قائمة المواضيع :
فقه المزار في أحاديث الأئمة الأطهار(عليهم السلام)
في أحاديث الأئمة الأطهار(عليهم السلام)
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أعدالَ الكتاب وقرناءَه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»، فأُنيطت بهما سعادة المسلمين وهدايتهم في الدنيا والآخرة.
أمّا بعد:
فقد وقفت على كُتيّب باسم: «فقه المزار عند الأئمة(عليهم السلام)»، قد تقنّع
مؤلّفه باسم مستعار هو «عبدالهادي الحسيني»، كما تقنّع ناشروه باسم
كاذب وقالوا: نشر مركز إحياء تراث آل البيت، فلا المؤلف شيعي يوالي
أهل البيت، ولا الناشر يسعى لإحياء تراثهم(عليهم السلام)، وإنّما قامت بإصدار
هذا الكتيب مجموعة من الحاقدين الذين خلت قلوبهم عن المودة
لأهل القربى لو لم نقل امتلأت بالنصب البغيض لهم.
وقد حاول الكاتب عرض أفكار الوهابية ودعمها بروايات أهل البيت(عليهم السلام)دون أن يعرف أهل البيت(عليهم السلام)وآراءهم وأخبارهم وما تَعنيه رواياتهم، فقد نظر إلى الروايات نظرة سطحية برأي مسبق فخرج بنتائج لا تعدو ما قاله محمد بن عبدالوهاب ومِنْ قبله ابن تيمية.
ثم إنّ علماء المسلمين من لدن ظهور الضلال في أوائل القرن الثامن ردّوا على تلك الأفكار الساقطة التي لا تهدف إلاّ إلى الحط من مقامات الأنبياء والأولياء أوّلاً، وهدم كل أثر ديني بقي من عصر الرسالة إلى يومنا هذا تحت شعار التوحيد ثانياً.
ولذلك قمنا بنقد هذه الرسالة نقداً موضوعياً بنّاءً نهدف من ورائه بيان الحقيقة وإتمام الحجة على الكاتب ومن على رأيه.
وستكون دراستنا للموضوع ضمن الفصول التالية:
1. زيارة القبور وآثارها البنّاءة في الكتاب والسنّة.
2. صيانة مراقد الأنبياء والأئمة.
3. حجج المؤلف وذرائعه.
4. بناء المساجد جنب المشاهد.
5. البكاء على الميّت وإقامة العزاء عليه.
6. خاتمة المطاف: تضخيم بعض الممارسات.
وسوف نركز في هذه الفصول ـ غالباً ـ على ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ حتّى يتبيّن أنّ الأخبار الواردة عنهم تتضاد تماماً مع ما عليه الوهابية في كافة المجالات.
قال الله تعالى:(قُلْ هِذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلى اللهِ عَلى بَصِيرة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَني وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين).(688)
والله من وراء القصد
الفصل الأوّل
زيارة القبور وآثارها البنّاءة في الكتاب والسنة
الزيارة ـ لغة ـ بمعنى القصد، فقد جاء في «المصباح المنير»: زاره، يزوره، زيارة، وزوراً: قصده، فهو زائر.(689) والمزار يكون مصدراً، أو موضع الزيارة، والزيارة في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به.
وربّما تطلق الزيارة في ألسن العامة على ما يقرأه الزائر أو يتكلم به مادحاً المزور وواصفاً له ومسلِّماً عليه، إلى غير ذلك من الكلمات والجمل الواردة في زيارة الأولياء وغيرهم.
إنّ صلة الإنسان بآبائه وأجداده وأرحامه وأصدقائه في حياتهم أمر واضح، وعندما يفترق عنهم مدة معينة يجد في نفسه شوقاً لزيارتهم والحضور عندهم والاستئناس بهم، ولذلك أمرنا الله سبحانه بصلة الأرحام وحرّم قطع الرحم، وكأنّه بإيجابه هذه الصلة أكد ما عليه الإنسان صاحب الفطرة السليمة.
ثم إذا مات هؤلاء ودفنوا في مقابرهم لا يرضى الإنسان أن تنقطع صلته بهم ويجد في نفسه دافعاً إلى زيارة قبورهم، ولذا تراه يقوم بتعميرها وصيانتها حفاظاً عليها من الاندراس، كل ذلك نابع عن فطرة خلق الإنسان عليها.
فلو دل دليل على كراهة تجديد القبر، فلأجل عنوان ثانويّ وهو طروء الضيق على الناس في الأراضي التي تخصص لدفن الأموات.
ومن الواضح أنّ الدين الإسلامي لا يتعارض مع مقتضيات الفطرة، بل أنّه يضع أحكامه على وفقها، ولذا أمر بالعدل والإحسان ونهى عن خلافهما، وهكذا سائر الأحكام الأساسية الواردة في الكتاب والسنة، والتي لا تتغير بمرور الزمان وتبقى سائدة ما دام للإنسان وجود على الأرض وشريعة الإسلام حاكمة، قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(690).
الآثار الإيجابية للزيارة
حينما يطل الإنسان بنظره على وادي الصمت (المقابر) يرى عن كثب وادياً يضم أجساد الفقراء والأغنياء والصغار والكبار جنباً إلى جنب ، يراهم قد باتوا في سبات عميق وصمت مخيف، قد سلبت عنهم قُدَراتهم وأموالهم، وما سخروه من الخدم، ولم يأخذوا معهم إلاّ الكفن .
وهذه النظرة تدهش الإنسان وتدفعه إلى التفكير في مستقبله ومصيره وربّما يحدّث نفسه بأنّ حياة هذه عاقبتها، وأياماً هذه نهايتها لا تستحق الحرص على جمعه للأموال، والاستيلاء على المناصب والمقامات، خصوصاً فيما لو كان الزائر موحّداً مصدِّقاً بالمعاد، وأنّه سوف يحاسب بعد موته على أعماله وأفعاله وما اكتنز من الكنوز واقتنى من الأموال وتقلّد من مناصب، فهل كان ذلك عن طريق مشروع دون أن يكون فيه هضم للحقوق وتجاوز على الأعراض والنفوس .
هذا هو الأثر التربوي لزيارة القبور على الإطلاق سواء أكان القبر للأنبياء والأولياء أم للأرحام والأصدقاء، أم لم يكن واحداً منهم، وإلى هذا الأثر التربوي يشير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث المروي عنه: «زوروا القبور فإنّها تُذكّركم الآخرة».(691)
وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّ لكم فيها عبرة».(692)
وقد استفاد أهل البيت(عليهم السلام) من التذكير بالقبور وما يؤول إليه أصحابها، في الوعظ والتربية حتى مع طواغيت عصرهم وهم في قمة حالات الزهو والبطر والتمادي، وهذا ما نلاحظه جليّاً في الأبيات التي أنشدها الإمام الهادي(عليه السلام)للمتوكل العباسي، وهو من أعتى طواغيت بني العباس وأشدّهم حقداً على أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
روى المسعودي بأنّه سُعيّ إلى المتوكل بالإمام علي الهادي (عليه السلام)وقيل له: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في داره، فوجد في بيت وحده مغلّق عليه وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلاّ الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف، متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآيات
من القرآن، في الوعد والوعيد، فأُخذ على ما وجد عليه وحمل إلى المتوكّل في جوف اللّيل، فَمَثُل بين يديه والمتوكّل يشرب وفي يده كأس، فلمّا
رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه، ولا
حالة يتعلّل عليه بها، فناوله المتوكّل الكأس الّذي في يده، فقال (عليه السلام)له:
«ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني منه» فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً استحسنه، فقال (عليه السلام): «إنّي لقليل الرواية للأشعار» فقال: لابدّ أن تنشدني فأنشده (عليه السلام) :
باتُوا على قُلَلِ الأجبال تَحْرِسُهُمْ *** غُلْبُ الرجالِ فَما أغنتهم الْقُلَلُ
وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ عن مَعاقِلِهم *** فأُودِعُوا حُفَراً يا بِئسَ ما نَزَلُوا
ناداهُمُ صارِخٌ مِنْ بَعدِ ما قُبرُوا *** أيْنَ الأسرّةُ والتيجان والحُلَلُ
أين الوجوه الّتي كانت مُنَعَّمَةً *** مِنْ دُونِها تُضْرَبُ الأستارُ والكِللُ
فأفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حينَ ساءَلَهُمْ *** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْها الدُّودُ يقْتَتِلُ
قَدْ طالَ ما أكَلُوا دَهراً وما شَرِبُوا *** فأصبَحُوا بعدَ طولِ الأكلِ قَد أُكِلُوا
وَطالَ ما عَمّرُوا دُوراً لِتُحْصِنَهُمْ *** فَفارَقُوا الدُّورَ والأهليَن وانتقَلُوا
وَطالَ ما كَنزُوا الأموالَ وادَّخَرَوا *** فخلَّفُوها على الأعداء وارْتَحَلُوا
أضْحَتْ مَنازلُهُمْ قَفْراً مُعَطَّلَةً *** وساكِنُوها إلى الأجداثِ قَدْ رَحَلُوا(693)
زيارة مراقد العلماء والشهداء
ما ذكرناه من الأثر التربويّ هو نتيجة لزيارة قبور عامة الناس، حيث إنّها تورث العبرة، وتذكّر بالآخرة، وتحطُّ من الأطماع، وتقلّل من تعلّق الإنسان بالدنيا وما فيها.
وأمّا زيارة مراقد العلماء فلها وراء ذلك شأن آخر، حيث إنّها تهدف إلى تكريم العلم وتعظيمه، وبالتالي تحث الجيل الناشئ لتحصيل العلم، حيث يرى بأُمِّ عينيه تكريم العلماء أحياءً وأمواتاً .
كما أنّ لزيارة مراقد الشهداء ـ الذين ذبّوا بدمائهم عن دينهم وشريعتهم المقدسة ـ أثراً آخر وراء العبرة والاعتبار، وذلك لأنّ الحضور عند مراقدهم بمنزلة عقد ميثاق وتعهّد من الحاضرين في مواصلة الخط الّذي ساروا عليه، وهو خط الانتصار الحقيقي والسبيل الإلهي لتحقيق الأهداف السامية.
قال سيد قطب في تفسيره لقوله تعالى:(إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلنا وَالَّذينَ آمَنُوا في الْحَياةِ الدُّنْيا): والناس يقصرون معنى النصر على صورة معيّنة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى. وقد يتلبّس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة... إبراهيم(عليه السلام) وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟
ما من شك ـ في منطق العقيدة ـ أنّه كان في قمة النصر وهو يُلقى في النار، كما أنّه انتصر مرة أُخرى وهو ينجو من النار.
هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد، فأمّا في الحقيقة فهما قريب من قريب!.(694)
ولإيضاح الحال نأتي بمثال: أنّ الفقهاء أفتوا باستحباب استلام الحجر الأسود عند الطواف، وعندئذ يسأل الحاج عن سرّ هذا العمل، وما هي الفائدة من وضع اليد على الحجر واستلامه؟ إلاّ أنّه لو تأمّل في تاريخ بناء البيت الحرام يجد أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) قد تولى إعادة بناء بيت الله الحرام بعد طوفان نوح(عليه السلام)، وبأمر من الله عز وجل وضع الحجر الأسود ـ الذي كان جزءاً من جبل أبي قبيس ـ داخل حائطه.
ثمّ إنّ وضع اليد على الحجر هو نوع من أنواع التعاهد مع بطل التوحيد(عليه السلام)ونبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يحارب كل نوع من أنواع الشرك والوثنية، وأن لا ينحرف عن التوحيد في جميع مراحل حياته.
ولذا فإنّ الهدف من استلامنا الحجر الأسود هو أن نبايع الله والأنبياء على الثبات على التوحيد، وقد ورد أنّ ذلك من مستحبات الطواف، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ضع يدك على الحجر وقل: «أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة».(695)
وينقل الشيخ الصدوق عن ابن عباس(رحمه الله) أنّه قال: واستلامه اليوم بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(696)
ومن ذلك نستنتج أنّ استلام الحجر تجسيد عملي لمعاهدة قلبية مركزها روح الإنسان وداخله، وفي الحقيقة أنّ زائر بيت الله الحرام بهذا العمل يعكس عملياً تلك المعاهدة القلبية بشكل ملموس محسوس.
وما ذكرناه من حكمة لهذا العمل هي ذات السبب للحضور عند مراقد شهداء بدر وأُحد وكربلاء، وغيرها، فإنّ الزائر بحضوره لديهم وبوضع يده على مراقدهم، كأنّه يعقد ميثاقاً مع أرواحهم في مواصلة الأهداف التي لأجلها ضحّوا بدمائهم، وقتلوا في سبيلها، فإنّ زيارة قبور الشهداء تكريم وتعظيم لهم ونوع تعهد في مواصلة أهدافهم.
كما أنّ من الجدير ذكره أنّ كثيراً من السلفيين ربّما يعتذرون عن استلام الحجر بما أُثر عن الخليفة الثاني من أنّ تقبيله له لأجل أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبّله، ولولا تقبيله لما فعل، ولكنّه غفل عن سرّ تقبيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أُشير إليه في الحديث التالي:
روى عبدالرحمن بن كثير الهاشمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مرّ عمر بن الخطاب على الحجر الأسود فقال: والله يا حجر إنّا لنعلم أنّك حجر لا تضر ولا تنفع، إلاّ أنّا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحبّك فنحن نحبّك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف يابن الخطاب، فوالله ليبعثنه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان، فيشهد لمن وافاه، وهو يمين الله عزوجل في أرضه يبايع بها خلقه. فقال عمر: لا أبقانا الله في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب» .(697)
زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الروايات الشريفة
تضافرت الروايات من الفريقين على استحباب زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وانّها من متمّمات الحج، وإليك طائفة منها:
1. عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي» .(698)
2. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».(699)
3. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي»(700).
هذا ما تيسّر ذكره مما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فهو كثير نختصر منه ما يلي:
4. عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال: «أتمّوا برسول الله حجّكم، إذا خرجتم إلى بيت الله، فإنّ تركه جفاءٌ وبذلك أمرتم، وأتمّوا بالقبور التي ألزمكم الله زيارتها وحقّها».(701)
5. روى عبدالرحمن بن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عمّن زار قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)متعمداً؟ قال: «يدخله الله الجنة إن شاء الله»(702).
وقوله: «متعمداً» أي يكون مجيئه لمحض الزيارة لا لشيء آخر تكون الزيارة مقصودة بالتبع.
6. روى ابن قولويه بسنده عن أبي حجر الأسلمي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أتى مكة حاجّاً ولم يزرني بالمدينة جفوته يوم القيامة، ومن زارني زائراً وجبت له شفاعتي» .(703)
ومراده من الجفاء هو عدم الشفاعة.
وقد أورد ابن قولويه في هذا الباب أزيد من عشرين حديثاً في استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وما هذا إلاّ لأنّ الحضور لدى قبره الشريف نوع تقدير وعرفان لجميل ما بذله في سبيل هداية الأجيال وما تحمّل في سبيل ذلك من الجهود المضنية.
7. أنّ للإمام الرضا (عليه السلام)كلمة قيّمة في زيارة مراقد القادة المعصومين كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام) حيث قال: «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم». (704)
هذا وكأنّ الزائر في حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: لو إنّ الأنصار بايعوك في العقبة الثانية لأن يذبّوا عنك كما يذبّون عن أنفسهم وأولادهم، أو أنّ المهاجرين والأنصار بايعوك تحت الشجرة للذب عن رسالتك، فها أنا أُبايعك في حرمك للذب عن المثل العليا في رسالتك السماوية المقدّسة بما أُوتيتُ من حول وقوة من الله سبحانه ناشراً ألوية التوحيد في ربوع العالم، محطّماً أوتاد الشرك وأصنامه.
فلو كان السياح يجوبون الأرض لزيارة المواقع التاريخية والمناظر الطبيعية الجميلة، فها أنا قطعت الفيافي لزيارة مرقدك، فإن لم أتمكّن من تقبيل يدك فأنا أُقبل تربة القبر الّذي ضم جسدك الشريف.
رأي ابن القيّم في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
قد عدّ الشيخ ابن القيم(المتوفّى 751 هـ ) زيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)من أفضل الأعمال كما جاء في نونيته المشهورة :
فإذا أتينا المسجد النبوي صلْـ *** ـلينا التحية أولاً ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها *** وحضور قلب فعل ذي الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد الْـ *** ـقبر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع *** متذلل في السرِّ والإعلان
فكأنه في القبر حيٌّ ناطق *** فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت *** تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها *** ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلّم بالسلام بهيبة *** ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه *** كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم يُر طائفاً بالقبر أسـ *** ـبوعاً كأن القبر بيت ثان
ثم انثنى بدعائه متوجها *** لله نحو البيت ذي الأركان
هذي زيارة من غدا مُتمسكاً *** بشريعة الإسلام والإيمان
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا *** رة وهي يوم الحشر في الميزان(705)
طلب الاستغفار من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
إنّ الذكر الحكيم يحث المسلمين أو طائفة منهم على الحضور عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليستغفر لهم بعد استغفارهم، قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)(706).
ويقول سبحانه في موضع آخر: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(707).
والآية وإن وردت والنبي على قيد الحياة إلاّ أنّ المورد لايخصّص، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حي يرزق; وكيف لا يكون حياً وهو يرد سلام مَن صلّى عليه؟! وكيف لا يكون حياً وهو نبي الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون؟! فمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب منه الاستغفار سوف يكون قد عمل بالآية الشريفة.
وقد فهم ألباب الأُمّة وعقلاؤها أنّ الآية لا تشير إلى مدة حياته، بل تعم الدنيا إلى آخرها، لذلك كتبت هذه الآية فوق قبره الشريف لكي لا يغفل الزائرون عن هذه النعمة العظيمة.
ثم إنّ العلاّمة السبكي نقل في «شفاء السقام»(708) فتاوى فقهاء المذاهب، وإنّ الجميع متّفقون على استحباب زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم).
ونقل أيضاً عن فقيه الحنابلة ابن قدامة المقدسي(709) أنّه قال به، وكذلك نصّ عليه المالكية أيضاً ; كما وذكر قول أبي الخطّاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلواذانيّ الحنبلي في كتاب «الهداية» في آخر باب صفة الحجّ: وإذا فرغ من الحجّ استحبّ له زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقال أبوعبدالله محمّد بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن إدريس السامريّ في كتاب «المستوعب»: باب زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا قدم مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)استحبّ له أن يغتسل لدخولها، ثمّ يأتي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ويقدّم رجله اليمنى في الدخول، ثمّ يأتي حائط القبر، فيقف ناحية، ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره... وذكر كيفيّة السلام والدعاء إلى آخره.
ومنه: اللّهم إنّك قلت في كتابك لنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ... )(710)، وإنّي قد أتيت نبيّك مستغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللّهم إنّي أتوجّه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم)... وذكر دعاء طويلاً.
ثمّ قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فودّع.
انظر عزيزي القارئ إلى هـذا المصنّف وهو من الحنابلة ـ ومؤلف كتاب «فقه المزار» متمذهب بمذهبهم ـ ، كيف نصّ على التوجّه إلى الله تعالى بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) !(711)
اهتمام العلماء بزيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)
اتّفق فقهاء الفريقين على استحباب زيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»: زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل المندوبات، وردت فيها أحاديث.(712)
وقد اعتنى العلماء ـ قديمهم ومتأخرهم ـ عناية عظيمة بزيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فألفوا في ذلك كتباً كثيرة في بيان فضل الزيارة وآدابها ومناسكها، وثواب شد الرحال إلى زيارة قبره الشريف(صلى الله عليه وآله وسلم)وبيان الآثار الاجتماعية لهذه العبادة الشريفة، وإليك عناوين عدد مما ألفه إخواننا علماء أهل السنة:
1.الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للعلاّمة القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي (المتوفّى 544 هـ ).
2. شفاء السقام في زيارة خير الأنام، للإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى 756هـ).
3. إتحاف الزائر وإطراف المقيم السائر في زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، للإمام العالم أبي اليمن عبد الصمد ابن الشيخ الأجل أبي الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله القرشي الدمشقي المعروف بابن عساكر (المتوفّى 571هـ).
4. رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة، للمحدث الشيخ محمود سعيد ممدوح.
5. الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي الشريف المكرم، للمحدث الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (المتوفّى 973 هـ).
6. تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار، لابن حجر الهيتمي.
7. الدرة الثمينة فيما لزائر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، للعلامة الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الغني المدني الدجاني الأنصاري القشاشي (المتوفّى 1071 هـ).
8. نفحات الرضا والقبول في فضائل المدينة وزيارة سيدنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، للمحدث المؤرخ الشيخ أحمد بن محمد الحضراوي المكي(المتوفّى 1327هـ).
9. الذخائر القدسية في زيارة خير البرية، للعلامة الشيخ عبد الحميد بن محمد علي قدس المكي(المتوفّى 1335هـ).
10. التوسل والزيارة، للشيخ محمد الفقي.
11. مشارق الأنوار في زيارة النبي المختار(صلى الله عليه وآله وسلم)، للإمام المحدث الشيخ حسن العدوي المالكي.
12. الزيارة النبوية بين الشرعية والبدعية، للسيد محمد بن علوي المالكي الحسني.
زيارة القبور في السنة النبوية
اتّفق أهل السيرة على أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجّلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» .(713)
ولم يقتصر (صلى الله عليه وآله وسلم)بل علّم كيفية الزيارة لزوجته، روى مسلم في صحيحه عن عائشة في حديث طويل قالت: قلت كيف أقول لهم يارسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون».(714)
ومع ذلك نرى أنّ الحكومة السعودية قد أقفلت باب البقيع بوجه النساء، فمنعت دخولهن إليه، مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أدخل زوجته البقيع وعلّمها صيغة الزيارة .
وقد جاء في الآثار أنّ بنت المصطفى التي هي أفضل نساء العالمين تذهب إلى زيارة القبور، كما تذهب إلى زيارة قبر عمها حمزة وتصلّي عنده في حياة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(715)
هذه هي سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا سلوك بنته، فما هذا التناقض بينها وبين عمل الوهّابية؟!
هذا وقد زارت عائشة قبر أخيها عبدالرحمن وكان قد مات بالحُبشي ـ والحبشي على اثني عشر ميلاً من مكة، هكذا في كتاب ابن أبي شيبة عن ابن جريج ـ فحُمِل حتّى دفن بمكة، فقدمت عائشة من المدينة، فأتت قبره فوقفت عليه، فتمثلت بهذين البيتين:
وكنا كندماني جذيمة حقبة *** من السهر حتّى قيل: لن يتصدّعا
فلّما تفرقنا كأنّي ومالكاً *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
أما والله لو شهدتك ما زرتك، ولو شهدتك ما دفنتك إلاّ في مكانك الّذي متّ فيه (716).
وحصيلة الكلام: أنّ استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر اتفق عليه قاطبة الفقهاء.
حتّى أنّ مفتي الديار السعودية السابق عبدالعزيز بن باز أفتى باستحبابها ونشرت جريدة «الجزيرة» فتواه في عددها 6826، وبتاريخ 24 / ذي القعدة الحرام / عام 1411 هـ .
وقد ذكر العلاّمة السبكي ما روي في المقام من الأحاديث فأنهاها إلى خمسة عشر حديثاً وتكلم في أسنادها، (717) كما نقل نصوص كبار علماء المسلمين على استحباب زيارة قبر الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد بيّن أنّ الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين.
كما أنّ العلاّمة الراحل الشيخ الأميني (رحمه الله) قد نقل ما دل على استحباب زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكر ما يتجاوز الأربعين قولاً من أقوال علماء السنّة التي فات السبكي الوقوف عليها.(718)
***
حديث: «لا تشدّ الرّحال...»
ربما يمكن أنّ يقال: إنّ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر مستحب في نفسه، إلاّ أنّ السفر لتلك الغاية غير جائز لما رواه مسلم في صحيحه:
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»(719).
إلاّ أنّ الإمعان في الحديث يعرب عن أنّ الكلام مشتمل على المستثنى دون المستثنى عنه، ويسمّى هذا الاستثناء في اصطلاح اللغويين بالاستثناء المفرغ، فلابد من تعيين المستثنى منه ثم دراسة الحديث. وهناك احتمالات ثلاثة:
إنّ المقدّر هو المكان، أو القبر، أو المسجد.
فعلى الأوّل يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد .
وعلى الثاني يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى قبر من القبور إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
وعلى الثالث يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
أمّا الأوّل فهو باطل شرعاً وعرفاً لبديهة جواز السفر للتجارة والزيارة والدراسة والسياحة إلى غير ذلك من الغايات المباحة شرعاً.
أمّا الثاني فهو يجعل المستثنى منقطعاً لعدم دخول المستثنى في المستثنى منه، إذ يصبح الكلام ركيكاً جدّاً، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أفصح العرب، فكيف يتكلّم بما يُعد عيباً عند الفصحاء والأُدباء؟!
إذن يتعين الثالث وهو: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
لعدم وجود المزية في غير هذه المساجد الثلاثة، فيصبح شد الرحال أمراً لغواً.
فالمسجد الجامع في البصرة من حيث الثواب نفسه في الكوفة فالسفر من البصرة إلى الكوفة لغاية درك فضيلة اقامة الصلاة في المسجد الجامع في الكوفة أمر لا طائل تحته لإمكان الزائر أن يناله بالصلاة في جامع البصرة .
ولعمري أنّ الحديث واضح لا شبهة فيه. وعلى ما ذكرنا لا يشمل مَن يشد الرحال ويتوجه لمرقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لزيارته وتجديد البيعة معه لخروجه عن مصب الحديث في جانبي المستثنى والمستثنى منه.
هذا على القول بصحة سند الحديث، وبما أنّه ورد في الصحيحين أبى الفقهاء عن المناقشة في مضمونه، وإلاّ فيمكن نقض القاعدة بما تضافر من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يزور مسجد قباء في كل سبت(720)، ومنطقة قباء تبعد عن المدينة مسافة تستوجب السفر وشدّ الرحال.
شدّ الرحال إلى المساجد السبعة
إنّ حجاج بيت الله الحرام يقصدون المساجد السبعة في المدينة المنورة، مضافاً إلى المساجد الثلاثة الأُخرى كمسجد رد الشمس (الفضيخ)، والإجابة، وبلال، فكيف يبرر هذا السفر مع نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن شد الرحال إلاّ لمساجد ثلاثة.
الجواب: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن السفر إلى غير هذه المساجد لأجل العبادة والصلاة فيها، لكون السفر أمراً لغواً لعدم مزية مسجد على مسجد آخر مثله. وأمّا سفر الحجاج إلى هذه المساجد فليس لغاية إقامة الصلاة فيها وإن كانوا يصلّون بمجرد الدخول فيها، بل الغاية من السفر هو التعرّف على البطولات التي قام بها المسلمون في وجه المشركين وما قدّموا من التضحيات في طريق إرساء أُسس الإسلام ونشر راية التوحيد، وكل ذلك لا يعلم إلاّ بالحضور في تلك المشاهد حتّى يتعرف الإنسان على ما جرى عليهم في تلك الحقبة من الزمن، وذلك واضح لكل من له إلمام بالسفر إلى هذه المساجد. ولم يكن السفر إليها لأجل إقامة الصلاة فيها بل التعرف على تاريخ الإسلام وبطولات رجاله.
والعجـب أنّ الحكـومة السعـودية بسبب ضغـط هيئـة الآمـرين بالمعـروف قـد وضعت العراقيل أمام حجاج بيت الله الحرام الّذين يقومون بزيارة هذه المشاهد، بإقفال بعض هذه المساجد والمنع عن الأُخريات، وما ذلك إلاّ لقطع صلة المسلمين بآثار نبيهم .
صيانة آثار الصالحين
إنّ كل ظاهرة دينية أو اجتماعية إذا تجرّدت عن الآثار الدالة على وجودها على أرض الواقع قد تصبح بمرور الأجيال عرضة للتشكيك والترديد.
ولأجل ذلك نرى أنّ الدعوة النصرانية أصبحت في الغرب ـ بالأخص عند شبابهم ـ ظاهرة مشكوكة، وذلك لأنّه ليس لسيدنا المسيح أثر ملموس يستدل على وجوده ودعوته، إذ ليس للمسيح عندهم مقام يزار، ولا لأصحابه قبور تقصد، ولم يجدوا كتاباً مصوناً من التحريف والدس، إذ أنّ ما بين أيديهم ما يقارب من 24 أنجيلاً يُضاد بعضها بعضاً، على أنّ كثيراً منها حافل بحياة سيدنا المسيح، وكأنّ إنساناً غيره قد كتب ترجمة حياته إلى أنّ صلب ودُفن وخرج من قبره بعد عدة أيام.
كل ذلك ممّا سبب تولد التشكيك في أصل الدعوة النصرانية، وأنّه من المحتمل أن تكون من الأساطير والروايات كأُسطورة قيس ومعشوقته ليلى العامريين.
ولأجل ألاّ تبتلي الأُمّة الإسلامية بما ابتلت به الأُمم السابقة يجب على أبنائها صيانة كل أثر يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأولاده الطيبين(عليهم السلام)وأصحابه الميامين وكل ما يمت بصلة إليهم حتّى يصبحوا عند الأُمم المتحضرة شامخي الرؤوس، وانّهم أتباع دين قيّم ونبي عظيم، فيقولون هذا مولده، وهذا مهبط وحيه، وهذه قبور أولاده وأصحابه، وهذه أماكن بطولاتهم وفتوحاتهم، إلى غير ذلك ممّا يدل على وجود هذه الدعوة وواقعيتها.
ومن العوامل التي تساعد على صيانة الآثار شد الرحال إلى زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور أولاده وأصحابه، الذين بذلوا مهجهم في إرساء أُسس الدين، فلو تركت الأُمّة الإسلامية زيارتهم ولم يتعاهدوا تلك الأماكن المشرفة المنتشرة في أرجاء البلدان الإسلامية لتعرضت إلى الاندراس والزوال، ولم يبق منها أثر شاهد.
البيوت التي أذن الله أن ترفع
لقد أمر الله سبحانه المسلمين برفع بعض البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبّح له فيها بالغدو والآصال.
قال تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)(721).
فلنبحث عن هذه البيوت التي عنتها هذه الآية، فهناك قولان:
1. المساجد.
2. بيوت الأنبياء والأولياء.
أمّا الأوّل فغير صحيح جدّاً، لأنّ البيت غير المسجد، فالبيت عبارة عن المكان الّذي يسكن فيه الرجل وأهله ويأوي إليه من الحر والبرد، وهو مبيته، لذا يجب أن يكون له سقف فلا يطلق على المكشوف بيتاً، قال سبحانه: (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)(722).
وتفسير ذلك هو أنّه لولا أنّ مشيئته تعلّقت بأن يكون الناس أُمّة واحدة لجعل سقوف بيوت الكافرين من فضة، وهذا يدل على أنّ السقف من لوازم البيت مع أنّ المساجد لا يشترط فيها السقف، وهذا هو المسجد الحرام مكشوف غير مسقف.
ولذا يتعيّن الثاني وهو الّذي يؤيده ما أُثر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى السيوطي في تفسير الآية قال: أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريد قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ...)فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها ـ بيت علي وفاطمة ـ؟ قال: «نعم، من أفاضلها».(723)
والمراد من الرفع إمّا الرفع المادي أو الرفع المعنوي، فعلى الأوّل يجب تعميرها عند طروء الحوادث المخربة.
وعلى الثاني يجب تعظيمها وتنظيفها ممّا يشينها.
ثم إنّ هذه البيوت ربّما تكون بيتاً للنبي وآله فتزيد شرفاً وتكتسب فضلاً كما هوالحال في مرقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومرقد الإمامين الهمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)فقد دفنا في بيتهما وكانا يسبحان له بالغدو والآصال.
ومن المؤسف أن يبلغ الجهل بالإنسان درجة يرى فيها أنّ تخريب هذه البيوت عبادة يتقرب بها إلى الله، وفريضة يثاب عليها.
ألاّ قاتل الله الجهل أوّلاً، والعصبية الطائفية ثانياً، فإنّ المخرّبين يعلمون بأنّ البيت الّذي قاموا بتخريبه هو مرقد العترة الطاهرة التي أمرالله سبحانه بمودتهم في قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى )(724) .
الفصل الثاني
صيانة مراقد الأنبياء والأئمة
تعرفت في الفصل الأوّل على الفوائد والآثار الايجابية المترتبة على زيارة مطلق القبور، مضافاً إلى الآثار الخاصة لزيارة قبور الأنبياء والأولياء، وكل ذلك بشكل موجز.
ولندرس هنا ضرورة حفظ قبورهم وصيانتها من الخراب والتدمير على ضوء الكتاب والسنة.
وبما أنّا في هذه الرسالة بصدد نقد كتاب «فقه المزار» حيث إنّ مؤلّفه حاول تطبيق أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على أقوال الوهابيين وآرائهم، لذلك نركّز البحث على رواياتهم ولا نعتمد على غيرها إلاّ قليلاً.
إنّ فكرة هدم القبور والآثار المقدسة قد أرسى قواعدها أحمد بن تيمية (662 ـ 728 هـ)، وبعد مضي أربعة قرون نفذ هذه الفكرة محمـد بـن عبـدالـوهـاب النجـدي (1115 ـ 1206 هـ)، وذلك بعد أن عرض هذه الفكرة على كبير قبيلـة آل سعود (محمد بن سعود)، فاتفقا على نشر الفكرة وتعزيز الـدعـوة في الـربوع التي يسكنونها، واشترطا أن يتولى ابن عبدالوهاب الأُمور الدينية، ويتولى ابن سعود الأُمور السياسية والاجتماعية، وأن يسلم كل أمر إلى صاحبه .
لقد خاب أحمد بن تيمية في دعوته، لأنّه نشر الفكرة في أوساط مكتظة بالعلم والفقاهة والتاريخ ولذلك أخذوه وزجوه بالسجن، حتّى مات فيه.
بخلاف الثاني الّذي طرح هذه الفكرة معتمداً على سلطة عشيرة آل سعود في بيئة يندر فيها العلم والفقه، فلا علم ناجع ولا معرفة بموازين التوحيد والشرك، لذا تبعت أعراب نجد قول ابن تيمية ونفذوا ما أمرهم به محمد بن عبدالوهاب، وساعد على ذلك أنّ هذه الدعوة كانت مقرونة بشن الغارات على القرى والمدن فصاروا يغتنمون كل ما تقع أيديهم عليه من أموال وممتلكات، فكان الخمس للشيخ، والأربعة أخماس هي للمهاجمين .
وقد اعتمد الشيخ في دعوته على كلمتين براقتين هما:
البدعة
الشرك
وكأنّه لا يوجد في منطقه ومنهجه إلاّ هاتين الكلمتين، بدون أن يضعوا ميزاناً للبدعة وملاكاً للشرك في العبادة، وسوف ندرس في هذا الفصل تعريفهما وبيان ملاكهما.
حدّ التوحيد والشرك
لم نزل نسمع من أعضاء الهيئة المسمّاة بـ «الآمرين بالمعروف» أنّ البناء على القبور شرك، فيجب هدمها، وقد سمعت شخصياً أحدهم يقول في وصف محمد بن عبدالوهاب: «أنّه قد دمّر الشرك»، ولو كان هؤلاء باحثين واقعيين كان عليهم تعريف التوحيد والشرك في العبادة بشكل منطقي يكون جامعاً ومانعاً حتّى تكون الضابطة ملاكاً لتمييز أحدهما عن الآخر، فبما أنّهم قصّروا في هذا الميدان، سوف نقوم نحن بذكر الميزان الجامع لهما فنقول:
إنّ للشرك مراتب، ولكن مراد القائلين بالشرك في المقام هو الشرك في العبادة، وأنّ من بنى بيتاً على قبر نبي أو ولي فقد أشرك بالله سبحانه أي بمعنى عبد غيره، فلندرس هذه الفكرة.
إنّ العبادة سواء أكانت لله سبحانه أم لغيره كالأصنام والأوثان أو الأجرام السماوية، تُقيّد بقيدين:
الأوّل: الخضوع بالجوارح بنحو من الأنحاء إمّا بالركوع أو بالسجود أو بالانحناء، أو باللسان، وغير ذلك ممّا يستكشف منه الخضوع.
الثاني: مبدأ الخضوع ومصدره وهوقائم بالقلب وحقيقته عبارة عن اعتقاد الخاضع بأنّ المخضوع له إمّا خالق للسماوات والأرض أو مدبّر للكون كما هو الحال في عبادة الموحّدين، أو من بيده مصير الخاضع ومستقبله قليلاً أو كثيراً، كما هو الحال في عبادة المشركين، حيث كانوا خاضعين أمام أربابهم باعتقاد أنّ بيدهم الأُمور التالية:
1. غفران الذنوب 2. الشفاعة 3. العزّة والذلة، 4. الانتصار في الحرب، 5. نزول المطر.
قال سبحانه: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)(725). وقال أيضاً: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)(726). روى ابن هشام في سيرته، أنّ عمرو بن لُحيّ ـ أحد رؤساء مكة ـ قد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً:
ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟
قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتُمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا!
فقال لهم: أفلاتعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟
وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرفة، ودعا الناس إلى عبادته .(727)
والّذي يعرب عن أنّ المشركين في العبادة كانوا يعتقدون في آلهتهم قدرة غيبية مستقلة عن الله مؤثرة في توفير حوائجهم، ما يلي:
1. قوله سبحانه: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ )(728).
ترى أنّ الآلهة المزعومة تتمتع بأمرين:
أ. كونها أنداداً لله.
ب. أنّها محبوبة عندهم كحب الله.
ومن المعلوم أنّ أي كائن وموجود لا يكون مثلاً لله ونداً له إلاّ إذا صار يتصرف في الكون بإرادته الشخصية من دون إرادة الله تعالى.
2. قوله سبحانه: (اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)(729).
فقد فوّضوا أمر التشريع والتحليل والتحريم بيد الأحبار والرهبان، فلو دل الكتاب المقدّس على حرمة شيء، وقال الأحبار والرهبان بحليته، تراهم يقدّمونه على نص الكتاب، فلذلك صاروا مشركين في أمر التشريع .(730)
3. وقوله سبحانه حاكياً عن المشركين حيث يصرحون بعقيدتهم بالآلهة يوم القيامة بقولهم: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(731)، ولازم التسوية كون الآلهة يتصرفون في الكون بصورة مستقلة بإرادتهم الشخصية.
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العبادة تتقوّم بأمرين:
الأوّل: يتعلّق بالجوارح وهوالخضوع.
والثاني: يرجع إلى الجوانح وهو الاعتقاد بكون المخضوع له خالق أو رب، أو بيده مصير الخاضع في أمر من الأُمور، كغفران الذنوب والعزة في الحياة، والانتصار في الحرب، ونزول بركات السماء، أو غير ذلك.
وعلى ضوء ما ذكرنا فلو كان هناك خضوع مجرد عن كل عقيدة خاصة بالنسبة للمخضوع له، إلاّ أنّه عبد لله تبارك وتعالى ورسول من رسله أو ولي من أوليائه، فلا يعد الخضوع له عبادة أبداً ولا يصير الخاضع بعمله مشركاً، وهذا هو يعقوب النبي وأولاده سجدوا ليوسف، قال سبحانه: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)(732)، كما أنّ الملائكة في بدء الخلقة سجدوا لآدم خاضعين لكرامته وشرفه ولعلمه بالأسماء دونهم،(733) ولم يوصف عملهم هذا عبادة لآدم.
والّذي يدل على ذلك أنّه سبحانه علّق الأمر بالعبادة على عنوان الرب وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(734) ومن المعروف أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية، فلو قال: أكرم عالماً، يستفاد منه أنّ وجوب الإكرام لأجل علمه، فيستفاد من الآية أنّ العبادة من شؤون الربوبية، فالعبادة خاصة بمن هو ربّ يدبر الكون وبيده مصير الإنسان دون غيره.
فإذا خضع الإنسان في مقابل من هو رب واقعاً أو هو رب ـ حسب زعم الخاضع ـ فيوصف عمله بالعبادة، دونما إذا خضع مجرداً عن أيّة عقيدة ترتبط بالربوبيّة.
وهذا هو القرآن الكريم يأمر بالتذلّل أمام الوالدين ويقول: (وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)(735).
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ البناء على قبر نبي أو ولي أو غيرهما من عامة الناس يعد تكريماً للميت، وتبجيلاً له لأنّه لم يعمل ذلك باعتقاد أنّه خالق أو رب أو مدبر للكون أو غافر للذنوب أو منزل للمطر أو بيده الشفاء والشفاعة إلى غير ذلك من الأُمور التي هي بيد الله سبحانه.
نعم مجرد عدم كونه عبادة لا يلازم كونه عملاً مباحاً، بل ربّما يستنبط حكم العمل من حيث الحرمة والحلية من أدلة أُخرى، وسيوافيك عدم وجود دليل على الحرمة، وبذلك يتضح أنّ تقبيل الأضرحة وأبواب المشاهد التي تضم أجساد الأنبياء والأولياء ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد لفقدانها العنصر الثاني ولا يعدّ شركاً.
البناء على القبور والبدعة
تعرّض اللغويون لتعريف البدعة في مصنّفاتهم، قال الخليل: البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة .(736)
وقال الراغب: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء .(737)
أقول: البدعة بهذا المعنى موضوع فقهي حيث يبحث عن حلية الأشياء وحرمتها، فربّما يكون الأمر البديع حلالاً وربّما يكون حراماً.
فقد حدثت في العصر الحاضر أُمور لم يكن لها مثيل كالألعاب الرياضية، فهذا هو من الموضوعات الفقهية التي يبحث الفقيه عن حكمه الذاتي، ونظير ذلك المجالس التي يختلط فيها الرجال والنساء المتبرجات وهذا هو أيضاً يرجع إلى الفقيه، فيفتي بحلّية الأُولى وحرمة الثانية.
وكلامنا في المقام في إحداث الأمر البديع في الدين فقد عرّفه الشريف المرتضى بقوله: الزيادة في الدين أو النقصان منه مع اسناده إلى الدين .(738) وعرّفه ابن حجر العسقلاني بقوله: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس بدعة .(739) إلى غير ذلك من التعاريف التي تدل على أنّ البدعة تتقوم بأُمور ثلاثة أساسية:
1. التدخّل في الدين والتصرف فيه عقيدة أو حكماً بزيادة أو نقيصة.
2. أن لا تكون لها جذور في الشرع يدعم جوازها إما بالخصوص أو بالعموم.
3. أن تكون هناك إشاعة بين الناس.
وعلى ذلك فكل عمل يصدر من الإنسان ويشيعه بين الناس من دون أن يتسم بكونه من الدين كلعبة كرة القدم والسلة والطائرة خارج عن حدّ البدعة، لأنّ لاعبها والناشر لها لا يقوم بذلك باسم الدين، فعلى الباحث في الأُمور المبتدعة أن يُفرّق بين ما يفعل من دون أن يكون له سمة الدين والأعمال التي يقوم بها باسم الدين وأنّه جزء منه.
فالأوّل منه يوصف بالبدعة لغوياً ويطلب حكمه من الفقه، فربّمايكون حلالاً وربّما يكون حراماً.
والبدعة بالمعنى الثاني أنسب بالعقيدة ولها صلة تامّة بالمتكلّمين، الذين يبحثون عن التوحيد والشرك .
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى الموضوع فنقول:
أوّلاً: إنّ البناء على القبور ليس أمراً مبتدعاً، بل كانت له جذور في الأُمم السابقة فهذه قبور الأنبياء في الشامات والعراق وإيران فقد بني عليها البناء قبل بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثانياً: إنّ الباني لا يقوم بالبناء بما أنّه جزء من الدين وأنّ الرسول أمر به، وإنّما يقوم به من عند نفسه تكريماً للميّت واحتراماً له.
نعم مجرد عدم كونه بدعة لا يسبب الحلية، بل للفقيه أن يبحث عن حكمه في الكتاب والسنة، وأنّه هل هو محكوم بالحرمة أو بالحلية مع قطع النظر عن عنوان البدعة؟
وبذلك يظهر مفاد ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدى محمد، وشر الأُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».(740)
فإنّ الحديث ناظر إلى عمل مَن يتدخّل في الدين ويزيد فيه أو ينقص منه شيئاً، ومنه يعلم أنّ تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة أمر باطل حسب المعنى الثاني، فإنّ التدخّل في الدين قبيح عقلاً حرام شرعاً وليس لأحد أن يتدخّل فيه.
نعم روى البخاري في صحيحه: عن عبدالرحمن بن عبدالقارئ، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون... فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر: نعم البدعة هذه.(741)
فلو كان لإقامة صلاة التراويح أصل في الكتاب والسنّة، فيصلح توصيفها بالبدعة الحسنة بالمعنى اللغوي، وأمّا لو لم يكن لها أصل فيهما كما هو الحق، لأنّها بالكيفية الحاضرة لم تنقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى في فترة من خلافة عمر فعندئذ تكون بدعة تشريعية، محضة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ البناء على قبور الأنبياء والأئمة والأولياء حتّى العاديين من الناس لايوصف بالعبادة لهم ولا بكونه بدعة أي تصرفاً في الدين. نعم يبقى هناك شيء آخر وهو مراجعة الفقيه لمعرفة الحكم الشرعي من حيث الحلية والإباحة من الكتاب والسنة، وهذا ما سنتناوله في البحث التالي.
1. حكم البناء على القبور في الكتاب
يستفاد من بعض الآيات القرآنية أنّ البناء على القبور كان أمراً رائجاً بين الأُمم السالفة، ومن هذه الآيات ما تحدّث عن اتفاق من عثروا على أصحاب الكهف على البناء على قبورهم وإن اختلفوا في كيفية البناء، فقال جماعة منهم: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء آبائنا، وقال الموحّدون: نحن أحق بهم هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلي فيه ونعبد الله فيه، قال سبحانه حاكياً عنهم:(إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)،(742) والمراد من الغلبة هي غلبة الموحّدين على المشركين في ظل التطور الفكري الحاصل في عقول الناس.... ولذلك نرى أنّ الطبري ينسب القول الأوّل إلى المشركين والثاني إلى المسلمين.(743) وسيوافيك تفصيل ذلك في الفصل الثالث.
وعلى كلّ تقدير فالآية تنقل كلا القولين من دون أن يردّ حتى على الأوّل منهما فكيف على الثاني، وهذا يدل على أنّه كان أمراً مرضياً عند الله سبحانه، وإلاّ فلو كان من مظاهر الشرك لما مرّ عليه الذكر الحكيم بلا نقد.
2. البناء على القبور وإظهار المودّة
يعتبر البناء على قبور ذوي القربى أحد مصاديق التودد،لقوله سبحانه:(قُلْ لا أسألكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إلاّ الْمَودّةَ فِي القُرْبى)(744) و البناء على قبور عظماء المجتمعات الإنسانية يعد احتراماً وتكريماً لهم نابعاً عن المودة وعرفان الجميل.
فإذا كان البناء على القبور تكريماً مشعراً بالمودة فيكون ممّا دعا إليه الكتاب العزيز بصورة عامة.
ولذلك نجد أنّ الأُمم السابقة انطلقوا من هذا الأصل فبنوا على قبور أنبيائهم أبنية شامخة باقية إلى يومنا هذا، ولم يقتصروا على ذلك بل عيّنوا لهذه الأبنيّة سدنة وخدماً يحافظون على البناء ويهتمون به.
3. موقف الخلفاء من البناء على قبور الأنبياء
حدثنا التاريخ أنّ الجيوش الإسلامية المحرِّرة حينما فتحت بلاد الشام لم تتعرض إلى تلك القبور المشرفة للأنبياء بأي سوء، ولم ينقل لنا التاريخ أيّة محاولة إساءة أو اعتداء على تلك البقاع الشريفة بل لم يبد المسلمون أيّة رد فعل سلبية اتجاهها، فأقرّوا خدمتها والمشرفين عليها على ما هم عليه وأوصوا بالحفاظ عليها وصيانتها، فلو كان البناء على قبور الأنبياء والأولياء حراماً ومنافياً للتوحيد، لسعى المسلمون الفاتحون ـ و بأمر من الخلفاء ـ لتخريبها وإزالتها من الوجود ولم يتركوا لها أثراً يذكر، والحال أنّا نجد المسلمين لم يتعرضوا لها بل أبقوها كما هي عليه من دون أي تغيير. ولقد بقيت تلك القباب عامرة إلى هذه اللحظة حيث تحظى باهتمام خاص وعناية فائقة من الموحدين في جميع أقطار العالم.
وقد اعترف ابن تيمية بوجود هذه القباب قبل الإسلام وبقائها بعده، قال: وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم(عليه السلام)مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة.(745)
نفترض أنّ ما ذكره ابن تيمية صحيح وانّها كانت مسدودة، ولم يذكر له أي مصدر فلو كانت البنية على قبر الخليل شركا بواحاً، فلماذا لم يهدمها أحد في القرون الثلاثة التي هي عند السلفيين خير القرون، كما ينقلون عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».(746)
وإليك نموذجاً آخر وهو قول ابن جبير في رحلته: وبهذه القرية ]يعني جدّة[ آثار قديمة تدل على أنّها كانت مدينة قديمة، وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم، وبها موضع فيه قبة مشيّدة عتيقة، يذكر أنّه كان منزل حواء أُمّ البشر، صلى الله عليها، عند توجهها إلى مكة، فبني ذلك المبنى عليه تشهيراً لبركته وفضله.(747)
4. سيرة المسلمين والبناء على القبور
قد جرت سيرة المسلمين من عصر رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)على البناء على قبور الأولياء والصلحاء ومن كانت لهم أيادي الفضل على الأُمّة. وكانت السيرة سائدة في الحرمين الشريفين إلى أن استولت الوهابية عليهما فهدمتها بمعاول الظلم والتعصب، وها نحن نذكر نماذج من هذه الأبنية والقبور التي عليها صخور وخطوط لتظهر أنّ السيرة على خلاف ما يدّعيه ابن تيمية وتلميذ منهجه المقتات على فضلات مائدته الفكرية.
وقد كانت هذه السيرة سائدة في القرون الثلاثة التي يتباهى بها السلفيون وعلى رأسهم ابن تيمية، ويظهر ذلك لمن يقرأ شيئاً من كتب التاريخ والرحلات التي كتبها الرحالة إلى بلاد الحجاز ومصر وغيرهما.
قال المسعودي: توفّي أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) سنة ثمان وأربعين ومائة، ودفن بالبقيع مع أبيه وجدّه وله خمس وستون سنة وقيل: إنّه سُمّ، وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة مكتوب عليها:
«بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مبدئ الأُمم ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد رضي الله عنهم أجمعين».(748)
مشاهدات الرحالة ابن جبير الأندلسي
وابن جبير هو ذلك الرحالة المعروف(المولود 540هـ)، قد شرع برحلته عام 578 هـ ، يذكر مشاهداته في مصر وهي كثيرة ننقل منها شيئاً يسيراً فعندما يذكر القاهرة وآثارها العجيبة، يقول: فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض، قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الإدراك به، مجلّل بأنواع الديباج... إلى آخر ما قال. ثم يذكر ما أمكنه مشاهدته: ومنها قبر ابن النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليهم أجمعين،وقبر آسية امرأة فرعون رضي الله عنها، ومشاهد أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين. مشاهد أربعة عشر من الرجال، وخمس من النساء، وعلى كلّ واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وُكّل بها قَومةٌ يسكنون فيها ويحفظونها، ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متصلة لقوامها في كلّ شهر.(749)
ثمّ ذكر مشاهد أهل البيت رضي الله عنهم، قال: مشهد علي بن الحسين بن علي(رضي الله عنه) ، ومشهدان لابني جعفر بن محمد الصادق(رضي الله عنه) ، ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور(رضي الله عنه)، ومشهدان لابنيه الحسن والحسين (رضي الله عنهما)، ومشهد ابنه عبد الله بن القاسم(رضي الله عنه)ومشهد ابنه يحيى بن القاسم، ومشهد علي بن عبدالله بن القاسم(رضي الله عنه)، ومشهد أخيه يحيى بن عبدالله(رضي الله عنه)، ومشهد... الحسين بن علي(رضي الله عنهم)، ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين(رضي الله عنه) ثم ذكر مشاهد الشريفات العلويات (رضي الله عنهن)، وقال: مشهد السيدة أُمّ كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر (رضي الله عنها)، ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين (رضي الله عنها)، ومشهد أُمّ كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق(رضي الله عنها)، ومشهد السيدة أُمّ عبد الله بن القاسم بن محمد(رضي الله عنها)، وهذا ذكر لما حصله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة، وهي أكثر من ذلك. وأخبرنا أنّ في جملتها مشهداً مباركاً لمريم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو مشهور، لكنا لم نعاينه.(750)
ولنقتصر بما ذكر فإنّ ذكر مشاهده من الأبنية على قبور الأنبياء والصحابة والشهداء كثير لا يسع المجال لنقله.
مشاهدات الرحالة ابن النجّار(578ـ643هـ)
إنّ الرحالة المعروف محمد بن محمود بن النجار يذكر في كتابه: أخبار مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مشاهدته للقبة الرفيعة في أوّل البقيع، وأنّ عليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة.(751)
مشاهدات ابن الحجّاج (المتوفّى 391 هـ)
هذا ابن الحجّاج البغدادي ـ وهو من شعراء العراق ـ وقد دخل النجف الأشرف وزار قبر باب مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) علي أميرالمؤمنين(عليه السلام)وأنشأ قصيدة في حرمه مستهلاً بالبيت التالي:
يا صاحب القبة البيضاء في النجف *** من زار قبرك واستشفى لديك شُفي وذلك يشهد على وجود القبة خلال خير القرون على قبر الإمام علي(عليه السلام).
إلى غير ذلك من النصوص التي تكشف عن وجود هذه القباب في مختلف البقاع من بلاد المسلمين من غير أن ينكر عليه أحد لا في خير القرون ولا بعده، حتى جاء ابن تيمية وأفتى بتحريم البناء ولم يقتصر على ذلك بل تمادى ووصفه بأنّه من مظاهر الشرك.
وهناك سؤال هو: أنّ إجماع الأُمّة في عصر من العصور دليل قطعي على ما أجمعوا عليه، فلو كان في المسألة دليل ظني وأجمعت الأُمّة على مضمونه يرتفع به الحكم الظني إلى الحكم القطعي ويصير حكماً واقعياً، فإذا كان هذا هو الأصل فلأي دليل يطرح هذا الإجماع؟
ونعم ما قاله سيد الطائفة السيد محسن الأمين في القصيدة المسماة بـ«العقود الدريّة في ردّ شبهات الوهابية»:
دفن النبي المصطفى في حجرة *** شأت الكواكب في العلى والسؤدد
والمسلمون تجد في تعظيمها *** ما بين بان منهم ومشيّد
من ذلك العهد القديم ليومنا *** تعظيمهم لضريحه لم ينفد
لم يهدم الأصحاب حجرة أحمد *** وهم الهداة وقدوة للمقتدي
بل لم تزل مبنية وبناؤها *** في كلّ عصر لم يزل يتجدد
إن لم يجز فوق القبور بناؤها *** لِمَ لم تهدم قبل حجرة أحمد
ما كان ممنوعاً لنا إحداثه *** ابقاؤه عن ذاك غير مجرد
مع أنّهم قد احدثوا بنيانها *** متتابعاً من بعد دفن محمّد
زوج النبي بنت عليها حائطاً *** بين القبور وبينها لم يعهد
وابن الزبير لها بنى وكذلك *** الفاروق ثم سمّيه فلنقتد
جهلوا تراهم ماعلمتم أم غدوا *** متساهلين وأنتم بتشدد
وتتابع الباقون في بنيانها *** وغدت لأصل الدين اعظم مقصد
لضريح أحمد حرمة ما ردّها *** غير الجهول وغير ذي الطبع الردي
لو لم يكن شرف القبور في الذي *** يدعو إلى هذا المقيم المقعد
وكذا ضرائح آله فلها الذي *** لضريح جدهم برغم الحُسّد(752)
5. صيانة القبور في أحاديث العترة
قد سبق أنّ مؤلف كتاب «فقه المزار» تطرق للروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وحاول أن يطبق ما ورد عنهم على ما عليه الوهابيون، ولذلك نحن سندرس رواياتهم في هذا المضمار فنقول:
إنّ الروايات الواردة عنهم على أصناف:
الأوّل: ما يدل على استحباب تعمير القبور
روى الشيخ الطوسي في التهذيب بطريقه عن أبي عامر واعظ أهل الحجاز ما هذا نصّه: قال أتيت أبا عبد الله(عليه السلام) فقلت له: ما لمن زار قبره (يعني أمير المؤمنين(عليه السلام)) و عمّر تربته؟ قال: «يا أبا عامر حدّثني أبي عن أبيه عن جده الحسين بن علي عن علي (عليه السلام) أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: والله لتقتلن بأرض العراق وتدفن بها، قلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن إنّ الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها، وأنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحنّ إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم، فيعمّرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله، مودة منهم لرسوله، أُولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي، وهم زواري غداً في الجنة.
يا علي من عمّر قبوركم وتعاهدها فكأنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أُمّه، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر الزانية بزناها، أُولئك شرار أُمّتي، لا نالتهم شفاعتي، ولا يردون حوضي».(753)
فهل ترى أنّ الحديث يحث على تعمير قبور الأولياء وصيانتها عن الدمار والخراب،وما لمعمّرها عندالله من الأجر والثواب، أوَ يكون ـ هذا الحديث ـ مؤيداً لموقف ابن تيمية وابن عبد الوهاب اللّذين اتفقا على محو آثار الأنبياء والأولياء وهدم الأبنية وجعل القبور معرضاً لجريان السيول والأمطار وتردد الحيوانات عليها؟!
الثاني: آداب الزيارة تدل على وجود البناء
قد ورد عنهم(عليهم السلام)روايات تعلّم المسلمين آداب الزيارة وكيفيتها، وذلك يحكي بوضوح على أنّ المشاهد كانت مشتملة على البناء والأبواب في عصورهم(عليهم السلام)، وإليك بعض هذه العبارات:
1. روى الكليني عن الحسين بن ثوير، قال: كنت أنا ويونس بن ظبيان والمفضل بن عمر وأبو سلمة بن السراج جلوساً عند أبي عبد الله(عليه السلام)وكان المتكلم يونس بن ظبيان وكان أكبر منا سناً، فقال له: جعلت فداك إذا أردت زيارة الحسين كيف أصنع، وكيف أقول؟ فقال له: «إذا أتيت أبا عبد الله(عليه السلام)فاغتسل على شاطئ الفرات وألبس ثيابك الطاهرة، ثم امش حافياً فإنّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله، وعليك بالتكبير والتهليل والتمجيد والتعظيم لله كثيراً، والصلاة على محمد وأهل بيته حتى تصير إلى باب الحائر ثم تقول: السلام عليك يا حجة الله وابن حجته، السلام عليكم يا ملائكة الله...».(754)
أقول: والحائر عبارة عن 12متراً من الجوانب الأربع للقبر الشريف، والعبارة(حتى تصير إلى باب الحائر) تحكي عن وجود باب في ذلك الوقت.
2. قال الشيخ الطوسي حاكياً عن الشيخ المفيد قال: وقد ذكر الشيخ المفيد في مناسك الزيارات ترتيباً لزيارة أبي عبد الله الحسين بن علي(عليهما السلام)أحببت إيراده على وجهه، ذكر(رحمه الله) أنّه إذا انتهيت إلى باب المشهد فقف عليه وكبّر أربعاً ثم قل:....(755)
ويطلق المشهد على الموضع الذي استشهد فيه الإمام وهذا يحكي عن وجود الباب وقت ذاك، والباب فرع أن تكون هناك جدران وسقف.
3. قد ورد في زيارة أخي الإمام الحسين(عليه السلام) سيدنا العباس بن علي(عليهما السلام)وهي التي وردت عنهم(عليهم السلام): ثم امش حتى تأتي مشهد العباس بن علي(عليهما السلام)، فإذا أتيته فقف على باب السقيفة وقل: سلام الله وسلام ملائكته المقربين....(756)
4. روى الصدوق بسنده عن موسى بن عبد الله النخعي قال: قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسى(يريد الإمام الهادي): علّمني يابن رسول الله قولاً أقوله بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم، فقال: «إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين وأنت على غسل».(757)
5. روى ابن قولويه في «كامل الزيارات» قال: روي عن بعضهم(عليهم السلام) أنّه قال: «إذا أردت زيارة قبر أبي الحسن علي بن محمد وأبي محمد الحسن بن علي(عليهم السلام)، تقول بعد الغسل إن وصلت إلى قبريهما وإلاّ أومأت بالسلام من عند الباب الذي على الشارع ـ الشباك ـ ».(758)
6. روى علي بن محمد الخزّاز في كتاب «كفاية الأثر» بسنده عن ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه أخبره بقتل الحسين(عليه السلام)... إلى أن قال:«من زاره عارفاً بحقه... ألا وإن الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده».(759)
7. ومن أوضح الدلائل على وجود البناء في (خير القرون) ما روي عن تجرّؤ المتوكل على قبر الإمام الحسين(عليه السلام)حيث قام بهدمه وتخريبه وأجرى الماء عليه. قال السيوطي: وفي سنة ست وثلاثين أمر ] المتوكل[ بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخُرِّب، وبقي صحراء.(760)
الثالث: الدعوة إلى زيارة المشاهد
هناك روايات متضافرة أو متواترة تحث على زيارة قبر النبي الأكرم والعترة الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين) ولا يمكن لنا نقل شيء يسير منها ـ لكثرتها ـ بل نكتفي باثنتين منها:
الأُولى: روى الصدوق بسنده قال: قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «أتمّوا حجّكم برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرجتم إلى بيت الله، فإنّ تركه جفاء وبذلك أُمرتم».(761)
الثانية: روى ابن قولويه بسنده عن الوشّاء أنّه قال: سمعت الرضا(عليه السلام)يقول: «إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وأنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم».(762)
وها نحن سندرس هذا القسم من الروايات من دون رأي مسبق ونقول:
إذا صحّت هذه الروايات وكان إتمام الحج بزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو كان تمام الوفاء بالعهد بزيارة قبورهم فيلزم أن تصان قبورهم وتحفظ وتبقى شاخصة على مر الدهور والأيام حتى يتمكّن المسلمون من زيارة قبورهم، ولا يتحقق ذلك إلاّ بالبناء عليها وصيانتها من الحوادث الطبيعية.
فلو قام أحد المعاندين بتدمير هذه الأبنية بتهمة الشرك فقد عرّض قبورهم للخراب والدمار وبالتالي منع الباقين من القيام بهذه السنن.
وبكلمة قصيرة دعوة الأُمّة الإسلامية إلى زيارة قبور النبي الأكرم وعترته الطاهرة والشهداء لا يتحقّق إلاّ أن يكون هناك ضمان لبقاء هذه القبور والتعرف عليها، فلو تعرضت قبورهم للحوادث الطبيعية ولم يبق منها أثر فكيف يمكن إتمام الحج بزيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتمام الوفاء بالعهد بزيارة الإمام.
إذا وقفت على ما ذكرنا من أصناف الروايات نقف أنّ ما عليه أئمة أهل البيت ينافي تماماً ما عليه الوهابيون من تهديم القبور وإزالة آثارها وتعريضها للخراب والدمار، فأين هذا من هذا ياترى؟!!
الفصل الثالث
حجج المؤلف وذرائعه
قد تعرفت على موقف أهل البيت(عليهم السلام)من البناء على القبور، فهلم ندرس حجج الكاتب التي ذكرها لتشويش الأذهان، ولكي يتّضح ما هو المقصود منها نقول: ما استند عليه على أصناف:
الأوّل: النهي عن زيادة التراب على القبر
يستفاد من الروايات أنّ قبر الميت يملأ بنفس التراب الذي أخرج منه ولا يزاد في ملء الحفر بشيء من الخارج، وإليك ما روي في ذلك:
1. روى السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال:«إنّ النبي نهى أن يزاد على القبر تراب لم يُخرج منه».(763)
2. وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ ما جعل على القبر من غير تراب فهو ثقل على الميت».(764)
3. وروي عنه (عليه السلام)قوله:«لا تطيّنوا القبر من غير طينه».(765)
دراسة الروايات
أمّا الأُولى والثالثة فقد وقع في سنديهما السكوني والنوفلي، وهما غير إماميين، وربّما يستشهد برواياتهما، وأمّا الثانية فهي مرسلة.
هذا حول السند وأمّا المضمون فلا صلة له بما يرتئيه الكاتب، فإنّ النهي عن زيادة التراب على القبر لا صلة له بالبناء على القبر حتى يستريح الزائر عند زيارته ويصان من الحر والبرد، فإنّ جدران البناء تقع حول القبر وأطرافه، ولا صلة لها بالقبر نفسه.
على أنّ المضمون ينافي ما قام به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما دفن عثمان بن مظعون، حيث أعلم قبره بصخرة.(766)
روى السمهودي أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر رجلاً بحمل صخرة، ليعلّم بها قبر عثمان بن مظعون، ولم يستطع حملها فقام إليه رسول الله، فحسر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذراعيه فوضعها عند رأسه وقال: «أُعلّم بها قبر أخي، وادفن إليه من مات من أهله».(767)
أضف إلى ذلك أنّ وضع الصندوق أو الضريح على القبر لا يزيد على القبر ثقلاً ولا وزناً، لأنّ جدران الصندوق أبعد من حدود القبر.
الثاني : النهي عن البناء على القبور
ممّا وقع ذريعة في يد الكاتب ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من النهي عن البناء على القبور، وإليك هذه الروايات:
1. روى علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى(عليه السلام)عن البناء على القبر والجلوس عليه هل يصلح؟ قال(عليه السلام): «لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس، ولا تجصيصه ولا تطيينه».(768)
2. روى يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «نهى رسول الله أن يُصلّى على قبر أو يقعد عليه أو يُبنى عليه».(769)
3. روى جراح المدائني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا تبنوا على القبور ولا تصوّروا سقوف البيوت، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كَرِهَ ذلك».(770)
تحليل الروايات
أمّا الرواية الأُولى فقد وردت فيها لفظة: «لا يصلح» وهو دليل على الكراهة لا الحرمة، وسوف يوافيك ما يزيل الكراهة. وكم من أُمور توصف بالكراهة ولكن هناك ما يسبّب زوالها.
وأمّا الرواية الثالثة فقد ورد فيها النهي بلفظ:«لا تبنوا على القبور»، فهي محمولة على الكراهة أيضاً بقرينة الرواية الأُولى.
أضف إلى ذلك: أن ما دلّ على جواز البناء على القبور فيما سبق أفضل دليل على حمل النهي في هذه الروايات على الكراهة.
وأمّا الرواية الثانية فقد وقع في سندها راويان، هما: زياد بن مروان القندي، ويونس بن ظبيان.
أمّا الأوّل فقد عرفه النجاشي بقوله: أبو الفضل وقيل أبو عبد الله الأنباري، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن(عليهما السلام)، ووقف في الرضا(عليه السلام).
قال الطوسي: له كتاب، و روى الكشي ما يدلّ على خبثه ووقفه.
وقال العلاّمة: هو عندي مردود الرواية.(771)
وأمّا الثاني فقد قال النجاشي على ما حكى عنه القهبائي: ضعيف جدّاً، لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط، وقال العياشي: متهم غال، وروى الكشي بسند صحيح رواية في ذمه،متضمّنة لعن أبي الحسن الرضا إياه، وقال الكشي: ذكر الفضل بن شاذان في بعض كتبه، إنّ من الكذابين المشهورين ابن ظبْيان،(772) إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في حقّه،(773) فكيف يمكن الاستدلال بروايته؟!
ثمّ إنّ مورد الروايات - إذا صحت أسنادها - هو عامة الناس، إذ لو بني لكلّ ميت بناءً، أو أنّ كلّ أُسرة قامت بالبناء على أمواتهم ربما ضاقت الأرض، ولم يبق مكاناً لدفن أحد. يقول العلاّمة الحلّىّ في تفسير الروايات: لأنّ في ذلك تضييقاً على الناس ومنعاً لهم عن الدفن، هذا مختص بالمواضع المباحة، أمّا الأملاك فلا.(774)
وقد ورد نظير هذه الروايات في كتب أهل السنة وحملها بعضهم على ما كان البناء للفخر. يقول مؤلف «الفقه على المذاهب الأربعة»: يكره أن يبنى على القبر بيت أو قبة أو مدرسة أو مسجد أو حيطان تحدق به، إذا لم يقصد بها الزينة والتفاخر، وإلاّ كان ذلك حراماً، هذا إذا كانت الأرض غير مسبلة ولا موقوفة. والمسبلة هي التي اعتاد الناس الدفن فيها ولم يسبق لأحد ملكها، والموقوفة هي التي وقفها المالك بصيغة الوقف، أمّا المسبلة والموقوفة فيحرم فيها البناء مطلقاً، لما في ذلك من التضييق والتحجير على الناس، ثم قال: الحنابلة : إنّ البناء مكروه مطلقاً سواء كانت الأرض مسبلة أو لا، إلاّ أنّه في المسبلة أشد كراهة.(775)
ويقول الشيخ الطوسي: ويكره تجصيص القبور والتظليل عليها، والمقام عندها، وتجديدها بعد اندراسها،ولا بأس بتطيينها ابتداءً.(776)
وقال ابن حمزة: والمكروه تسعة عشر... إلى أن قال: وتجصيص القبر، والتظليل عليه والمقام عنده، وتجديده بعد الاندراس.(777)
وقال الشهيد في «الذكرى»: المشهور كراهة البناء على القبر واتّخاذه مسجداً، وكذا يكره القعود على القبر، وفي المبسوط نقل الإجماع على كراهة البناء عليه.(778)
ثمّ قال: هذه الأخبار رواها الصدوق والشيخان وجماعة من المتأخّرين في كتبهم، ولم يستثنوا قبراً، ولا ريب أنّ الإمامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه: إحداهما البناء، والأُخرى الصلاة، - إلى أن قال: - فيمكن القدح في هذه الأخبار لأنّها آحاد، وبعضها ضعيف الاسناد، وقد عارضها أخبار أشهر منها، وقال ابن الجنيد: لا بأس بالبناء عليه، وضرب الفسطاط يصونه ومن يزوره... .
إلى أن قال: ]وتخصص هذه العمومات [بالأخبار الدالة على تعظيم قبورهم وعمارتها وأفضلية الصلاة عندها وهي كثيرة.(779)
الثالث: النهي عن التجصيص والتطيين
لم يرد في النهي عن التجصيص والتطيين إلاّ رواية واحدة تقدمت في الصنف الثاني من الروايات، وقد قلنا هناك: إنّ لفظ «لا يصلح» دليل على الكراهة، وقد مرّ أنّ الشيخ وأبا حمزة أفتيا بكراهتهما كما مرّ.
أضف إلى ذلك: أنّه يعارض ما رواه الكليني(رحمه الله) عن يونس بن يعقوب قال: «لمّا رجع أبو الحسن موسى(عليه السلام) من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت له ابنة بـ «فيد» فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصّص قبرها ويكتب على لوح اسمَها ويجعله في القبر.(780)
بل يمكن أن يقال: إنّ النهي عن التجصيص والتطيين راجع إلى داخل القبر لا خارجه، وذلك لاتّفاق الأُمّة الإسلامية على استحباب رفع القبر بمقدار شبر أو أربع أصابع منفرجات، وما ذلك إلاّ ليبقى ويُعرف ويزار، ومن المعلوم أنّ رفع التراب فوق القبر لا يبقى إلاّ بالتطيين والتجصيص خارج القبر.
الرابع: استحباب رفع القبر شبراً
لقد استفاضت الروايات من طرقنا ومن طرق أهل السنة أيضاً على استحباب رفع القبر مقدار شبر أو أربع أصابع منفرجات، وإليك عدداً من هذه الروايات:
أ. روى الكليني بسنده عن قدامة بن زائدة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سلّ إبراهيم ابنه سلاً ورفع قبره».(781)
ب. روى الكليني عن عقبة بن بشير عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي(عليه السلام): «يا علي ادفني في هذا المكان، وارفع قبري من الأرض أربع أصابع، ورشّ عليه من الماء».(782)
ج. وروى أيضاً عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ أبي أمرني أن أرفع القبر من الأرض أربع أصابع مفرّجات».(783)
وهذه الروايات تأمر برفع القبر أربع أصابع أو شبراً ولا تنهى عن الزائد عليه، نعم ورد في رواية واحدة، أنّ الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)نهى أن يرفع قبره أزيد من أربع أصابع، روى عمر بن واقد عن أبي الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام) ـ في حديث ـ أنّه قال: «إذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري أكثر من أربع أصابع مفرّجات».(784)
ووجه النهي أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) قد دفن في مقابر قريش والتي كان كل القرشيين، من العلويين والعباسيين يدفن فيها، فلو كان قبره يرفع أكثر من قبور غيره، لأثار حفيظة الآخرين، هذا وربما يتعرض القبر للإهانة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ رفع القبر شبراً أو أربع أصابع أمر مستحب، وأمّا الزائد عليه، كما لم يثبت استحبابه، لم تثبت كراهته ولا حرمته.
الخامس: تسوية القبور
روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «بعثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلاّ محوتها،ولا قبراً إلاّ سويته، ولا كلباً إلاّ قتلته».(785)
روى مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب:«ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته».(786)
مناقشة الحديث
نحن لا ندرس سند الحديث مطلقاً سواء الوارد من طرقنا أو طرقهم، وانّما نركز البحث على مضمونه، فنقول:
أوّلاً: إنّ ما ورد من طريقنا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث علياً(عليه السلام)إلى المدينة، لا يخلو من احتمالين:
أ. أن يكون قد بعثه إلى المدينة قبل هجرته(صلى الله عليه وآله وسلم) إليها.
ب. أن يكون قد بعثه بعد الهجرة.
أمّا الأوّل فباطل قطعاً، إذ لم تكن لعلي أي هجرة إلى المدينة قبل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا الثاني فهو بعيد جدّاً، لأنّ الظاهر أنّ المراد من الصورة هو صورة الأصنام والأوثان التي يحافظ عليها في البيوت أو الأزقّة، وهل يحتمل أن يكون لها وجود بعد انتشار الإسلام في المدينة وأطرافها، وقد استقبلت الطائفتان (الأوس والخزرج) دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) برحابة صدر وطاعة؟!
ثانياً: إنّ التسوية الواردة في الحديث من الطريقين تستعمل على وجهين:
1. أن يكون الفعل متعدياً لمفعول واحد فقط، كما في قوله سبحانه: (فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ).(787)
2. أن يكون الفعل متعدياً إلى مفعولين: أحدهما بلا واسطة، والآخر بواسطة حرف الجر، كما في قوله سبحانه:(إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِين).(788)
أمّا الوجه الأوّل فتكون التسوية وصفاً لنفس الشيء لابالمقايسة إلى غيره، كما في الآية المتقدمة حيث إنّ المراد تسوية بدن آدم(عليه السلام)، ونظيره قوله سبحانه: (والذي خَلَقَ فَسَوّى).(789)
والمراد أي سوّى ما خلق. ويكون المقصود تسوية الشيء وإكماله ورفع الإعوجاج والنقص عنه .
وأمّا الوجه الثاني أي فيما لو أخذ مفعولين وتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، تكون التسوية وصفاً للشيء بالإضافة إلى الأمر الآخر كما في الآية المتقدمة: (إذْ نُسَوِّيكُمْ بِربِّ الْعالَمِين).
قال سبحانه:(يَومَئِذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَديثاً)(790). ترى أنّ التسوية هناك ليست وصفاً لنفس المعبود بما هوهو، بل له بالقياس إلى رب العالمين، ونظيره الآية الثانية فالتسوية صفة للكافرين بالقياس إلى الأرض.
إذا علمت واقع هذه الكلمة واختلاف مضمونها حسب وحدة المفعول وكثرته فاعلم أنّ فعل التسوية في الحديث قد اكتفى بمفعول واحد فتكون التسوية وصفاً لنفس القبر، لا بالقياس إلى غيره كالأرض، فيكون المراد كون القبر مستوياً لا محدباً، ومسطحاً لا مسنّماً، فالحديث يدل على حرمة أو كراهة التسنيم، ويدل بالملازمة على استحباب التسطيح، وأين هذا من تخريب البناء على القبور، وادّعاء حرمة البناء؟!
وقد فسّر النووي في شرحه على صحيح مسلم الحديث على نحو ما ذكرنا، وقال: قوله: «يأمر بتسويتها» وفي الرواية الأُخرى: «ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته».
فيه: أنّ السنة أنّ القبر لايرفع على الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنّم بل يرفع نحو شبر ويسطّح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أنّ الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك.(791)
هذا كلّه يعود إلى إيضاح متن الحديث.
ثمّ إنّ الحديث نقل من طرقنا بصور مختلفة تفتقد الاعتماد عليها وهي:
أ. جدّد قبراً، ب. حدّد قبراً، ج. جدّث قبراً(دفن الميت في قبر غيره). د. خدّد قبراً(أي نبشه).(792)
أفيمكن الاستدلال بهذا الحديث المردّد بين أربع صور كل يخالف الآخر؟!
إلى هنا تمّ ما اتّخذه الكاتب ذريعة لما بيّناه من أحاديث العترة الطاهرة(عليهم السلام)، وقد عرفت أنّ الأدلة تدل بوضوح على جواز البناء واستحبابه بالنسبة إلى قبور الأنبياء والأولياء، وأمّا ما يتوهّم منه النهي فهو محمول على الكراهة في فترات خاصة أو لأُناس عاديين.
وبهذا يتم الكلام في هذا الفصل، فلنعد إلى بناء المساجد عند المشاهد، وهذا ما ندرسه في الفصل التالي، إن شاء الله تعالى.
الفصل الرابع
بناء المساجد جنب المشاهد
المسجد هو معبد الموحّدين، يعبدون الله وحده ولا يدعون فيه أحداً إلاّ الله، قال سبحانه:(وانّ المساجدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحداً)(793)، والمراد من الدعاء هو العبادة أي لا تعبدوا مع الله أحداً.
ذلك أنّ القرآن الكريم تارة يذكر العبادة بلفظها، وأُخرى يذكرها بلفظ الدعاء قال سبحانه:(وَقَال رَبّكُمُ ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ إنّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ)(794).
ترى أنّه سبحانه قد عبّر عن العبادة بالدعاء في صدر الآية، وهذا يدلّ على أنّ الدعاء المرادف للعبادة مختص بالله سبحانه. وأمّا الدعاء المجرد عن عنوان العبادة فأمر مباح أو مستحب أو واجب، وعلى كلّ تقدير فالمسجد مركز العبادة الخاصّة بالله سبحانه.
نعم جرت السنة منذ زمان على بناء المساجد في جنب المراقد تبركاً بوجود الأولياء، كما عمل به الموحّدون الذين عثروا على أصحاب الكهف وقالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)، وسوف يوافيك تفصيله .
ومن شاهد المؤمنين الذين يصلّون في تلك المساجد التي بنيت جنب المراقد يذعن بأنّهم يعبدون الله وحده ويصلّون باتجاه القبلة الّتي كتبها الله عليهم حيث قال: (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(795) ، كما يرى أنّهم يسجدون على الأرض من دون أن يتخذوا القبر قبلة أو مسجوداً عليه، أو غير ذلك من الأُمور المحرمة الموبقة.
وما يتصوره الغافل في حقهم أنّهم يرتكبون الأُمور التالية:
أ. جعل القبر قبلة.
ب. جعله مسجوداً عليه.
ج. جعله مسجوداً له.
فكلّها افتراءات لا صحة لها.
نعم أنّ الحافز للصلاة في هذه المساجد هو التبرك بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بالإمام أو الولي المدفون هناك كما أمر المسلمون بالصلاة خلف مقام إبراهيم(عليه السلام)لتلك الغاية، قال سبحانه: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهيمَ مُصَلَّى).(796)
وإليك ما يشهد على جواز بناء المساجد جنب المشاهد والصلاة فيها:
1. عمل الموحّدين في عصر أصحاب الكهف
عثر الناس على أصحاب الكهف بعد مرور أكثر من ثلاثمائة سنة، فوقع الخلاف بينهم، فقال المشركون: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أعْلَمُ بِهِمْ).
وقال الموحّدون الذين يصفهم الله سبحانه بقوله:(وَقالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(797)
وهذا يدلّ على أنّ كلا الأمرين قد وقعا مورد رضا الله سبحانه. فلو كان أحد الأمرين منافياً للتوحيد لما ذكره سبحانه بلا نقد ورد.
ثم إنّ المحدث المعاصر الشيخ الألباني الذي يقتفي أثر الوهابيين أوّل الآية في كتابه:«تحذير الساجد باتّخاذ القبور مساجد» وقال ـ انطلاقاً من عقيدته المسبّقة ـ ما هذا معناه: المقصود من قوله: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمرِهِمْ) هو الأمراء والمتنفذون، ولم يعلم أنّهم كانوا رجالاً صالحين.(798)
ولكنّه غفل عن أمرين ولو كان واقفاً عليهما لم يؤوّل كلام الله سبحانه تأييداً لعقيدته:
1. إنّ الضمير في قوله: (غَلَبوا عَلى أَمْرِهِمْ) يرجع إلى أصحاب الكهف لا إلى الطائفة الأُولى الّذين اكتفوا بالبناء عليهم، والمراد أنّ الّذين عرفوا أصحاب الكهف حق المعرفة وعرفوا مقاماتهم عند الله سبحانه قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ).
وبعبارة أُخرى: قوله: (وَقالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ) في مقابل قول الطائفة الأُولى: (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)فاستنكروا حالهم وأحالوه إلى ربّهم، بخلاف الطائفة الأُولى الذين عرفوهم وغلبوا على أمرهم وتسلّطوا على أحوالهم، فيكون المراد من الغلبة، هو التعرف على أحوالهم لا غلبة قوم على قوم.
2. لو افترضنا أنّ المقصود من قوله: (غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ)هو الغلبة على الطائفة الأُولى لكان المراد من الغلبة هو الغلبة الدينية، بشهادة ما رواه الطبري حيث قال: وردّ الله إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِق يشتري طعاماً، فلمّا أتى باب مدينتهم، رأى شيئاً يُنكره، حتّى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً؟ فقال: من أين لك هذه الوَرِق؟
قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتّى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاماً، قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف، قال: فانطلقوا معه حتّى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل على أصحابي قبلكم، فلما رأوه ودنا منهم ضُرب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أُرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتّخذوها مسجداً يصلّون فيه.(799)
2. المسجد النبوي ومرقد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت إحدى زوجاته، وانجرّ الأمر إلى دفنه في نفس المكان الّذي توفّي فيه، وقد صار بيته معبداً لزوجته عائشة بقية حياتها، ولم يعترض أحد على صلاتها في بيتها والقبر إلى جانبها.
وفي السنة الثامنة والثمانين لمّا ضاق المسجد على المصلّين ـ حيث انتشر الإسلام في ربوع المعمورة ـ أمر الوليد بن عبد الملك والي المدينة عمر بن عبد العزيز بأن يوسّع المسجد بتخريب بيوت أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي كانت مبنية حول المسجد، فقام هو بتخريبها جميعاً، وعندئذ وقع مرقد النبي في داخل المسجد، ولم يعترض على ذلك العمل أحدٌ من التابعين حتّى الإمام زين العابدين(عليه السلام) ولا سائر الفقهاء في ذلك الزمن، وهذا يحكي عن أنّ وجود المرقد داخل المسجد لا يعارض أُصول التوحيد ولا أُصول الشريعة، إذ أنّ الغاية هي التبرك بوجود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد مر على ذلك أزيد من ثلاثة عشر قرناً ولم ينبس أحدٌ ببنت شفة. نعم روي عن سعيد بن المسيب أنّه اعترض على التخريب ولم يعلم وجه اعتراضه، إذ يحتمل أن يكون أنّ أصحاب البيوت كانوا غير راضين، أو أنّ الاعتراض كان لأجل أثر البناء لهذه الأبنية الّتي هي من الخشب والطين، حتّى يرى أبناء الأجيال التالية كيف عاش النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهله وعياله حياة بسيطة.(800)
3. سيرة المسلمين وبناء المساجد عند المشاهد
يظهر ممّا ذكره السمهودي في «تاريخ المدينة» وجود المساجد عند المشاهد كثيراً، وإليك بعض ما ذكره: وأمّا قبر فاطمة بنت أسد أُمّ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، لمّا استقر بفاطمة وعلم بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إذا توفّيت فأعلموني، فلمّا توفيّت خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الّذي يقال له اليوم قبر فاطمة، ثم لحد لها لحداً ولم يضرح لها ضريحاً، فلمّا فرغ منه نزل فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القرآن ثم نزع قميصه فأمر أن تكفن فيه ثمّ صلّى عليها عند قبرها فكبر تسعاً.(801)
يذكر البيهقي أنّ فاطمة سيدة نساء العالمين كانت تذهب إلى زيارة قبر عمّها حمزة وتصلّي لديه.(802)
نقل السيوطي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزل في ليلة المعراج الأماكن التالية: طيبة; طور سيناء، بيت لحم وقد أمره جبرائيل بالصلاة فيها.
ثم قال: أمّا طيبة فهي مهجرك، وأمّا طور سيناء فهو الموضع الّذي كلم الله موسى، وأمّا بيت لحم فهو مولد عيسى المسيح(عليه السلام).(803)
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الصلاة تبركاً بالمواضع الّتي مسّها جسد نبي أو أحد الأولياء، كان أمراً مشروعاً لم ينكره أحد.
الصلاة في المشاهد في أحاديث العترة الطاهرة
وبما أنّ كاتب الرسالة يريد أن يطبق أحاديث العترة على عقائد الوهابيين لذا يجب أن نذكر بعض ما روي عنهم لكي يظهر أنّ ما ادّعاه من اتّحاد النظرتين أمر باطل:
1. روى الكليني عن الحسن بن عطية، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا فرغت من السلام على الشهداء فأت قبر أبي عبد الله(عليه السلام) فاجعله بين يديك ثم تصلي ما بدا لك».(804)
2. روى الشيخ عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام)في حديث طويل في زيارة الحسين(عليه السلام):«ثمّ تمضي يا مفضّل إلى صلاتك ولك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجّة».(805)
3. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال لرجل: «يا فلان ما يمنعك إذا عرضت لك حاجة أن تأتي قبر الحسين(عليه السلام)فتصلي عنده أربع ركعات».(806) فقد أمر الإمام بالصلاة عند قبر الحسين(عليه السلام).
وقد اقتصرنا على ما ذكر فإنّ ذكر الجميع يطول.
ويستفاد من الجميع أنّ الصلاة عند مشاهد الأئمة(عليهم السلام)أمر مشروع ومثاب عليه.
ذرائع الكاتب وحججه
اتّخذ الكاتب في المقام بعض الروايات ذريعة لما يتبنّاه من حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها، ونحن نذكر تلك الذرائع واحدة بعد الأُخرى.
1. روى الصدوق مرسلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : «لا تتّخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإنّ الله لعن اليهود حيث اتخذوا قبور الأنبياء مساجد».(807)
ترى أنّ الحديث يمنع عن أمرين:
أ. اتّخاذ القبر قبلة.
ب. اتّخاذ موضع القبر مسجداً.
وإليك دراسة كلا الأمرين:
إنّ في مضمون الحديث سؤالاً ربما يسبب الشك في صحته
حيث يصف اليهود بأنّهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وهذا من اليهود
بعيد جداً، لأنّ اتخاذ القبر مسجداً آية التكريم والتعظيم واليهود على
النقيض من ذلك حيث اشتهروا بقتل أنبيائهم، قال سبحانه:(سَنَكْتُبُ مَا
قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
).(808) وقال أيضاً: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).(809)
نحن نغض النظر عن هذا السؤال، ونرجع إلى بيان معنى الحديث فنقول: الحديث ينهى عن أمرين:
أ. اتّخاذ قبر النبي قبلة.
ب. اتّخاذ قبره مسجداً.
أمّا الأوّل فلا شك أنّه من المحرمات الموبقة، فقد جعل الله سبحانه الكعبة هي القبلة دون غيرها فالنهي في محله.
وأمّا الثاني فالمراد به هو اتخاذ القبر مسجداً بمعنى المسجود عليه تعظيماً له، وهذا أيضاً من المحرمات، ولكنّك لا تجد أحداً من المسلمين مَن يصلي إلى القبر ويتّخذه قبلة ولا مَن يصلي ويسجد على القبر.
2. روى الشيخ الطوسي عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال: «لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة».(810)
إنّ قوله(عليه السلام): «ما لم يتخذ القبر قبلة» يحتمل وجهين:
1. أن يصلي إلى القبر كما يصلي إلى الكعبة .
2. أن يكون القبر حيال وجهه مع كونه مصلياً إلى الكعبة.
أمّا الأوّل فهو حرام بلا شك; وأمّا الثاني فمحمول على الكراهة، بشهادة أنّ المسلمين يصلّون في المسجد النبوي في الصفّة وقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بحيال وجههم.
بقيت هنا نكتتان:
1. إنّ مصب الرواية الأخيرة هو المقابر العامّة لا المشاهد المشرّفة والمراقد المطهرة، الّتي تضافرت الروايات على استحباب الصلاة فيها بلا نكير.
2. إنّ هذه الروايات أخبار آحاد لا يمكن الاستدلال بها على حكم الصلاة في المشاهد ومراقد الأولياء، الّتي تضافرت الروايات على استحبابها، يقول صاحب الجواهر: إنّ قبور الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)لا تندرج في تلك الإطلاقات حتّى تحتاج إلى استثناء، كما هو واضح، وأيضاً فاللائق استثناؤها من كراهة البناء على القبور كما في الذكرى وغيرها، والمقام عندها لا التجصيص والتجديد، اللّهم إلاّ أن يراد منهما ذلك .(811)
ومن أراد التفصيل عليه مراجعة كتابينا التاليين:
1. الوهابية في الميزان.
2. الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية.
الفصل الخامس
البكاء على الميّت وإقامة العزاء عليه
الحزن والتأثّر عند فقدان الأحبة أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية، فإذا ابتلي إنسانٌ بمصاب عزيز من أعزائه أو فلذة من فلّذات كبده، أو أحد من أرحامه يحسّ بحزن شديد يتعقّبه ذرف الدموع على وجناته، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.
ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكار جدّ وموضوعية، ومن الواضح بمكان أنّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.
قال سبحانه:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها).(812)
ولا يمكن لتشريع عالمي أن يحرّم الحزن على فقد الأحبة والبكاء عليهم إذا لم يقترن بشيء يغضب الرب.
ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.
روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء(صلى الله عليه وآله وسلم)فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعه في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من الله شيئاً ـ ثم ذرفت عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنّه أمرٌ حقّ ووعدٌ صدق وأنّها سبيل مأتية، لحزنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».(813)
وفي رواية أُخرى أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(814)
وروي أيضاً أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أُصيب حمزة(رضي الله عنه)وجاءت صفية بنت عبد المطلب(رضي الله عنها) تطلبه، ـ فحال بينها و بينه الأنصارـ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإذا نشجت نشج، وكانت فاطمة (رضي الله عنها) تبكي، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كلما بكت يبكي، وقال: «لن أصاب بمثلك أبداً».(815)
ولمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من أُحد بكت نساء الأنصار على شهدائهنّ، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «لكن حمزة لا بواكي له»، فرجع الأنصار فقالوا لنسائهم: لا تبكينّ أحداً حتّى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميتاً إلاّ بدأن بحمزة.(816)
وهذا هو النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ينعى جعفراً، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وعيناه تذرفان.(817)
وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميت ودموعه تسيل على خدّه.(818)
وروي أيضاً أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يزور قبر أُمّه ويبكي عليها وقد أبكى من حوله.(819)
وشوهد (صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ابن لبعض بناته، فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «الرحمة الّتي جعلها الله في بني آدم، وإنّما يرحم الله من عباده الرحماء».(820)
كما أنّ بنت المصطفى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام)قد وقفت على قبر أبيها الطاهر وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها وبكت، وأنشأت تقول:
ما ذا على مَنْ شمَّ تربة أحمد *** أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا
صُبّت علىَّ مصائبٌ لو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا
وهذا أبو بكر بن أبي قحافة يبكي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويرثيه بقوله:
يا عين فابكي ولا تسأمي *** وحُقّ البكاء على السيّد
إنّ البكاء على فراق الأعزة من ثمرات الفطرة الإنسانية، ولذا نرى أنّ النبي يعقوب(عليه السلام)بكى على ولده يوسف حتّى ابيضّت عيناه، قال سبحانه: (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم).(821)
حتّى وَرد أنّه يجوز شق الثوب في موت الأب والأخ. روى الصدوق(رحمه الله)قال:لمّا قبض علي بن محمد العسكري (عليهما السلام)(يعني الإمام الهادي) رؤي الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد خرج من الدار وقد شق قميصه عن خلف وقدّام .(822)
وهذا يدلّ على مرونة حكم الإسلام بحيث يجيز عند شدة المصيبة أن يشق المصاب ثوبه، لئلا يختنق بغصته.
إقامة العزاء على موت الأحباب
إلى هنا ظهر أنّ البكاء من دون أن يقترن بما يغضب الرب أمر مطلوب دعت إليه الفطرة الإنسانية وأمضاه الشرع، بقي الكلام في إقامة العزاء والمآتم عليهم.
ويكفي في صحّة ذلك ما نقلناه عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنّه لمّا رأى اجتماع نساء الأنصار يبكين شهدائهن هاجت نفسه ورغبت في إقامة العزاء فقال: «أمّا حمزة فلا بواكي له»، فقام الأنصار بدعوة نسائهم للبكاء على حمزة.
والعجب أنّ صاحب مجمع الزوائد يقول: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميتاً إلاّ بدأن بحمزة.(823)
إقامة العزاء على سيّد الشهداء(عليه السلام)
إنّ إقامة العزاء على سبط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام)هو إحياء لأصل من أُصول الإسلام، وهو لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف في وجه الظالمين والمستكبرين الذين استولوا على ثروات الشعوب وإمكانياتهم، ونسوا المواساة والعدل بين الأُمّة.
فقد قام الحسين بن علي(عليهما السلام) في وجه طواغيت بني أُمّية الّذين أحلّوا حرام الله وهتكوا حرماته وصادروا الحريات، وهو سلام الله عليه قد صرح بذلك في إحدى خطبه عند مسيره إلى كربلاء، وقال: «أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحق مَنْ غيّر».(824)
ثمّ إنّه(عليه السلام) كتب إلى أخيه محمد ابن الحنفية قبل أن يترك المدينة وقال:
«إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي وأبي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».(825)
هذا هو أبوالشهداء(عليه السلام)يبين موقفه من ظلم الحكام، فعلى شيعته ومحبيه الاقتداء به واقتفاء خطاه.
ولأجل أن لا يُنسى هذا المنهج الّذي هو أصل من أُصول الإسلام تخرج يوم عاشوراء أو قبله وبعده جماهير المحبين يرددون شعارات حماسية وفي الوقت نفسه أشعاراً محزنة لكي يبقى هذا المنهج حيّاً نابضاً في نفوس المسلمين.
والّذي يُسبب إثارة حفيظة الآخرين هو أنّ هذه المسيرات الجماهيرية منشأ لانتشار الصحوة الإسلامية في عامة البلاد وتنبيه على ظلم الظالمين، هذا من جانب، ومن جانب آخر خوف أصحاب السلطة والمسند والمقام الحكومي وأصحاب الثروات الطائلة ذات الأرقام المليونية، من أن يثور الشعب ضدهم، ويؤسّسوا حكماً إسلامياً مبنياً على أُسس من العدل والقسط، كلّ هذا صار سبباً لاتّخاذ موقف مضاد من هذه المراسم والتعازي.
كما أنّ تخصيص العزاء باسم الإمام الحسين(عليه السلام) ليس الدافع له دافعاً شخصياً، وإنّما طبيعة الثورة ـ الّتي قادها سلام الله عليه ـ لها من الخصوصية ما يجعلها موضع اهتمام محبي العدل والمساواة من شيعة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين أوصوهم بإحياء ذكرى سيد الشهداء(عليه السلام)سنوياً، فهم بهذه المراسم والتعازي يستجيبون لتعاليم قادتهم وأئمتهم(عليهم السلام) إحياءً لهذا المنهج الثوري وتحقيقاً لأهدافه السامية.
لقد تحدث الكثير من العلماء والكتاب والقادة عن الإمام الحسين(عليه السلام)وثورته، ومن هذا البحر الخضم نختار قولاً لأحد مفكّري ومفسّري أهل السنة في القرن الرابع عشر الهجري، ألا وهو سيد قطب حيث يقول:
والحسين (رضوان الله عليه ) وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب! أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة، فأمّا في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين (رضوان الله عليه)، يستوي في هذا المتشيّعون وغير المتشيّعين، من المسلمين، وكثير من غير المسلمين!
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفِّز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التاريخ كله مدى أجيال.(826)
خاتمة المطاف:
تضخيم بعض الممارسات
يركز المؤلف في آخر كتابه على أُمور يصفها بأنّها محرّمات ترتكب عند القبور، وليس في كيسه إلاّ ما ذكره محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، في حق محبي النبي وأهل بيته(عليهم السلام)، وأكثر هذه الأُمور إمّا أكاذيب وافتراءات، أو أنّها أُمور جائزة، وإليك الكلام فيها:
الأوّل: الاعتقاد بأنّ النبي والولي ينفع ويضر
إنّ الكاتب نسب إلى زائري قبور الأولياء بأنّهم يعتقدون بأنّ الأموات يضرون وينفعون، مع أنّه سبحانه هو الضار والنافع وحده، قال الله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاِ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً).(827)
أقول: إنّ الكاتب لا يملك ذرة من الإنصاف، كيف وقد حمل الآيات الواردة في حق المشركين الذين اتخذوا أصنامهم آلهة على الموحّدين الذين لم يتخذوا غيره سبحانه إلهاً ويرددون شهادة التوحيد على ألسنتهم ليل نهار. فأنت لا تجد على أديم الأرض من يقول بأنّ أولياء الله يضرون وينفعون، وإنّما المؤثر هو الله سبحانه، والله هو الشافي، نعم يتوسلون بهم
كما كان المسلمون يتوسلون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته، قال سبحانه:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).(828)
ولو كان طلب الدعاء بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شركاً وعبادة للمدعو، فليكن كذلك شركاً وعبادة له في زمان حياته(صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ من الغباء تشبيه طلب الشفاعة والدعاء من الأنبياء والأولياء بدعاء المشركين الذين تركوا عبادة الله سبحانه واشتغلوا بعبادة الأصنام حتّى يكون لهم العز في الحياة الدنيا والنصر في الحروب ونزول الموائد السماوية إليهم.
وبذلك يظهر أنّ ما أورده من الآيات الواردة في حق المشركين في هذا المورد دليل على جهله بعقائد المسلمين أو تجاهله، وأنّ منشأ جهله هو تصوره أنّ مطلق دعاء الأموات عبادة لهم وإن كان مجرداً عن أية عقيدة بربوبيتهم وتأثيرهم في مصير الداعي.
الثاني: اتخاذ أصحاب القبور شفعاء
قال المؤلف: إنّ زوار القبور يتخذون أصحاب القبور شفعاء ووسائط تقربهم إلى الله، وقد ذم القرآن الكريم هذا العمل بقوله سبحانه وتعالى حكاية عن المشركين: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أولياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونا إلَى اللهِ زُلْفى إنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّار)(829).
أقول: جعل الأنبياء والأولياء وسائط بين الناس وبين الله على قسمين:
1. يُعتقد بأنّهم عباد الله الصالحين يستجاب دعاءهم، فهذا عين التوحيد، فهذا عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة، لمّا اشتد القحط، فسقاهم الله تعالى به وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه، ولمّا سُقي الناس طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.(830)
فهذا النوع من العمل عين التوحيد، فلو طلب المؤمن نفس هذا الدعاء من أحد الأولياء بعد رحيله يمتنع أن يكون شركاً، لأنّ عملاً واحداً لا يمكن أن يكون على غرار التوحيد في حياة المتوسل به، وشركاً في مماته، وآخر ما يمكن أن يقال: إنّ الميت لا يسمع فيكون التوسّل لغواً لا تركاً، وسيوافيك أنّ الشهداء ونبيهم أحياء يسمعون كلامنا.
2. أن يتخذه إلهاً مؤثراً في مصير الداعي، بيده النصر والعز والمغفرة إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه، ثمّ يعبده ليتقرب بعبادته، ثم يجعله كواسطة للتقرب إلى الله تعالى، وهذا هو الّذي تهدف إليه الآية بشهادة أنّه سبحانه يقول: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى)،(831)فكيف يعطف القسم الثاني على القسم الأوّل وهو الذي يتوسل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته ومماته من دون أن يصيّره معبوداً من دون الله سبحانه، ولا يعتقد بربوبيته وتأثيره في مصيره.
ومن حكم بالتسوية بينهما فقد حكم بتساوي النور والظلام والعلم والجهل، وبذلك يظهر حال ما استدل به من الآيات النازلة بحق المشركين.
الثالث: الاستغاثة بأصحاب القبور
من التهم التي ألصقها المؤلف بزائري قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور أهل البيت الطاهرين(عليهم السلام)أنّهم يدعون أصحاب القبور ويستغيثون بهم من دون الله، ورتّب على ذلك قوله:وهذا شرك بنص القرآن الكريم حيث قال تعالى:(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير* إنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِركِكُمْ ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير).(832)
والجواب: أنّ دعاء أصحاب القبور على قسمين:
الأوّل: دعاؤهم بما أنّهم آلهة يُعبدون وبيدهم النفع والضر وقضاء الحوائج مستقلين في أفعالهم، وهذه هي سيرة المشركين إذ كانوا يسوون آلهتهم برب العالمين، كما اعترفوا بذلك في قولهم الذي يذكره الله تعالى: (إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِين).(833)
وهذا النوع من الدعاء لا يصدر من مسلم موحّد معتقد بأنّ الله سبحانه هو المدبّر وأنّ بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير.
الثاني: دعاؤهم بما أنّهم عباد الله سبحانه، وأنّ للنبي مقاماً محموداً تستجاب دعوته، ولذلك يتوسل به حتّى يدعو الله سبحانه ليستجيب دعاء المتوسل، وأين هذا من الشرك ياترى؟!
وما تمسّك به من الآيات لا صلة له بالمقام فإنّ المراد من:(والَّذينَ تَدْعُونَ) هم الّذين تعبدون من دون الله(ما يَملِكُونَ مِنْ قِطْمِير)، فالدعاء في هذه الآيات دعاء خاص مرادف للعبادة لا مطلق الدعاء.
هذا هو أبو أيوب الأنصاري يروي حاله الحاكم في مستدركه، قال:أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟! قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «فلا تبكوا على الإسلام إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».(834)
كما أنّ الاستغاثة بأولياء الله بما أنّهم عباد الله الصالحين هو ممّا نتعلمه من سيرة نبينا الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك من خلال ما رواه الصحابي الجليل عثمان بن حنيف حيث قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادعُ الله أن يعافيني.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت، وهو خير؟ قال: فادعه، فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضّأ فيُحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألُكَ وَأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرّحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بِك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأنّ لم يكن به ضرّ.(835)
وأي استغاثة أظهر من الوارد في الجملتين التاليتين:
1. اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة.
2. يا محمد إنّي أتوجّه بكَ إلى ربي في حاجتي.
وأمّا سند الحديث فرجاله رجال الصحيحين، ولذلك رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجّاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.(836)
ثمّ إنّ مؤلف الكتاب استدلّ على تحريم الاستغاثة بما روي عن علي(عليه السلام)قال: «فاسألوا الله به وتوجّهوا إليه بحبه، ولا تسألوا الله بخلقه، إنّه ما توجّه العباد إلى الله بمثله».(837)
ولكن خفي على المؤلف أنّ المراد هو السؤال للأُمور الدنيوية، أو كالذهاب إلى أبواب الأغنياء وسؤالهم، وأين هذا من توسيط الأنبياء والأولياء إلى باب رب العزة حتّى ينزل الله سبحانه على الناس من بركاته وعطاياه التي لا نهاية لها.
وبما ذكرنا يظهر الجواب عمّا أوصى به الإمام علي ابنه الحسن(عليهما السلام)وهو أنّه قال:«وألجئ نفسك في الأُمور كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإنّ بيده العطاء والحرمان».(838)
وهكذا يكون جوابنا عن سائر ما استدل به من الروايات. كيف والتوسل بدعاء الأخ المؤمن الحي ممّا اتفقت الوهابية على جوازه، فلو كان سؤال غيره سبحانه ممنوعاً مطلقاً فكيف يجوز سؤاله في حياته؟!
الرابع: الذبح والنذر للقبور
قال المؤلّف: إنّهم ينذرون للقبور وأصحابها ويذبحون لها وهذا يدخل في ما أُهل به لغير الله، قال سبحانه:(إنَّما حَرَّم عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله).(839)
خفي على الكاتب ما هو المقصود من النذر لأصحاب القبور، وأنّ اللام في قولهم: هذا للنبي غير اللام في قوله:«نذرت لله».
توضيحه: أنّ اللام في هذه المواضع على وجهين:
1. لام الغاية بمعنى التقرّب إليه سبحانه كقوله تعالى على لسان امرأة عمران:(إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً).(840)
2. لام الانتفاع كقوله سبحانه: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ).(841)
فإذا قال: لله عليّ إن قُضيت حاجتي أن أذبح كبشاً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاللام في قوله: «لله»، للغاية بمعنى التقرب إليه، ولكنّها في قوله «للنبي» للانتفاع بمعنى عود الثواب إليه، وبذلك يتضح الفرق بين عمل المشركين عن عمل المسلمين، فأُولئك يذبحون وينذرون للأصنام ويُهلّون بها، ويقولون: باسم اللات والعزى. بخلاف المسلمين فإنّهم ينذرون لله ويذكرون اسم الله عند الذبح ويهدون ثوابه للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وإن شككت فيما ذكرنا فاسأل سعداً واستمع كلامه حيث إنّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يا نبي الله، إنّ أُمّي قد افتلتت(أي ماتت) وأعلم أنّها لو عاشت لتصدقت، فإن تصدقت عنها، أينفعها ذلك؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم».
ثمَّ إنّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أي الصدقة أنفع يا رسول الله؟ قال: «الماء»، فحفر ] سعد[ بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد.(842)
فاللام في «هذه لأُمّ سعد» للانتفاع، فالمسلمون في قولهم: هذا للنبي أو للولي، كلهم سعديون لا وثنيون.
الخامس: الحلف بأصحاب القبور
قال مؤلف الكتاب: وهم يحلفون بأصحاب القبور دون الله، ثم روى عن الصادق(عليه السلام)عن آبائه عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)أنّ من المناهي أن يحلف الرجل بغير الله، وقال: «من حلف بغير الله، فليس من الله في شيء».(843)
ثم استشهد بكلام الشيخ الطوسي في«النهاية» حيث قال: اليمين المنعقدة عند آل محمد(عليهم السلام)هي: أن يحلف الإنسان بالله تعالى، أو بشيء من أسمائه أيّ اسم كان. وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه فلا حكم له.(844)
والجواب: إنّ القرآن الكريم مليء بالحلف بغير الله، والغاية من الحلف بغيره في الذكر الكريم أحد أمرين:
1. الإشادة بالمحلوف به وبيان فضله ومقامه كقوله سبحانه:(لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون).(845)
2. دعوة الإنسان إلى التدبّر في المحلوف به واستكشاف أسراره ورموزه وما له من العظمة. ولهذا جاء الحلف بغير الله سبحانه في سورة الشمس سبع مرات، أو أكثر، قال سبحانه: (وَالشَّمْسِ وَضُحاها*وَالْقَمَرِ إذا تَلاَها* وَالنَّهارِ إذا جَلاّها* وَاللَّيْلِ إذا يَغْشَاهَا* وَالسَّماءِ وَمَا بَنَاها* وَالأرْضِ وَمَا طَحَاها*وَنَفْس وَمَا سَوّاها).(846)
وقد تكرر الحلف بغير الله في الذكر الحكيم قرابة 40 مرة، وقد عرفت ما هو الداعي من حلفه سبحانه بها.
فلو كان الحلف بغير الله شركاً منهياً عنه لما جاء في القرآن الكريم، فلو جاز لله سبحانه ولم يجز للآخرين لنبّه عليه في الذكر الحكيم، فالإنسان عندما يرى الأقسام الكثيرة المذكورة في القرآن الكريم ربما ينتقل إلى جواز الحلف أو إلى استحبابه لا إلى حرمته.
وأمّا الروايات الواردة من طرقنا فالغرض منها عدم انعقاد اليمين أوّلاً، وعدم صحة القضاء وفصل الخصومات به ثانياً، وإنّما يقضى في الخصومات بالحلف بالله تعالى، وإلى ذلك تشير الرواية الواردة عن مكارم الأخلاق، وهذا ما توضحه عبارة الشيخ في النهاية حيث قال: اليمين المنعقدة عند آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)هي أن يحلف الإنسان بالله تعالى.
وعلى ذلك فقوله(قدس سره): وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه فلا حكم له، أي لا يترتب عليه الأثر، وأين هذا من التحريم؟!
قال الإمام الخميني: لا تنعقد اليمين إلاّ إذا كان المقسم به هو الله جلّ شأنه، ولا تنعقد اليمين بالحلف بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة(عليهم السلام)وسائر النفوس المقدّسة المعظمة، ولا بالقرآن الكريم ولا بالكعبة المشرفة، وسائر الأمكنة المحترمة.(847)
السادس: الطواف حول القبور
نسب المؤلف إلى الشيعة الطوافَ حول القبور، مع أنّ ذلك فرية بلا مرية، وقد ألف غير واحد من الأجلاّء كتباً ورسائل في أدب الزائر، وأخصّ بالذكر ما كتبه المحقق العلامة الأميني(رحمه الله)ولم يذكر أحد منهم من آداب الزيارة «الطوافَ حول القبر»، مع ورود النهي عنه في غير واحد من الروايات.
وغاية ما عند الشيعة هو التسابق إلى تقبيل الضريح دون الطواف بالقبر، أي الابتداء من نقطة والانتهاء عندها، كما هو الحال في الطواف بالبيت الحرام.
ولا نطيل الكلام في هذه الفرية.
السابع: اللطم وضرب الخدود والصدور
استدل الكاتب ببعض الروايات على حرمة ضرب الخدود والصدور، وإليك دراستها.
الأُولى: ما روي عن الصادق(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره».(848)
أقول: نقل الشيخ الحر العاملي هذه الرواية بسندين فيهما ضعف، ففي أحدهما وقع النوفلي والسكوني وهما ليسا بشيعيين. وفي الثاني وقع سهل ابن زياد الآدمي، وفي الوقت نفسه ينقل هو عن علي بن حسّان وهو مشترك بين الضعيف والثقة.
نفترض صحة الرواية سنداً وكمالها دلالة لكن الرواية مختصة بالمصيبة الشخصية كموت الأب والأُمّ والولد، فربما يكره ما ذكر من الأُمور بقرينة كونه سبباً لذهاب الأجر، ونحن أيضاً نقول بذلك ونوصي أصحاب المصائب بالصبر، فالله سبحانه هو مجزي الصابرين.
ولكن كلام الكاتب ناظر إلى مواكب العزاء يوم عاشوراء التي تخرج باللطم على الصدور فقط، لا على الخدود ـ كما قال ـ والرواية منصرفة عن مثل هذه المصائب الدينية، إذ أنّ العامل بها إنّما يريد إحياء منهج الثورة بوجه الطغاة والظالمين. وكأنّه بعمله هذا يريد أن يلفت نظر العامة في الشوارع والبيوت المشرفة على هذه المواكب على عظمة المصائب التي أوردها الطغاة على آل البيت(عليهم السلام).
وإن شئت قلت: إنّ هذه المظاهرات مع ما فيها من اللطم نابعة عن حب وإخلاص لأبي الشهداء(عليه السلام)الذي كرس حياته وأراق دمه الطاهر لمواجهة الظلمة الذين جعلوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً... .
إنّ هذه الجماهير المليونية وهي تردد الأشعار والقصائد التي تحمل معان ثورية وعقائدية سامية، تنبه جماهير المسلمين عن نومة الغفلة ورغد العيش، حتى ينهضوا منها ويأخذوا حقوقهم بإزالة الظلمة عن عروشهم ويؤسّسوا للمسلمين حكومة إلهية على وفق الكتاب والسنّة.
وبكلمة قصيرة أنّ هذه المسيرات تتبنى الأُمور التالية:
1. الدعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
2. إلفات النسل الحاضر إلى ما جرى على أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من الظلم والجور.
3. تحذير الظالمين وحكام الجور، لغرض عودتهم إلى حظيرة الإسلام.
الثانية: عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قلت له: ما الجزع؟ قال:
«أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر
من النواصي، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه،
ومن صبر واسترجع وحمد الله عزوجل فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله أجره».(849)
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ الحديث ضعيف سنداً، وقد وصفه بالضعف العلاّمة المجلسي في «مرآة العقول».(850)
وثانياً: أنّ مصب هذه الروايات هو المصائب الشخصية الفردية التي ربما ينفد صبر الإنسان فيها ولا يتمالك نفسه فيأتي ببعض هذه الأُمور، وقد منع عنه في الحديث ونحن نقول به.
وأمّا المصائب الدينية التي تطرأ على المجتمع فلا صلة لمثل هذه الأحاديث بها، فإنّ الجزع والفزع عندئذ ليس لأجل أنّه فقد ما يملكه شخصياً وانّما هو لأجل مصائب وردت على الإسلام والمسلمين وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهذا ما دعاه إلى الهيجان وإظهار الحزن والخروج بمسيرات إلى الشوارع والاجتماع في المساجد والمآتم والحسينيات لإقامة مراسم العزاء والنياحة، وقد مرّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا رأى نساء الأنصار يبكون على موتاهم قال: لكنّ حمزة لا بواكي له» فأمر الأنصار نساءهم بالبكاء على حمزة أوّلاً ثم البكاء على شهدائهنّ.
وثالثاً: أنّ مورد الرواية النياحة بالباطل التي تغضب الرب، وأمّا النياحة بالحق التي فيها أداء الشكر وإظهار العبر والتسلية لخاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تشمله الرواية.
واعلم أنّ النياحة بالحق في فقدان الأعزة خصوصاً عندما تتراكم الهموم والغموم أمر فطري وربما يخاف على سلامة الإنسان عند حبس هذه الهموم وعدم النياحة، ولذلك نرى الإمام الصادق(عليه السلام)قد عمل بذلك.
روى الصدوق في «إكمال الدين» عن الحسين بن يزيد، قال: ماتت ابنة لأبي عبد الله(عليه السلام)فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً فقطع النوح، قال: فقيل لأبي عبد الله(عليه السلام): أيناح في دارك؟ فقال: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال ـ لما مات حمزة ـ : لكن حمزة لا بواكي له».(851)
وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «لمّا مات إبراهيم ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هملت عين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالدموع، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(852)
وروي عنه(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة، كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جداً، ويقول: كانا يحدّثاني ويؤنساني فذهبا جميعاً».(853)
وروي عنه(عليه السلام) أيضاً: «أنّ زين العابدين بكى على أبيه أربعين سنة، صائماً نهاره قائماً ليله، فإذا حضر الإفطار جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كلْ يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)جائعاً، قتل ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عطشاناً، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبل طعامه بدموعه، ويمزج شرابه بدموعه، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عزّ وجل».(854)
وروى الصدوق في «ثواب الأعمال» وابن قولويه في «كامل الزيارات» بالإسناد إلى أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)فقال: «يا أبا هارون، أنشدني في الحسين»، فأنشدته!
فقال: «لا، بل كما تنشدون، وكما ترثيه عند قبره».
قال: فأنشدته حينئذ:
أمرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكية
يا أعظماً لا زلت من *** وطفاء ساكبة روية
وإذا مررت بقبره *** فأطل به وقف المطية
وابك المطهر للمطهر *** والمطهرة التقية
كبكاء معولة أتت *** يوماً لواحدها المنية
قال: فبكى، ثم قال: زدني، فأنشدته القصيدة الأُخرى:
يا مريم قومي واندبي مولاك *** وعلى الحسين اسعدي ببكاك
قال فبكى الصادق، وتهايج النساء من خلف السترة، فلما أن سكتن قال: «يا أبا هارون، من أنشد في الحسين فبكى أو أبكى عشرة كتبت له الجنة».(855)
الثالثة: ما رواه عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: «ثلاثة لا أدري أيّهم أعظم جرماً: الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة بغير رداء، والذي يضرب على فخذه عند المصيبة، والذي يقول: ارفقوا وترحّموا عليه يرحمكم الله».(856)
أقول: أوّلاً: الرواية ضعيفة وقد نقلت بسندين ففي الأوّل منهما النوفلي والسكوني، وفي الثاني أُناس لم يوثقوا كأحمد بن يحيى القطّان، وبكر بن عبد الله بن حبيب، وتميم بن بهلول.
وثانياً: أنّ مضمون الرواية لا يوافق الأُصول المسلّمة بين الفقهاء والعلماء. نفترض أنّ رجلاً شيّع ميتاً بلا رداء، فهل ارتكب محرّماً من المحرمات، حتى يوصف باحتمال أنّه أعظم الجرائم.
وثالثاً: قول المشيّع: ارفقوا وترحّموا عليه يرحمكم الله. فهذا القول يدعو المشيعين إلى الترحّم على الميت فهل يكون محتمل الحرمة فضلاً عن أن يكون من الجرائم الكبيرة؟!
نعم بقي الضرب على الفخذ عند المصيبة فقد مرّ أنّ موضعه هو المصائب الفردية التي ربما تجر الإنسان إلى أقوال وأعمال غير صحيحة، وأمّا المصائب الدينية فقد عرفت أنّ هذه الأفعال رمز لتنبيه الأُمّة ونشر خبر مصائب أهل البيت(عليهم السلام).
ورابعاً: أنّ المستفاد من بعض الروايات الصحيحة أنّ الجزع لا يذهب الأجر، قال الإمام الصادق(عليه السلام): «ثواب المؤمن من ولده إذا مات، الجنة، صبر أم لم يصبر».(857)
الثامن: اختلاط النساء بالرجال
يقول الكاتب: يحدث عند هذه القبور الاختلاط فترى النساء والرجال مختلطين عند الطواف بالقبر.
أقول: الاختلاط عند الطواف بالبيت الحرام أوضح وأظهر، فهل يدعو ذلك إلى تحريم الطواف؟! أو يجب أن تتخذ أساليب لكي لا يحصل الاختلاط.
ومن حسن الحظ أنّ مكان زيارة الرجال متميّز عن مكان زيارة النساء بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران حيث قسّمت المشاهد المشرفة إلى قسمين بينهما حاجز، وكذا الحال في مشاهد الأئمة(عليهم السلام)في العراق بعد سقوط النظام الصدامي البائد.
إلى هنا تمّت مناقشة ما ذكره في الفصل الخاص باسم «محرمات ترتكب عند القبور».
***
ردود على أجوبة المؤلف
ثمّ إنّ الكاتب فتح فصلاً جديداً بعنوان «اعتراضات وأجوبة»، حاول أن يذكر أدلّة القائلين بجواز البناء ويرد عليها، إلاّ أنّه وللأسف لم يذكر الأدلة على وجهها الصحيح، قال:
الدليل الأوّل: أنّ رفع قبور الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) مستثنى من روايات النهي المتقدمة... ثم أجاب عن ذلك بقوله: إنّ الأئمّة أنفسهم أمروا ووصّوا بعدم رفع قبورهم أكثر من شبر أو أربع أصابع.
يلاحظ على ما ذكره أوّلاً: أنّه لم يذكر الدليل على وجهه فإنّهم(عليهم السلام)قالوا بأنّ البناء على القبور مستثنى من روايات النهي ،ولم يذكروا أنّ رفع القبور مستثنى من روايات النهي.
وكم فرق بين استثناء رفع القبر واستثناء البناء.
وثانياً: قد عرفت أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ذكروا رفع القبر بشبر ولم يرد عنهم نهي عن الرفع بأكثر منه، إلاّ في رواية الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام)، وقد عرفت وجهه.
الدليل الثاني: أنّ رفع قبور الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) والبناء عليها فيه مصلحة عظيمة وهي إبقاء قبورهم مدى الزمان وعدم اندراسها ومحوها....
ثمّ أجاب عنه: بأنّه لا يستلزم من عدم البناء على قبورهم أنّها سوف تدرس وتمحى آثارها فهذه هي قبور الأئمّة الحسن وزين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وفاطمة(عليهم السلام) لم ترفع فوق المقدار الشرعي وهي مع ذلك لم تدرس ولم تمح آثارها.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ بقاء قبور أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)رهن وجود البناء عليها عبر القرون السابقة، فلو لم يكن عليها بناء طيلة هذه السنوات لم يبق منها أثر إلى الآن.
وثانياً: أنّ بقاء هذه القبور بهذا الشكل المؤلم للقلب رهن ضغط شيعة آل البيت ودوام تفقدهم لها، والذي صار سبباً لبقائها بهذا الشكل المزري.
والشاهد على ذلك أنّه قد دمرت قبور عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلذلك لم يبق أثر منها إلاّ قبر الخليفة الثالث وعدد قليل منهم.
الدليل الثالث: اتفاق الناس على البناء من غير إنكار يدل على ذلك.
وأجاب عنه بقوله: إنّ قوله: «من غير إنكار» يرد عليه كلام الأئمة(عليهم السلام)أنفسهم كما هو مبيّن في روايات النهي عن البناء على القبور المذكورة.
يلاحظ عليه: أنّ أساس الاستدلال هو إجماع المسلمين عبر القرون ـ بل عامة الموحّدين ـ من البناء على قبور الأنبياء والأولياء من دون أن يخدش فيه أحد، إلى أن أولد الدهر رجل الضلال والنصب أحمد بن تيمية فأفتى بتحريم البناء وتبعه محمد بن عبد الوهاب من غير وعي.
وهذا الاتفاق دليل قاطع لا يقبل الرد ولا النقض، وعندئذ لا يعارضه ما نسب إلى أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من النهي عن البناء على القبور، لأنّه أخبار آحاد لا يعادل الدليل القاطع.
أضف إلى ذلك: أنّك قد عرفت أنّ هذه الروايات على فرض صحتها لا تدلّ على ما يرتئيه الكاتب كما مرّ .
الدليل الرابع: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) قالوا بحرمة البناء على القبور تقية.
ثم أجاب عليه بأنّ هذا الاعتراض مستبعد جداً، لأنّ العلماء لم يحملوا هذه الروايات على التقية.
يلاحظ عليه: انظر إلى التناقض في كلامه حيث يقول: حُملت الروايات الناهية عن البناء على القبور على التقية، ثم يرد عليه بأنّ العلماء لم يحملوها عليها، فإذا كان هذا هو حال العلماء، فمَن حملها على التقية، لأنّ الحمل وعدمه من شأن العلماء لا غير.
الدليل الخامس: هناك روايات تدلّ على جواز البناء على القبور، وهي كثيرة.
ثمّ أجاب عنه: بأنّ روايات النهي هي كثيرة أيضاً.
يلاحظ عليه: قد عرفت أنّ البناء على القبور يؤيده الذكر الحكيم والسنة الشريفة والسيرة المستمرة بين الموحّدين وعمل الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم، وهذا هو المرجّح للأخذ بالروايات الدالة التي تجاوز عددها على العشر، وأمّا الروايات الناهية فقد عرفت ضعف أسانيدها أو عدم مساسها للمقام ومخالفتها للسيرة المستمرة والقرآن الكريم.
ثمّ إنّ الكاتب أيّد الأخذ بروايات النهي ورجّحها على روايات الجواز بالقاعدة المعروفة وهي: أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.
يلاحظ عليه: بأنّ الكاتب لم يعرف مكان القاعدة، فإنّ مكانها ما إذا لم يكن في المسألة دليل قاطع فيتوسل بأمثال هذه القواعد في مقام الإفتاء، وأمّا إذا كان هناك نص قرآني وسيرة قطعية بين الموحّدين والمسلمين وروايات بلغ عددها إلى عشر أو أزيد، لم يبق مورد للقاعدة، كما أنّه لا يبقى مورد للأخذ بالروايات الناهية.
إلى هنا خرجنا عمّا كتبه المؤلف في كتيبه وقد مررنا على كلامه من بدايته إلى ختامه، وعرفت وهن كلامه وضعف أدلته، فهو كحاطب ليل، قد جمع في حزمته كل رطب ويابس .

688 . يوسف: 108.
689 . المصباح المنير: 315، مادة «زور».
690 . الروم: 30 .
691 . سنن ابن ماجة: 1 / 500، الحديث 1569 .
692 . كنز العمال: 15/647، الحديث 42558.
693 . مروج الذهب: 4 / 11 .
694 . في ظلال القرآن:7/189، تفسير الآية51 من سورة غافر.
695 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب13 من أبواب الطواف، الحديث 17.
696 . علل الشرائع:427، الحديث 10.
697 . علل الشرائع: 426، الحديث 8 ; وسائل الشيعة: ج 10، الباب 12 من أبواب الطواف، الحديث 13 .
698 . شفاء السقام: 81 .
699 . شفاء السقام: 83 .
700 . شفاء السقام: 89 .
701 . الخصال للشيخ الصدوق:2/ 406.
702 . كامل الزيارات:43، الباب 2، الحديث 3 .
703 . كامل الزيارات:44، الباب 2، الحديث 9 .
704 . الوسائل: ج 10، الباب 44 من أبواب المزار، الحديث 2 .
705 . الزيارة النبوية، لمحمد بن علوي المالكي: 95 ـ 96 .
706 . النساء: 64 .
707 . المنافقون: 5 .
708 . شفاء السقام:157ـ 163.
709 . المغني:3/ 558.
710 . النساء: 64 .
711 . شفاءُ السقامِ في زيارة خير الأنام: 158.
712 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/ 590.
713 . صحيح مسلم: 3 / 63 ; سنن النسائي: 4 / 94 .
714 . صحيح مسلم: 3 / 64، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها .
715 . المستدرك للحاكم:1/ 377.
716 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام (صلى الله عليه وآله وسلم): 194، ناقلاً عن المصنف لابن أبي شيبة: 3 / 224، كتاب الجنائز، الحديث 8 .
717 . لاحظ: شفاء السقام في زيارة خير الأنام: 65 ـ 115 .
718 . لاحظ: الغدير:5/109ـ 125.
719 . صحيح مسلم: 4 / 126، باب شدّ الرحال .
720 . صحيح مسلم: 4 / 127 ; صحيح البخاري: 2 / 76.
721 . النور: 36 ـ 37 .
722 . الزخرف: 33 .
723 . الدر المنثور: 6 / 203.
724 . الشورى: 23 .
725 . مريم: 81 .
726 . يس: 74 .
727 . سيرة ابن هشام: 1 / 79 .
728 . البقرة: 165 .
729 . التوبة: 31.
730 . لاحظ التفاسير حول الآية، وأخصّ بالذكرمجمع البيان للطبرسي.
731 . الشعراء: 98.
732 . يوسف: 100 .
733 . لاحظ البقرة: 30ـ34 .
734 . البقرة: 21.
735 . الإسراء: 24.
736 . العين: 2/53 .
737 . مفردات الراغب: 38 ـ 39 .
738 . رسائل الشريف المرتضى: 3 / 83 .
739 . فتح الباري: 5 / 156 .
740 . مسند أحمد: 3 / 310 ; سنن ابن ماجة: 1 / 17، الباب 7، الحديث 75 .
741 . صحيح البخاري: 3 / 58 ، كتاب الصوم، باب فضل قيام شهر رمضان; فتح الباري: 4 / 203 ; عمدة القاري: 6 / 125 ; .
742 . الكهف: 21.
743 . تفسير الطبري:9/ 277.
744 . الشورى: 23.
745 . اقتضاء الصراط المستقيم:331، طبع مكتبة الرباط الحديثة.
746 . عمدة القاري: 14/180; تفسير ابن كثير:3/331; الصواعق المحرقة: 5.
747 . رحلة ابن جبير: 68، طبع دار الكتاب اللبناني.
748 . مروج الذهب:4/132، برقم 2377، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1973م. و ما ذكر عن قبر فاطمة فإنّما هو قبر فاطمة بنت أسد أُمّ أميرالمؤمنين(عليه السلام)لا فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
749 . رحلة ابن جبير:48 و 49.
750 . رحلة ابن جبير: 49.
751 . راجع كتاب: أخبار مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):135، تحقيق صالح محمد جمال، طبع مكة المكرمة، 1366هـ..
752 . العقود الدريّة في ردّ شبهات الوهابية:395، المطبوعة مع كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبدالوهاب.
753 . تهذيب الأحكام:6/22; وسائل الشيعة: ج 10، الباب 26 من أبواب المزار، الحديث 1.
754 . التهذيب:6/54، الباب18، الحديث 10.
755 . التهذيب:6/56، الباب18، الحديث 1.
756 . التهذيب6/56، الباب18، الحديث 1.
757 . التهذيب:6/95، الباب 46، الحديث 1.
758 . مستدرك الوسائل: 10/ 364.
759 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب45 من أبواب المزار، الحديث 16.
760 . تاريخ الخلفاء: 407.
761 . الخصال للصدوق:2/ 406.
762 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب 44 من أبواب المزار، الحديث2; كامل الزيارات: 150.
763 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب 36 من أبواب الدفن، الحديث 1.
764 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب 36 من أبواب الدفن، الحديث 3.
765 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب 36 من أبواب الدفن، الحديث 2.
766 . سنن ابن ماجة:1/498، الباب42 من أبواب الجنائز، الحديث 1561.
767 . مستدرك الوسائل: 2/344; وفاء الوفا: 3/894 ، وفي طبعة أُخرى لمؤسسة الفرقان، في الصفحة 272.
768 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب44 من أبواب الدفن، الحديث 1.
769 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب44 من أبواب الدفن، الحديث 2.
770 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب44 من أبواب الدفن، الحديث 3.
771 . الموسوعة الرجالية الميسّرة:202، برقم 2459.
772 . رجال الكشي: 507.
773 . الموسوعة الرجالية الميسّرة:511، برقم 6713.
774 . منتهى المطلب:7/ 403.
775 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/ 420.
776 . النهاية: 44.
777 . الوسيلة: 69.
778 . ذكرى الشيعة: 2/35; المبسوط:1/ 187.
779 . ذكرى الشيعة:2/ 37.
780 . وسائل الشيعة:ج 2، الباب37 من أبواب الدفن، الحديث 2.
781 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب31 من أبواب الدفن، الحديث 2.
782 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب31 من أبواب الدفن، الحديث 3.
783 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب31من أبواب الدفن، الحديث 6.
784 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب31 من أبواب الدفن، الحديث 11.
785 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب43 من أبواب الدفن، الحديث 2.
786 . صحيح مسلم:3/61، كتاب الجنائز; السنن للترمذي:2/256، باب ما جاء في تسوية القبر; السنن للنسائي:4/88، باب تسوية القبر.
787 . الحجر: 29.
788 . الشعراء: 98.
789 . الأعلى: 2.
790 . النساء: 42.
791 . شرح النووي لصحيح مسلم:7/36، الباب31 الأمر بتسوية القبر، برقم 92/ 968.
792 . ذكرى الشيعة:2/ 440.
793 . الجن: 18.
794 . غافر: 60.
795 . البقرة: 144.
796 . البقرة: 125.
797 . الكهف: 21.
798 . تحذير الساجد باتّخاذ القبور مساجد: 72.
799 . تفسير الطبري:1/265ـ266، طبعة دار ابن حزم.
800 . اقرأ تفصيل توسعة المسجد في كتاب وفاء الوفا:2/262ـ 276، طبعة مؤسسة الفرقان.
801 . وفاء الوفا:3/897، طبعة دار إحياء التراث العربي، و 3/276، طبعة مؤسسة الفرقان.
802 . سنن البيهقي:4/78; مستدرك الحاكم:1/377; وفاء الوفا:3/322، طبعة مؤسسة الفرقان.
803 . الخصائص الكبرى:1/ 154.
804 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب69 من أبواب المزار، الحديث 1.
805 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب69 من أبواب المزار، الحديث 2.
806 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب69 من أبواب المزار، الحديث 3. ولاحظ بقية الروايات الّتي ناهز عددها العشرة.
807 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب65 من أبواب الدفن، الحديث 2.
808 . آل عمران: 181.
809 . النساء: 155.
810 . وسائل الشيعة: ج 3، الباب 25 من أبواب مكان المصلي، الحديث 3.
811 . جواهر الكلام:4/ 340.
812 . الروم: 30.
813 . السيرة الحلبية:3/ 248.
814 . سنن أبي داود:1/58; سنن ابن ماجة:1/ 482.
815 . إمتاع الأسماع للمقريزي: 154.
816 . مجمع الزوائد:6/ 120.
817 . صحيح البخاري:4/184، كتاب المناقب في علامات النبوة في الإسلام; سنن البيهقي:4/ 70.
818 . سنن أبي داود:2/63; سنن ابن ماجة:1/ 445.
819 . سنن البيهقي:4/70; تاريخ الخطيب البغدادي :7/ 289.
820 . سنن أبي داود: 2/58; سنن ابن ماجة:1/ 481.
821 . يوسف: 84.
822 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب84 من أبواب الدفن، الحديث 4.
823 . مجمع الزوائد:6/ 120.
824 . تاريخ الطبري:6/ 229.
825 . بحار الأنوار:44/ 329.
826 . في ظلال القرآن:7/189ـ190، تفسير الآية 51 من سورة غافر.
827 . الفرقان: 3.
828 . النساء: 64.
829 . الزمر: 3.
830 . أُسد الغابة في معرفة الصحابة:3/111، طبعة مصر.
831 . الزمر: 3.
832 . فاطر:13ـ 14.
833 . الشعراء: 98.
834 . المستدرك للحاكم:4/12، باب الفتن والملاحم، بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي في تلخيصه عن داود بن أبي صالح.
835 . سنن ابن ماجة:1/441، برقم 1385; مسند أحمد:4/ 138.
836 . المستدرك للحاكم:1/ 313.
837 . نهج البلاغة:2/91ـ 92.
838 . نهج البلاغة:3/39ـ 40.
839 . البقرة: 173.
840 . آل عمران: 35.
841 . التوبة: 60.
842 . سنن أبي داود:2/130، برقم 1681; السيرة الحلبية:6/ 583.
843 . مكارم الأخلاق: 415.
844 . النهاية: 555.
845 . الحجر: 72.
846 . الشمس:1ـ 7.
847 . تحرير الوسيلة: 2/99، المسألة 2و 5.
848 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب81 من أبواب الدفن، الحديث 2.
849 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب83 من أبواب الدفن، الحديث 1.
850 . مرآة العقول:4/ 181.
851 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب70 من أبواب الدفن، الحديث 2.
852 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب87 من أبواب الدفن، الحديث 3.
853 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب87 من أبواب الدفن، الحديث 6.
854 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب87 من أبواب الدفن، الحديث 10.
855 . كامل الزيارات:211; طبعة قم، 1417هـ ; ثواب الأعمال:109، طبع عام 1391هـ .
856 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.
857 . وسائل الشيعة: ج 2، الباب72 من أبواب الدفن، الحديث 7.