قائمة المواضيع :
حكم المصالحة بين المالك والحاكم الشرعي
لا يجوز للفقير ولا للحاكم الشرعيّ أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه المسمّى بالفارسية بـ «دست گردان»، أو المصالحة معه بشيء يسير، أو قبول شيء منه بأزيد من قيمته أو نحو ذلك، فإنّ كلّ هذه حيل في تفويت حقّ الفقراء، وكذا بالنسبة إلى الخمس والمظالم ونحوهما. نعم لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبلغ كثير وصار فقيراً لا يمكنه أداؤه وأراد أن يتوب إلى الله تعالى، لا بأس بتفريغ ذمّته بأحد الوجوه المذكورة، ومع ذلك ـ إذا كان مرجوّ التمكّن بعد ذلك ـ الأولى أن يشترط عليه أداؤها بتمامها عنده.
وللمسألة صورتان:
الأُولى: إذا كان متمكّناً من أداء الزكاة.
الثانية: إذا كان متمكّناً منه لكن زال عنه التمكّن وصار فقيراً.
ثمّ إنّ الممارس للاحتيال، إمّا الفقير أو الحاكم، والطرق المذكورة له ثلاثة، فيبلغ عدد الصور بضرب بعضها في بعض إلى اثنتي عشرة صورة، بضرب عدد الممارس (الفقير والحاكم) في عدد من يُراد تطهير ماله (المتمكّن وغير المتمكّن) فيصير أربعة، فتضرب في الطرق الثلاثة، فيناهز عددها إلى اثنتي عشرة صورة. فلنقدم الكلام في الصورة الأُولى ـ أي المتمكّن من الأداء على من زال تمكّنه ـ بشقوقها الستة.
الأُولى: إذا كان متمكّناً من أداء الزكاة
إذا كان المالك متمكّناً من أداء الزكاة، ولكن يريد الاحتيال ويتوسّل في إعمال الحيلة بالفقير أو بالحاكم.
أمّا الفقير فتارة يحتال بالمداورة، وأُخرى بالمصالحة، وثالثة بالمحاباة.
أمّا الأوّل: فبأن يأخذ الزكاة عن المالك ثمّ يرد عليه قرضاً، أو هبة وعطاء; والظاهر عدم جوازه إذا كان قرضاً، إذا كان فوق شأنه، إذ ليس له الولاية على هذا النوع من التصرّف، وأولى منه بعدم الجواز، العطاء والهبة.
فإن قلت: قد ورد في موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «فإذا هي ـ الزكاة ـ وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء» فقلت: يتزوّج ويحجّ منها؟ قال: «نعم».(357)
قلت: صحيح لكن القدر المتيقّن هو صرفه في حوائجه كيف ماشاء لا إقراضها الغير إذا كان فوق شأنه، مضافاً إلى ما في العطاء والهبة من تضييع حقّ سائر المستحقّين.
وأمّا الثاني: أي المصالحة معه بشيء يسير، وهو أيضاً غير صحيح، إذ لا يملك شيئاً في ذمّة المالك حتّى يصالحه بشيء، والزكاة ملك للعناوين الثمانية لا لأشخاصهم، مضافاً إلى ما فيه من تضييع حقوق الآخرين.
وأمّا الثالث: أي قبول شيء بأزيد من قيمته، كما إذا اشترى ما يساوي عشرة دراهم بمائة درهم، فعند ذلك يصير مديوناً للمالك فيحتسب المالك ما في ذمّة الفقير زكاة، فهذا أيضاً غير صحيح، لما تقدّم في السابق من كونه مستلزماً لإضاعة الحقوق، مضافاً إلى عدم شمول دلالة إمضاء العقود بمثل هذا، لأنّه عقد غير عقلائي أو أشبه بمعاملة فاقد القصد.
هذا كلّه حول الفقير أمّا الكلام في الحاكم فهل يجوز له أن يتوسّل بهذه الطرق الثلاثة، لإبراء ذمّة المالك المتمكّن أو لا؟
فالحق أنّه ليس للحاكم ولاية المصالحة والمحاباة، إذ لا يملك حقّاً أو ملكاً في ذمّة المالك حتّى يصالحه بشيء، وقبول شيء بأزيد من قيمته أشبه بالمحاباة التي عرفت عدم شمول العمومات لها، مضافاً إلى استلزامها تضييع حقوق الآخرين.
إنّما الكلام في المداورة فالظاهر جوازها إذا كان هناك مصلحة عائدة لأصحاب الزكاة على نحو لولاها لما أدّى المالك شيئاً من الزكاة.
ثمّ إنّ المحقّق عقد فصلاً للحيل الجائزة والممنوعة في آخر كتاب الطلاق، وتبعه أصحابنا فذكروا في آخر كتاب الطلاق بعض الحيل، وقد بسط الكلام فيها صاحب الحدائق، كما أنّ أهل السنّة طرحوها تحت عنوان «فتح الذرائع» الّذي فتحه أبو حنيفة وأوصد بابه الإمام مالك تحت عنوان «سد الذرائع».
قال في «الجواهر» في آخر كتاب الطلاق: ولعلّ من ذلك ما يتعاطاه بعض الناس في هذه الأزمنة من التخلّص ممّا في ذمّته من الخمس والزكاة ببيع شيء ذي قيمة رديّة بألف دينار مثلاً من فقير برضاه ليحتسب عليه ما في ذمّته عن نفسه، ولو بأن يدفع له شيئاً فشيئاً ممّا هو مناف للمعلوم من الشارع من كون المراد بمشروعية ذلك، نظم العباد وسياسة الناس في العاجل والآجل بكفّ حاجة الفقراء من مال الأغنياء، بل فيه نقض للغرض الّذي شرّع له الحقوق.
وكلّ شيء تضمن نقض غرض أصل مشروعية الحكم يحكم ببطلانه، كما أومأ إلى ذلك غير واحد من الأساطين، ولاينافي ذلك عدم اعتبار اطّراد الحكمة، ضرورة كون المراد هنا ما عاد على نقض أصل المشروعية، كما هو واضح .(358)
الصورة الثانية: إذا صار غير متمكّن
أمّا الصورة الثانية إذا كان متمكّناً ثمّ صار فقيراً، فالظاهر جوازها، فيجوز الأخذ من المالك ثمّ الردّ إليه قرضاً، واشتغال ذمّته به، وتوكيله في الدفع إلى مستحقّيه ولو تدريجاً، وهذا يصحّ من الحاكم دون الفقير، ويختص مورده بما إذا كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبالغ كثيرة وصار فقيراً لا يمكنه أداؤها وأراد أن يتوب إلى الله تعالى فلا بأس بتفريغ ذمّته من جانب الحاكم على النحو الّذي ذكرنا، ويشترط عليه الأداء عند التمكّن ولو شيئاً فشيئاً.
وليس في تصوير هذا النوع من الأخذ والرد أي تضييع لحقّ الفقراء، لأنّ المفروض أنّ المالك صار فقيراً، وهذا العمل وعدمه سيّان في انتفاع سائر الفقراء، لكنّه ينفع في براءة ذمّته، بخلاف الصورة الأُولى فإنّ المفروض فيها غناء المالك لا فقره.
ولعلّ إلى هذه الصورة أشار صاحب الجواهر وقال: نعم قد يقال إنّ فتح الباب المزبور يعود على الغرض بالنقض، فلا ينافيه ما يصنعه بعض حكام الشرع في بعض الأحوال مع بعض الناس لبعض المصالح المسوّغة لذلك، ضرورة أنّه قد يتّفق شخص غلب الشيطان عليه في أوّل أمره ثمّ أدركته التوبة والندامة بعد ذلك ثمّ صار صفر الكفّ أو مات كذلك ولكن ذمّته مشغولة بحقّ الخمس مثلاً، فإنّ الظاهر جواز السعي في خلاصه بل رجحانه بالطرق الشرعية التي يندرج بها في الإحسان وتفريج الكربة عن المؤمن، ونحو ذلك من الموازين الشرعية المأمور بها.(359)
357 . الوسائل: ج 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
358 . الجواهر: 32 / 202 .
359 . الجواهر: 32 / 203 .