، لأنّ الحكومة حكومة ظاهرة وإلاّ فالواقع باق على حاله ولا تغير ولا تبدّل فيه بتاتاً.
يلاحظ عليه بما عرفت من أنّ الرفع و إن كان مخصوصاً بحال الجهل، ولكن الملازمة العرفية أوّلاً وانطباق العنوان على الأجزاء الباقية ثانياً يكفي في سقوط الأمر بعد الإتيان بالباقي حتى مع ارتفاع الجهل.(187)
هذا وقد تكرر منّا نقل هذه الشبه وأجوبتها في بعض محاضراتنا أيضاً.
2. لو خرج ناسياً أو مكرهاً
إذا خرج ناسياً أو مكرهاً، فقد علم حكمهما ممّا ذكرناه في الخروج جهلاً عن قصور لا عن تقصير، لأنّ جزئية اللبث في المسجد تكون مرفوعة مادام ناسياً أو مكرهاً مرفوعاً بنفسها أو بمناشئها، أعني: الوجوب المتعلّق بلبث هذا المقدار من الزمان، فيتعلّق الحكم بالباقي، لأجل صدق الموضوع على الفاقد.
إنّ الأمر في مورد النسيان والإكراه أسهل من صورة الجهل، لأنّ الرفع في صورة الجهل أصل شرعي وضع لبيان تكليف المكلّف في حالة الشكّ والجهل، بخلافه في تينك الحالتين، فإنّه رفع واقعيّ و دليل اجتهادي ثانوي يتصرف في لسان الدليل الاجتهادي الأوّلي ويكون حاكماً عليه حكومة عامة العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية من دون أن تتوجه إليه، مناقشات العلمين في صورة الجهل والشك.
وأمّا الاضطرار فجواز الخروج منصوص كما سيوافيك.
3. جواز الخروج لضرورة عقلاً أو شرعاً أو عادة
لا شكّ في جواز الخروج لضرورة عقلاً ، كقضاء الحاجة من بول أو غائط; أو شرعاً، كالاغتسال للجنابة والاستحاضة; إنّما الكلام في جواز الخروج للضرورة عادة، فقد جوّز المصنِّف الخروج حيث قال:«أو عادة». و أمّا الوارد في النصوص فكالتالي:
ففي صحيحي داود بن سرحان وصحيح الحلبي: «إلاّ لحاجة لابدّ منها».(188)
وفي صحيح عبد اللّه بن سنان: «ولا يخرج المعتكف من المسجد إلاّ في حاجة».(189) ومقتضى صناعة الاجتهاد، تقييد المطلق بالمقيّد، فيجوز في كلّ مورد يعدّ من الضروريّات بخلاف الخروج لكلّ أمر مندوب الذي لا يعد أمراً ضروريّاً عرفاً فلا يجوز إلاّما قام الدليل بالخصوص على جوازه، فقد ورد الخروج في عيادة مريض أو مشايعة جنازة في صحيحي الحلبي وعبد اللّه بن سنان.
وهناك احتمال آخر أنّ خروج هذين من باب المثال، والموضوع هو كلّ عمل مندوب ومستحب شرعاً، وعلى ذلك يكون الموضوع أوسع من اللابدية العرفية. والذي يقوِّي ذلك الاحتمال خبر ميمون بن مهران ، قال: كنت جالساً عند الحسن بن علي (عليهما السلام)، فأتاه رجل فقال له: يابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّ فلاناً له عليّ مال و يريد أن يحبسني، فقال: «واللّه ما عندي مال فأقضي عنك»، قال: فكلّمه، قال: فلبس (عليه السلام)نعله، فقلت له: يابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنسيت اعتكافك؟ فقال له: «لم أنس ولكنّي سمعت أبي يحدّث عن جدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبد اللّه عزّ وجلّ تسعة آلاف سنة صائماً نهاره، قائماً ليله».(190)
ولكن الحديث ضعيف، إذ لم يرد أي توثيق لميمون بن مهران، مضافاً إلى أنّ في طريق الصدوق إليه عدة رجال، وهم بين مهمل وضعيف، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به.
وعلى كلّ تقدير، فالخروج الجائز إنّما لا يقدح إذا كان يسيراً لا يوجب سلب عنوان الاعتكاف عنه، وإلاّ كما إذا استوعب تمام النهار، يبطل لانتفاء الموضوع.
4.حكم الاغتسال في المسجد
إذا وجب عليه الغسل، فهل يجوز له الاغتسال في المسجد؟ نقول للفرع صور:
1. أنّ الحدث الموجب للغسل إذا كان على وجه لا يحرم معه المكث في المسجد كمسِّ الميت، فلا إشكال أنّه يجوز إذا لم يضرّ المسجد أو لم يكن هتكاً له.
2. إذا كان الحدث الموجب للغسل موجباً لحرمة اللبث والعبور، كالجنابة بالنسبة إلى المسجدين، فعليه أن يتيمّم ويخرج منه فوراً.
3. إذا كان الحدث الموجب للغسل موجباً لحرمة اللبث فقط دون العبور، فقال المصنّف:«لا يجب الاغتسال فيه و إن أمكن». ولو قال« وجب عليه الخروج عن المسجد فوراً بلا تيمم» لكان أظهر، وذلك لأنّ الاغتسال في المسجد رهن اللبث المحرّم مطلقاً، بخلاف الاغتسال في الخارج، فإنّه و إن كان يستلزم اللبث في خارجه وهو محرم وضعاً في اليومين الأوّلين في الاعتكاف المندوب، ووضعاً وتكليفاً في اليوم الثالث، أو مطلقاً كما في الاعتكاف الواجب المعيّن وقته لكن يحرم بلا عذر و بلا حاجة لابدّ منها والمفروض في المقام خلافه، فيقدم الحرام المشروط المفقود شرطه، على الحرام المطلق.
فإن قلت: إذا تمكن من الغسل في حال الخروج وكانت مدة اللبث عنده أقل من مدّة اللبث في الخارج إذا اغتسل فيه، يجب أن يقدم الاغتسال فيه على الاغتسال في الخارج.
قلت: إنّما جاز اللبث لغاية الخروج إذا كان مقدمة للخروج واقعاً كالعابر من المسجد إلى مكان آخر، بخلاف المقام، لأنّه إنّما يغتسل ماشياً نحو الباب لا لغاية الخروج من المسجد، لأنّه نقض للغرض، بل لأجل تطهير النفس من الجنابة ويريد البقاء في المسجد بعد الاغتسال. وبذلك يعلم أنّ محاسبة مقدار اللبث في المسجد عند الاغتسال فيه مع مقدار اللبث في الخارج إذا اغتسل فيه وأنّهما تارة يتساويان و أُخرى يختلفان فيقدّم الاغتسال في المسجد مطلقاً إلاّ إذا استلزم لبثاً زائد على الاغتسال في الخارج، لا وجه له.
5. المدار هو خروج البدن كلّه
لا بأس إذا أخرج يده عن المسجد لاستلام شيء، أو لرؤية الهلال، أو لسائر الأُمور بعد صدق المكث في المسجد وعدم الخروج عنه.
في ارتداد المعتكف
هل يبطل الاعتكاف بالارتداد أو لا؟و على القول بالبطلان فهل هناك فرق بين كونه في النهار أو الليل؟
قال الشيخ: إذا ارتدّ المعتكف بطل اعتكافه.
وقال الشافعي: لا يبطل. واختلف أصحابه على وجهين: أحدهما مثل ما قلناه: إنّه يبطل، والثاني: لا يبطل.
دليلنا: أنّه إذا ارتدّ وهو مولود على الفطرة وجب قتله على كلّ حال; و إن كان أسلم ثمّ ارتدّ فهو محكوم بنجاسته، فلا يجوز أن يقيم في المسجد، ولا تصح منه الطاعة، وذلك ينافي الاعتكاف.(191)
ولا يخفى ضعف دليليه. أمّا الأوّل، فلأنّ وجوب القتل لا يلازم بطلان الاعتكاف كما لو تأخر قتله، إلى ثلاثة أيام. وأمّا الثاني فلأنّه لا دليل على حرمة إبقاء النجاسة غير السارية في المسجد إذا لم يكن فيه هتك لحرمة المسجد.
وأمّا الثاني أي أنّه يحرم على الكافر اللبثُ في المسجد ويجب إخراجه، ففيه أنّه لم تثبت حرمةُ لبث الكافر إذا لم يكن جنباً ـ كما هو المفروض في المقام ـ إلاّ لبث المشرك في المسجد الحرام، لقوله سبحانه: (إِنَّما المُشْرِكُونَ نَجسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحَرام بَعْدَ عامِهِمْ هذا).(192)
والأولى الاستدلال بما تقدّم من شرطية الإسلام في صحّة الاعتكاف من غير فرق بين المرتد الفطري و الملّي.
وأمّا التفريق بين اليوم و الليل، فغير تام، لما قلنا من دخول الليلين المتوسطين، نعم على القول بخروجهما، لا يبطل بالارتداد إلاّ إذا استمرّ إلى النهار.
في العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره
لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره، وإن اتّحدا في الوجوب أو الندب، ولا عن نيابة ميّت إلى آخر، أو إلى حيّ، أو عن نيابة غيره إلى نفسه، أو العكس.
لأنّ العدول من عبادة إلى عبادة أُخرى يحتاج إلى الدليل، وقد ورد الدليل في العدول من العصر إلى الظهر، ومن الفريضة إلى النافلة إذا حضرت الجماعة، وليس في المقام دليل.
النيابة عن أكثر من واحد في الاعتكاف
الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد.نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب، فيصح إهداؤه إلى متعدّدين أحياء أو أمواتاً، أو مختلفين.
لعدم قبول العمل الواحد الاشتراك، مضافاً إلى أنّ الأصل عدم المشروعية حتى يدلّ عليه دليل والمفروض عدمه، وما ورد من الحجّ للوالدين والصلاة والتصدّق عنهما لا يعني النيابة عنهما في عمل واحد، بل الغاية تشريع أصل النيابة عن الوالد والوالدة، مقابل حرمة النيابة.
وفي رواية علي بن أبي حمزة قال: سألته عن الرجل يحجّ ويعتمر ويصلّـي ويصوم ويتصدّق عن والديه وذوي قرابته؟ قال: «لا بأس به يؤجر فيما يصنع وله أجر آخر بصلة قرابته».(193) والحديث كسائر ما ورد في الباب بصدد بيان تشريع النيابة، لا جواز المشاركة فيها على أنّ ظهوره في المشاركة ممنوع.
صوم الاعتكاف هل يكون لأجله؟
هل يجب أن يكون الصوم مختصاً للاعتكاف ولغايته، أو يكفي في صحّة الاعتكاف كونه مقروناً بالصوم الصحيح سواء أكان لأجله أم لغاية أُخرى كالصوم في شهر رمضان؟
والصحيح هو الثاني. وتدلّ عليه صحيحة أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان في العشر الأُولى، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثمّ لم يزل (صلى الله عليه وآله وسلم)يعتكف في العشر الأواخر». ونظيرها غيرها.(194)
و هذا يكشف عن كفاية الصوم الصحيح في الاعتكاف وإن لم تكن الغاية في الصوم هو الاعتكاف، وهذا بإجماله لا إشكال فيه، ولذلك يجوز أن يصوم بعنوان الأيّام البيض ثمّ يعتكف. إنّما الكلام في الفروع المترتبة عليه في كلام صاحب العروة، وهي ثلاثة، ونضيف إليها رابعاً سيأتي الكلام عنه في المستقبل، وإليك الفروع:
1. إذا وجب عليه الصوم ذاتاً أو بعنوان النذر أو آجر نفسه للصوم النيابي، يجوز له أن يعتكف وإن صام لغير غاية الاعتكاف.
2. إذا نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر نفسه للصوم و يعتكف في ذلك الصوم، ولا يضرّه وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف، والفرق بين الصورتين واضح. ففي الأُولى يؤجر نفسه لأجل الصوم أو ينذر الصوم ثمّ يعتكف لنفسه; و أمّا الثانية، فينذر الاعتكاف ويؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم.
3. إذا نذر اعتكافاً مطلقاً وصام صوماً مندوباً يجوز له قطعه، فلو قطع وجب عليه الاستئناف.
و سيوافيك الفرع الرابع.
إذا عرفت ذلك فلنذكر حكم الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: أي إذا كان الصوم واجباً بالذات أو بعنوان النذر، أو آجر نفسه للصوم النيابي فيجوز له الاعتكاف، لما عرفت من أنّ الشرط في صحّة الاعتكاف ليس خصوص الصوم له بل مطلق الصوم الصحيح، ولو كان واجباً بالذات كصوم رمضان ، أو بالنذر، أو بالنيابة، وقد صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان الواجب بالذات واعتكف، فما ظنك إذا كان الصوم واجباً بعنوان النذر أو الإيجار. نعم استشكل سيد مشايخنا البروجردي في تعليقته في كفاية الصوم عن الغير من الاعتكاف عن نفسه أو عن غير من يكون صائماً عنه.(195)
أمّا الفرع الثاني: وهو إذا تقدم نذر الاعتكاف على الاستيجار فنذر الاعتكاف ثمّ آجر نفسه واعتكف في ذلك الصوم. و قد قال صاحب العروة بالصحة، لأنّ الذي يجب عليه في الاعتكاف المتقدّم نذره، هو الصوم الصحيح الأعم من كونه له أو بعنوان آخر.
وربما يفرق بين الاعتكاف المطلق و المعيّن ، فلو نذر أن يعتكف أيّاماً معيّنة لم يجز أن يؤجر نفسه لصوم تلك الأيام بعد النذر و يجوز قبله.(196)
ولعلّ وجهه توقيفية العبادات ، وقد قام الدليل فيما إذا كان الصوم راجعاً إلى المعتكف نفسه، سواء كان واجباً بالذات، أو واجباً بالنذر، وأمّا إذا كان الصوم للغير أو لا، فالاكتفاء به في صحة الاعتكاف لنفسه يحتاج إلى الدليل.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المانع كون الصوم واجباً من باب المقدّمة، فيرد عليه .
أوّلاً: أنّه أمر مشترك بين الاعتكاف المطلق والمعيّن، لأنّ الصوم مقدمة في كلا الصورتين، و ما هو واجب مقدمة يمتنع أن يؤجر نفسه للصوم فيه.
وثانياً: أنّه لا مانع من الجمع بينهما، لأنّ المقدمة ليس خصوص الصوم للاعتكاف، بل مطلق الصوم الصحيح ولو كان نيابة عن الغير، لأنّ الهدف من المقدمة إنّما هو رفع الإحالة وهو يتحقّق بأي صوم صحيح.
فإن قلت: لعلّ نظر القائل بالفرق هو لزوم اجتماع الوجوبين في موضوع واحد، وهو الصوم، أو بطلان أخذ الأُجرة لما وجب على الإنسان.
قلت: إنّ متعلّق الوجوب الغيري هو ذات الصوم، ومتعلّق الوجوب النفسي هو وجوب الوفاء بالعقد، المتحقّق في الخارج بالصوم نيابة، فأين وحدة الموضوع؟! وأمّا أخذ الأُجرة على الواجب مقدّمة فقد فرغنا منه في بحوثنا في المكاسب، فلاحظ.
وأمّا الفرع الثالث: فهو أنّه لا بأس بإيجاد الاعتكاف المنذور المطلق في ضمن الصوم المندوب الذي يجوز قطعه.
وبعبارة أُخرى: لا مانع من أن يكون الاعتكاف واجباً وصومه مندوباً، غاية الأمر إذا أفطر، يفسد اعتكافه ويستأنفه من جديد.
نعم لا يجوز الإفطار في الاعتكاف المعيّن، لأنّ وجوب الاعتكاف يلازم وجوب ما هو شرط لصحته، وهو الصوم، فلا يجوز له أن يفطر.
كلّ ذلك في اليومين الأوّلين، وأمّا اليوم الثالث، فلا يجوز إفطار لا في المطلق ولا في المعين.
وأمّا الفرع الرابع: فهو أنّه لو نذر اعتكافاً مقيداً بأن يكون صومه لأجله، فلا يصلح لا بالصوم الواجب بالذات أو بالنذر، أو بالاستئجار، لعدم تحقّق شرطه .
في قطع الاعتكاف المندوب والمنذور
للمسألة صور:
1. وجوب الاعتكاف المندوب، بالدخول فيه.
2. حكم الاعتكاف المنذور المطلق .
3. حكم الاعتكاف المنذور المعين يومه.
وإليك دراسة الكل واحدة تلو الأُخرى:
وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه
اختلف الأصحاب في وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه وعدمه على أقوال:
1. يجب بالدخول فيه كالحج، وهو قول الشيخ في «المبسوط»(197)، وأبي الصلاح الحلبي في «الكافي».(198)
2. لا يجب بالدخول مطلقاً بل يجوز له الإبطال والفسخ متى شاء . وهو مختار السيد المرتضى في «المسائل الناصرية»(199)، و ابن إدريس في
«السرائر»(200)، وهو خيرة العلاّمة في «المختلف».(201)
3. وجوب اليوم الثالث بعد مضي يومين. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع»(202)، وصاحب المدارك(203)، و المتأخرين.
4. لا يجب بالدخول مطلقاً في جميع الأيّام إذا شرط في حال نذره، الرجوع متى شاء وإلاّ يجب بالدخول في اليوم الثالث.
وهو في الحقيقة ليس قولاً رابعاً، بل هو نفس القول الثالث بإضافة جواز الرجوع في اليوم الثالث إذا كان نذره مقيّداً بالرجوع متى شاء.
أمّا الأوّل: فيمكن الاستدلال له بوجهين:
1. حرمة إبطال العمل.
2. ما دلّ على وجوب الكفّارة إذا أفسد اعتكافه بالجماع و لو قبل الثالث .
يلاحظ على الأوّل: أنّه لم يدلّ دليل على حرمة قطع العمل المندوب، وأمّا قوله سبحانه: (وَلا تُبْطِلُوا أَعمالَكُمْ)(204) فقد مضى الكلام في عدم دلالته على الإبطال مطلقاً، بل هو مختص بالإبطال بالإحباط كما يدلّ عليه سياق الآيات على أنّ الآية ناظرة إلى الإبطال بعد تمام العمل لا في أثنائه كما في المقام، نظير قوله سبحانه: (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذى).(205)
يلاحظ على الثاني: أنّ إيجاب الكفّارة عند الإفساد بالجماع يدلّ على حرمة إفساده بهذا الطريق لما فيه من الهتك للعبادة، دون حرمة قطعه مطلقاً ولو بالانصراف عن العمل.
وأمّا الثاني: فقد استدلّ عليه العلاّمة في «المختلف» بوجهين:
1. انّها عبادة مندوبة، فلا يجب بالشروع فيها كغيرها من التطوعات، وفارقت الحج لورود الأمر فيه دون صورة النزاع.
2. انّ اليوم الأوّل والثاني متساويان، فلو اقتضى اعتكافُ الثاني وجوبَ الإتمام لاقتضاه الأوّل.(206)
يلاحظ عليهما : أنّ الدليلين إنّما يتمّان إذا لم يكن دليل يدلّ على وجوب الإتمام بعد اليومين، وإلاّ فيكون أشبه بالاجتهاد في مقابل النص.
وأمّا الثالث: فتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام».(207) والرواية صحيحة السند على نقل الكافي، نعم هي موثقة حسب نقل الشيخ حيث نقلها: عن علي بن الحسن (بن فضّال)، عن الحسن(بن محبوب)، عن أبي أيّوب (الخزاز).
وما في نسخة الوسائل المطبوعة المحقّقة «عن الحسين» مكان «عن الحسن» فهو من غلط النُّساخ، إذ السند في التهذيب(208) على ما سردناه.
وصحيحة أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيّام أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيّام أُخر».(209)
وبذلك يقيد ما روي صحيحاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)من أنّه إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنّه يأتي بيته، ثمّ يُعيد إذا برئ و يصوم.(210) وغيره، فلعلّ وجوب الرجوع لأجل النذر فيقضي بعدما يبرأ لا بالوجوب بالدخول.
وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع عند البحث عن وجوب الاعتكاف الواجب المعيّن والموسّع والمندوب واشتراط المعتكف ، فانتظر(211).
لو نذر اعتكاف يوم أو يومين
يشترط في صحّة النذر كون المنذور مشروعاً، فلوكان النذر مقيّداً بعدم الزيادة كان المتعلّق غير مشروع لما دلّت الأدلة على أنّ أقلّ الاعتكاف ثلاثة.(212) ويوصف بالبدعة غير الصالح للتقرّب، وأمّا لو كان مطلقاً فهو كما يتحقّق في ضمن يومين بشرط لا، كذلك يتحقّق في ضمن الأكثر من يومين أيضاً، لأنّ «لا بشرط» يجتمع مع ألف شرط ويكفي في صحّة النذر، كون المتعلّق مشروعاً ولو ببعض أفراده وأقسامه.
هذا كلّه إذا كان المقصود هو الاعتكاف المصطلح، و أمّا إذا أراد منه المعنى اللغوي باعتبار أنّ المكث في المسجد عبادة خصوصاً إذا انضمّت إليه قراءة القرآن والدعاء والصلاة، فيجوز مطلقاً، لكنّه خارج عن مفروض العبارة.
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام ثالثها العيد
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام معينة أو أزيد فاتّفق كون اليوم الثالث عيداً، بطل من أصله، إذ لا اعتكاف إلاّ بصوم صحيح، والمفروض أنّ الصوم في الاعتكاف المنذور محرم باطل، فكيف ينعقد النذر، مع أنّه لا رجحان فيه، بل مرجوح، ومع عدم انعقاده، لا يصدق الفوت حتى يجب قضاؤه.
وأمّا كون القضاء أحوط، فلاحتمال أن يكون النذر من باب تعدّد المطلوب لا من باب الالتزام بكونه في خصوص يوم العيد، واحتمال كون وجهه، هو استفادة القضاء ممّا ورد القضاء في الحائض والمريض،(213) بعيد جدّاً للفرق الواضح بين المقامين، لانعقاد النذر في الأوّلين وإن طرأ المانع دون المقام.
ويحتمل أن يكون وجهه ما ورد في صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه ـ يعني إلى أبي الحسن (عليه السلام)ـ : يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً، ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر، أو أضحى، أو أيّام التشريق، أو سفر، أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم، أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها ويصوم يوماً بدلَ يوم إن شاء اللّه تعالى».(214) وبما أنّ الرواية على خلاف القاعدة لعدم انعقاد النذر لأجل المصادفة، يُقتصر في العمل بموردها. نعم تصلح لأن تكون سبباً للاحتياط في المقام.
لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد
لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل، إلاّ أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر.
أمّا الصحّة عند العلم بكون قدومه قبل الفجر فواضح .
إنّما الكلام إذا نذر و لا يعلم زمان قدومه، فحكم صاحب العروة بالبطلان لعدم إمكان الاعتكاف في ذلك اليوم المجهول.
وربما يمنع بطلان النذر إذا لم يعلم يوم قدومه من حيث تردّده بين يومين أو أكثر، إذ لازم ذلك العلم، هو الاحتياط في جميع تلك الأطراف المحصورة، المحتمل وقوع القدوم فيها.(215)
وأُورد عليه أنّ تنجيز العلم الإجمالي بالنسبة إلى الموافقة القطعية فرع تعارض الأُصول عند جريانها، والمقام ليس كذلك، فإنّه يجري في غير اليوم الأخير بلا معارض، ولا يجري في اليوم الأخير للعلم بقدومه أمّا فيه أو في اليوم المتقدّم أو الأيّام المتقدّمة عليه، فيكون جريان الأصل فيماعدا ذلك
اليوم إلى زمان العلم بالخلاف سليماً عن المعارض، فيجري الاستصحاب في كلّ يوم إلى أن يعلم بالقدوم، فإن علم به في ذلك اليوم فهو، و إن علم بقدومه قبل ذلك كان معذوراً في الترك لأجل استناده إلى الأصل، والحاصل: أنّه تردّد قدومه بين الأيّام الثلاثة، فاليومان الأوّلان، مشكوك قدومه، فيجري الأصل بخلاف الثالث فإنّه ظرف العلم بقدومه أمّا فيه في أحد اليومين المتقدّمين فلا يجري فيه.(216)
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد.
وذلك لأنّ النذر يتعلّق بالأمر المشروع وليس المتعلّق هنا مشروعاً، لما قلنا من دخول الليلتين المتوسطتين في الاعتكاف.
اللّهم إلاّ إذا قصد الاعتكاف اللغوي وهو المكث في المساجد، وهو خلاف الفرض.
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد
لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأُولى فيه، بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر، فإنّ الليلة الأُولى جزء من الشهر.
أمّا عدم دخولها في نذر ثلاثة أيّام، فلأنّ ظاهر الأدلّة أنّ الاعتكاف يبتدأ به بالصوم، كما هو ظاهر قوله:«لا اعتكاف إلاّ بصوم».(217) فتخرج الليلة الأُولى عن مصبِّ النذر.
وأمّا الثاني فلعلّ القصد في دخول الليلة الأُولى في الاعتكاف إلى أنّ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين، فتدخل الليلة الأُولى، بخلاف ما إذا نذر الأيّام.
ويمكن أن يقال بخروجها أيضاً، لأنّ الناذر إنّما يقصد الاعتكاف المشروع، وهو يبتدأ بالصوم، وعندئذ تخرج الليلة الأُولى في الثاني أيضاً.
وبالجملة: أنّ الناذر و إن كان جاهلاً بالحكم الشرعي وهو ابتداء الاعتكاف بالصوم، ولكنّه في قرارة نفسه ينذر ما جعله الشارع اعتكافاً، والمفروض أنّه لم يجعل الليلة الأُولى جزءاً من الاعتكاف، وبذلك لا يجب عليه إدخالها حتى بعد العلم بالحكم.
لو نذر اعتكاف شهر
فيه فرعان:
1. لو نذر اعتكاف شهر يجزئه اعتكاف ما بين الهلالين.
2. إذا نذر اعتكاف مقدار شهر وجب اعتكاف ثلاثين يوماً.
أمّا الأوّل، فلأنّ الشهر في اللغة العربية إنّما هو ما بين الهلالين كقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضانَ الّذي أُنْزلَ فِيهِِ القُرآن)(218) وقوله سبحانه: (إِنَّ عِدّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثنا عَشَرَ شَهْراً في كِتابِ اللّه)(219)، ولذلك ذهب بعضهم إلى عدم كفاية التلفيق في صوم شهرين متتابعين وإن ناقشنا في ذلك.
وأمّا الثاني، فلأنّ المتبادر من مقدار الشهر، هو ثلاثون يوماً.
وما ذكر يصحّ إذا كان الناذر عربياً، وأمّا إذا كان غيره فلابدّ من منصرف كلامه والمتبادر منه، ولعلّ المتبادر في الجميع هو ثلاثون يوماً، فإنّ الزائد والناقص عليه أمر على خلاف القاعدة.
لو نذر اعتكاف شهر بعينه
إذا نذر اعتكاف شهر رجب مثلاً وجب عليه الاعتكاف في نفس ذلك الشهر من أوّله إلى آخره، وليس له أن يبدأ بالعاشر من رجب ليكمله في العاشر من شعبان، كما ليس له أن يصوم 15 يوماً من رجب هذه السنة و الباقي من رجب السنة القادمة لما عرفت من أنّ الشهر عبارة عمّا بين الهلالين.
هذا إذا نذر اعتكاف شهر، وأمّا لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة إلى أن يكمل ثلاثين.
واحتمل صاحب العروة في المقام وجهاً آخر وهو جواز التفريق يوماً، فيوماً، ويضمّ إلى كلّ واحد، يومين آخرين لا وفاءً للنذر. بل تصحيحاً لاعتكاف اليوم الماضي.
توضيحه: أنّه يجوز له اعتكاف يوم واحد لغاية الوفاء بالنذر، ثمّ يضم إليه اعتكاف يومين آخرين لا لأجل الوفاء بالنذر بل تصحيحاً لاعتكاف اليوم الماضي لما قلنا من أنّ أقلّ الاعتكاف ثلاثة.
وهكذا الأمر في اليوم الثاني بعد الثلاثة يعتكف وفاءً للنذر ثمّ يضم إليه يومين آخرين تصحيحاً وندباً لا وفاءً بالنذر، وعند ذلك يستغرق الوفاء بالنذر 90 يوماً، ثلاثون يوماً بالتفريق لأجل الوفاء بالنذر، وستون يوماً بصورة يومين فيومين تصحيحاً.
ثمّ قال بل الأمر كذلك في كلّ مورد لم يتبادر التتابع من الدليل.
وأورد عليه السيد الخوئي بأنّه مبني على دعوى لزوم قصد عنوان الوفاء في امتثال الأمر النذري بحيث لو لم يقصده إلاّ في الواحدة من كلّ ثلاثة فلا يقع الباقي وفاءً للنذر، ولكن العنوان المزبور غير لازم القصد فإنّ الوفاء هو الإتيان بذلك المتعلّق كما في الوفاء بالعقد، والأمر الناشئ من قبل النذر توصلي لا تعبدي، فمتى أتى بالمتعلّق كيف ما اتّفق فقد أدّى ما عليه، وعلى ذلك فاليومان الآخران يحسبان وفاءً عن النذر بطبيعة الحال.
اللّهمّ إلاّ أن يأخذ خصوصية في المنذور لا تنطبق إلاّ على واحد من الأيام الثلاثة، كما لو نذر الاعتكاف في مقام إبراهيم في مسجد الكوفة واعتكف يوماً واحداً فيه واليومين الآخرين في سائر أماكن المسجد.(220)
يلاحظ عليه : أنّ الاحتمال الأخير خارج عن موضوع البحث، والكلام مركّز على ما إذا لم يكن هناك ميز بالنسبة إلى الأيّام الثلاثة.
ويمكن أن يقال: إنّ اليومين إنّما يحتسبان من النذر إذا أتى به لا بشرط بما أنّه محبوب للّه أو مأمور به بأمر استحبابي أو غير ذلك من العناوين التي لا ينافي انطباق عنوان المنذور عليه، وأمّا إذا أتى به بشرط لا، وضارباً الصفحَ عن الأمر النذري ، فاحتمال كونه مصداقاً للمنذور، كما ترى.
نعم يرد على السيّد أنّ الامتثال بهذه الصورة خارج عن منصرف النذر وليس مصداقاً له.
لو نذر الاعتكاف شهراً أو زماناً على وجه التتابع
إنّ نذر اعتكاف شهر على وجه التتابع يتصور على وجهين:
1. أن يكون المنذور من حيث الزمان كلياً كأن ينذر اعتكاف شهر ما من الشهور على وجه التتابع فإن أخل به استأنف، لأنّه أخل بصفة النذر فوجب عليه استئنافه. وبعبارة أُخرى: المأتي ليس مصداقاً للمنذور، فلابدّ من اعتكاف آخر بوصف تتابع الأيّام حتى يكون وفاءً للنذر وليس العمل الثاني قضاءً، بل أداءً مصداقاً له.
2. أن يكون المنذور من حيث الزمان معيّناً كالاعتكاف في شهر رمضان، فلو قال: للّه عليّ أن اعتكف شهر رمضان متتابعاً، قال الشيخ في «المبسوط»: لزمه المتابعة هنا من ناحية الشرط، فإن أخلّ بها استأنف، لأنّ المتابعة من ناحية الشرط.(221) وعليه المحقّق في «الشرائع» قال: ولو نذر اعتكاف شهر معين وتلفّظ بالتتابع استأنف.(222) وهذا هو الذي أشار إليه صاحب العروة بقوله: «وإن كان معيناً وقد أخلّ بيوم أو أزيد وجب قضاؤه، والأحوط التتابع فيه أيضاً».
ثمّ إنّ في قوله: «وجب قضاؤه» احتمالين:
الأوّل: قضاء المنذور وفاقاً للشيخ في المبسوط حيث قال:«فإن أخلّ بها استأنف»، لأنّ المتابعة من حيث إنّها وصف للمنذور غير متحقّقة.
الثاني: ما عليه العلاّمة في «المختلف»: الاقتصار على قضاء ما أخلّ به حيث قال: ولقائل أن يقول: لا يجب الاستئناف وإن وجب عليه الإتمام متتابعاً وكفارة خلف النذر، لأنّ الأيّام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به فيخرج فيها عن العهدة، ولا يجب عليه استئنافها، والفرق بين الصورتين أنّه في صورة الإطلاق وعدم تعيين الزمان، يتمكن من الأداء بجعل كلّ صوم متتابع مصداقاً للمنذور، أمّا مع التعيين فلا يمكنه البدل.(223)
وهو خيرة المسالك قال: يتدارك ما بقي من الشهر ويقضي ما حكم ببطلانه وإن لم يكن متتابعاً.(224)
وتبعه سبطه وقال : بل الأصح عدم بطلان ما فعل إذا كان ثلاثة فصاعداً مع التلفّظ بالتتابع وبدونه، إذ المفروض تعيين الزمان.(225)
ولكن اللازم حمل كلام صاحب العروة على الاحتمال الأوّل بشهادة ذيل كلامه حيث قال: «فالأحوط ابتداء القضاء فيه» أي في الزمان الباقي، إذ لو أُريد قضاء خصوص ما أخلّ به لتعيّن قضاؤه خارج ذلك الزمان، لأنّ ما بقي من ذلك الزمان يعدّ أداءً بالنسبة إلى ما بقي من الشهر، حسب الاحتمال الثاني.
ثمّ إنّ دليل صاحب العروة على لزوم الاستئناف ما ذكره صاحب الجواهر بقوله: وفيه أنّ التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع في صيغة واحدة، وعدم إمكان استئنافها نفسها باعتبار تعيّنها لاينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأت بها أجمع.(226)
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي فصّل في المقام بين كون مستند القضاء، دليلاً لفظياً تضمّن انّ من فاته الاعتكاف المنذور وجب قضاؤه صحّ التمسّك بإطلاق الفوت الشامل لما فات رأساً أو ما فات ولو ببعض أجزائه، باعتبار أنّ فوت الجزء يستدعي فوات الكل واتّجه الحكم حينئذ بقضاء المنذور بتمامه.
وأمّا لو كان الإجماع فالقدر المتيقن منه هو قضاء ما أخلّ به.(227)
يلاحظ عليه: أنّ الاعتماد على الإجماع في المقام عجيب جداً، لأنّه من المسائل التفريعية التي لم يرد فيها نصّ، وعليه فلم يعتمد المجمعون على نص وصل إليهم ولم يصل إلينا، بل اعتمدوا على اجتهاداتهم وفي مثله لا يكون الإجماع دليلاً حتى يؤخذ بالمتيقن منه.
ثمّ إنّ الاعتماد على إطلاق الدليل اللفظي لو ورد في المقام، ينافي ما ذكره في المسألة الثالثة من الفصل الرابع عشر من أنّ أدلّة القضاء اللفظية نظير قوله: «يقضي ما فاته كما فاته» ناظر إلى المماثلة من حيث القصر والتمام، فلا إطلاق لها كي يقتضي الاتحاد من سائر الجهات.(228)
ومع ذلك، الظاهر قوة القول المشهور، لأنّ الظاهر أنّ اعتكاف شهر معيّن عمل واحد مرتبط بعض أجزائه ببعض وليس أعمالاً كثيرة، والمفروض أنّه لم يتحقق العمل الواحد بالإخلال بالبعض، فالقول بقضاء المنذور أوفق بالقاعدة.
لو نذر اعتكاف أربعة أيام
يقع الكلام في أُمور:
1. لو نذر اعتكاف أربعة أيّام فأخل بالرابع وقد اشترط التتابع أو كان منساقاً من نذره، بطل ما أتى، لعدم وقوع المنذور، ويجب عليه الاستئناف، ولا يزيد المستأنف عن أربعة أيام.
2. تلك الصورة ولكن لم يشترطه ولا كان منساقاً من نذره يجب عليه قضاء ذلك اليوم، و لمّا كان اعتكاف اليوم الواحد غير مشروع، لا محيص له لأجل التمكّن من القضاء من ضم يومين آخرين.
3. أنّه مخيّر في جعل اليوم الأوّل هو المقضيّ أو أيّاً منها شاء، والأولى عند صاحب العروة جعلُ المقضيّ أوّل الثلاثة.
ولكنّ الظاهر أنّه ينطبق على الأوّل قهراً بلا حاجة إلى النية.
وذلك لأنّه ليس على ذمَّته إلاّ اعتكاف يوم واحد، وبما أنّه لا يتمكّن من أداء ما وجب شرعاً إلاّ بضم يومين إليه، يكون أحد الأيام واجباً نفسيّاً، والآخران واجبين بالوجوب المقدّمي الشرعي ـ لو قلنا به ـ أو العقلي بمعنى اللابدية كما هو الحقّ، فإذا قام بالاعتكاف بنيّة ما وجب عليه، ينطبق الواجب عليه من دون حاجة لأن ينوي انطباق ما عليه على اليوم الأوّل، لأنّ المفروض أنّ ما في ذمّته ليس إلاّ اعتكاف يوم واحد من دون أن يكون ملوّناً بلون خاص حتى لا ينطبق على المأتي به أوّلاً.
نظير المقام إذا كان مديوناً لزيد بدرهم ونذر أن يضمّ إليه درهمين آخرين عند التأدية، فدفع درهماً فيسقط به الأمر الأوّل، وإن كان سقوط الأمر النذري متوقّفاً على ضمّ درهمين إليه.
نعم دفع الدرهمين واجب شرعاً لأجل الوفاء بالنذر، لكنّ ضم اليومين في المقام واجب عقلاً للتمكن من القضاء، والمقدمة ليست بواجبة شرعاً كما حقّق في الأُصول، وبذلك تستغني عن الإطناب الموجود في المقام تبعاً للجواهر.(229)
لو نذر اعتكاف خمسة أيام
قال في المدارك: لو كان المنذور خمسة وجب أن يضمّ إليها سادساً، سواء أفرد اليومين أم ضمّهما إلى الثلاثة، لما بيّناه، فيما سبق من أنّ الأظهر وجوب كلّ ثالث.(230)
أقول: أمّا إذا لم يُتابِع، أي اعتكف ثلاثة فقط وأخلّ بالاثنين، فالحكم واضح للتمكّن من قضاء ما فات، أعني: اعتكاف يومين، ولا يتمكن إلاّ إذا ضمَّ إليها يوماً آخر، لعدم مشروعية الاعتكاف في الأقل من ثلاثة.
إنّما الكلام فيما إذا تابع، فهل يجب عليه ضمُّ السادس أو لا؟ وجهان:
1. من عموم ما ورد في صحيح أبي عبيدة للمقام، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «من اعتكف ثلاثة أيّام فهو في اليوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيّام أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإنْ أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيّام أُخر».(231)
2. من اختصاص النص بالمندوب بشهادة قوله: «فهو في اليوم الرابع بالخيار» فلا يعم المنذور، مع إمكان التفرقة في المندوب دون المقام. ففي الأوّل إذا اعتكف ثلاثة أيّام، فقد تحقّق الاعتكاف المشروع وليس ثمة إلزام على اتصال الزائد وهو اليومان، فإذا أضاف يكون بمثابة اعتكاف جديد يجب إكماله باليوم الثالث، بخلاف المنذور بأنّ الخمسة حينئذ اعتكاف واحد، عن أمر واحد، وملاك واحد فلا نقص ليحتاج إلى الإكمال.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ الحكم كذلك في بعض أقسام الواجب كالنذر المطلق غير المعيّن زمانه، إذ له أيضاً رفع اليد عن الاعتكاف عن الثلاثة والإتيان بالواجب في زمان آخر و إن كان لا يجوز في المعيّن ـ : أنّ المتبادر من الرواية هو أنّ الحكم راجع إلى طبيعة الاعتكاف، سواء كان مندوباً أو واجباً وإن كان المورد مندوباً.
وهناك جواب ثالث، وهو أنّ الاعتكاف مندوب مطلقاً; ولا يكون واجباً إلاّ بالعرض، وأنّ الواجب عند النذر، هو الوفاء به، والنذر يتعلّق بالاعتكاف المندوب بذاته مع ما له الحكم كذلك، وقد عرفت أنّ حكم الاعتكاف الذي اعتكف ثلاثة هو إكماله بيوم آخر.
لو نذر زماناً معيناً وتركه
قال المحقّق: إذا نذر اعتكاف شهر معيّن ولم يعلم به حتى خرج ـ كالمحبوس أو الناسي ـ قضاه.
وقال في المدارك في شرح العبارة : هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، واستدلّ عليه في «المنتهى» بأنّه نذر في طاعة أخلّ به فوجب قضاؤه. وهو إعادة للمدّعى، و ينبغي التوقّف في ذلك إلى أن يقوم على وجوب القضاء دليل يعتدّ به، وأمّا الكفارة فلا ريب في سقوطها للعذر.(232)
ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:
ألف: عموم ما دلّ على قضاء ما فات
1. اقض ما فات كما فات.
2.من فاتته فريضة فليقضها.
وهما مرسلتان لا يحتجّ بهما مضافاً إلى انصرافهما إلى ما هو الواجب بالذات كالصلاة والصوم لا يعمّان الواجب بالعرض المندوب بالذات.
3. صحيحة زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(233)
وهي ليست بصدد بيان كل ما فات من المكلّف من الفرائض في مختلف الأبواب، بل بصدد بيان المماثلة من حيث القصر والإتمام. ويؤيدها الرضوي: «فتصلي ما فاتك مثل ما فاتك من صلاة الحضر في السفر وصلاة السفر في الحضر».(234)
ب: ما دلّ على وجوب قضاء الصوم المنذور
روى ابن مهزيار أنّه كتب إليه يسأله: يا سيدي، رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب إليه : «يصوم يوماً بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة».(235)
ونظيره ما رواه الحسين بن عبيدة(236)، و القاسم الصيقل.(237)
والاستدلال به على وجوب قضاء الاعتكاف المنذور أشبه بالقياس، لأنّ مورده الصوم، والبحث في الاعتكاف، واشتماله على الصوم لا يجعلهما من موضوع واحد.
ج: ما دلّ على قضاء الاعتكاف لدى عروض المانع
روى عبد الرحمن بن الحجاح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيد إذا برئ ويصوم».(238)
و في رواية أبي بصير: «فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها».(239)
إنّ قوله في الحديث الأوّل: «ثمّ يعيد إذا برئ و يصوم» ظاهر في وجوب الإعادة لا في وجوب القضاء، فيكون مورده هو الاعتكاف الواجب المطلق بلا تعيين زمانه، ويكون الإتيان أداءً في كلّ زمان، بخلاف المقام فإنّ المأتي يوصف بالقضاء لانقضاء وقته; وأمّا قوله: «فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها» و إن كان ظاهراً في كون المورد الاعتكاف المعيّن، لكن من المحتمل، كون المراد مطلق العمل.
وبعبارة أُخرى: أنّ الاستدلال بالأوّل مبنيّ على كون الفائت معيّناً من حيث الزمان، لكنّه لايناسب قوله: «فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيده إذا برئ» فإنّ التعبير بالإعادة شاهد على بقاء الوقت. نعم قوله:«فقضت ما عليها» في الثانية، ظاهر كون الفائت واجباً معيناً بحيث يعد المأتي قضاء لا إعادة، لكن الاعتماد على مثل هذا الظهور مع احتمال كون المراد هو الإعادة كما في الحديث الأوّل مشكل.
فلم يبق في المقام إلاّ الإجماع الذي حكاه صاحب الجواهر، و هو كما ترى إذ لا يبعد أنّ اعتماد المجمعين على ما ذكر من الأدلّة، فالقول بسقوط التكليف بارتفاع موضوعه أقوى.
لو غمّت الشهور
و لو غمت الشهور فلم يتعيّن عنده ذلك المعيّن، عمل بالظن، و مع عدمه يتخيّر بين موارد الاحتمال.
وهذا هو المحكي عن الشهيد حيث قال: إنّه لو غُمّت عليه الشهور توخّى وإلاّ تخير.(240) ولعلّه اعتمد على ما ورد من الأسير والمحبوس إذا لم يعلم شهر رمضان، فيجب عليه التوخّي، أعني: الصوم فيما يظنه شهر رمضان.(241) و لكنّه ضعيف جداً، لأنّه أشبه بالقياس واختاره صاحب الجواهر قائلاً بأنّه مقتضى بقاء التكليف، وقبح التكليف بما لا يطاق، فليس حينئذ إلاّ التوخّي، ومع عدمه فالتخيير، لأنّهما أقرب طرق الامتثال.(242)
يلاحظ عليه: أنّ أقرب الطرق للامتثال هو الاحتياط، إلاّ إذا استلزم الحرج، فيتنزّل عن الامتثال القطعي إلى الظنّي إن أمكن و إلاّ فيختار الشهر الأخير المحتمل ويقصد ما في ذمّته الأعم من الأداء و القضاء.
في اعتبار وحدة المسجد في الاعتكاف الواحد
لا دليل عليه سوى انصراف قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع»(243)، وقوله: «لا يكون اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة»(244) إلى المسجد الواحد.
وربما يستدلّ بوجهين:
1. ما دلّ من النصوص من أنّ من خرج من المسجد لحاجة، لزمه الرجوع بعد الفراغ منها إلى مجلسه. مثل ما ورد في رواية داود بن سرحان:«لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».(245) فإنّ مقتضى إطلاقه عدم جواز المكث خارج المسجد الذي اعتكف فيه بعد انقضاء الحاجة من غير فرق بين مسجد آخر وسائر الأمكنة.
يلاحظ عليه: أنّه منصرف إلى مجلس آخر مثل ما خرج إليه، كالبيوت والسوق، ولا يعمّ المسجد الذي هو نظير ما خرج منه.
2. ما دلّ على أنّ من خرج عن المسجد لحاجة فحضرت الصلاة، لا يجوز أن يصلّي إلاّ في المسجد الذي اعتكف فيه ما عدا مكة; كما في رواية منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المعتكف بمكة يصلِّي في أيِّ بيوتها شاء، و المعتكف بغيرها لا يصلي إلاّ في المسجد الذي سمّاه»(246) فإنّ مقتضى الإطلاق عدم جواز الصلاة حتى في مسجد آخر.
يلاحظ عليه: أنّ المراد أنّه لا يصلّي في بيت آخر في غير مكة، لا في مسجد آخر، ويدلّ على ما ذكرناه صحيح عبد اللّه بن سنان: «ولا يصلّي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلاّ بمكّة».(247)
والدليل الوحيد هو الانصراف، لو قلنا به، وإلاّ فلا دليل على وحدته إذا كان الخروج من مسجد والدخول في غيره غير موجب للخروج عن المسجد، أو إذا خرج لحاجة ضرورية فلمّا فرغ دخل المسجد الآخر في طريقه. نعم لو عُدَّ المسجدان في العرف مسجداً واحداً كما لو وُسِّع المسجد بضم أرض إليه ووقفه جزء له فلا مانع قطعاً.
لو اعتكف في مسجد واتفق مانع من إتمامه فيه
إذا طرأ المانع من استدامة الاعتكاف، فلا يخلو إمّا أن يكون الاعتكاف مندوباً، أو واجباً. فعلى الأوّل يبطل; وعلى الثاني يجب استئنافه إن لم يكن مقيداً بزمان معين، أو قضاؤه، إن كان مقيّداً في مسجد آخر، أو ذلك المسجد إذا ارتفع المانع.
وذلك فلعدم التمكّن من الإتمام في هذا المسجد، ولا في مسجد آخر إذا استلزم الخروج من المسجد، لاعتبار وحدة المسجد على ما عرفت.
هذا ما عليه عامة المشايخ، ولكن الأقوى جواز الانتقال إلى مسجد آخر والبناء على ما سبق خصوصاً إذا كان واجباً معيناً، وذلك برفع شرطية وحدة المسجد وجزئية المكث في المسجد فيما إذا توقف الانتقال على الخروج منه، بحديث الرفع.
وتوهّم عدم جريانه في المندوب من العمل، غير تام .لأنّ الرفع وإن كان فرع الثبوت، لكن يكفي فيه ثبوت الجزئية حسب ماهية العمل وصحته وإن لم يكن هناك تكليف إلزامي بالاستمرار فيه.
في سطح المسجد ومحرابه
سطح المسجد، وسردابه، ومحرابه منه، ما لم يعلم خروجها. وكذا مضافاته إذا جعلت جزءاً منه كما لو وُسّع فيه.
بما أنّ الاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد، يجب إحراز كون المكان مسجداً بالقرائن الحاكية عن كونه مسجداً أو جزءاً منه، و إلاّ فلا يصحّ كما لا يصحّ الانتقال منه إلى ذلك الجزء المشكوك كونه منه، والظاهر أنّ ذلك يختلف حسب اختلاف العادات في البلاد، فربما لا يكون صحن المسجد جزءاً منه، كما هو الحال في البلاد الباردة على عكس المناطق الحارة أو المعتدلة وهكذا.
هل يعتبر قبرا مسلم وهاني من مسجد الكوفة؟
قبر مسلم و هاني ليس جزءاً من مسجد الكوفة، لدلالة القرينة على أنّه ليس منه، لأنّ من قتله الظالم يمنع عن دفنه في الأماكن المقدسة، على
أنّه يكفي الشك في كونه جزءاً من مسجد الكوفة أو لا، في عدم الحكم بالصحة.
في ثبوت المسجدية للمكان المعيّن
لا ريب في ثبوت الموضوع ـ كون المكان المعيّن مسجداً ـ بالعلم الوجداني، أو الشياع المفيد للعلم والبيّنة الشرعية ، إنّما الكلام في ثبوته بأمرين:
1. خبر العدل الواحد.
2. حكم الحاكم.
أمّا الأوّل، فالمشهور عدم حجّية قول العادل في الموضوعات، وأنّ ثبوتها رهن البيّنة، من غير فرق بين مورد الترافع والدعاوي، وغيرها ككون الماء المعيّن كرّاً. غير أنّ سيرة العقلاء على خلاف ما هو المشهور حيث جرت سيرتهم على الاعتماد على قول العدل الثقة في الموضوعات، كاعتمادهم عليه في الأحكام الشرعية، ولا تردُّ تلك السيرة إلاّبدليل قاطع ، وهو موجود في باب الترافع، كما تضافر عنهم (عليهم السلام)من أنّ «البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه»،(248) وغيره ممّا دلّ على لزوم التعدّد في ثبوته كالهلال و غيره، و أمّا في غير ذلك فيؤخذ بالسيرة ولم يرد دليل على ردّها سوى موثّقة مسعدة بن صدقة، أعني: قوله (عليه السلام): «الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».(249) حيث إنّ الظاهر حصر الثبوت بالأمرين فقط.
وربما يجاب بأنّ المراد من البيّنة فيها ما يُتبيّن به من الحجج الشرعية، فإنّ الحجّة الشرعية لا تختص بالعدلين، بل يعمّ إقرار الإنسان، وحكم الحاكم، واستصحاب الحالة السابقة. وبالثلاثة الأخيرة، تستدل على الأحكام كما يستدل على الموضوعات.(250)
يلاحظ عليه: أنّ البيّنة في اللغة و إن كان بمعنى ما يُتبيّن به من دون اختصاص بالعدلين، لكنّها صارت حقيقة متشرعية في العدلين عبْر القرون خصوصاً في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)حيث إنّ القضاة يستعملون لفظة البيّنة في المعنى المصطلح.
والأولى أن يجاب به بعد صحّة سند الرواية وعدم الإرسال فيه، حيث رواه علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) . و قد تُوفّي القمي، حوالي سنة 308هـ; وهارون ممّن لقى أبا محمد و أبا الحسن الهادي (عليهما السلام); ومسعدة بن صدقة من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) . فإنّ نقل الأوّل عن الثاني وإن كان قريباً، لكن نقل هارون عن مسعدة مشكل، وإن صرح النجاشي بأنّ هارون ينقل عن مسعدة.
والأولى أن يجاب بأنّ سكوت الإمام عن سائر ما يثبت به لا يدل على عدم ثبوته به.إذ أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ سكوت الإمام دليل على انحصار الثبوت بهما ، ولكنّه أمام السيرة ضعيف جداً، مضافاً إلى ما ورد في موارد قبول خبر العدل، فلاحظ.(251)
وأمّا الثاني، فلما مرّ منّا في مسألة ثبوت الهلال بحكم الحاكم من عدم سعة حجّية حكم الحاكم إلاّ في مورد الأحكام والفتاوى، والدعاوى و المرافعات، دون الأُمور الخارجية.
نعم لو ادّعى بعض الورثة وقفية أرض للمسجد وأنكره غيره، فترافعا، فثبت عند الحاكم، وحكم به ، يؤخذ بقوله، لحجية حكمه في باب الترافع.
أمّا لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية، فبان الخلاف، تبيّن البطلان.
ووجهه واضح، لأنّ الموضوع هو الاعتكاف في المسجد الواقعي لا المسجد المتخيّل، وبعبارة أُخرى: كون المكان مسجداً شرط واقعي لا ظاهري.
في اعتكاف المرأة
لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها، بل ولا في مسجد القبيلة ونحوه.
ويدل على الاشتراط مضافاً إلى ـ صحيحة داود بن سرحان حيث قال: «ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع، والمرأة مثل ذلك» (252) ـ الإطلاقات الواردة في المقام خصوصاً قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(253) وغيره من الروايات الواردة لبيان ما هو المعتبر في حقيقة الاعتكاف.(254)
في اعتكاف الصبي المميّز
المشهور عند أصحابنا أنّ نية الصبي المميّز صحيحة، وصومه شرعي وكذا سائر عباداته، بمعنى أنّها مستندة إلى أمر الشارع فيستحق عليها الثواب لا تمرينية.
نعم، اختار العلاّمة في «المختلف» أنّها على سبيل التمرين، واستدلّ بقوله: إنّ التكليف مشروط بالبلوغ، ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط .(255)
يلاحظ عليه: أنّ للتكليف مرحلتين:
1. مرحلة الإلزام فعلاً وتركاً، وهي مشروطة بالبلوغ، وحديث رفع القلم ناظر إلى رفع مثل تلك الأحكام.
2. مرحلة الاستحباب والكراهة وهي غير مشروطة ولا يعمّها الحديث المذكور، لعدم كونها على الذمّة حتى يرفع.
ويدلّ على ما ذكرنا وجوه:
الأوّل: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام ـ إلى أن قال:ـ فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا».(256) وقد ثبت في الأُصول من أنّ الأمر بالأمر أمر بنفس الشيء.
الثاني: أنّ الشارع أذن للصبي في الصدقة والوقف والعتق والإمامة، ومعناه ترتّب الثواب عليها، وهو يلازم كونها شرعية وداخلة تحت الأوامر المطلقة بالعتق والصدقة والإمامة.
ففي رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق، أو أوصى على حدّ معروف وحقّ، فهو جائز»، ونظيره غيره.(257)
وفي موثّقة غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم، و أن يؤذّن» ونحوهما.(258)
وهذه الروايات تعرب عن كون عمله مطابقاً للشرع مأموراً به بأمر ندبي على وجه يكون عمله موضوعاً بالنسبة إلى المكلّفين.
الثالث: أنّ إطلاقات الأدلّة في أبواب المستحبات والمكروهات شاملة للصبي من غير مزاحم، ولذلك يستحب له قراءة القرآن والزيارة وصلاة الليل، ومنها إطلاقات باب الاعتكاف.
في اعتكاف العبد
هنا فروع:
الأوّل: بطلان اعتكاف العبد بدون إذن المولى، لقوله سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُعَلى شَيء)(259) خرجت الفرائض بالدليل القطعي.
وعلى كلّ تقدير فهو مملوك، فلا يجوز له التصرف في ملك الغير.
الثاني: لو اعتكف بلا إذن المولى وأُعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه لفساد الاعتكاف من أوّله.
الثالث: لو اعتكف بإذن المولى ثمّ أعتق في الأثناء، فله الخيار في الإتمام وعدمه ما لم يكمل اليومين، وإلاّ وجب الثالث أو السادس حسب ما مرّ.
الرابع: إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن إذنه شأن كلّ مالك بالنسبة إلى ما يملك ما لم يكن هناك إلزام من الخارج.
وبعبارة أُخرى: العبد المأذون ليس بأفضل من الإنسان الحرّ، فله الرجوع قبل إكمال يومين.
الخامس: إذا اعتكف بإذن المولى وأكمل اليومين، فهل له أن يرجع عن إذنه بعد إكمال يومين؟ الظاهر لا، لأنّه بإذنه سلب سلطنته عنه مادام يعتكف، فلو كان الاعتكاف مستحباً جاز له الرجوع عن إذنه، وأمّا إذا صار واجباً عليه فليس له الرجوع، لأنّه ليس بمشرِّع، وقد ثبت أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فإن قلت: إنّ وجوب المضيّ فرع جواز اللبث المنوط بالإذن حدوثاً وبقاءً، وإلاّ فهو تصرّف في ملك الغير الذي هو محرّم ومصداق لمعصية الخالق أيضاً.
قلت: إنّ إذنه في الاعتكاف إذن في موضوع له أحكام، وهو وجوب الاستمرار إذا أكمل اليومين، وعند ذلك فهو بإذنه حدوثاً سلب السلطنة عن نفسه اختياراً بالنسبة إلى اليوم الثالث.
السادس: إذا نذر العبد أن يُتم الاعتكاف متى شرع و كان النذر بإذن المولى، وقد شرع فيه العبد، فإنّه ليس له الرجوع حينئذ، لكونه على خلاف حكمه سبحانه.
وبعبارة أُخرى: أنّ إجازته للعبد بأن ينذر وجوب إتمام الاعتكاف متى شرع يعدُّ سلبَ سلطنة لنفسه في هذه الأيّام، حيث أذن لموضوع له حكم خاص، وهو وجوب الإتمام عند الشروع.
والحاصل: أنّه ليس للمولى حلُّ ما وجب شرعاً كما في اليوم الثالث في الفرع الخامس، أو اليوم الأوّل وبعده كما في الفرع السادس.
في الموارد الّتي تجوّز الخروج من المسجد
يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة، أو لحضور الجماعة أو لتشييع الجنازة، وإن لم تتعيّن عليه هذه الأُمور. وكذا في سائر الضرورات العرفية، أو الشرعية ،الواجبة، أو الراجحة. سواء كانت متعلّقة بأُمور الدنيا ،أو الآخرة، ممّا ترجع مصلحته إلى نفسه أو غيره . ولا يجوز الخروج اختياراً بدون أمثال هذه المذكورات.
وقد تقدّم الكلام في ذلك في الشرط الثامن، وعرفت أنّ المستثنى في صحيح عبداللّه بن سنان(260) هو مطلق الحاجة، ولكن المستثنى في صحيحي الحلبي(261) و داود بن سرحان(262) هو الحاجة التي لابدّ منها، ومقتضى صناعة الاجتهاد هو تقييد المطلق بالمقيد. وعلى ذلك فلا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة المستحبّة ما لم تكن الحاجة لابدّ منها عقلاً أو شرعاً أو عرفاً. نعم ورد في صحيح الحلبي جواز الخروج لمشايعة الجنازة أو عيادة المريض، ويمكن حملها على مشايعة أو عيادة لابدّ منها، لا مطلق الحاجة المستحبة.
في حكم الجنابة في المسجد أثناء الاعتكاف
هنا فرعان:
1. حكم الاغتسال إذا أجنب.
2. حكم الاعتكاف إذا لم يخرج.
أمّا الأوّل، فقد فصّل صاحب العروة بين إمكان الاغتسال في المسجد بلا تلويثه، فيقدّم الاغتسال فيه على الاغتسال في الخارج، للجمع بين الاغتسال وحرمة الخروج; وبين عدم إمكانه، فيجب الخروج والاغتسال في الخارج.
أقول: قد تقدّم في الأمر الثامن أنّه يجب الاغتسال مطلقاً خارج المسجد ويحرم المكث فيه، سواء تمكّن من الاغتسال في المسجد بلا تلويثه أو لا، وسواء تمكّن من الاغتسال بحالة الخروج أو لا، وذلك لأنّ مكث الجنب في المسجد حرام وليس مضطرّاً إليه لوجود المندوحة وهو الاغتسال في الخارج، وعندئذ يصبح الخروج ممّا لابدّ منه كما مرّ .
وإن شئت قلت: إنّ هنا إطلاقين يلزم تقييد أحدهما في هذه الحالة:
1. إطلاق ما دلّ على حرمة اللبث في المسجد للجنب.
2. إطلاق ما دلّ على حرمة الخروج من المسجد للمعتكف.
فلو قُيِّد الإطلاق الأوّل بأدلّة الاضطرار تكون النتيجة هو وجوب الاغتسال في المسجد، ولو قُيِّد الإطلاق الثاني بما ورد في ذيله ودلّ على جواز الخروج للحاجة الضرورية، تكون النتيجة هو وجوب الخروج والاغتسال في الخارج. وعلى ضوء ذلك لا ملزم لتقييد الأوّل دون الثاني مع أنّهما متساويان .
بل يمكن أن يقال: إنّه لا يجوز تقييد حرمة مكث الجنب في المسجد بطروء الاضطرار، بل يتعيّن تقييد إطلاق حرمة الخروج من المسجد بما ورد في ذيل الروايات من الحاجة الضرورية ، وذلك لأنّ الالتجاء إلى العناوين الثانوية ـ كحديث الرفع ـ إنّما يجوز إذا أوجد العمل بالأحكام الواقعية الأوّلية تزاحماً، فعندئذ يرفع التزاحم بأدلّة العسر والحرج ورفع الاضطرار.
وأمّا المقام فليس من صغرى هذه الضابطة، فإنّ دليل حرمة اللبث وإن لم يقيّد بشيء فهو مطلق، لكن حرمة الخروج في نفس الأدلّة مقيّدة بعدم عروض الحاجة الضرورية، فإذاً الجمع بين هذين الحكمين اللّذين أحدهما مطلق جوهراً والآخر مقيد كذلك لا يورث تزاحماً حتى نتمسك في رفع التزاحم بالعناوين الثانوية.
وبعبارة أُخرى: إذا كان الجمع بين الأحكام المتعلّقة بالعناوين الأوّلية مطلقها ومقيدها مورثاً للتزاحم، فلابدّ من الخروج من دائرة العناوين الأوّلية إلى تطبيق أحكام العناوين الثانوية عليها; وأمّا إذا كان التزاحم مرتفعاً بنفس العمل بالأحكام الواقعية فيما إذا كان أحدهما مقيَّداً من أوّل الأمر والآخر مطلقاً، فلا مجال للتمسك بالعناوين الثانوية لفقد الموضوع.
أمّا الثاني، أعني: بطلان الاعتكاف إذا لم يخرج من المسجد، فلأجل أنّ المكث الحرام جزء من الاعتكاف، وبما أنّه محرَّم لا يكون هذا الجزء مقرِّباً، فيبطل الكل.
وربما يفصّل بين ما إذا كان مكثه موجباً لترك جزء من الاعتكاف عمداً وما إذا لم يكن كذلك، فيبطل الاعتكاف في الأوّل دون الثاني; فإنّ اللبث حرام تكليفاً ووضعاً في الأوّل فيكون مخلاًّ بالاعتكاف، وتكليفاً فقط في الثاني فلا يكون مخلاًّ به.
توضيحه: أنّه إذا أرسل خادمه لتحصيل الماء ليغتسل في المكان المعدّ للاغتسال من توابع المسجد، ولكنّه لبث في المسجد إلى أن يجيء الخادم، فهو وإن ارتكب الحرام تكليفاً، لكن لم يترك جزءاً من الاعتكاف، لأنّ المفروض أنّ هذا المقدار من الزمان لا يجب المكث فيه غاية الأمر كان عليه الانتظار خارج المسجد فخالف وارتكب الحرام، وعندما حضر الماء خرج من المسجد واغتسل في خارجه.
نعم لو جلس في المسجد زائداً على المقدار المذكور كما أنّه استمرّ في اللبث حتى بعد تحصيل الماء، فبما أنّه فوَّت على نفسه الاعتكاف في المقدار الزائد من الزمان، «فقد ترك جزءاً من اللبث الواجب اختياراً»(263)، وذلك موجب للبطلان.(264)
أحكام الغصب في الاعتكاف
هنا فروع:
1. إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد وجلس فيه واعتكف، فهل يبطل اعتكافه؟
2. إذا جلس على فراش مغصوب.
3. إذا جلس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب أو آجر مغصوب.
4. إذا لبس الثوب المغصوب أو كان حاملاً له و هو معتكف.
5. إذا جلس على المغصوب ناسياً أو جاهلاً أو مضطراً.
وإليك البحث في الجميع واحداً تلو الآخر:
1. إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد
إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد وجلس فيه واعتكف، فهل يبطل اعتكافه؟ قولان مبنيان على أنّ السابق إلى مكان هل يُوجد له حقّ الاختصاص مالم يعرض عنه أو لم يتحقّق الإعراض العرفي، أو لا يوجِدُ إلاّ عدم المزاحمة له فلا تجوز إزالته عنه، وأمّا بعدما أُزيل ولو قهراً ينتفي حقّه ويبقى على الإباحة العامة؟ فالرأيان مستمدان ممّا ورد في المقام من الروايات.
1. روى الكليني باسناد صحيح عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه، فقال: «من سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته».(265)
والاستدلال بالرواية فرع صحّة السند.
لكن الظاهر انّ السند ضعيف لأجل الإرسال، ومعه لا حاجة إلى التحقيق عن هوية محمد بن إسماعيل الذي روى بواسطة واحدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
وهو ليس محمد بن إسماعيل الذي هو شيخ الكليني، والراوي عن الفضل بن شاذان، بل هو مردد بين محمد بن إسماعيل بن بزيع أو محمد بن إسماعيل بن ميمون، وإن كان الأقرب هو الثاني .
قال النجاشي: محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني، أبو عبد اللّه، ثقة، عين، روى عن الثقات ورووا عنه، ولقي أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، له كتاب نوادر.(266)
وأمّا محمد بن إسماعيل بن بزيع فهو أيضاً روى عن أصحاب الصادق (عليه السلام)، حيث روى عن منصور بن يونس وحمّاد بن عيسى .(267)
والظاهر من الرواية أنّ المكان كان من قبيل السوق غير أنّ كونه أحقّ بها حتى في ليلته لابدّ من حمله على وضع سلعته وحاجاته فيه وإلاّ فينتهي حقّه بانتهاء اليوم.
وبما ذكرنا يعلم أنّ الرواية لم تشتمل على شيء لم يقل به أحد، وأمّا الدلالة فسيوافيك بيانها.
2. ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى الليل و كان لا يأخذ على بيوت السوق كراءً».
والرواية نقلها الصدوق مرسلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(268)، و نقلها الكليني بسند(269) صحيح ينتهي إلى طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين ....
وطلحة بن زيد لم يوثّق لكن الشيخ قال في حقّه: «هو عامي المذهب، إلاّ أنّ كتابه معتمد» وله بهذا العنوان 156 رواية في الكتب الأربعة.
كما نقله أيضاً بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «سوق المسلمين كمسجدهم...».(270)
وعلى هذا فالرواية قابلة للاستناد.
وتحديد الحقّ إلى الليل يدلّ على أنّ المكان من قبيل السوق فينتهي بتخلية المكان، بخلاف الرواية الأُولى فإنّه أثبت الأحقّية لليوم والليلة، وقد مرّ محمله.
ربما يقال: إنّ الظاهر من الأحقّية بقرينة صيغة التفضيل مجرد الأولوية، فكلّ واحد من المسلمين ذو حق بالنسبة إليه، إلاّ أنّ السابق أحقّ به.
يلاحظ عليه: بأنّ أفعل التفضيل كثيراً ما تستعمل في غير التفاضل، كما في قوله سبحانه: (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أمْ جنّةُ الخُلْدِ الّتي وُعِدَ المُتَّقُون).(271)
وقال سبحانه: (أَفَمَنْ يَهْدي إِلى الحَقِّ أحقُّ أَنْ يُتَّبعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أن يُهْدى).(272)
وقال سبحانه: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصلاحاً).(273)
والمراد في الجميع أنّ أحدهما حقّ دون الآخر، إنّما الكلام في تفسير كونه محقاً، فقد ذهب السيد الحكيم والسيد الخوئي إلى أنّ معناه كونه محقّاً أي غير مزاحم فلا تجوز إزالته ، وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية فلا تعرّض في الرواية لجهة تصرفه أو تصرف غيره فيه، فلو أُزيل أحد عن المكان ثمّ جلس فيه نفس هذا الشخص أو الشخص الثالث أفهل يحتمل بطلان تصرفه لكونه في حكم الملك السابق الذي يتوقّف على إذنه؟
يلاحظ عليه : أنّ معنى كون الإنسان محقّاً أنّ هذا الحقّ ثابت له مالم يعرض عنه باختياره، وعلى ذلك فلو أُزيل قهراً فهو لا يلازم زوال حقّه و كونه محقّاً، وقد قيل:«إنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء»، فلو بطل الحقّ بالقهر والغلبة فيكون من مصاديق قول القائل:«الحقّ بعد أبي ليلى لمن غلبا » و هو كما ترى.
وإن شئت قلت: إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونه بصدد بيان الأمر الوضعي، لا الأحكام.
وربما يقاس المقام بما ورد من أنّ أولى الناس بميراثه أولى الناس بالصلاة عليه، إذ ليس معناه أنّه لا يجوز لغير الولي أن يصلّي على الميت، بل المراد عدم جواز مزاحمته في الصلاة وأنّه أولى بذلك، وإلاّ فالوجوب الكفائي ثابت لجميع المكلّفين، فهكذا المقام.(274)
يلاحظ عليه: أنّ صلاة الغير على الميت لا تزاحم صلاة الولي ، (ولعلّ معنى أولوية الوارث على غيره أولويته بالقيام على تجهيزه من الغسل إلى الصلاة إلى الدفن فأولى الناس بميراثه ، أولاهم بتحمّل عبء هذه الأُمور)، وهذا بخلاف المقام، إذ لا يسع المكان الواحد إلاّ لشخص واحد.
وبعبارة أُخرى: أنّ الشاغل السابق ذو حق ويبقى حقّه مستمراً إلى وقت الإعراض، فلو أزاله شخص وجلس مكانه فهو مأمور بتخلية المكان وتسليمه إلى المحق، فهو بعمله هذا يعصي أمر اللّه سبحانه مستمراً، ومعه كيف يصحّ اعتكافه؟
وعلى ضوء ذلك، أي بقاء حقّه في نفس المكان، فهو بجلوسه في المكان الذي سبق إليه غيره يمكث مكثاً حراماً، فكيف يكون مقرّباً؟
فإن قلت: إنّ متعلّق الحرمة هو الجلوس، ومتعلّق الوجوب هو المكث، فعلى القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، لا مانع من الصحة.
قلت: إنّ متعلّق الحرمة هو إشغال المكان الذي سبق إليه غيره سواء كان بالجلوس، أو بالقيام عليه، و الجلوس والمكث من العناوين المنطبقة عليه فالإشغال بالقياس إلى المكان، ينتزع منه الجلوس، وبالقياس إلى الزمان ينتزع منه المكث، فليس في الواقع إلاّ شيء واحد وهو الإشغال فكيف يتقرّب به وهو حرام، وإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي؟
2. الجلوس على الفراش المغصوب
إذا اعتكف في المسجد جالساً على الفراش المغصوب، فهل يبطل اعتكافه أو لا؟ وجهان:
أ: الصحّة فإنّ النهي تعلّق بالجلوس، والأمر بالمكث وهما وإن كانا متلازمين في الخارج، لكن حرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر ، فيبقى المكث الذي يتقوّم به الاعتكاف على ما كان عليه من الإباحة، وحال الجلوس المزبور حال اللباس المغصوب الذي اتّفقوا فيه على صحّة الاعتكاف، فكما أنّ الفرش يحرم الجلوس عليه، كذلك اللباس المغصوب يحرم لبسه.
ب: انّ متعلّقي الأمر و النهي وإن كانا مختلفين ولذلك يصحّ اجتماعهما في المقام، لكن الإشكال في تمشّي قصد القربة بالعمل الواحد المنهي عنه، فإنّ المكث العبادي متحد في الخارج مع الجلوس الحرام، فكيف يتقرّب بعمل واحد، لا يحبه المولى بل يبغضه وبما ذكرنا يظهر وجه الفرق بين المقام والاعتكاف بثوب مغصوب، وذلك لأنّ واقعية الاعتكاف هو اللبث في المسجد، سواء كان كاسياً أو عارياً، وليس للّبس أيّ مدخلية في واقع الاعتكاف، فلو اعتكف مع قميص مغصوب فكأنّما اعتكف مع الكذب والغيبة.
3. الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب
إذا فرش المسجد بتراب أو حجر مغصوب، فحكمه حكم الفراش المغصوب إذا أمكن إزالته فلا يعتكف فيه جالساً عليه، إنّما الكلام إذا لم تمكن إزالته كما إذا فرش بآجر مع الاسمنت بحيث لا يمكن قلعه بسهولة، ولو قلع لما أمكن الانتفاع به.
لا شكّ انّ تلك المواد بعد الاستعمال تخرج عن المالية، إذ لا يبذل بإزائها الثمن، لما عرفت من أنّه لو قلع لما أمكن الانتفاع به، إنّما الكلام في خروجها عن الملكية وعدمه، والظاهر هو الأوّل، لأنّها اعتبار عقلائي لغاية عقلائية و المفروض انتفاء الغاية بعد تحولها جزءاً من المسجد بحيث لو قلع لما انتفع به، فهو أشبه ببعض الأوعية المكسورة التي لا يمكن الانتفاع من مكسورها، فيكون الكاسر ضامناً، والأجزاء المتفرقة داخلة في المباحات، ومع ذلك فللمالك حقّ الاختصاص، فيكون الجلوس عليه محرّماً. هذا إذا لم يغط الغصب عامة سطح المسجد، و إلاّ فيقع التزاحم بين حقّ المصلّي ـ غير الغاصب ـ مع حقّ المغصوب منه، فيقدّم حقّ الأوّل على الثاني، لأنّ المنع عن الانتفاع بالمسجد لأجل ذلك الأمر يزاحم الغاية المتوخّاة من الوقف .
4. لُبس الثوب المغصوب في الاعتكاف
إذا لبس الثوب المغصوب في حال الاعتكاف أو حمله، فقد علم حكمه ممّا مرّ في النوع الثاني، فلاحظ.
5. إذا جلس على المغصوب ناسياً أو جاهلاً أو مضطراً
إذا جلس المعتكف على المغصوب لعذر عقلي أو شرعي، كالنسيان والإكراه والاضطرار فلا يبطل اعتكافه، بشرط أن لا يكون الناسي هو الغاصب، و إلاّ فيبطل، وقد ورد النص في بطلان صلاة الغاصب الناسي.
وجه الصحة ، هو حكومة العناوين الثانوية كالنسيان والإكراه والاضطرار على أحكام العناوين الأوّلية، فنخص فعلية الحرمة بغير هذه الحالات، فيكون الاعتكاف جامعاً للشرائط، والمعتكف نادراً على قصد التقرب بعد.
وأمّا إذا كان جاهلاً بالغصب أو شاكاً، فالرفع في المقام، وإن كان يختلف مع الرفع في الموارد الثلاثة المتقدّمة حيث إنّ نسبة الرفع فيها إلى الأدلة الواقعية، من قبيل حكومة دليل اجتهادي على دليل اجتهادي مثله، بخلاف الرفع فيما لا يعلم، فإنّ الرفع فيه ظاهري، لكونه أصلاً عملياً وارداً في مورد الشكّ والجهل، ولكن ذلك الفرق لا يؤثِّر في صحّة العمل في الجميع، لما عرفت من الملازمة العرفية بين الأمر بالشيء، والأمر بشيء آخر في كيفية امتثاله، فلازم الأمر الثاني هو اقتناع المولى في مقاصده، على ما تؤدّيه إليه الأمارات والأُصول العملية لمصلحة أعلى من حفظ عامة المقاصد...
ولذلك قلنا بالإجزاء في موارد الأمارات والأُصول الجارية في الأجزاء والشرائط. وتكون النتيجة بعد تقديم حديث الرفع على أدلّة الشرطية والجزئية والمانعية، اختصاص مانعية الغصب بغير صورة الجهل.
فإن قلت: ليس المانع من الصحة هو عدم قصد القربة حتى يقال بإمكانه من الجهل، ولا الحرمة المنجزة كما يقال بارتفاعها في طرف الجهل، بل المانع هو الحرمة الفعلية الواقعية وإن لم تكن منجزة . وبالجملة، أنّ المغصوب في طرف النسيان والإكراه والاضطرار ليس بحرام لا واقعاً ولا ظاهراً، لما عرفت من حكومة أدلّة العناوين الثانوية، على الأدلة الأوّلية حكومة دليل اجتهادي على دليل اجتهادي مثله، وأمّا المقام فالمرفوع هو التنجز أي كون العمل موجباً للعقاب، دون الحرمة الفعلية، وعلى ذلك فمورد العناوين الثلاثة من قبيل التزاحم دون المقام فهو من قبيل التعارض، والحرام بالفعل لا يكون مصداقاً للواجب .(275)
قلت: تطلق الفعلية ويراد منها أحد الأمرين:
1. تمامية البيان من الشارع في المورد سواء أوصل إلى المكلّف أم لم يصل. والفعلية بهذا المعنى لا تنافي جريان البراءة، لأنّ مفادها عندئذ هو عدم صحّة الاحتجاج بمثل هذا البيان غير الواصل، فيكون الحكم الواقعيّ المبيّن، ممّا لا يحتجّ به، وأمّا صحّة العمل فهي نتيجة الملازمة بين الأمر بالبراءة والاكتفاء بالمقدار الباقي بعد صدق الموضوع على الواجد والباقي.
2. وجود خطاب جدّي من المولى إلى العبد في المورد، والفعلية بهذا المعنى تنافي البراءة، لكنّه مبنيّ على تعدّد الخطاب حسب تعدّد المكلّفين ـ كما هو المشهور ـ و المختار عندنا هو وجود خطاب إنشائي متعلّق بالعنوان الكلي الذي يحتجُّ به المولى على العبد دون أن يكون في كلّ مورد خطاب خاص ـ وعلى ذلك ـ لا يكون ذلك الخطاب الكلي مانعاً عن جريان البراءة، لعدم وجود خطاب جزئي متوجّه إلى العبد في المورد.
الخروج لأداء دين واجب أو إتيان واجب
انّ أداء الدين والمكث في المسجد متضادان لا يجتمعان فلا يمكن الأمر بهما معاً. وعندئذ فهنا فروض:
1. إذا قلنا الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أي المكث، فلا يمكن الأمر به أيضاً، لبطلان اجتماع النهي ـ وإن كان تبعياً ـ مع الأمر بالشيء ـ وإن كان أصلياً ـ .
2. إذا قلنا بعدم الاستلزام ، فبما أنّ الأهم والمهم متزاحمان في مقام الامتثال، فلازم ذلك عدم الأمر بالمهم في ظرف الأمر بالأهم، وسقوط الأمر بالمهمّ لا يلازم فساد العبادة، لما سيوافيك من الفرض الثالث، أعني: الأمر الترتّبي.
3. إذا قلنا بأنّ المحال هو الأمر بالمهم في عرض الأمر بالأهم، فيسقط الأمر بالأوّل في ظرف الأمر بالأهم، لا ما إذا كان الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم كما في الأمرين المترتبين إذا كان الأمر الثاني مترتباً على عصيان الأمر الأوّل، وعند ذاك يمكن إحراز صحة المهم.
4. إذا لم نقل بإمكان الترتّب ومع ذلك يمكن إحراز صحّة الاعتكاف، لأنّه لا شكّ في الصحة على تقدير الخروج، فهذا المقدار من المكث خارج عن الاعتكاف ومستثنى منه بمقتضى الأمر المطلق بالخروج، فطبعاً تبقى بقية الأزمان تحت الأمر، فإذا صحّ الاعتكاف على تقدير الخروج، صحّ على تقدير عدمه أيضاً و إن كان عاصياً.(276) لكن هذا الفرض غير تامّ، لعدم ملازمة العصيان في المقام مع السقوط واجباً على نحو فوراً ففوراً.
الخروج من المسجد لضرورة
في المسألة فروع:
1. إذا خرج من المسجد فيرجع إليه من أقرب الطرق.
2. لا يجلس تحت الظلال مع الإمكان.
3. الأحوط أن لا يجلس إلاّ مع الضرورة.
4. الأحوط عدم المشي تحتها.
أمّا الأوّل، أعني: وجوب الرجوع إلى المسجد من أقرب الطرق، فلأنّ الخروج في لسان الأدلّة مثل صحيحة داود بن سرحان: «لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها».(277) كناية عن المكث خارج المسجد، فالجائز هو المقدار الذي لابدّ منه في قضاء الحاجة الضرورية و أمّا الزائد فلا، فإذا كان أحد الطريقين أقرب و الآخر أبعد، فسلوك الأخير موجب للمكث خارج المسجد زائداً على قدر الضرورة، فيكون ممنوعاً، وبه يظهر وجه قوله في المتن: «ويجب عدم المكث إلاّ بقدر الحاجة والضرورة».
وأمّا الثاني، أعني : المنع عن الجلوس تحت الظلال مع الإمكان، فتدلّ
عليه نفس الصحيحة حيث قال: «ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».
ثمّ إنّ صاحب العروة قيّد المنع بقوله: «مع الإمكان»ووجهه ; ربما يتوقف قضاء الحاجة على الجلوس تحت الظلال كعيادة المريض الوارد ذكرها في صحيحة الحلبي.
ويمكن أن يقال: إنّ الممنوع هو الجلوس تحت الظلال بعد قضاء الحاجة كما هو الظاهر من قوله: «لا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك»، فالجلوس تحتها قبله خارج عن حريم المنع.
وأمّا الثالث: أي المنع عن مطلق الجلوس، فقد ورد في صحيح الحلبي، ورواية ثانية لداود بن سرحان.
ففي الأوّل: «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثم لا يجلس حتى يرجع، ولا يخرج في شيء إلاّ لجنازة، أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتى يرجع».(278)
وفي الثانية: «إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع».(279)
والممنوع و إن كان مطلق الجلوس، لكنّه يقيّد بما ورد في صحيح ابن داود الثاني من ممنوعية الجلوس تحت الظلال لا مطلق الجلوس.
كما أنّ الممنوع في الجميع هو الجلوس، بعد قضاء الحاجة لا قبلها.
فإن قلت: إنّ قوله في صحيح الحلبي:«ولا يجلس حتى يرجع» مطلق يعمّ قبله وبعده.
قلت: إنّه تكرار لما تقدّم من النهي عن الجلوس بعد قضاء الحاجة، أعني قوله: «إلاّ لحاجة لابد منها ثمّ يجلس حتى يرجع » الظاهر في النهي عن الجلوس بعد قضائها ويحمل الذيل عليه.
فقد تبيّن أنّ الممنوع هو الجلوس تحت الظلال بعد قضاء الحاجة فقط.
ولكنّ هنا احتمالاً آخر، وهو أنّ النهي عن الجلوس تحت الظلال كناية عن النهي عن التأخير من غير فرق بين القيام والجلوس، و على هذا لا فرق بين الجلوس تحت الظلال وغيرها.
وأمّا ذكر الظلال بالخصوص في الروايات، فلأجل أنّ الجلوس تحت الظلال هو الغالب في مظانّ الاستراحة، و على هذا فليس في المقام إلاّ حكم واحد، وهو النهي عن التأخير بعد قضاء الحاجة، وبما أنّك ستعرف أنّه لا دليل على حرمة المشي تحت الظلال، ينخفض عدد الفروع من الأربعة إلى الاثنين، فلاحظ.
وأمّا الرابع: أي المنع عن المشي تحت الظلال، فهو خيرة المرتضى، واستدلّ عليه بالإجماع وطريقة الاحتياط، وأضاف في الجواهر وقال: ولعلّه الحجّة مضافاً إلى ما دلّ عليه في المحرم بناء على أصالة مساواته له في
ذلك حتى يعلم الخلاف، وإلى احتمال إلغاء خصوصية الجلوس، وكون المانع منه تحت الظلال، فلا فرق بينه وبين المشي والوقوف.(280) و الجميع كما ترى.
ثمّ إنّ صاحب الوسائل عنون الباب الثامن بالنحو التالي «باب أنّ المعتكف إذا خرج لحاجة لم يجز له الجلوس، ولا المشي تحت ظلال اختياراً...» ولم نعثر فيه على ما يدلّ على المنع عن المشي تحت الظلال، ولكنّه قال في آخر الباب : تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور تحت الظلال للمعتكف.(281) وقد اعترف المعلِّق بعدم عثوره على ما يدلّ على حرمة المرور تحت الظلال.
إذا طال الخروج بطل الاعتكاف
لو خرج لضرورة وطال خروجه، بحيث انمحت صورة الاعتكاف، بطل.
لأنّ الاعتكاف عمل واحد متصل مستمر إلى ثلاثة أيّام، والفصل
بين أجزائه ينافي الوحدة والاتّصال، خرج ما لابدّ منه، والقدر المتيقّن ما
لا يضرّ بصورة العمل التي هي قوامه، فلو خرج لعيادة مريض في نقطة
نائية، بحيث استغرقت ساعات من اليوم، خرج عرفاً عن كونه معتكفاً في المسجد.
في طلاق المعتكفة
صور المسألة ثلاث:
الأُولى: إذا طُلِّقت المعتكفة طلاقاً بائناً أو مات عنها زوجها، فقد انقطعت العصمة بينهما، فهي كسائر النساء الأجنبيّات لا يؤثر رضا الزوج السابق ولا عدمه. وهذا خارج عن محطّ البحث، وإنّما ذكر استطراداً.
الثانية: إذا طُلّقت المعتكفة طلاقاً رجعياً وكان الاعتكاف واجباً موسّعاً كالمنذور بلا توقيت، فوافاها الطلاق الرجعي في اليومين الأوّلين، فقد أفتى صاحب العروة بوجوب خروجها إلى منزلها للاعتداد وبطل اعتكافها، ولكن يجب استئناف الاعتكاف بعد الخروج عن العدة، وذلك لعدم التزاحم بين الوفاء بالنذر والاعتداد في البيت حيث إنّ الأوّل واجب موسّع والآخر واجب مضيّق، فيقدم قوله سبحانه: (لاتُخْرِجُوهُنَّ من بُيُوتِهنَّ ولا يَخْرُجْن)(282) على الاعتكاف.
الثالثة: إذا كان الاعتكاف واجباً معيناً كالنذر المعين، فوافاها الطلاق في أي يوم من الأيام الثلاثة، أو كان مستحباً، أو واجباً غير معيّن لكن وافاها الطلاق في اليوم الثالث من الاعتكاف، فهنا أقوال:
القول الأوّل: ما ذهب إليه الشيخ والمحقّق من لزوم الخروج من المسجد والرجوع إلى البيت، وقد حكاه عن الشافعي وأحمد محتجاً بقوله سبحانه: (لا تخرجوهنّ من بُيُوتهنّ ولا يخرجن) ، ولأنّ الاعتداد في بيتها واجب، فلزمها الرجوع إليه، كالجمعة في حقّ الرجل.(283)
وهو خيرة المحقّق أيضاً حيث قال: إذا طلقت المعتكفة رجعية، خرجت إلى منزلها ثمّ قضت واجباً إن كان الاعتكاف واجباً، أو مضى يومان، وإلاّ ندباً.(284)
القول الثاني: لزوم الاستمرار في الاعتكاف حيث إنّه واجب، وقد تعارض مع وجوب الخروج للاعتداد، فيقدم الأسبق وهو الاعتكاف.
القول الثالث: ما اختاره صاحب العروة من التخيير بين إتمامه ثمّ الخروج، أو إبطاله والخروج فوراً، لتزاحم الواجبين ولا أهمية معلومة في البين.
هذه هي الأقوال في المسألة، وهي مبنية على أنّ الإقامة في البيت والاعتداد فيه حكم شرعي للاعتداد. فعلى ذلك يجب الخروج في الصورة الثانية بلا كلام، والتخيير في الصورة الثالثة بناء على عدم أهمية امتثال أحد الحكمين على الآخر.
وأمّا لو قلنا بأنّ الاعتداد في البيت ليس حكماً جديداً، بل هو استمرار للحكم السابق للزوجة حيث إنّ المطلّقة رجعية زوجة، فعلى هذا فيكون حال المطلّقة حال الزوجة. ويدلّ على ما ذكرنا صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلاّ بإذن زوجها حتى تنقضي عدّتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر إن لم تحيض».(285)
وعلى ذلك فحال المطلّقة حال الزوجة في جميع الأحوال، وقد مرّ حكمها سابقاً في الأمر السابع حيث قال السيد الطباطبائي اليزدي: وكذا يعتبر إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقّه.(286)
نعم لو قلنا بأنّ حرمة خروج الزوج من البيت حكم تعبدي للاعتداد ولا صلة له بالزوجية، فعندئذ يصلح ما في المتن من التخيير إذا كان الحكمان متساويين في الملاك، أو يقدّم أحدهما إن كان فيه ملاك التقديم، لكن المبنى غير تام.
فإن قلت: إنّ ظاهر قوله سبحانه: (لا تخرجوهنّ من بيوتهن ولا يخرجن)هو كون حرمة الخروج من آثار الطلاق ثمّ الاعتداد لا من آثار الزوجية الباقية في المطلّقة الرجعية.
قلت: إنّ ما ذكر إشعار لا يعتمد عليه في مقابل صحيحة الحلبي، خصوصاً في مقابل قولهم:«المعتدة رجعية زوجة» وليس معنى كونها مطلقة أنّها خارجة عن حبال الزوجية، بل هي زوجة بالفعل لكن لها ذلك الشأن وهو أنّه إذا خرجت العدة ولم يرجع الزوج فيها، خرجت عن كونها زوجة.
وعلى ما ذكرنا فليس عليها وجوب الخروج في الثانية، بل هي مخيّرة بين الخروج والبقاء.
كما أنّه يجب عليها البقاء لكون الاعتكاف واجباً معيّناً، وليس البقاء في الثانية ولا الثالثة مخالفاً لحقّ زوجها، لأنّ المفروض كونها مطلّقة.
اللّهمّ إلاّ إذا رجع عن طلاقها، فصار البقاء مخالفاً لحقّ الزوج فترجع إلى البيت في الثانية دون الثالثة، لتعيّنه عليها.
في وجوب الاعتكاف الواجب المعيّن والموسّع والمندوب
قد تقدم الكلام في هذا الموضوع عند البحث عن قطع الاعتكاف المندوب والمنذور (287) ، فالواجب المعيّن لأجل كونه مضيّقاً لا يجوز رفع اليد عنه، بخلاف الموسّع والمندوب فيجوز إلاّ في اليوم الثالث. ولا مانع من أن يكون العمل مستحباً والإتمام واجباً كما هو الحال في الحجّ والعمرة، قال سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرة)(288). نعم يظهر من الشيخ وجوب الإتمام بالشروع فيه، و سيوافيك كلامه في المسألة التالية.
في اشتراط المعتكف
اتفقت كلمة الأصحاب والأخبار على أنّه يستحب للمعتكف أن يشترط لنفسه في الاعتكاف أنّه إذا عرض له عارض أن يخرج من الاعتكاف.
هذا أمر لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في محل الشرط، فهل يختص باليومين الأوّلين أو يعمّ الثالث أيضاً؟
ذهب الشيخ إلى اختصاصه باليومين الأوّلين، لوجوب الثالث بمضيّ يومين فلا يحلّ بالاشتراط.
قال في المبسوط: ومتى شرط المعتكف على نفسه أنّه متى عرض له عارض رجع فيه، كان له الرجوع فيه أي وقت شاء ما لم يمض به يومان، فإن مضى به يومان وجب عليه إتمام الثالث، فإن لم يشترط وجب عليه بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام، لأنّ الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيّام.(289)
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في الفروع التالية:
1. هل يجوز اشتراط الرجوع مطلقاً، أو يختص بغير اليوم الثالث؟
2. لا فرق بين تعليق الرجوع على عروض عارض وعدمه.
3. لا يجوز له اشتراط المنافيات كالجماع مع بقاء الاعتكاف.
4. يعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النيّة.
5. إذا شرط حال النيّة ثمّ أسقط حكم شرطه، فهل يكون مؤثراً أو لا؟
وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.
1. عموم الشرط لعامة الأيّام
قد عرفت أنّ الشيخ خصّص الشرط باليومين الأوّلين وأخرج اليوم الثالث، ولكن الحقّ جوازه مطلقاً على نحو يكون مؤكداً لجواز العدول في اليومين ومؤثراً في اليوم الثالث، وذلك لإطلاق ما دلّ على جواز الاشتراط.
ففي معتبرة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« لا يكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام واشترِط على ربّك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلّك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علّة تنزل بك من أمر اللّه».(290)
وروى الكليني والصدوق عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيام، ومن اعتكف صام، و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يُحرم».(291)
إلى غير ذلك من الروايات فإطلاقها محكّم خصوصاً أنّ ما دلّ على وجوب اليوم الثالث مقيّد بعدم الاشتراط، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «و إن أقام يومين ولم يكن اشترط، فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيّام».(292)
فعلى ذلك فلا مانع من الاشتراط في جميع الأيّام.
2. جواز الاشتراط مطلقاً و لو مع عدم عروض عارض
هل يختص الاشتراط بالرجوع مع العارض، أو يجوز مطلقاً ولو لم يطرأ طارئ؟
الظاهر من كلام المحقّق والشهيد في «الدروس» هو الثاني، قال المحقّق: ولو شرط في حال نذره الرجوعَ إذا شاء، كان له ذلك أي وقت شاء.(293)
وقال الشهيد: ولو شرط الرجوع متى شاء اتُّبع ولم يتقيّد بالعارض.(294)ولكن الظاهر من العلاّمة هو الاختصاص بعروض العارض، قال:
إنّما يصحّ اشتراط الرجوع مع العارض، فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة أو التنزّه أو البيع أو الشراء للتجارة أو التكسّب بالصناعة في المسجد لم يجز.(295)
ووافقه الشهيد في «المسالك» وقال: اعلم أنّ الاشتراط في الاعتكاف بأن يحلّه حيث حبسه الجائر كالحجّ وفائدته تسويغ الخروج منه عند العذر الطارئ بغير اختياره، كالمرض والخوف ونحوهما، فلا يجوز اشتراط الخروج بالاختيار أو إيقاع المنافي كذلك.(296)
واختاره المحدّث البحراني في حدائقه وقال: هذا هو الظاهر من الأخبار، وأمّا ما ذكروه من جواز اشتراط الرجوع مطلقاً فلا أعرف له دليلاً.(297)
واستُدلّ على القول بعدم الاختصاص بطروء النذر بروايتين:
1. إطلاق صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيّام».(298)
2. صحيحة أبي ولاّد الحنّاط، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال: «إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر».(299)
وجه الدلالة: أنّ حضور الزوج ليس عذراً قطعاً ولا يعد عارضاً ، ومع ذلك نوّه الإمام بأنّه لو لم تشترط كان عليها ما على المظاهر، بخلاف ما لو اشترطت فليس عليها شيء.
واستدلّ للقول بالاختصاص بصحيحة وموثّقة.
أمّا الصحيحة فهي ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يُحرم».(300) والاشتراط في الإحرام يُعلّق على طروء عارض فيقول هناك: أنْ تحلني حيث حَبَسْتَني.
وأمّا الموثقة فهي ما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى».(301)وتقيد الأُوليان بالأخيرتين.
يلاحظ عليه: أنّ التقييد فرع إحراز وحدة الحكم ـ كما بُيّن في محلّه ـ وإلاّ فيجوز أن يكون المطلق موضوعاً لحكم، والمقيّد موضوعاً لحكم آخر، والمقام من هذا القبيل حيث إنّ الرجوع متى شاء موضوع لجواز الاشتراط، كما أنّ الرجوع متى عرض عارض موضوع لاستحباب الاشتراط الذي يحكي عنه قوله في موثقة أبي بصير:«و ينبغي للمعتكف».
و لذلك جرت سيرة العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد في أبواب المستحبات، وذلك لأجل عدم إحراز وحدة الحكم واحتمال تعدد مراتبه، فلو ورد اقرأ زيارة يوم عاشوراء، وورد اقرأها تحت السماء، لا يحمل المطلق على المقيّد، بل يحمل على تأكد الاستحباب، فإذا كان حال المستحبات كذلك فما ظنك إذا كان أحد الحكمين حاملاً للجواز كما هو الحال في الصحيحين، والآخر حاملاً للاستحباب كما هو المستفاد من الأخيرتين.
3. اشتراط المنافيات
لا يجوز اشتراط ارتكاب المنافيات كالجماع ونحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله، لأنّ العبادات توقيفية، والشرط ليس مشرّعاً إلاّ إذا ورد عليه النصّ كما في اشتراط فسخ الاعتكاف، وأمّا تجويز الإتيان بالمنافيات بالشرط مع حفظ الموضوع أي بقاء الاعتكاف بحاله، فهو رهن الدليل.
4. اعتبار كون الشرط حال النية
يعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النية فلا اعتبار بالشرط قبلها، أو بعد الشروع فيه و إن كان قبل الدخول في اليوم الثالث، وذلك لأنّه المفهوم من تشبيه الشرط في المقام بالشرط في باب الإحرام، فإنّ وقته فيه هو النية.
مضافاً إلى أنّ حقيقة الشرط عبارة عمّا يناط المنشأ به، وهو فرع كونه مقروناً به حتى يقال اشترط في اعتكافه، وبعبارة أُخرى: معنى الاشتراط في الاعتكاف، هو كون الثاني ظرفاً للشرط و هو فرع نيّة الشرط معه وإلاّ يكون غير مرتبط به وأشبه بالشرط الابتدائي الخارج عن مصطلح الشرط الوارد في الروايات.
5. إسقاط حكم الشرط
إذا اشترط ثمّ حاول إسقاط حكم شرطه، فهل يسقط بذلك ويعود الاعتكاف بعد ذلك لازماً على نحو ليس له الخروج عنه إذا وجب كاليوم الثالث، أو لا يسقط ويبقى الاعتكاف في جوازه، متى شاء خرج؟
الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ الشرط يُطلق ويراد به تارة الشرط الأُصولي، كما عليه تقسيم الواجب إلى واجب مطلق وواجب مشروط، كاشتراط وجوب الصلاة بدلوك الشمس فيعود إلى تقيّد المنشأ بالشرط.
وأُخرى الشرطُ الفقهي ومرجعه إلى أحد الأمرين، إمّا طلب فعل من المشروط عليه كما في قوله : بعتك بشرط أن تخيط لي قميصاً، فخياطة القميص تكون جزءاً من الثمن مطلوباً، أو جعل الخيار لنفسه كما في قوله: بعتك بشرط الخيار إلى عشرة أيام . والمقام أشبه بالقسم الثاني حيث إنّه ينوي الاعتكاف ويشترط خيار الفسخ والرجوع، غير أنّه لم يدل دليل على أنّ كلّ شرط قابل للإسقاط، خصوصاً إذا كانت نتيجة الشرط الحكم الشرعي بجواز الاعتكاف في اليوم الثالث، فليس للمكلّف إسقاط الحكم الشرعي وأنّ للعبد إرجاع الاعتكاف الجائز إلى اللازم، فمثله يحتاج إلى الدليل.
في اشتراط المعكتف بالرجوع في النذر
هنا فرعان:
1. كفاية ذكر الشرط في صيغة النذر.
2.لو اشترط ورجع، لا قضاء عليه مطلقاً. وإليك البحث في كلّ واحد تباعاً.
أمّا الأوّل: فقد دلّت الروايات السابقة على جواز اشتراط العدول متى شاء، أو عند طروء العارض عند الاعتكاف على نحو يكون محل الشرط هو الشروع في الاعتكاف وعند نيّته . وهنا نوع آخر، وهو اشتراط الرجوع عند نذر الاعتكاف. والظاهر من صاحب العروة جواز كلّ من الصورتين، ولكن مورد الروايات هو الأولى دون الثانية، وتجويز الصورة الثانية يحتاج إلى دليل، وقد أشار إليه السيد العاملي في «المدارك» وقال: ولم أقف على رواية تدلّ على ما ذكروه من مشروعية اشتراط ذلك في عقد النذر، وإنّما يستفاد من النصوص أنّ محلّ ذلك نية الاعتكاف مطلقاً.(302)
و تبعه صاحب الحدائق وقال: وهو مشكل، لأنّ المستند في هذا الاشتراط، إنّما هو الأخبار المذكورة، وهي كما عرفت، إنّما دلّت على أنّ محله هو الاعتكاف، والاعتكاف على وجه النذر لم يرد به خبر بالكلية فضلاً عن خبر يدل على إيقاع هذا الشرط فيه.(303)
و ما أبعد ما بينه و بين ما اختاره العلاّمة في «المنتهى» من حصر محله، في نذر الاعتكاف حيث قال: تفريع: الاشتراط إنّما يصحّ في عقد النذر، أمّا
إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصحّ له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف.(304) ولا شكّ في ضعف هذا الكلام للاتّفاق على صحّة جعله في الاعتكاف، إنّما الكلام في صحّة هذا الشرط في عقد النذر، كصحته عند نية الاعتكاف.
ثمّ الداعي لذكره في عقد النذر هو أنّه إذا كان الاعتكاف مجرّداً عن النذر، فله أن ينوي الرجوع متى شاء بلا محذور، وأمّا إذا كان مقارناً مع عقد النذر فلو لم يذكره في عقد النذر، يكون المنذور به اعتكافاً مطلقاً لا مشروطاً ومعه لا يمكن اشتراط الوجوب عند نية الاعتكاف ، لأنّ المفروض أنّ الواجب عليه هو المطلق الذي من آثاره عدم الرجوع في اليوم الثالث متى شاء ولا يمكن قلب المطلق إلى المشروط بالنيّة.
إذا علمت ذلك تبيّن لك وجه صحة هذا الاشتراط في ضمن نذر الاعتكاف، لأنّه إذا كان الاعتكاف المشروع على قسمين: مطلق لا يمكن الرجوع فيه متى شاء أو عند طروء عارض غير ضروري، و مشروط بخلافه. فالناذر، لأجل أن يتمكن من الرجوع متى شاء، ينذر القسم المشروط، لا المطلق، ليكون ما يتحمّله لأجل النذر من أوّل الأمر هو القسم المشروط، ويكون المعتكف مختاراً عند القيام بالاعتكاف.
وبذلك يعلم أنّه لا يحتاج في تصحيح هذا النوع من النذر إلى دليل خاص يدلّ على صحة جعل هذا الشرط في ضمن النذر، بل يكفي كون الاعتكاف شرعاً على قسمين وتمتّع كل بالرجحان.
وأمّا إعادة الشرط في مقام الاعتكاف فهو غير لازم، بل يكفي إتيان العمل وفاءً بالنذر، فلو لم يلتفت إلى الشرط أوّل الاعتكاف، بل التفت إلى الشرط الذي ذكره عند النذر في أثناء العمل، كفى ذلك في مشروعية الرجوع متى شاء.
أمّا الثاني، أعني: عدم وجوب القضاء مطلقاً، فلأجل عدم صدق الفوت، سواء أكان المنذور معيّناً أم غير معيّن، مشروطاً فيه التتابع أم لا، لعدم صدق التخلّف عن النذر، حتى يصدق الفوت ويجب عليه القضاء في المعيّن والاستئناف في غيره.
ثمّ إنّ قول السيد الطباطبائي: «فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور» إشارة إلى خلاف المحقّق في المعتبر(305)، و الشهيد الثاني في المسالك(306) حيث أوجبا القضاء في بعض الصور. قال في الأخير: ثمّ الاعتكاف المنذور ينقسم باعتبار الشرط وعدمه ثمانية أقسام: لأنّه إمّا أن يكون متعيّناً بزمان أو لا، وعلى التقديرين إمّا أن يشترط فيه التتابع لفظاً أو لا، وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يشترط على ربه الرجوع إذا عرض له عارض أو لا، فالأقسام ثمانية:... حيث فصل في المشروط بين المتعيّن وغيره: وأنّه لا يجب القضاء في الأوّل; وأمّا الثاني فإن لم يشترط التتابع، ففيه قولان أجودهما القضاء، ولو شرط التتابع ففيه الوجهان.
و لم يعلم وجه التفصيل، إذ لا فرق بين المعيّن وغيره فإنّ الحاكم على عدم القضاء، هو الاشتراط لا كون الزمان معيّناً أو غير معيّن، وهذا الملاك جار في الجميع.
اشتراط الرجوع في اعتكاف آخر
هنا فرعان:
1. اشتراط الرجوع في اعتكاف آخر.
2. اشتراط جواز فسخ اعتكاف شخص آخر.
أمّا وجه عدم الصحة في الأوّل، فلأنّ تأثير الشرط بالنسبة إلى الربّ «عزّ وعلا» على خلاف الأصل، فيقتصر على الاعتكاف الذي ذكر فيه الشرط مالم يدلّ دليل على نفوذه مطلقاً، و أمّا عدمها في الثاني فلأنّ الشرط الموافق على القاعدة، هو الشرط على النفس، لا على الغير، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلمون عند شروطهم»، ناظر إلى هذا الفرع من الشرط، والمفروض في المقام هو العكس، وهو شرط في حقّ الغير، ومنه يظهر حال الفرع الثاني.
وقد حاول صاحب الجواهر تصحيح الشرط و قال: الظاهر انّه لا يصحّ له اشتراط الفسخ في اعتكافه لاعتكاف عبده أو ولده، أو اعتكاف آخر له كما صرح به شيخنا أيضاً في رسالته، و إن كان ربّما يحتمل بناء على جواز مثله في الخيار المشترك معه، في أنّ مدركه عموم: «المؤمنون عند شروطهم» الذي هو المنشأ في كثير من الأحكام السابقة.(307) وفيما ذكره تأمّل، للفرق بين جعل الشرط على الرب، والخيار المشترك.
عدم جواز التعليق في الاعتكاف
أمّا إذا علّقه على شرط معلوم الحصول كما إذا قال : أعتَكِفُ بشرط أن يكون اليوم يوم الجمعة، وهو يعلم أنّه يوم الجمعة، فلأنّه ليس بتعليق جداً، إنّما الكلام فيما إذا علّقه على شيء مشكوك الوجود، كما إذا قال : اعتكف إذا كان اليوم من رجب، أو يوم الجمعة، فالمشهور هو البطلان، وذلك لأنّ الاعتكاف مؤلّف من أمرين:1. النيّة، 2. اللبث في المسجد. أمّا الثاني فلا يقبل التعليق، فإنّ اللبث دائر أمره بين الوجود والعدم، ولا يقبل التعليق. و أمّا النيّة فهي أيضاً من الأُمور التكوينية التي أمرها دائر بين الأمرين، فهو إمّا ناو أو غير ناو، و لا يصحّ أن يقال: ناو إن كان اليوم يوم الجمعة، وغير ناو إن لم يكن.
وأمّا التعليق في الإنشاء نظير قولنا: حج إن استطعت، ففيه أُمور:
1. الإنشاء وهو إطلاق اللفظ واستعماله في معناه وهو أمر محقّق منجّز لا يقبل التعليق، فأمره دائر بين الوجود والعدم.
2. المنشأ وهو الطلب الاعتباريّ فهو قابل للتقييد، فالمنشأ هو طلب الحجّ على فرض الاستطاعة دون عدمها. وبما أنّه أمر اعتباري يفارق الطلب التكويني باليد وغيرها، فهذا النوع من الطلب الاعتباريّ يقبل التعليق بخلاف التكويني من الطلب فهو لا يقبل التعليق.
3. الإرادة التكوينية في نفس المنشئ، فبما أنّها لا تتعلّق بفعل الغير، لخروجه عن اختياره، بل تتعلّق بفعل نفس المنشئ وهو الإنشاء باللفظ فليس فيها أي تعليق، نعم تحكي عن كون فعل الغير ـ أي الحجّ ـ مقروناً بالاستطاعة محبوباً للآمر ومطلوباً له، من دون أن تتعلّق إرادته بفعل الغير أي الحجّ على فرض الاستطاعة، حتى يتسرّب التعليق إلى الأمر التكويني.
وبذلك ظهر أنّه لا تعليق في الإنشاء ولا في الإرادة في العقد المعلّق وليس على بطلانه دليل إلاّ الإجماع كما هو الحال في النكاح والطلاق أو السيرة العقلائية، كالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا لم يكن واحد منهما فيجوز، نظير إنشاء العتق على العبد المكاتب المشروط بدفع الثمن، وإنشاء التمليك المشروط في باب الوصايا، كما هو واضح.
و أمّا الامتثال الرجائي فليس معناه هو التعليق في النيّة، بل هو عازم للفعل بما هوهو قطعاً لكن باحتمال أنّه مأمور به، كما إذا صلّى إلى أحد الجوانب باحتمال أنّه قبلة، أو اعتكف في مكان باحتمال أنّه مسجد، إلى غير ذلك من الموارد.
فصل
في أحكام الاعتكاف
يحرم على المعتكف أُمور:
أحدها: مباشرة النساء بالجماع
الكلام في هذا الأمر من جهات:
1. مباشرة النساء بالجماع قبلاً ودبراً، مع الإنزال وعدمه.
2. حكم اللمس و التقبيل بشهوة.
3. حكم النظر إليها بشهوة.
4. عدم الفرق بين الرجل والمرأة في المقام.
أمّا الأمر الأوّل: فقد اتّفقت كلمتهم على حرمة الجماع مطلقاً، وكونه مفسداً، ودلّت عليهما ـ أي الحرمة والفساد ـ الروايات التي نقلها الشيخ الحر في البابين الخامس والسادس من أبواب الاعتكاف، فالنهي ظاهر في الحرمة، وتعلّق الكفّارة ظاهر في فساد الاعتكاف.
أمّا الأمر الثاني، ففيه أقوال ثلاثة:
1. القول بالتحريم والإفساد. وهو خيرة الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد.
2. عدم الحرمة والإفساد واختصاصهما بالجماع. وهو خيرة الشيخ في التهذيب.
3. الجماع حرام ومفسد للاعتكاف، وأمّا غيره فيحرم دون أن يُفسد. وهو خيرة العلاّمة.
قال الشيخ: إذا باشر امرأته في حال اعتكافه فيما دون الفرج أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه، أنزل أو لم يُنزل. وبه قال الشافعي في «الإملاء»، وقال في «الأُمّ» لا يبطل نكاحه، أنزل أو لم ينزل. وقال أبو حنيفة : إن أنزل بطل، وإن لم يُنزل لم يبطل. دليلنا قوله تعالى: (وَلا تُباشِروهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد)و هذا عام في كلّ مباشرة أنزل أم لم ينزل، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه.(308) وهو خيرة ابن الجنيد حيث قال بفساد الاعتكاف بالجماع و القبلة المقارنة للشهوة، والنظرة بشهوة من محرّم.(309)
والظاهر من الشيخ في التهذيب: هو القول باختصاص الحرمة والإفساد بالجماع دون غيره، حيث قال بعد نقل رواية حمّاد، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)... فقال بعضهم :واعتزل النساء؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أمّا اعتزال النساء فلا».(310)
وذكر الشيخ أيضاً في ذيل الحديث ما هذا نصّه: وليس بين هذه الروايات (الدالّة على حرمة الجماع) و بين الخبر الذي قدّمناه عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)من قوله: «أمّا اعتزال النساء فلا» تناقض، لأنّه (عليه السلام)أراد بذلك مخالطتهن ومجالستهن ومحادثتهن دون الجماع، والذي يحرم على المعتكف من ذلك الجماع دون غيره حسب ما قدّمناه.(311)
وقال العلاّمة بالحرمة التكليفية دون الإفساد، وقال: والأقرب عندي تحريم النظر والقبلة بشهوة أمّا الإفساد بهما فلا.(312) وهو خيرة صاحب الحدائق، قال: المسألة عندي بالنسبة إلى إبطال الاعتكاف بالمباشرة والتقبيل بشهوة، محل توقف، أمّا التحريم فلا ريب فيه لظاهر الآية.(313)
أقول: الظاهر صحّة ما عليه المشهور من الحرمة والفساد ، فالآية كافية في الحكم، فإنّ قوله سبحانه: (ولا تباشروهن) يتناول الجميع ، والقول بالحرمة المجردة دون الإفساد كما عليه العلاّمة في المختلف مبني على حمل الآية عليها دون الحمل على الإرشاد إلى الفساد، أو إلى الحرمة التكليفية الملازمة مع الفساد.
فإن قلت: الظاهر أنّ المراد من المباشرة، في الآية هو الجماع لا مطلق الممارسة حتى يعم اللمس والتقبيل بشهوة بقرينة قوله سبحانه:(فَالآن باشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُم).(314)
قلت: المباشرة مع النساء مفهوم عام يعم عامة الممارسات، وكون المراد منها هو الجماع في الآية لأجل قوله سبحانه في صدر الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرََّّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ...)فلولا قوله :«الرفث» لما كان وجه لتخصيصه بالجماع، وأمّا جواز سائر التمتعات في ليلة الصيام فلأجل الأولوية.
وأمّا قوله (عليه السلام): «أمّا اعتزال النساء فلا»، فالظاهر مراده مطلق المحادثة والمخالطة العادية، دون المقرونة بالشهوة، و ما فسر به الشيخ كلام الإمام، فهو غير ظاهر.
ومع ذلك كلّه ففي النفس من تحريم اللمس والتقبيل بشهوة شيء، لأنّ قوله تعالى: (وَلا تُباشِرُوهُنَّ)جاء في نفس الآية التي جاء فيها قوله: (فَالآن باشِرُوهُنَّ)وبما أنّ المراد من الأخير هو الجماع، يكون هو المراد من الآخر والتفكيك وهو مقتضى وحدة السياق.
وأمّا الثالث: أي النظر مع الشهوة فلا تصدق عليه المباشرة، إلاّ إذا أنزل فيكون داخلاً في الاستمناء، وسيأتي حكمه في الأمر الثاني من أحكام الاعتكاف.
وأمّا الأمر الرابع: أعني: عدم الفرق بين الرجل والمرأة، فهو مقتضى قاعدة الاشتراك في الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل خصوصاً فيما إذا دلّ الدليل على أنّ الحكم لنفس الفعل من غير نظر إلى الفاعل.
فقوله (الحسن بن الجهم): سألته عن المعتكف يأتي أهله؟
فقال (أبوالحسن (عليه السلام)): «لا يأتي امرأته ليلاً ولا نهاراً وهو معتكف»،(315)
يدلّ على أنّ الحكم للاعتكاف بما هو اعتكاف.
على أنّه يمكن استفادة الاشتراك من حديثين آخرين:
أحدهما: ما رواه الصدوق باسناده عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع، ولا يخرج في شيء إلاّ لجنازة، أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتى يرجع ـ قال :ـ. واعتكاف المرأة مثل ذلك».(316)
فمعنى الحديث تنزيل اعتكاف المرأة منزلة اعتكاف الرجل في عامة الآثار، لا في خصوص ما ورد في الحديث من حرمة الخروج إلاّ لحاجة أو جنازة أو عيادة مريض.
ثانيهما: ما رواه الصدوق باسناده عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: و«لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد الجامع إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتّى يرجع، والمرأة مثل ذلك».(317)مضافاً إلى صحيحة أبي ولاّد الحناط.(318)
فالإمعان فيها مضافاً إلى قاعدة الاشتراك يثبت اشتراك الصنفين في عامة الأحكام، فلو حرم الجماع على الرجل أو اللمس والتقبيل بشهوة بما أنّها من مصاديق المباشرة، فيحرم على المرأة أيضاً.
نعم أمّا النظر بشهوة من غير مباشرة، فلا دليل على حرمته في كلا الطرفين.
الثاني: الاستمناء
قال الشيخ: المعتكف إذا وطأ في الفرج نهاراً، أو استمنى بأي شيء كان، لزمته كفّارتان، وإن فعل ذلك ليلاً لزمته كفّارة واحدة، وبطل اعتكافه.(319)
إذا كان الاستمناء بشكل لمس الزوجة وتقبيلها، فقد علم حكمه بدخوله في المباشرة المحظورة مع شيء زائد وهو إنزال المني.
إنّما الكلام إذا كان بالنظر إلى الحليلة الموجب له، فليس عليه نصّ بالخصوص، إلاّ أن يستفاد أولوية الحرمة من مجرّد اللمس والتقبيل بشهوة بلا إمناء.
نعم ربما تُستفاد حرمته من موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل لصق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستين مسكيناً، مدٌّ لكلّ مسكين».(320)
ومورد الرواية هو الصائم وإن لم يُصرّح به، لعدم حرمته على غير الصائم، ولكنّها لم تتقيد أيضاً بصوم رمضان، إذن فليس من البعيد أن يقال: إنّها تدلّ على أنّ في كلّ مورد كان الجماع موجباً للكفّارة فالاستمناء بمنزلته، وانّه نُزِّل منزلته، ومنه المقام. فإذا كان الجماع في الاعتكاف موجباً للكفارة فكذلك الاستمناء، فيلحق الاستمناء بالجماع.
وبذلك علم وجه كونه أحوط.
الثالث: شمّ الطيب مع التلذّذ
قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز للمعتكف استعمال شيء من الطيب. وقال الشافعي: يجوز ذلك. دليلنا إجماع الفرقة.
وأيضاً إذا لم يستعمل الطيب، صحّ اعتكافه بلا خلاف، وإذا استعمل ففي صحته خلاف.(321)
ولكنّه (قدس سره) ذهب في المبسوط إلى خلافه، قال: ولا يجوز له البيع والشراء، ويجوز له أن ينكح وينظر في أمر معيشته وضيعته، ويتحدَّث بما شاء من الحديث بعد أن كان مباحاً، ويأكل الطيبات ويشمَّ الطيب، وقد روي أنّه يجتنب ما يجتنبه المحرم، وذلك مخصوص بما قلناه، لأنّ لحم الصيد لا يحرم عليه، وعقد النكاح مثله.(322)
ولكن الحقّ ما اختاره في الخلاف لما روى الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:« المعتكف لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان، ولا يماري، ولا يشتري، ولا يبيع...».(323)
وجوّز صاحب العروة شمّ الطيب لفاقد حاسة الشم، والظاهر أنّ فاقدها لا يشمّ، بل يستنشق وهو غير الشم.
وقيّده بعدم التلذّذ، وقد جاء في النص :«ولا يتلذّذ بالريحان» فخرج ما إذا كان الشم لداع آخر كما إذا شمَّه ليشتريه بعد الخروج عن الاعتكاف، أو يهديه إلى صديقه.
الرابع: البيع والشراء
أمّا حرمة البيع والشراء فممّا لا خلاف فيه.
قال الشيخ: ولا يجوز له البيع والشراء.(324) وقد دلّت عليه صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، وحملها على الكراهة كما ترى.
وهل المحرّم خصوص البيع والشراء أو مطلق التجارة، وأنّ البيع والشراء كناية عنه، كالإجارة والمصالحة والمزارعة والمساقاة؟ وجهان.
وعلى كلّ تقدير فالقدر المتيقن ما إذا كان هناك تبادل المالين أو تبادل المال والمنفعة لا ما إذا كان من جانب واحد كالإهداء.
وأمّا الاشتغال بالأُمور الدنيوية من المباحات كالخياطة والنساجة فلا بأس، لعدم ورود النص، كما أنّه لا مانع من البيع والشراء بمقدار الضرورة التي عليها نظام حياته مع تعذر الوكيل أو مع يسره لانصراف الرواية عن صورة الضرورة.
الخامس: المماراة
في المسألة فرعان:
1. المماراة و المجادلة.
2. حكم اجتناب ما يحرم على المحرم.
فلندرس حكم كلّ واحد، تباعاً.
أمّا الأوّل فيعلم وجهه ممّا ذكره الشهيد الثاني في المسالك، وبما أنّه لايخلو عن فائدة نأتي بنصِّه.
قال: المراء لغة: الجدال، والمماراة: المجادلة. والمراد هنا المجادلة على أمر دنيوي أو ديني لمجرّد إثبات الغلبة أو الفضيلة كما يتّفق للكثير من المتّسمين بالعلم. و هذا النوع محرّم في غير الاعتكاف، وقد ورد التأكيد في تحريمه في النصوص. وإدخاله في محرمات الاعتكاف إمّا بسبب عموم مفهومه، أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة، كما ورد في تحريم الكذب على اللّه ورسوله في الصيام. و على القول بفساد الاعتكاف بكلّ ما حرم فيه تتضح فائدته.
ولو كان الغرض من الجدال في المسألة العلمية مجرّد إظهار الحقّ وردّ الخصم عن الخطأ كان من أفضل الطاعات، فالمائز بين ما يحرم منه و ما يجب أو يستحب، النيّة، فليحترز المكلّف من تحويل الشيء من كونه واجباً إلى جعله من كبار القبائح.(325)
وأمّا الثاني ـ أي وجوب اجتناب ما يحرم على المحرِم ـ فقد حكاه المحقّق في الشرائع وقال: يحرم عليه ما يحرم على المُحْرم ولم يثبت، فلا يحرم عليه لُبْس المخيط، ولا إزالة الشعر ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح.
وقد ذهب إليه الشيخ في «الجمل» وقال: يجب على المعتكف تجنّب ما يجب على المحرم تجنّبه، وكذا قال ابن البراج وابن حمزة.(326) ونسبه الشيخ في المبسوط إلى رواية وقال: روي أنّه يجتنب ما يجتنبه المحرم.(327)ولا ريب في ضعف هذا القول ولم يثبت ما أرسله من تنزيل المعتكف منزلة المحرم، ولو كان لبان، وقد نقل الرواة كيفية اعتكاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وليس فيه من هذا عين ولا أثر.
والأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد وإزالة الشعر ولبس المخيط ونحو ذلك، و إن كان أحوط، لعدم الدليل.
ما يحرم على المعتكف هل هو مختص بالليل أو النهار؟
ما يحرم على المعتكف على قسمين: ما يحرم لأجل اعتكافه، فلا فرق في حرمته بين اليوم والليل، وقد مضى أنّ الاعتكاف عمل واحد مستمرّ وليس الليل خارجاً منه.
و ما يحرم لأجل كونه صائماً فيختص بالليل، إلاّ الجماع فإنّه حرام بكلا العنوانين.
هل يجوز للمعتكف الخوض في المباح؟
يجوز للمعتكف الخوض في المباح والنظر في معاشه، خلافاً للعلاّمة في «المنتهى» قال: كلّ ما يقتضي الاشتغال بالأُمور الدنيوية من أصناف المعايش ينبغي القول بالمنع منه عملاً بمفهوم النهي عن البيع والشراء.(328)
و اعترضه في «المدارك» بعد نقله: وهو غير جيد، لأنّ النهي عن البيع والشراء لا يقضي النهي عمّا ذكره بمنطوق ولا مفهوم.(329)
أضف إلى ذلك: أنّ الدليل الوحيد هو صحيحة أبي عبيدة الماضية، وليس فيها مايدلّ على ما ذكره، وليس المعتكف في المسجد راهباً، بل هو متفرّغ للعبادة والابتهال على وجه يلائم الفطرة الإنسانية. وعلى ذلك يجوز له الخياطة والنساجة وسائر الحرف اليدوية.
في فساد الاعتكاف بفساد الصوم
كان الكلام في السابق في محرمات الاعتكاف، وبما أنّه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية والبطلان (وذلك كالخروج من المسجد، فهو حرام وضعاً وليس بحرام تكليفاً في اليومين الأوّلين، وربما يجتمعان كالخروج في اليوم الثالث فهو حرام ـ لوجوب الاستمرار ـ مفسد فيحرم الخروج تكليفاً و وضعاً) حاول صاحب العروة أن يبيّن حكم المحرّمات المذكورة من حيث الإفساد وعدمه سواء كان حراماً تكليفاً أو لا.
و حاصل كلامه يتلخّص في أُمور:
1. كلّما يفسد الصوم، يفسد الاعتكاف إذا وقع في النهار.
2. الجماع يفسد الاعتكاف مطلقاً، سواء كان في الليل أو النهار.
3. اللمس والتقبيل بشهوة يفسدان الاعتكاف.
4. الأحوط بطلان الاعتكاف بسائر المحرمات من البيع والشراء وشمّ الطيب وغيرها.
5. الأحوط في الأُمور الأخيرة الإتمام والاستئناف إذا كان واجباً غير معيّن والإتمام و القضاء إذا كان واجباً معيّناً.
أمّا الأوّل، فبما انّ الاعتكاف مشروط بالصوم، فلا شكّ أنّ كلّما يفسد الصوم ممّا مضى في كتاب الصوم يبطل الاعتكاف، من الأكل والشرب وغمس الرأس في الماء والبقاء على الجنابة وغيرها ممّا مرّ.
وأمّا الثاني، أعني: كون الجماع مبطلاً مطلقاً سواء أكان في الليل أو النهار (وإن كان في خصوص النهار مبطلاً قطعاً لكونه مفسداً للصوم، لكن الكلام فيه على وجه الإطلاق) فالظاهر أنّه حرام تكليفاً ووضعاً، ويستفاد ذلك من تنزيله منزلة «من أفطر يوماً من شهر رمضان» ومقتضى عموم التنزيل ذلك كما في موثقة سماعة بن مهران.(330)
وأمّا الثالث: أي اللمس والتقبيل بشهوة فلا شكّ في الإفساد إذا كانا في النهار ومع الإنزال لكونهما مفسدين للصوم، إنّما الكلام إذا كانا في النهار لا معه أو في الليل مطلقاً، فلو قلنا بأنّ الآية، أعني قوله سبحانه: (وَلاَ تُباشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد)(331)، ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد مثل قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسود)(332) فلا كلام في الإفساد، وأمّا إذا قلنا بأنّ الآية ظاهرة في النهي المجرد، فالقول بالإفساد ليس له دليل، غير أنّك عرفت احتمال اختصاص التحريم تكليفاً ووضعاً بالجماع كما مرّ. كلّ ذلك على القول بشمول المباشرة في الآية للتقبيل واللمس وعدم اختصاصها بالجماع كما هو الحال في قوله: (فالآن باشروهنّ) .
وأمّا الرابع: أي البيع والشراء وشمّ الطيب فقال الشيخ : لا يفسد الاعتكاف جدال ولا خصومة ولا سباب ولا بيع ولا شراء وإن كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع.(333)
ويمكن أن يقال: إنّ ظاهر الجملة الخبرية: «لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان ، ولا يماري ولا يشتري و لا يبيع»، هو الإرشاد إلى المانعية، وإنّ شأن المعتكف بما هو معتكف، الاجتناب عنها، لعدم اجتماعها معه . نعم ظهوره فيها عند صاحب العروة ليس على حدّ يعتمد عليه، لاحتمال كون النهي لمجرد التكليف، ولذلك احتاط في هذه الأُمور، فلو قلنا بكونها مبطلة فاللازم هو الاستئناف في الواجب غير المعيّن، والقضاء في المعين منه بخلاف ما إذا تردّد بين كونها مبطلة، أو لمجرد النهي، فالأحوط هو الجمع بين الاحتمالين: الإتمام، ثمّ الاستئناف أوالقضاء كما لا يخفى، وسنشير إليه في المسألة التالية.
هل يفسد الصوم بارتكابه أحد المحرمات سهواً؟
الكلام في هذه المسألة في اختصاص الإفساد بصورة العمد أو عمومه له وللسهو.
أمّا الجماع فذهب صاحب العروة إلى أنّه مفسد عمداً وسهواً على الأحوط، خلافاً للشيخ حيث ذهب إلى أنّه متى وطئ المعتكف ناسياً، أو أكل نهاراً ساهياً، أو خرج من المسجد كذلك لم يفسد اعتكافه.(334)
أمّا الروايات فهي على صنفين:
1.ما يدلّ على وجوب الكفّارة إن جامع ليلاً ونهاراً.(335) فهذا الصنف يؤيد اختصاص إفساده للعامد إذ لا كفارة على الناسي.
2. ما ينهي المعتكف عن اتيان النساء كما في رواية الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن المعتكف يأتي أهله؟ فقال: «لا يأتي امرأته ليلاً ونهاراً وهو معتكف».(336) فلو قلنا بأنّ مفاد النهي عن الإتيان ، فلا يبعد انصرافه إلى العامد; وإن قلنا بأنّ مفاده الإرشاد إلى المانعية فيكون دالاً على الإفساد مطلقاً، فلازمه كونه دخيلاً في الاعتكاف ومانعاً من تحقّقه، فيعم العامد والناسي.
ولكن يمكن رفعها في حالة النسيان بحديث الرفع ـ كما مرّغير مرّة ـ سواء أقلنا بأنّها مجعولة أم أنّها منتزعة من الأحكام التكليفية فتكون مرفوعة برفع منشأ انتزاعها.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى التفصيل بين كون النهي لبيان التكليف فالنهي منصرف إلى العمد، وكونه لبيان الحكم الوضعي أي الارشاد إلى المانعية، ومعنى ذلك أنّ عدمه قد اعتبر في الاعتكاف غير المختص اعتباره بحال دون حال، ولا يمكن رفع المانعية في حالة النسيان بحديث الرفع، إذ لو دلّ الحديث على الصحة في مورد النسيان، لدل عليها في مورد الإكراه والاضطرار، وهو كما ترى ضرورة فساد الاعتكاف بالجماع وإن كان عن إكراه واضطرار.(337)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من صحّة الانصراف إذا كان النهي متضمّناً للتكليف دون ما إذا كان إرشاداً إلى المانعية وإن كان صحيحاً، لكن لا مانع من رفع المانعية بنفسها أو بمنشأ انتزاعها بحديث الرفع، وما ادّعى من أنّ لازم ذلك صحة الاعتكاف إذا كان الجماع بإكراه أو اضطرار، ولذلك ذهب صاحب العروة وغيره في الأمر الثامن إلى صحة الاعتكاف لو خرج ناسياً أو مكرهاً أو مضطراً، ولا يصحّ أن يقال: أنّ الصحّة نتيجة النصّ الخاص، وذلك لأنّه ورد في الأخير دون الأوّلين، وأمّا الصحّة فيهما فهي مستندة إلى حديث الرفع. نعم ذهب المفصل إلى البطلان في النسيان أيضاً كما مرّ.(338)
فإن قلت: إذا كان لسان الدليل ظاهراً في الإرشاد إلى المانعية الظاهرة من كون الجماع مانعاً من الصحّة مطلقاً، عامداً أو ناسياً، كيف يمكن أن يقيد إطلاق الدليل الاجتهادي بالأصل العملي؟
قلت: قد مرّ سابقاً أنّ نسبة الرفع إلى «ما يعلمون» تختلف مع نسبته إلى غيره، فالرفع في الأوّل رفع ظاهري لا واقعي، ولكنّه في الآخرين، أعني: النسيان والاضطرار والإكراه، رفع واقعي ثانوي، والدليل الدال على الرفع في هذه الحالات دليل اجتهادي، حاكم على الإطلاق الموجود في العناوين الأوّلية.
ولا مانع من أن يكون الرفع في مورد، ظاهرياً وفي مورد آخر واقعياً، لأنّه مستعمل في معنى واحد، وأمّا الخصوصيات فإنّما تستفاد من القرائن.
وبذلك يعلم وجه احتياط صاحب العروة في الجماع سهواً، حيث جعل الإتمام هو الأحوط، ثمّ الاستئناف أو القضاء . والاحتياط وإن كان حسناً في كلّ حال ، لكن الظاهر اختصاص البطلان بصورة العمد، وفي غيره يبني على ما سبق ويتم من دون حاجة إلى الاستئناف أو القضاء.
في فساد الاعتكاف
إذا فسد الاعتكاف بإحدى المفسدات فهنا صور:
1. أن يكون الاعتكاف مندوباً.
2. أن يكون الاعتكاف واجباً غير معيّن.
3. أن يكون الاعتكاف واجباً معيّناً.
أمّا الأوّل، فإن كان الإفساد بعد اليومين فيقضي بناء على ثبوت العموم في قضاء كلّ ما فات من العبادات حتى الاعتكاف، وإن كان الإفساد في اليومين فلا شيء عليه، فلو اعتكف ثانياً فهو امتثال لأمر جديد، لا قضاء لما فات للأمر به في كلّ يوم على حدة.
نعم لو كان للزمان خصوصية و أتى به في غير زمانه صح فيه إطلاق القضاء، كما في قضاء نافلة الليل بعد خروج وقتها، فإنّ المأتي به ثانياً، قضاء لا أداء لافتراض خروج وقتها.
وأمّا ما رواه الكليني بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كانت بدر في شهر رمضان فلم يعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا أن كان من قابل اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عشرين: عشرة لعامه، وعشراً قضاء لما فاته».(339) فالإطلاق من باب التوسعة، لأنّ المفروض الإتيان به إنّما كان في وقته لأنّه يجوز في شهر رمضان الاعتكاف بعشرين يوماً فالعشرة الثانية عمل في محلّه وفي وقته، فكيف يكون قضاءً؟!
نظير ذلك إطلاق القضاء على العمرة التي أتى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رجب من السنة السابعة حيث حُصر في العام المتقدّم عليه واتّفق مع قريش على أن يرجع من الحديبية إلى المدينة ويُحرم في السنة القادمة في نفس الشهر، فإنّه من باب التوسعة في الإطلاق، لأنّ للزمان وإن كانت له خصوصية لكنّه لم يأت به في غيره، بل أتى به في نفس الشهر فصار أداءً لاقضاء. كيف وقد ذبح من ساق من الهدي في الحديبية في السنة الممنوعة وقد عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون معه بحكم المحصور.
وأمّا الثاني، فيجب الاستئناف، لأنّ الفاسد لم يقع مصداقاً للواجب، والمفروض أنّ الزمان كلّي غير معين في ضمن فرد، فإذا أتى به ضمن فرد آخر، يكون أداءً لا قضاء بناء على وجوب قضاء الاعتكاف الفائت.
وأمّا الثالث، فيجب القضاء لفوات وقته باعتبار تعيّن زمانه بناء على الأصل المذكور . كلّ ذلك بناء على عمومية أدلّة القضاء لكلّ ما فات، وقد مرّت المناقشة في ذلك فلاحظ.
في قضاء الاعتكاف
لا يجب الفور في القضاء، لأنّ أصل وجوبه مشكوك فضلاً عن وصفه، وعلى فرض التسليم لا دليل على الفور، نعم لو توانى وتساهل وانتهى إلى ترك الواجب فيكون عاصياً كما مرّ نظـيره في قضاء الكفّارة.
في قضاء الاعتكاف عن الميت
إذا مات المعتكف في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه، كما إذا مات في أثناء اليوم الثالث، وللمسألة صور:
1. إذا مات في أثناء الاعتكاف المندوب إذا وجب الإتمام لدخول اليوم الثالث.
2. إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب المعيّن زمانه.
3. إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب غير المعيّن.
هذه صور المسألة وأمّا الأقوال، فقد حكى الشيخ الطوسي وجوب القضاء عن بعض الأصحاب، قال : و من مات قبل انقضاء مدة اعتكافه،
في أصحابنا من قال: يقضي عنه وليّه، لعموم ما روي من أنّ من مات
وعليه صوم واجب وجب على وليّه أن يقضي عنه، أو يخرج من ماله إلى
من ينوب عنه قدر كفايته، أو يتصدّق عنه.(340) وإطلاق عبارته يعم من
مات في الأثناء، أو مات تاركاً من رأس.
أقول: أمّا الأوّلان، فلا قضاء لعدم استقرار الوجوب على الميت حتى ينوب عنه الولي، بل كشف الموت عن عدم انعقاد النذر في الواقع لعدم تمكّنه من الوفاء به.
وأمّا الثالث، فلو افترضنا أنّه قد شرع بالاعتكاف في أوّل أزمنة التمكّن فمات في الأثناء فهو أيضاً مثل الأوّلين، وأمّا إذا توانى وأخّر مع التمكن واعتكف فمات في الأثناء فلا يكشف الموت عن عدم وجوبه، بل انعقد النذر واستقر، لكنّه أخّر، وهذا هو الذي يجب أن يقع موضع البحث، غير أنّه لم يدلّ دليل على وجوب كل ما فات عن الميت من العبادات على الولي، وإنّما الواجب خصوص ما كان عليه من صلاة وصوم، لا اعتكاف، ففي صحيح حفص البُختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه».(341)
وبذلك يظهر وجه ما ذكره صاحب العروة من التفصيل بين ما إذا نذر الاعتكاف فمات في الأثناء و ما إذا نذر الصوم معتكفاً، فلا يجب قضاء الأوّل دون الثاني، وذلك لأنّ المنذور في الأوّل هو الاعتكاف ولا دليل على قضاء ما فات من الاعتكاف، بخلافه في الثاني فإنّ المنذور فيه هو الصوم في حال الاعتكاف، فيجب عليه الاعتكاف من باب تحصيل الشرط للصوم الواجب بالنذر.
وما ذكره إنّما يتم إذا كان الفرق بين التعبيرين أمراً عرفيّاً، حتى يختلف المنذوران في نظر الناذر، وأمّا إذا كانا من قبيل التفنّن في التعبير فلا، نظير ذلك ما إذا قال: بعتك هذا الفرس العربي أو بعتك هذا الفرس، إذا كان عربياً حيث جعل الشيخ الأعظم الأوّلَ من قبيل تخلّف المبيع و الثاني من قبيل تخلّف الشرط، وقد قلنا في محله أنّه تدقيق عقلي لا يلتفت إليه العرف بل يتلقّاهما أمراً واحداً.
في وجوب الكفّارة في الاعتكاف الواجب والمندوب
في المسألة فروع:
1. وجوب الكفّارة إذا فسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلاً.
2. وجوب الكفّارة في سائر المحرمات إذا كان الاعتكاف واجباً.
3. ثبوت الكفّارة في الاعتكاف المندوب قبل تمام اليومين إذا أفسده بالجماع.
4. كفارته، ككفّارة شهر رمضان.
أما الأوّل: فقد اتّفقت عليه كلمة الأصحاب لتضافر الروايات على فساد الاعتكاف ووجوب الكفارة من غير فرق بين اليوم والليل، ففي موثّقة سماعة: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن معتكف واقع أهله؟ فقال: «هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان»(342)، وإطلاقها يعمُّ الليل و النهار، إلى غير ذلك من الروايات.
هذا إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع، أمّا إذا أفسده بسائر المفطّرات فذهب المفيد في المقنعة(343)، والمرتضى على ما نقله عنه في المعتبر (344) إلى وجوبها، خلافاً للمحقّق في ذلك الكتاب حيث ذهب إلى عدم وجوب الكفّارة، واختاره صاحب المدارك(345) و نسبه إلى الشيخ الطوسي أيضاً، وقال: والأصح ما اختاره الشيخ والمصنِّف، وأكثر المتأخرين من اختصاص الكفّارة بالجماع دون ما عداه من المفطّرات، وإن كان يفسد به الصوم، ويجب به القضاء، واختاره في الحدائق.(346)
وأمّا الفرع الثاني: أي وجوب الكفّارة في سائر المحرّمات فلم يدلّ دليل على وجوب الكفّارة فيها.
وأمّا الفرع الثالث: وهو وجوب الكفّارة على المعتكف إذا جامع في الاعتكاف المندوب، ففيه أقوال ثلاثة:
الأوّل: عمومه للواجب والمندوب.
الثاني: اختصاصه بالواجب.
الثالث: اختصاصه بالواجب المعيّن.
أمّا الأوّل: فقد ذهب إليه الشيخان (قدّس سرّهما) ، وأمّا الثاني فيظهر من عبارة المحقّق في المعتبر حيث قال بعد نقل كلامهما ما هذا لفظه:
ولو خصّا ذلك باليوم الثالث أو بالاعتكاف اللازم كان أليق بمذهبهما، لأنّا بيّنا أنّ الشيخ ذكر في «النهاية» و «الخلاف» أنّ للمعتكف الرجوع في اليومين الأوّلين من اعتكافه وانّه إذا اعتكفهما وجب الثالث، وإذا كان له الرجوع لم يكن لإيجاب الكفّارة مع جواز الرجوع وجه.(347)
وعلى كلّ حال فالمهم وجود الإطلاق في الروايات الدالة على الكفّارة في إفساد الاعتكاف بالجماع ، فلو قلنا به فلا فرق بين المندوب و غيره، والحكم يدور مدار الإطلاق وعدمه، وأمّا ما ذكره المحقّق من أنّ الاعتكاف مندوب قبل اليومين فيمكن له رفع اليد عنه فكيف تترتب عليه الكفّارة؟ فواضح الدفع، لأنّ جواز رفع اليد وترك الاعتكاف بتاتاً لا يلازم عدم وجوب الكفّارة بل يمكن أن يجوز له ترك الاعتكاف مطلقاً، إلاّ أنّه إذا أفسده بالجماع كان عليه أن يكفِّر.
نعم، ذهب صاحب الجواهر إلى أنّ وجوبها بالجماع وعدمه دائر مدار تزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني دون الأوّل، واستظهره من صحيح أبي ولاّد: عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها فخرجت ـ حين بلغها قدومه ـ من المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال:«إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر».(348)
قال: إنّ تعليق الكفّارة على عدم الاشتراط في صحيح أبي ولاّد المتقدم يومئ إلى عدم وجوبها مع عدم تعيّن الاعتكاف حتى في اليوم الثالث، إذا فرض الاشتراط فيه على وجه يرفع وجوبه، مضافاً إلى أصل البراءة ونحوه، وهو قوي جداً، فيكون المدار حينئذ في وجوبها بالجماع وعدمه بتزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني دون الأوّل.(349)
والظاهر أنّه ليس برأي جديد بل نفس ما اختاره المحقّق من اختصاصها بالواجب.
أقول: قد عرفت في السابق أنّ المعتكف في اليومين الأوّلين في فسحة، فله أن يستمر في الاعتكاف وله أن يقطع، وإنّما يجب الإتمام إذا دخل اليوم الثالث وهو معتكف، وعلى ذلك فقوله (عليه السلام):«قبل أن تقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها» لا يخلو من أحد معنيين:
أ: أن يراد أنّها بعدُ في اليوم الثاني من اعتكافها ولم يدخل اليوم الثالث.
ب: أن يراد أنّها دخلت في اليوم الثالث.
فالمعنى الأوّل يجانب الصواب، لأنّه خلاف الظاهر وغير مثبت لمرامه، لأنّ الاعتكاف فيهما متزلزل مطلقاً سواء اشترطت أم لم تشترط، فلا محيص لها إلاّ عن إرادة المعنى الثاني، فيكون المراد أنّ الكفارة لا تجب حين اشترط الفسخ، بخلاف العكس، فيكون الميزان في وجوب الكفّارة ما ذكره من تزلزل الاعتكاف بالاشتراط ووجوبه مع عدمه، ولكنّه يختص بنفس اليوم الثالث ولا نظر للعبارة لليومين الأوّلين.
والحاصل: أنّ تزلزل الاعتكاف وعدمه إنّما يعد معياراً في اليوم الثالث الواجب بذاته وغير الواجب بالشرط، وأمّا اليومان الأوّلان الجائزان ـ اشترطت أم لم تشترط ـ فخارج عن مدلول اللفظ ومعناه، فيرجع فيه إلى الإطلاقات.
اللّهمّ إلاّ أن يؤخذ بالمناط وهو أنّ عدم وجوبها في اليوم الثالث عند الاشتراط لأجل تزلزله فيكون اليومان مثله مطلقاً، فلا تجب الكفّارة فيه لهذه الجهة الجامعة، وهو كما ترى.
والظاهر هو الأخذ بإطلاق الأدلّة.
وأمّا الفرع الرابع: فقد اختلفت الروايات، فدلّت الموثّقتان(350) لسماعة على أنّ كفّارة الجماع كفارة مخيّرة، كما دلّت صحيحتا زرارة و أبي ولاّد(351)على أنّها مرتبة، ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل الترتيب على الاستحباب، كما يمكن القول بأنّ التشبيه في المقدار دون الكيفية، والأوّل أقرب من الثاني، غير أنّ الشهرة الفتوائية على أنّها مخيّرة.
قال الشيخ في المبسوط: والكفّارة في وطء المعتكف هي الكّفارة في إفطار يوم من شهر رمضان، سواء على الخلاف بين الطائفة في كونها مرتّبة أو مخيّرة فيها.(352)
وقال ابن زهرة في الغنية: وإذا أفطر المعتكف نهاراً أو جامع ليلاً انفسخ اعتكافه ووجب عليه استئنافه، وكفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان.(353)
كفّارة فساد الاعتكاف في شهر رمضان
أقول: هنا فروع نذكرها تباعاً:
الأوّل: إذا أفسد اعتكافه الواجب بالجماع في شهر رمضان، فإن كان في النهار فعليه كفّارتان إحداهما للاعتكاف والثانية للإفطار في نهار رمضان، وإن كان في الليل فكفّارة واحدة.
وتدلّ عليه رواية عبد الأعلى بن أعين، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان؟ قال: «عليه الكفّارة» قال: قلت: فإن وطأها نهاراً؟ قال: «عليه كفّارتان».(354)
و روي عن المرتضى أنّه أفتى بما ذكر في مطلق الاعتكاف الواجب سواء كان في شهر رمضان أو لا، قال: إذا جامع المعتكف نهاراً كان عليه كفّارتان، وإذا جامع ليلاً كانت عليه كفّارة واحدة، ولم يذكر له دليل.
نعم، قال الصدوق: روي أنّه إن جامع بالليل فعليه كفّارة واحدة، وإن جامع بالنهار، فعليه كفّارتان.(355)
وحمل العلاّمة في التذكرة كلام السيد على شهر رمضان، فإنّ الجماع في غير شهر رمضان إنّما يوجب كفّارة واحدة ليلاً كان أو نهاراً .
الثاني: إذا صام قضاء شهر رمضان معتكفاً وأفطر بالجماع بعد الزوال فإنّه يجب عليه كفّارتان، كفّارة الاعتكاف وكفّارة قضاء شهر رمضان، لأنّ كل واحد سبب مستقل في لزوم الكفّارة. لأنّ من أفطر صوم قضاء رمضان بعد الزوال فعليه الكفّارة وإن لم يكن معتكفاً.
الثالث: إذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع في النهار، وجب عليه ثلاث كفّارات: إحداها: للاعتكاف حيث أفسده، والثانية: لخلف النذر حيث حنثه، والثالثة للإفطار في شهر رمضان.
الرابع: إذا جامع امرأته المعتكفة وهو معتكف في نهار رمضان، فلو قلنا بتحمّله كفّارتها فهنا احتمالان:
أ. عليه أربع كفّارات: اثنتان عن نفسه حيث أفسد اعتكافه وأفطر في شهر رمضان، واثنتان عن امرأته حيث أفسد صومها واعتكافها.
وقد ورد النصّ في أنّ من أكره زوجته الصائمة على الجماع يتحمّل كفّارتها.(356)
ب. ويحتمل عليه كفّارات ثلاث، لأنّ التحمّل ورد في كفارة الصوم لا في كفّارة الاعتكاف، ولذا لوأكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه إلاّ كفّارته ولا يتحمّل عنها .
الخامس: إذا كانت المعتكفة متابعة، فعلى كلّ منهما كفّارتان إن كان في النهار، وكفّارة واحدة إن كان في الليل لتعدّد السبب في النهار و وحدته ليلاً.

118 . الفتح: 25.
119 . مجمع البيان:5/ 124.
120 . مدارك الأحكام:6/ 308.
121 . نفس المصدر : 131.
122 . الدروس: 1 / 298 .
123 . البقرة: 125.
124 . مستند العروة الوثقى:2/ 224.
125 . الحج: 25.
126 . مجمع البيان:4/ 81.
127 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
128 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3 .
129 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4.
130 . الجواهر:17/ 164.
131 . الوسائل: ج 4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 1.
132 . معجم رجال الحديث:3/ 55.
133 . لاحظ الموسوعة الرجالية الميسّرة: 2 / 170 برقم 5326.
134 . الوسائل: ج 4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 9.
135 . راجع: الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 19 .
136 . العروة الوثقى: 3 / 668، شرائط الاعتكاف.
137 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3 .
138 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
139 . الخلاف:2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 92.
140 . المبسوط:1/ 292.
141 . المسالك:2/93، قسم المتن.
142 . تذكرة الفقهاء: 6/ 242.
143 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، ولاحظ أحاديث الباب.
144 . الخلاف: 2، كتاب الصوم، 232، المسألة 101.
145 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
146 . الوسائل: ج 7، الباب2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3، 4، 5، 6، ولاحظ روايات الباب.
147 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
148 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث1، ولاحظ روايات الباب.
149 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2 وغيره .
150 . الجواهر:17/ 166.
151 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
152 . المدارك:6/ 313.
153 . المسالك:2/ 96.
154 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.
155 . الخلاف: 2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 91.
156 . المغني:3/ 188.
157 . المختلف:3/ 580.
158 . المسالك: 2/99، قسم المتن.
159 . المقنعة: 363.
160 . المسالك: 2/ 99.
161 . المختلف:3/ 578.
162 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 8.
163 . التهذيب: 4/290، برقم 883.
164 . مستند العروة الوثقى: 2/ 353.
165 . الموسوعة الرجالية الميسرة: 2/ 496.
166 . مستند العروة: 2/ 353.
167 . الفقه الرضوي: 36.
168 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 12.
169 . البقرة: 187.
170 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1 .
171 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 10.
172 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 5.
173 . التهذيب: 4/264، برقم 468 فلاحظ.
174 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
175 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
176 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 7.
177 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 11.
178 . الدروس الشرعية:1/ 298.
179 . الوسائل: ج 14، الباب 79 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.
180 . النساء: 36.
181 . الإسراء:23ـ 24.
182 . العنكبوت: 8 .
183 . لقمان: 15.
184 . الدروس الشرعية:1/ 299.
185 . الحدائق الناظرة:13/ 470.
186 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف،الحديث6; ولاحظ الحديث 1، 2، 3، 4، 5 من هذا الباب.
187 . المستمسك:8/552; مستند العروة الوثقى:2/ 365.
188 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2 .
189 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 5 .
190 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4.
191 . الخلاف:2/236ـ237، المسألة 110.
192 . التوبة: 28.
193 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 8.
194 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4. ولاحظ الحديث 1، 2و 3.
195 . تعليقة السيد البروجردي على هامش العروة من هذا الموضع.
196 . لاحظ تعليقة السيد جمال الدين الكلبايكاني.
197 . المبسوط:1/ 289.
198 . الكافي: 186.
199 . المسائل الناصرية: المسألة 135.
200 . السرائر: 1/ 422.
201 . المختلف: 3 / 582. وقد منع العلاّمة صحة سند ما دلّ على الوجوب بعد اليومين و حمله على شدة الاستحباب.
202 . المسالك: 2 / 107، قسم المتن.
203 . المدارك:6/ 340.
204 . محمد: 33.
205 . البقرة: 264.
206 . المختلف:3/ 582.
207 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
208 . التهذيب: 4/362، برقم 462.
209 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
210 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف ، الحديث 1، 2، 3.
211 . انظر الصفحة: 160 من هذا الكتاب .
212 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
213 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1، 2.
214 . الوسائل: ج 16، الباب 10 من أبواب النذر، الحديث 1.
215 . مستمسك العروة الوثقى:8/ 562.
216 . مستند العروة: كتاب الصوم: 2/ 238.
217 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
218 . البقرة: 185.
219 . التوبة: 36.
220 . مستند العروة الوثقى:2/ 394.
221 . المبسوط:1/ 291.
222 . المسالك: 2/106، قسم المتن.
223 . المختلف:3/ 587.
224 . المسالك:2/ 106.
225 . المدارك:6/ 337.
226 . الجواهر:17/ 179.
227 . مستند العروة، كتاب الصوم:2/ 397.
228 . مستند العروة الوثقى:2/ 261.
229 . الجواهر: 17/189; المستمسك: 8/565 ; مستند العروة الوثقى: 2 / 400.
230 . المدارك:6/ 338.
231 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
232 . المدارك:6/ 337.
233 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.
234 . مستدرك الوسائل: 6/541، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
235 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.
236 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2.
237 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 3.
238 . الوسائل : ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
239 . الوسائل : ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
240 . شرح اللمعة: 2 / 114، كتاب الصوم ; الجواهر: 17/ 189.
241 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 2.
242 . الجواهر:17/ 189.
243 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
244 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
245 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
246 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
247 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
248 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
249 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ،الحديث 4.
250 . مستند العروة الوثقى:2/415ـ 416.
251 . و قد ذكرنا ما يدلّ على حجيّة قول العدل الواحد من الروايات في كتابنا كليات في علم الرجال: 159 ـ 160.
252 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 10 .
253 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1 .
254 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
255 . المختلف: 3 / 386 .
256 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.
257 . الوسائل: ج 13، الباب 44 من كتاب الوصايا، الحديث 4. ولاحظ روايات الباب.
258 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.
259 . النحل: 75.
260 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 5 .
261 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
262 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
263 . والأولى أن يقول: فبما أنّ هذا الجزء الزائد مستثنى من الاعتكاف، فهو محرّم وفي الوقت نفسه جزء منه، والمحرّم لا يكون مقرّباً ولا يتمشى من الفاعل قصد التقرّب به، فيكون باطلاً.
264 . مستند العروة الوثقى:2/ 424.
265 . الوسائل: ج 3، الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.
266 . رجال النجاشي: 2 / 238، برقم 934.
267 . رجال النجاشي: 2 / 214، برقم 894 .
268 . الوسائل: ج 3، الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.
269 . الوسائل: ج 3، الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.
270 . الوسائل: ج 12، الباب 17 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.
271 . الفرقان: 15.
272 . يونس: 35.
273 . البقرة: 228.
274 . مستند العروة الوثقى: 2/ 428.
275 . مستند العروة الوثقى :2/ 430.
276 . مستند العروة الوثقى: 2/ 434.
277 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.
278 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
279 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
280 . الجواهر: 17/185ـ 186.
281 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف.
282 . الطلاق: 1.
283 . المبسوط:1/ 294. ونقله العلاّمة في المنتهى:2/635، الطبعة الحجرية.
284 . شرائع الإسلام :1/ 162.
285 . الوسائل: ج 15، الباب 18 من أبواب العِدد، الحديث 1.
286 . العروة الوثقى:380، كتاب الاعتكاف، الأمر السابع.
287 . انظر الصفحة: 112 من هذا الكتاب.
288 . البقرة: 196.
289 . المبسوط:1/ 289.
290 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
291 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 2.
292 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
293 . شرائع الإسلام :1/ 218.
294 . الدروس الشرعية : 1 / 301 .
295 . تذكرة الفقهاء :6/ 308.
296 . مسالك الافهام: 2/ 107.
297 . الحدائق الناظرة: 13/ 486.
298 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
299 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 6.
300 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
301 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 2.
302 . المدارك: 6/ 340.
303 . الحدائق الناظرة: 13/ 485.
304 . المنتهى: 2/638 .
305 . المعتبر:2/ 740.
306 . مسالك الافهام: 2 / 107 ـ 108.
307 . الجواهر:17/ 199.
308 . الخلاف:2/229، كتاب الاعتكاف، المسألة 93.
309 . المختلف: 3/ 590، كتاب الاعتكاف.
310 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من كتاب الاعتكاف، الحديث 2 .
311 . التهذيب: 4/365، كتاب الاعتكاف، الحديث 21.
312 . المختلف: 30/ 590.
313 . الحدائق الناظرة: 13/ 491.
314 . البقرة: 187.
315 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
316 . الوسائل: ج 7، الباب 7، من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
317 . الوسائل: ج 7، الباب 7، من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.
318 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
319 . الخلاف: 2/238، المسألة 113.
320 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.
321 . الخلاف: 2/240، كتاب الاعتكاف، المسألة 116.
322 . المبسوط: 1/ 293.
323 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
324 . المبسوط: 1/ 293.
325 . مسالك الافهام:1/109ـ 110.
326 . المختلف: 3/ 588.
327 . المبسوط: 1/ 293.
328 . المنتهى: 2/ 639. ط. الحجرية.
329 . المدارك: 6/344 ـ 345.
330 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث5 و غيره.
331 . البقرة: 187.
332 . البقرة: 187.
333 . نقله في الحدائق: 13/ 493. لاحظ المبسوط:1/ 295.
334 . المبسوط : 1/ 294.
335 . راجع الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث1، 2و3 وغيرها.
336 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.
337 . مستند العروة الوثقى: 2 / 467، كتاب الصوم.
338 . مستند العروة الوثقى: 2/366، كتاب الصوم .
339 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.
340 . المبسوط:1/293ـ 294، كتاب الاعتكاف، الفصل الثالث.
341 . الوسائل: ج 7 ، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.
342 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2. و لاحظ سائر روايات الباب.
343 . المقنعة: 363.
344 . المعتبر:2/ 742.
345 . مدارك الأحكام: 6/ 349.
346 . الحدائق الناظرة: 13/ 496.
347 . الحدائق الناظرة: 13/ 496.
348 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
349 . جواهر الكلام : 17/ 208.
350 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 2و5 .
351 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1 و 6.
352 . المبسوط:1/ 294.
353 . غنية النزوع: 2/ 147.
354 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 4.
355 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 3.
356 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.