قائمة المواضيع :
بيعتان في بيعة صاحب الفضيلة حجة الإسلام السيد عبد الفتاح نواب ـ دامت معاليه ـ
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن تكونوا في صلاح وفلاح، كما أرجو أن يكون أخونا الكريم الأُستاذ الفذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم في صحة وعافية.
ذكرتم أنّ الأُستاذ ـ حفظه اللّه ـ قد طلب منكم رأي فقهاء الشيعة الإمامية في مسألة «البيعتين في بيعة واحدة»، واقترحتم عليّ أن أُحرّرها، فقمت ـ تلبية لاقتراحاتكم ـ بتحرير المسألة بوجه موجز، ولا نقول: إنّه رأي عامة فقهائنا، إذ ليس لهم في المسألة رأي موحَّد والتفصيل يطلب من مظانّه.
اختلفت كلمة الفقهاء في تفسير هذا العنوان (بيعتان في بيعة واحدة) الّذي ورد في روايات السنّة والشيعة. ولنذكر ما رواه الفريقان أوّلاً، ثمّ ندخل في صلب الموضوع:
1. ما رواه الفريقان في المقام:
1. روى الترمذي في سننه في باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيعتين في بيعة.
وقال في شرح الحديث: وقد فسّره بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين....(858)
2. رووا أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن بيع وشرط.(859)
وأمّا الشيعة الإماميّة فقد أخرج الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460هـ) في كتاب «التهذيب» عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنّه قال:
3.نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك.(860)
وروى محمد بن بابويه الصدوق (المتوفّى 381هـ) عن الصادق(عليه السلام)عن آبائه (عليهم السلام)في مناهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال (عليه السلام): «نهى عن بيعين في بيع».(861)
4. روى الشيخ الطوسي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلاً من أصحابه والياً فقال: إنّي بعثتك إلى أهل اللّه ـ يعني : أهل مكة ـ فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن».(862)
2. ما هو المقصود من الحديث؟
قد فُسّر الحديث بوجوه وإليك سردها إجمالاً:
الأوّل: أن يبيع الرجل السلعة فيقول: هي نقداً بكذا ونسيئة بكذا، وبطبيعة الحال يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.
وهذا على قسمين: فتارة يفترق المتبايعان مع الالتزام في النهاية بأحد الثمنين، وأُخرى يفترقان على الإبهام من دون أن يلتزما بأحد الثمنين.
الثاني: أن يتبايعا مع تردّد المبيع أو الثمن بين شيئين، كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو بشاة.
الثالث: أن يبيع السلعة بمائة إلى سنة على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين.
الرابع: أن يشتـرط بيعـاً أو شرطاً فـي بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك منّي بكذا، أو يبيـع ا لدار ويشترط عليه أن يسكنه إلى شهر....
الخامس: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر، فلما حلّ الأجل، قال البائع: اشتري منك الصاع الّذي بذمّتي بصاعين إلى شهرين.
السادس: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد، كبيع وسلف ، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة.
هذه هي الوجوه التي فُسّر بها الحديث النبويّ، وبذلك ربّما عاد الحديث مجملاً في مفهومه، لا يصحّ الاستدلال به على واحد من هذه المحتملات، إلاّ إذا عاضدته قرينة معيّنة، إذ من البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). وسيوافيك ما هو الأقرب منها إلى مضمون الحديث في آخر البحث.
إذا تبين ذلك، فنحن ندرس عامة المحتملات على ضوء القواعد العامة المستفادة من الكتاب والسنّة، ثمّ نعود إلى تفسير ما روي في المقام، فنقول: إنّ القضاء الحاسم في هذه الصور رهن بيان الأمرين التاليين:
1. الأصل صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي
دلّت الآيات والروايات على صحّة كلّ عقد وبيع عقلائي، يتعلّق به الغرض ولا يعدُّ لغواً، إلاّ ما دلّ الدليل الشرعي على عدم صحّته. فلو شكّ في صحّة عقد، أو بيع في مورد، فيحكم بصحّته أخذاً بإطلاق الآيات التالية:
1. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).(863)
2. (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).(864)
3. (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).(865)
فإنّ مفاد الآيات: انّ كلّ ما صدق عليه العقد أو البيع، أو التجارة عن تراض وجب الوفاء به، وهو ممّا أحلّه اللّه، ولا يعد أكلاً بالباطل.
فكلّ مورد شكّ في صحّة عقد أو بيع، وجواز أكل شيء، فالصحّة محكّمة إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه، فما لم يرد في الشريعة، نهي عن عقد أو بيع، أو لم ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة في الشرع فالعقد نافذ والبيع ماض، والأكل به حلال إلاّ إذا دلّ الدليل على خروجه عن الإطلاقات كالعقد الربوي، وبيع الخمر، وثمن الفحشاء وإن رضي الطرفان، فعندئذ يُحكم عليه بالحرمة، وأحياناً بالفساد.
فكما أنّ مقتضى الآيات هو صحّة كلّ عقد أو بيع شكّ في صحته، فهكذا مقتضى إطلاق السنة، في مورد شك في صحّته، نظير:
1. الناس مسلّطون على أموالهم.
2. لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه.
فالإنسان مسلّط على أمواله، فله أن يبيع ماله ويهبه بأي نحو شاء، وليس لأحد منعه عن التقلب في أمواله. إلاّ إذا ورد النهي عنه في الشريعة المقدسة.
وبه تظهر كيفية الاستدلال بالحديث الثاني، فالملاك في الحلية، هو طيب النفس في أيِّ مورد، فإذا كان المالك راضياً وطابت نفسه لتصرف الآخر، يكون نافذاً وصحيحاً وممضى عند الشرع، إلاّ إذا دلّ الدليل على بطلانه.
هذا حال العقود والبيوع وإليك الكلام في الشروط.
2. الأصل صحّة كلّ شرط عقلائي
الأصل في الشروط أيضاً الصحة والنفوذ إلاّ إذا قام الدليل على عدم صحّته، والمراد من الشرط هو طلب فعل من البائع أو المشتري على غرار قوله:(عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَانِيَ حِجَج)(866). حيث شرط شعيب (عليه السلام)في نكاح بنته من موسى (عليه السلام)، خدمة ثماني حجج.
نعم لا يكون الشرط نافذاً وصحيحاً وواجب الوفاء، إلاّ إذا كان جامعاً للأُمور التالية:
1. أن يكون داخلاً تحت القدرة.
2. أن يكون سائغاً وجائزاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرم حلالاً أو أحلّ حراماً».(867) فلو باعه شيئاً واشترط في ثمن العقد أن يشتري منه شيئاً معيناً، أو يبيعه شيئاً آخر، أو يُقرضه، شيئاً معيناً، أو يستقرضه صحّ، لإطلاق قوله: «المسلمون عند شروطهم» إلاّ ما خرج بالدليل.
3. أن يكون عقلائياً، لا سفهياً، كما إذا شرط الكيل بميزان معيّن، مع مساواته بسائر الموازين الصناعية الدقيقة.
4. أن يكون داخلاً تحت القدرة، فخرج ما ليس في قدرة المشترَط عليه.
5. أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة، ككون الطلاق بيد الزوجة أو اشتراط إرث أجنبي.
6. أن لا يكون مخالفاً لمقتضى العقد، كما لو باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة، فإنّ ماهية الشرط مخالفة لماهية البيع، فالبيع ربط بين المالين وتبادل بينهما، والإجارة ربط بين العين والأُجرة أو بين العمل والأُجرة. وعلى كلّ تقدير يتقوّمان بمالين أو بعمل ومال، فالبيع بلا ثمن أو بلا أُجرة أشبه بأسد بلا رأس ولا ذنب.
7. أن لا يكون مجهولاً جهالة توجب الغرر، لاستلزامه جهالة العوضين، كما إذا باع شيئاً وشرط على المشتري أن يبني له جداراً مبهماً من حيث الطول والعرض، فإنّ الشرط كالجزء من العوضين فيكون محكوماً بالبطلان.
هذا بعض ما يعتبر في صحّة الشروط ونفوذها في البيع وسائر العقود، وربّما ذكرت هناك شروط أُخرى لنفوذها لا حاجة لذكرها في المقام، وقد بسطنا الكلام فيها في كتابنا «المختار في أحكام الخيار» .(868)
فظهر ممّا ذكرنا أمران:
أ. الأصل في العقود والبيوع هو الصحّة والمضيّ، إلاّ إذا قام دليل شرعي على عدم اعتباره في الشريعة المقدسة، كالبيع الربوي، وغيره.
ب. الأصل في العقود هو الصحة إذا كان واجداً للشروط المعتبرة فيها. وأنّه يجب الالتزام بها، ما لم يكن مؤدِّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشروط الّتي مضى أكثرها.
فعلى هذا فالضابطة في صحّة الشرط، هو أنّه إذا لم يكن مؤدّياً إلى جهالة المبيع أو الثمن أو مخالفاً للكتاب والسنة إلى غير ذلك من الشروط، صحّ كلّ شرط في العقود.
وعلى ذلك فاللازم أوّلاً: عرض هذه الوجوه المحتملة الستة على هذه القواعد العامة واستخراج حكمها على ضوئها.
وثانياً: العود إلى دراسة ما روي في المقام الّذي أوعزنا إليه في صدر البحث والتأمّل فيه، كي يظهر مدى انسجامه مع القواعد العامة، وإليك البيان:
أمّا الوجه الأوّل: وهو أن يبيع الرجل السلعة نقداً بكذا ونسيئة بكذا، فقد مرّ أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يكون الثمن الثاني أكثر من الأوّل.
وقد مرّ أنّ لهذا المحتمل صورتين:
تارة يفترق المتبايعان بعد الإيجاب والقبول من دون أن يلتزما بأحد الثمنين.
وأُخرى يفترقان مع تعيين أحد الثمنين في قبول المشتري.
أمّا الأوّل: فقد ذهب جماعة كالشيخ الطوسي في «المبسوط» وابن إدريس الحلي في «السرائر» إلى بطلان العقد والبيع لجهالة الثمن، لتردّده بين درهم ودرهمين، وقد مرّ أنّ الجهالة من أسباب بطلان الشرط.
وإن شئت قلت: يبطل للغرّ، وللإبهام الناشئ من الترديد، القاضي بعدم تملّك البائع حال العقد أحد الثمنين بالخصوص، وهو مناف لمقتضى سببية العقد لتملّك البائع الثمن مقابل تملّك المشتري المثمن.
هذا مقتضى القاعدة ولكن رُوي عن علي(عليه السلام)أنّه يكون للبائع أقلّ الثمنين في أبعد الأجلين(869). وقد عمل بالحديث جماعة من فقهاء الإمامية.(870)
وكأنّ وجهه: أنّه إن رضي بالأقل فليس له الأكثر في البعيد، وإلاّ لزم الربا، لأنّه قَبَض الزيادة في مقابل تأخير الثمن لا غير.
ومع ذلك فإنّ مضمون الحديث ينافي الضوابط العامة، لأنّ الإلزام بالأقل إلى الأجل الأبعد ليس تجارة عن تراض، والعمل به أمر مشكل والقول بالبطلان أقوى، وفي الوقت نفسه أحوط. والرواية حسنة وليست بصحيحة، وبمثلها لا يصحّ الخروج عن الضوابط العامّة.
ويؤيّد البطلان ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا يحل صفقتان في واحد».(871)
هذا كلّه إذا أمضى البائع البيع، دون أن يختار المشتري أحد الفرضين.
وأمّا الثاني: أي ما إذا اختار المشتري أحدهما في قبوله فالظاهر صحّة البيع والعقد، لأنّ الجهالة ترتفع بقبول المشتري أحد الفرضين، فإمّا أن يقول قبلت البيع بدرهم نقداً أو بدرهمين إلى أجل، ولا دليل على أنّ الجهالة حال الإيجاب وارتفاعها عند القبول مورث للبطلان، فمقتضى القاعدة صحّة البيع والعقد حسب ما يلتزم به المشتري.
وأمّا الوجه الثاني: وهو أن تبايعا مع تردد المبيع أو الثمن بين شيئين كأن يقول: اشتريت بالدينار شاةً أو ثوباً، أو يقول: بعت السلعة بدينار أو شاة، ويأتي في هذه الصورة ما ذكرناه في الصورة المتقدمة، فإن تم الإيجاب والقبول بلا التزام بأحد الفرضين فالبيع باطل لجهالة أحد العوضين، وإلاّ فالظاهر الصحة لارتفاعها بقبول المشتري أو إيجاب البائع متأخّراً ولا دليل على اشتراط المعلومية أزيد من ذلك.
وأمّا الوجه الثالث: أعني أن يبيع السلعة بمائة إلى شهر على أن يشتريها بعد البيع حالاً بثمانين. وبعبارة أُخرى: أن يبيع الشيء بثمن مؤجل بمائة بشرط أن يشتريه البائع من المشترى ثانياً بثمن حالّ أقل من ثمنه، فهذا هو بيع العينة، فكلّ من قال بفساد بيع العينة يقول بفساده. وهو يعد من حيل الربا فإنّ السلعة رجعت إلى صاحبها. وثبت له في ذمة المشتري مائة مع أنّه دفع إليه ثمانين.
والذي عليه أكثر فقهاء الإمامية: إنّه إذا اشترط تأخير الثمن إلى أجل، ثم ابتاعه البائع قبل حلول الأجل دون أن يشترط في البيع الأوّل جاز مطلقاً، بزيادة كان أو بنقصان، حالاً أو مؤجلاً، بخلاف ما إذا اشترط في ضمن العقد، فقد اختارت جماعة البطلان في هذه الصورة (صورة الاشتراط).
وقد ذكروا في وجه البطلان عندئذ أمرين:
1. استلزامه الدور، لأنّ بيع المشتري للبايع، يتوقف على ملكه له، المتوقف على بيعه للبايع.(872)
يلاحظ عليه: بأنّ المشتري يملك بمجرد العقد، ولا يتوقف ملكه على العمل بالشرط، أي بيعه للبائع والّذي يتوقف عليه، هو لزوم البيع الأوّل لا تملكه.
2. عدم قصد الخروج عن ملكه، بشهادة أنّه يشترط شراءَه من المشتري ثانياً، وليس الغرض إلاّ تملك الفائض.
يلاحظ عليه: بأنّه ربما يتحقّق القصد لغرض تملك الفائض، حيث يبيع بمائة ويشتري بثمانين.
والمهم أنّه ذريعة محلّلة للربا، وللبحث صلة تطلب في محلّها.
وأمّا الوجه الرابع: أعني: أن يشترط بيعاً في بيع كأن يقول: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيع دارك بكذا. فهذا على قسمين: فتارة يشترط البيع الآخر ولا يحدد ثمن المبيع الثاني وهذا باطل لأجل الجهالة، وأُخرى يشترط في البيع بيعاً آخر ويحدد المبيع والثمن كأن يقول: «بعتك داري هذه بألف على أن تبيعني دارك بألف وخمسين»، وهذا صحيح لعدم الجهالة.
والحاصل: أنّ المدار في الصحة والبطلان هو وجود الجهالة في أحد العوضين وعدمها، والمفروض عدمها.
وأمّا الوجه الخامس: أعني: أن يشتري حنطة بدينار نقداً سلماً إلى شهر، فلمّا حلّ الأجل قال البائع: أشتري منك الصاع الّذي بذمتي بصاعين إلى شهرين.
والظاهر بطلان البيع، لأنّه بيع كال بكال أوّلاً، وبيع ربوي بجنسه متفاضلاً.
وأمّا الوجه السادس: أعني: أن يجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد (كبيع وسلف)، كما إذا قال: بعتك هذا العبد وعشرة أقفزة حنطة موصوفة بكذا، مؤجلاً إلى كذا بمائة درهم، أو «إجارة وبيع» كما إذا قال: آجرتك الدار وبعتك العبد بكذا، أو «نكاح وإجارة» كما إذا قال: أنكحتك نفسي وآجرتك الدار بكذا، فالظاهر الصحة لصدق العقد عليه، ولم يدل دليل على خروجه عن إطار الآيات والروايات.
وهذا العقد في الظاهر عقد واحد وفي المعنى عقدان أو عقود، ولذا يجري عليه حكم كلّ منهما لنفسه من غير مدخلية للآخر، فلو جمع بين البيع والإجارة فخيار المجلس للأوّل دون الثاني.
ولو احتيج إلى أن يقسط العوض لتعدّد المالك قسّط على النحو المقرّر في باب الأُروش.
نعم تأمّل المحقّق الأردبيلي في صحّة هذا النوع من العقد، من جهتين:
1. الشكّ في صحّة مثل هذا العقد (بيع وإجارة)، حيث لا يدخل في اسم كلّ منهما، فهو لا بيع، ولا إجارة.
2. انّ الجهالة والغرر وإن ارتفعا بالنسبة إلى هذا العقد، إلاّ أنّهما متحقّقان بالنسبة إلى البيع والإجارة، وقد نهى الشارع عنهما في كلّ منهما.
وارتفاع الجهالة بالنسبة إلى المجموع غير مجد.(873)
يلاحظ على الأوّل: بما عرفت في صدر البحث، أنّ الموضوع للصحة هو العقد، وقوله: آجرتك تلك الدار وبعتك العبد بمائة دينار، عقد عقلائي كفى في دخوله تحت قوله سبحانه: (أَوْفُوا بالعُقُودِ).
ويلاحظ على الثاني: أنّ الجهالة بالنسبة إلى كلّ من ثمن البيع وأُجرة الإجارة وإن كانت متحقّقة لكنّها إنّما تضرّ إذا كان البيع أو الإجارة عقداً مستقلاً لا جزء عقد، فعموم قوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ) كاف في ثبوت مشروعيته.
وليست اللام في «العقود» إشارة إلى العقود المتعارفة في عصر نزول الآية، بل هي ضابطة كلية، في عالم التشريع تأمر المكلّفين بالوفاء بكلّ ما يصدق عليه عقد عرفي عقلائي إلاّ ما خرج من الدليل.(874)
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي عرض المحتملات على الضوابط العامّة المستفادة من الكتاب والسنّة.
دراسة الحديث
بقي الكلام في الأمر الثاني وهو دراسة الحديث ومدى موافقته للقواعد.
وإجمال الكلام فيه: أنّ الحديث بعد سريان الاحتمالات إليه، صار مجملاً من حيث الدلالة، مبهماً من حيث المقصود، فلا يمكن الاحتجاج به على واحد من هذه الصور المختلفة، ومن البعيد أن يكون الجميع مقصوداً للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلأجل إجمال الحديث وتطرق الاحتمالات المتنوعة إليه، يسقط عن الاحتجاج به، ويرجع في كلّ مورد إلى القواعد والضوابط العامة.
***
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ أقرب الاحتمالات إلى مفهوم الحديث النبوي هو الوجه الأوّل، أي البيع نقداً بكذا ونسيئة بكذا، على وجه أصفق عليه البائع، من دون أن يلتزم المشتري بأحد الثمنين، وقد عرفت وجه البطلان لوجود الجهالة والغرر.
وأبعد الاحتمالات هو الوجه الرابع وهو أن يبيع شيئاً أو يشتريه ويشترط أحد المتبايعين شرطاً، فإنّ جواز مثل هذا النوع من البيع أظهر من الشمس وأبين من الأمس، لجريان السيرة على الاشتراط من الجانبين.
وممّا يقضي منه العجب ، أن تقع مثل هذه المسألة: باع شيئاً مع الشرط، مثاراً للخلاف بين الفقهاء، على وجه حتّى روي عن أبي حنيفة والشافعي بطلان البيع والشرط(875). ودونك ما نقله الشيخ الطوسي وغيره في المقام. قال (قدس سره):
المسألة40: من باع بشرط شيء، صحّ البيع والشرط معاً إذا لم يناف الكتاب والسنة. وبه قال ابن شبرمة.
وقال ابن أبي ليلى: يصحّ البيع، ويبطل الشرط.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطلان معاً.
وفي هذا حكاية رواها محمّد بن سليمان الذهلي، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيين: أحدهم أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
فصرت إلى أبي حنيفة فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع فاسد، والشرط فاسد. فأتيت ابن أبي ليلى، فقلت ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة، فقلت: ما تقول في مَن باع بيعاً وشرط شرطاً؟ فقال: البيع جائز، والشرط جائز.
قال: فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت: إنّ صاحبيك خالفاك في البيع.
فقال: لست أدري ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن بيع وشرط.
ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فقلت: إنّ صاحبيك خالفاك في البيع، فقال: ما أدري ما قالا؟ حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالت: لما اشتريت بريرة جاريتي شرط عليّ مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال : «الولاء لمن أعتق» فأجاز البيع، وأفسد الشرط.
فأتيت ابن شبرمة فقلت: إنّ صاحبيك قد خالفاك في البيع فقال: لا أدري ما قالا؟ حدّثني مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد اللّه قال: ابتاع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)منّي بعيراً بمكة ، فلما نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة، فأجاز النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)البيع والشرط.
والظاهر أنّ مرادهم من الشرط، هو القسم الفاسد، كما يظهر من رواية «عائشة»، وإلاّ فاشتراط الصحيح منه في العقود، أمر رائج بين العقلاء وعليه جرت سيرة المسلمين.
هذا ما أسعف به الوقت في تحرير هذه الرسالة...

858 . سن الترمذي: ج3، كتاب البيوع، الباب18، الحديث 1232.
859 . المهذب للشيرازي: 1/275; العزيز في شرح الوجيز:4/105; المغني:4/308; الشرح الكبير: 4/56 ولم أقف على نص الحديث في الصحاح والسنن لقلّة التتبع.
860 . التهذيب:7/230، برقم 1005.
861 . من لا يحضره الفقيه:4/4، برقم 1.
862 . التهذيب: 7 / 231، برقم 1006 .
863 . المائدة: 1.
864 . البقرة: 275.
865 . النساء: 29.
866 . القصص: 27.
867 . الوسائل: ج 12، الباب 6 من أبواب الخيارات، الحديث 5.
868 . لاحظ المختار في أحكام الخيار: 449ـ 500.
869 . الوسائل: ج 12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث 1، 2. و تسمية الحال أجلاً باعتبار ضمّه إلى الأجل في التثنية وهو قاعدة مطردة ومنه الأبوان والقمران.
870 . الجواهر:2/103ـ 104.
871 . الوسائل: ج 12، الباب2 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.
872 . التذكرة:10/ 251.
873 . مجمع الفائدة والبرهان:8/ 531.
874 . الجواهر:23/ 234.
875 . الخلاف:3/29ـ 30. لاحظ المحلى لابن حزم: 8/415; وبداية المجتهد:2/158ـ 159.