قائمة المواضيع :
مناصب الفقيه وولايته
قد سبق منّا أنّه يشترط في جواز البيع ومضيّه كون البائع مالكاً أو مأذوناً من المالك كالوكيل، أو من الشارع كالأب والجد، فلهم الولاية على أموال الذرية. ومن هذا القسم الفقيه الجامع للشرائط فله الولاية من الشارع على حراسة أموال القصّر والغيّب وتثميرها، فهذا هو البحث المناسب في كتاب البيع.
ولكن الشيخ الأعظم وسّع إطار البحث فطرح ولاية الفقيه على صعيد أوسع امتثالاً ـ حسب تعبيره ـ لأمر أكثر حضار مجلس المذاكرة، ولعله(قدس سره)أوّل من درس الموضوع بإسهاب مقروناً بالدقة بعد شيخه «النراقي» في كتاب «العوائد».
ولمّا قامت الثورة الإسلامية في إيران وتأسّست دولة كريمة على ضوء ولاية الفقيه، كثر البحث والنقاش في أصل الولاية وفروعها وسعتها وأدلتها، وتوالى فيها التأليف من قبل المحقّقين وأصحاب الرأي فصدرت كتب ورسائل باللغتين: العربية والفارسية. وربما صدرت بغير هاتين اللغتين أيضاً ولم أطّلع عليه.
ولا بأس من الإشارة إلى حادثة وقعت في أوائل عمر الثورة الإسلامية، وهي أنّه دخل على مكتبي شاب لبناني يدرس الحقوق في فرنسا فبدأ بالكلام وقال: إنّه مبعوث من جانب جامعة «سوربون» للبحث في ولاية الفقيه وكتابة رسالة فيها ليقدّمها لأساتذة الجامعة، لأنّهم فوجئوا بهذا العنصر الجديد في الفقه الإسلامي ولم يكن لهم اطّلاع عليه قبل هذا الوقت.
فشرحت له مفهوم ولاية الفقيه وأدلتّها وسعتها والمصادر الّتي عليه أن يرجع إليها في تحرير أُطروحته.(876)
ولمّا كانت ولاية الفقيه مقتبسة من ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة المعصومين (عليهم السلام)لذا نبحث عن ولايتهم أوّلاً على وجه الإيجاز، ثم نعرّج إلى ولاية الفقيه ثانياً، وسنشير إلى أدلّتها وما له صلة بذلك، بإذن اللّه سبحانه.
إنّ للنّبي الأكرم وأهل بيته المعصومين(عليهم السلام)ولاية تكوينية وولاية تشريعية ندرسهما على ضوء الكتاب والسنة.
1. الولاية التكوينية
الولاية التكوينية تفسر بوجوه:
أ. كونهم(عليهم السلام)واقعين في إطار العلل الفاعلية لخلق العالم وتدبيره.
والولاية بهذا المعنى غلو باطل لا يقول به من له إلمام بالكتاب والسنة، فاللّه سبحانه هو الخالق المدبر الرازق، المحيي والمميت، وكلّ ما في الكون من جليل وحقير كله مستند إليه سبحانه لا إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولا لأحد من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)بل هم مخلوقون مربوبون كسائر الخلائق الأرضية والفلكية، المادية والمجردة، وكفى قوله سبحانه:(هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ)(877)، وقوله سبحانه:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ)(878) في غير واحد من الآيات.
إنّ لعلي بن موسى الرضا ـ عالم آل محمد ـ صلوات اللّه عليه، دعاء يبين موقف آل البيت في هذا المجال يقول: «اللهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولاموتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم(عليه السلام)من النصارى، اللّهم إنّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون، ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً».(879)
ب. كونهم عليهم الصلاة والسلام بمنزلة العلل الغائية حيث إنّ العالم خلق للإنسان الكامل وهم أكمل الناس وأفضلهم وأطيبهم. وهذا هو الصحيح دون الأوّل.
فما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة ممّا يستشم منه كونهم (عليهم السلام)واقعين في إطار العلل الفاعلية للعالم وحوادثه كقوله:«وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض» محمول على العلة الغائية وكأنّه يقول: ولأجلكم يُمسك السماء أن تقع على الأرض، وما عن بعض المشايخ السادة (رحمهم الله) في تبيين ما ذكرناه من التفريق بين التعبيرين:«منه الوجود» و «به الوجود» وأنّهم (عليهم السلام)متسمون بأنّهم «بهم الوجود»، كلام مجمل لا يقف على مغزاه إلاّ الأوحدي في الفلسفة الإسلامية، وما ذكرناه أوضح.
3. كونهم أصحاب المعجزات والكرامات فتصدر منهم(عليهم السلام)لغاية إثبات النبوة والإمامة أو ما يشبههما، وقد أثبتنا في محله انّ المعجزة لها صلة بإرادة المعجز وملكاته النفسانيّة ـ أعني: النبي والإمام ـ وإن كان الجميع يقع بإذن اللّه سبحانه، وكفاك في تأثير إرادة النبي في تحقق خارق العادة، خطابه سبحانه للمسيح بن مريم بقوله:(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْني فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْني وَتُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْني وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتى بِإِذْني).(880) حيث ينسب الفعل إلى نفس المسيح.
ومن هذا الباب استجابة دعائهم في صلاة الاستسقاء وغيرها فإنّ لدعائهم تأثيراً في الأوضاع الجوية وعصف الرياح ونزول المطر، كلّ ذلك في إطار محدود في زمن خاص، وهذا النوع من التصرف في التكوين غير القول بكونهم من العلل الفاعلية لخلق العالم وإحداثه، وخرابه وإبادته.
2. الولاية التشريعية
لا شكّ أنّ المجتمع البشري بحاجة ماسة إلى التقنين إمّا بشري وإمّا إلهي، وبما أنّ التقنين البشريّ عاجز عن تحقيق السعادة لعامة المجتمع، لا محيص إلاّ من اللجوء إلى تقنين منزّه عن الهوى وحبّ الذات أوّلاً، ومعرفة كاملة بحاجات الإنسان ثانياً، وليس هو إلاّ اللّه عزوجل، كما قال سبحانه:(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ)(881)، ولذلك صار التوحيد في التقنين والتشريع من مراتب التوحيد وأنّه لا مشرّع ولا مقنّن إلاّ اللّه سبحانه، ولذلك يقول:(إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيّاهُ)(882)، والمقصود من الآية حصر الحاكمية التشريعية باللّه سبحانه ولذا أردفه بقوله:(أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)، حيث إنّ إيجاب العبادة للّه تشريع من اللّه عزّ اسمه، وهذا قرينة على أنّ المراد من الحكم في الآية هو الحكم التشريعي، لا الحكم التكويني بمعنى حصر تدبير العالم باللّه سبحانه، وفي موضع آخر يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و يقول:(ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَريعَة مِنَ الأَمْرِ فاتَّبِعْهَا).(883)
كلّ ذلك يعرب على أنّه ليس للرسول إلاّ اتّباع الشريعة الّتي أوحى اللّه إليه.
وليس هذا الأمر يختص بالشريعة الإسلامية، بل عامة الشرائع منتهية إلى اللّه سبحانه، وليس للنبي الموحى إليه إلاّ اتّباعها، قال سبحانه:(لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)(884)، وعلى ضوء ذلك فمن اعتقد أنّ هناك شارعاً غير اللّه سبحانه فقد غلا غلوّاً واضحاً، وما ربّما يطلق لفظ الشارع على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّما هو من باب التساهل والمجاز وإلاّ فالشارع هو اللّه سبحانه. وبذلك عُلم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يمتلك زمام التشريع وكذا الأئمّة (عليهم السلام)بل أنّ زمام التشريع بيد اللّه سبحانه، والنبي والأئمة مراجع بيان الأحكام وتوضيحها وتفسير مجملاتها وبيان قيود مطلقاتها.كلّ ذلك بتعليم منه سبحانه تعليماً غيبياً خارجاً عن إطار التعليم العادي كما يقول سبحانه (وعلّمناه من لدنا علماً).(885)
سؤال وإجابة
إذا ثبت أنّ زمام التشريع بيده سبحانه دون سواه فكيف يفسّر ما ورد في الأحاديث التالية:
1. أنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات، فأضاف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.
2. أنّ اللّه فرض في السنة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صوم شعبان وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. أنّ اللّه حرم الخمر بعينها وحرم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)المسكر من كلّ شراب.
4. أنّ اللّه فرض الفرائض في الإرث ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أطعمه السدس.(886)
أمّا الإجابة فنقول: إنّ اللّه سبحانه أدّب رسوله فأحسن تأديبه وعلّمه مصالح الأحكام ومفاسدها وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها، وكان النبي بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها كان له أن ينص على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها، وليس الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها ، أقلّ منزلة من الطرق الأُخر التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه، وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)بقوله:
«عقلوا الدينَ عقلَ وعاية ورعاية لا عقلَ سماع ورواية، فإنّ رواةَ العلم كثير ورعاته قليل».(887)
غير أنّ اهتداءه(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الأحكام وتنصيصه بها من هذا الطريق قليل جداً لا يتجاوز ما ذكرناه، وبذلك يعلم حال الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)في هذا المورد.
وقد يجاب عنه أنّ عمل الرسول لم يكن في هاتيك الموارد سوى مجرّد طلب من اللّه سبحانه وقد نفذ اللّه طلبه، لا أنّه قام بنفسه بتشريع وتقنين، ويشير إلى ذلك قوله(عليه السلام)في هذه الموارد الأربعة: «فأجاز اللّه عزّ وجلّ له ذلك».
ولو أنّ النبي كان يمتلك زمام التشريع وكان قد فوّض إليه أمر التقنين ـ على نحو ما تفيده كلمة التفويض(888) ـ إذن لما احتاج إلى إذنه وإجازته المجدّدة، ولما كان للجملة المذكورة أي معنى.
نعم للنبي الأكرم ولاية تشريعية بغير هذا المعنى نشير إليها تالياً:
1. تفويض بيان الشريعة إليهم
فالنبي والأئمة من أهل بيته قد فوّض إليهم بيان الأحكام وكونهم وسائط بين اللّه سبحانه والناس في بيان الفرائض والمحرمات والمستحبات والمكروهات، وأنّه يجب على الناس الرجوع إليهم في كلّ ما يمت للشريعة بصلة من غير فرق بين كون الحكم جزئياً أو كلياً.
أمّا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فلا شكّ أنّه مصدر التشريع بهذا المعنى ولا يشك فيه مسلم، وأمّا أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)فيكفي في إثبات ذلك لهم حديث الثقلين، وحديث السفينة.
أمّا الأوّل فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».
وأمّا الثاني فقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ،ومن تخلّف عنها غرق». والحديثان متضافران مشهوران رواهما الفريقان.
2. نفوذ قضائهم
إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو القاضي الأوّل في الإسلام ينفذ قضاؤه ويحرم ردّه، قال سبحانه:(يَا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).(889)
وفي آية أُخرى يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(890).
وفي آية ثالثة يعدُّ التسليم أمام قضاء النبي من علائم الإيمان، ويقول:(فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(891)
وبما أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بنص الحديثين المتقدمين وغيرهما، فيثبت لهم هذا المنصب الّذي كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
3. حق التصرف في الأموال والأنفس
إنّه سبحانه تبارك وتعالى أعطى النبي ولاية التصرف في الأموال والأنفس والمصالح لا لرغبة شخصية بل لمصالح عامة، بها قوام المجتمع وسيادة الهدوء فيه، ونشر الإسلام وتقدمه، يقول سبحانه:(النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).(892)
والمراد من الأولوية ، الأولوية في التصرف في الأموال والنفوس أمّا الأموال كإيجاب الضرائب لأجل تعبئة الجيش للجهاد في سبيل اللّه، وأمّا النفوس فكالأمر بالمشاركة في الجهاد الّذي لا يخلو عن التضحية والشهادة.
إنّه تعالى أعطى ذلك المنصب لرسوله لا لإشباع غرائزه الفردية وتلبية رغباته بل تحقيقاً لمصالح المسلمين وحفظ النظام الاجتماعي إلى غير ذلك من الأهداف السامية المتوقفة على تدخل النبي في ذلك. نعم هذه الأولوية من شؤون كونه حاكماً سائساً للمسلمين إذ الحكومة على المجتمع لا تنفك عن هذا النوع من التصرف، وإنّما ذكرناه مستقلاً لوروده في الآية المباركة. ثم إنّ الشيخ (قدس سره)قال: إنّ ولاية النبي أو الإمام على الأنفس والأموال يتصور على وجهين:
1. استقلال الولي المعصوم بالتصرف مع قطع النظر عن كون تصرف غيره منوطاً بإذنه أو غير منوط به، ومرجع هذا إلى كونه سبباً في جواز التصرف كتصرفه في أموال القصّر والغُيّب.
2. تصرف الغير منوطاً بإذنه وإن لم يكن الولي مستقلاً بالتصرف، ومرجع هذا إلى كون نظره سبباً في جواز تصرفه.
ثم ذكر أنّ إذنه المعتبر في تصرف الغير على وجوه ثلاثة على وجه الاستنابة، أو التفويض والتولية، أو على وجه الرضا، فلاحظ.(893)
وإنّما ذكر هذا هنا ليكون مقدمة لولاية الفقيه وأنّها من أي قسم من هذين القسمين، وسيوافيك بيانه في المستقبل.
4. حاكماً سائساً
وفي ظل المنصب الثالث ـ أعني: حق التصرف في الأموال والأنفس ـ صار حاكماً نافذ القول في الأُمّة، وهذا ما نلاحظه في سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)بعدما هاجر إلى المدينة، وسيرته أفضل دليل على أنّ من مناصبه كونه حاكماً ورئيساً ونافذ الكلمة بين المسلمين، حيث إنّه كان يباشر أُموراً من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، والّذي نشير إلى بعضها في ما يلي:
1. عقد بين أصحابه وبين القبائل المتواجدة في المدينة ـ كاليهود وغيرهم ـ اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.(894)
2. جهز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة وقاتل المشركين وغزاهم وقاتل الروم وقام بمناورات عسكرية لإرهاب الخصوم.
3. راسل الملوك والأُمراء يدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية. وقد جمعت تلك الرسائل في كتاب «مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)».
4. بعث السفراء والمندوبين إلى الملوك والزعماء.
5. نصب القضاة وعيّن الولاة وأوصاهم بما أوصاهم به.
6. عيّن الضرائب في أموال المسلمين وتجاراتهم ضريبة دون أن يخسر بها أصحاب الأموال، وفي الوقت نفسه بها قوام الحكومة.
إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا يقوم بها إلاّ الإنسان السائس الحاكم ويحقّقها بتشكيل دولة عليّة يقدر معها على إنجاز خططه ومشاريعه.
إلى هنا تمّ ذكر ما للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وبالتالي لخلفائه المعصومين ـ من المناصب الاجتماعية الّتي نحن بصدد دراسة ثبوتها للفقيه الجامع للشرائط.
نعم وأمّا المناصب المعنوية لهم (عليهم السلام)فحدث عنها ولا حرج فهي خارجة عن إطار البحث.
مناصب الفقيه وولايته
قد وقفت على مناصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وخلفائه المعصومين(عليهم السلام)على وجه الإيجاز، وحان الوقت للبحث عن مناصب الفقيه وولايته.
إنّ الشريعة الإسلامية اعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة:
1. الإفتاء وإرشاد الناس إلى وظائفهم الفردية والاجتماعية أمام اللّه وأمام الناس.
2. القضاء وفصل الخصومات الّتي لا ينفك عنها أي مجتمع كان.
3. الحكومة والجهاز التنفيذي الّذي في ظله يسود البلادَ الأمنُ وتؤمّن الطرق وتجبى الزكوات وتحرس الحدود من العصاة، وتسد حاجات الناس في المأكل والملبس وتغزى بها البلاد الكافرة لترفرف راية التوحيد على كافة ربوع الأرض، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا يستغني عنها أي مجتمع إنساني متحضر.
فيقع البحث في دور الفقيه في تحقيق هذه المناصب الثلاثة، وإليك دراستها:
1. الفقيه ومنصب الافتاء
إنّ ثبوت هذا المنصب ـ لو قلنا بأنّ الإفتاء منصب ـ للفقيه الجامع للشرائط من ضروريات الفقه الإسلامي، وهو غني عن البرهنة ولم يخالفه إلاّ شرذمة قليلة قضى عليهم الزمن، فقد حرّموا الإفتاء وتقليد العامي للمجتهد، يقول الشيخ الأنصاري: للفقيه ا لجامع للشرائط مناصب ثلاثة:
أحدها: الإفتاء فيما يحتاج إليه العامي في عمله، ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية، من حيث ترتب حكم فرعي عليها، ولا إشكال ولا خلاف في ثبوت هذا المنصب للفقيه إلاّ ممّن لا يرى جواز التقليد للعامي.(895)
والمراد من الموضوعات الاستنباطية هي الماهيات المخترعة كالصلاة والصوم والحج، وأجزاؤها وشروطها وموانعها، إذ ليس في وسع العامي التعرف عليها من الكتاب والسنة، بل ربما يحتاج إلى الفقيه في تطبيق بعض الموضوعات العرفية على مصاديقها، مثلاً دلت الروايات على وجوب القصر في ثمانية فراسخ، فلا شكّ أنّه يشمل المسافة الطولية فهل هي تعم الدورية أيضاً؟! مثلاً إذا سافر حول البلد ثمانية فراسخ بعيداً عن حدّ الترخص، فحاجة العامي في تطبيق المسافة (8 فراسخ) على الحركة الدورية رهن الرجوع إلى المجتهد.
والدليل على ثبوت هذا المنصب للفقيه هو السيرة العقلائية في رجوع الجاهل إلى العالم، وأمّا قوله سبحانه:(فَاسْألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(896) فهو إرشاد إلى هذه السيرة الّتي هي تعبير عن الفطرة الإنسانية، والإنسان جُبل على كشف المجاهيل والأسرار وأحد طرق معرفة هذه المجاهيل والأسرار هو سؤال العلماء والخبراء، فكلّ ما ورد في الروايات الشريفة من إرجاع الشيعة إلى العلماء فهي بصدد بيان الصغرى لا لبيان الكبرى فإنّ رجوع الجاهل إلى العالم أمر بيّن لا يحتاج إلى بيان، وإن شككت فانظر إلى الرواية التالية:
قال علي بن موسى الهمداني للإمام الرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال الرضا(عليه السلام): «من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا».(897)
والرواية واضحة في أنّ الإمام بصدد بيان الصغرى (التعرّف على الفقيه)، وأمّا الكبرى (لزوم الرجوع إليه) فقد كانت مسلمة بين السائل والمجيب(عليه السلام).
ثمّ إنّ رجوع العامي إلى العالم ليس بمعنى رجوعه إليه عشوائياً وبلا ملاك، كتقليد المشركين لآبائهم في عبادة الأوثان، بل الرجوع هنا يتم في ظل دليل عقلي قطعي يلزمه الرجوع إليه وهو لزوم تقليد الجاهل للعالم فقد جرت السيرة بين العقلاء على الرجوع إلى المتخصصين في عامة الأُمور، فهذا الطبيب يرجع إلى المهندس في بناء البيت، كما أنّ المهندس يرجع إليه في علاج مرضه.
وبما أنّ المسألة مسلمة لا نطيل الكلام وفيها ، ومن أراد المزيد فليراجع كتابنا «الرسائل الأربع».(898)
2. الفقيه ومنصب القضاء
إنّ القضاء بين الناس لا يفارق التصرف في الأموال والأنفس وليس لأحد ولاية على أحد ، فالتلبس به رهن ولاية إلهية يمارس في ظلها ذلك التصرف وليست إلاّ للّه سبحانه ولمن نصّبه، وقد نصّت الآيات على ثبوت الولاية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما مرّ، وتضافرت الروايات على ثبوت هذا المنصب للفقيه الجامع للشرائط، وكفى في ذلك مقبولة عمر بن حنظلة المروية بسند صحيح إلى داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة.(899)
وليست مقبولة عمر بن حنظلة وحيدة في مضمونها، بل هي مؤكّدة بروايتين لأبي خديجة (سالم بن مكرم الّذي يقول النجاشي بحقه: ثقة ثقة). وسيوافيك نص الحديثين عند البحث عن ولاية الفقيه ومنصب الحكومة.
3. الفقيه ومنصب الحكومة والتصرف في الأموال والنفوس
هذا هو المنصب الثالث الّذي لم يزل مثاراً للبحث والنقاش منذ القدم إلى يومنا هذا، وليس المراد من الحكومة، القضاء بين الناس بل ما يقوله الشيخ الأنصاري(رحمه الله): الثالث ولاية التصرف في الأموال والأنفس، وهو المقصود بالتفصيل هنا ولنذكر بعض الكلمات.(900)
وقبل الخوض في أدلة الولاية ننقل شيئاً من كلمات فقهائنا في ذلك المضمار.
ولاية الفقيه في الكتب الفقهية
ومن سبر الكتب الفقهية للمشايخ الأعاظم عبر القرون يجد أنّهم لم يولوا هذا البحث أهمية بارزة فأكثر الكتب الفقهية خالية من هذا البحث، وإنّما بحثوا عن مسألة التولي من قبل الجائر وقسموه إلى أحكام خمسة، ولعل السر في ذلك أنّه لم يكن المناخ متاحاً لطرح هذا البحث فقد كانت السلطة بيد الظالمين من بني أُمية وبني العباس، وبعد انحلال الدولة العباسية انقسمت إلى دويلات ومماليك، ولم يكن للشيعة في هذه القرون قدرة لتشكيل الدولة حتّى يطرح الفقهاء ولاية الفقية وسلطته على النفوس والأموال، ولذلك نرى الشيخ المحقّق الكركي عند ما تصدّى لمنصب «شيخ الإسلام» في أوائل القرن العاشر طرح ولاية الفقيه بحماس وقوة، وإليك كلامه وكلمات علمائنا الأبرار في هذا المجال:
1. قال المحقّق الكركي (رحمه الله) في رسالة صلاة الجمعة: اتّفق أصحابنا رضوان اللّه عليهم على أنّ الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم في حال الغَيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحابُ القتلَ والحدود مطلقاً.
فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغُيّاب والأطفال والسفهاء والمفلسين، ويتصرّف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).
والأصل فيه ما رواه الشيخ في (التهذيب) باسناد إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام)أنّه قال:«انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا ولم يقبل منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ، والرادّ علينا رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».
و ] قد وردت [ في معناه أحاديث كثيرة.
والمقصود من هذا الحديث هنا: أنّ الفقيه الموصوف بالأوصاف المعيّنة، منصوب من قبل أئمتنا(عليهم السلام)، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله:«فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، وهذه استنابة على وجه كلّي.
ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادق(عليه السلام); لأنّ حكمهم وأمرهم(عليهم السلام)واحد، كما دلّت عليه أخبار أُخرى.(901)
وقال في «جامع المقاصد»: الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء.
لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والإفتاء، والصلاة أمر خارج عنهما.
لأنّا نقول: هذا في غاية السقوط; لأنّ الفقيه منصوب من قبلهم(عليهم السلام)حاكماً كما نطقت به الأخبار، وقريباً من هذا أجاب المصنّف وغيره.(902)
وله كلام مبسوط في الرسالة الخراجية حيث قال:
فإن قلت: فهل يجوز أن يتولّى من له النيابة حال الغيبة ذلك، أعني الفقيه الجامع للشرائط؟
قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً، ولكن مَن جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود، وغير ذلك من توابع منصب الإمامة، ينبغي تجويزه لهذا (الخراج) بالطريق الأولى; لأنّ هذا أقل منه خطراً، لا سيما والمستحقون لذلك موجودون في كلّ عصر، إذ ليس هذا الحق مقصوراً على الغزاة والمجاهدين كما يأتي.
ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيّد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدّمين والمتأخرين نصير الحقّ والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر وغيرهم رضوان اللّه عليهم، نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في أنّهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويبيحون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما يعتقدون صحته.(903)
وأضاف قائلاً: وما زلنا نسمع خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين، ما هو من جملة الشواهد على ما ندّعيه، والدلائل الدالة على حقيقة ما ننتحيه.(904)
ومتى خفي شيء، فلا يخفى حال أُستاذ العلماء والمحقّقين، والسابق في الفضل على المتقدّمين والمتأخّرين، العلاّمة نصير الملّة والحقّ والدين، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه نفسه وطهّر رمسه، وأنّه كان المتولّي لأحوال الملك والقائم بأعباء السلطنة، وهذا وأمثاله إنّما يصدر عن أوامره ونواهيه.
ثم انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن المطهّر(قدس سره)، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.
ولو شئتُ أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً .(905)
وبهذا ترى أنّ المحقّق الكركي يقول بولاية الفقيه بعامة مراتبها من دون أن يخص ولايته ببعض دون بعض، لأنّه أعتلى منصة الحكم ولمس الحاجة عن كثب.
2. قال المحقّق النراقي: كلّ فعل متعلق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم لابدّ من الإتيان به ولا مفرّ منه: إمّا عقلاً، أو عادة من جهة توقف أُمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه وإناطة انتظام أُمور الدين أو الدنيا، أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم، أو دليل آخر أو ورد الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعيّن واحد أو جماعة ولا لغير معيّن أي واحد لا بعينه، بل علم لابدية الإتيان به أو الإذن فيه ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه والإتيان به.(906)
ويستفاد من كلامه أمران:
الأوّل: كلّ فعل عيّن الشارع القائم به وسمّاه، نظير: النفقة على الأولاد والزوجة والأبوين فقد جعل تلك الفرائض على الأب والجد فلا يتدخل فيها أحد.
الثاني: أنّ كلّ فعل متعلّق بأُمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابدّ من تحقّقه إمّا عقلاً أو عادة أو شرعاً أو لأجل الإجماع أو غيره، ولم يشخّص في الشرع مَن يقوم به، فهو على عاتق الفقيه الجامع للشرائط، وبتعبير أدبي كلّ فعل اجتماعي لازم التحقّق لم يسم فاعله فهو على عاتق الفقيه، إذ هو القدر المتيقن من بين أفراد المجتمع لا غيره.
3. قال صاحب الجواهر عند البحث في جواز إقامة الحدود للفقيه ـ وإن تأمّل فيه بعضهم ـ : فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمّل المراد من قولهم: «إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة» ونحو ذلك ممّا يُراد منه نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته في «المراسم» بتفويضهم(عليهم السلام)لهم في ذلك.
ثمّ قـال: نعـم لم يـأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأُمور الّتي يعلمون عدم حاجتهم إليها كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأُمراء ونحو ذلك، ممّا يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه، وإلاّ لظهرت دولة الحقّ كما أومأ إليه الصادق(عليه السلام)بقوله:«لو أنّ لي عدد هذه الشويهات ـ و كانت أربعين ـ لخرجت».
ثم قال: وبالجملة فالمسألة من الواضحات الّتي لا تحتاج إلى أدلة.(907)
4. وقال الشيخ الأنصاري، ما هذا حاصله:
الأول: أن يكون الفقيه مستقلاً في التصرف فيما يرجع إلى حوزة الشريعة، نظير ذلك:
1. طلب الفقيه الخمس والزكاة من المكلّف فيجب دفعه إلى الفقيه بعد المطالبة.
2. طلب الأموال لأجل حفظ الثغور أو رفع المجاعة.
3. أخذ الأموال من الناس لحفظ دمائهم وأموالهم من الأعداء.
4. استخدام المواصلات بلا رضا أصحابها في الحالات الضرورية.
5. قتل المسلمين إذا تترّس بهم الكفّار.
6. فرض الضرائب على الأموال.
7.وبكلمة جامعة، تأسيس الحكومة والقيام بلوازمها التي لا تنفك عن التصرف في الأموال والنفوس.
إلى غير ذلك من الأُمور التي تصب في صالح المسلمين، وقد استدل له بروايات نظير:
1. انّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها أخذ بحظ وافر.(908)
2. انّ العلماء أُمناء الرسل، وفي الكافي: الفقهاء أُمناء الرسل.(909)
وأمثال هذه الروايات، فقال في شأنها: الإنصاف بعد ملاحظة سياقها وصدرها وذيلها يقتضي الجزم بأنّها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة في كونهم أولى بالناس في أموالهم.ولو فرض العموم فيما ذكر من الأخبار وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة من وظيفته من حيث كونه رسولاً مبلغاً، وإلاّ لزم تخصيص أكثر أفراد العام لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلاّ في موارد قليلة (كالتصرف في أموال الغُيب والقُصَّر) فإقامة الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام (عليه السلام)إلاّ ما خرج بالدليل، دونه خرط القتاد.
الثاني: توقّف تصرف الغير على إذنه فيما كان متوقّفاً على إذن الإمام، بأن يقوم إذن الفقيه مقام إذن الإمام (عليه السلام).
ثمّ إنّه ذكر هنا ضابطة وحاصلها: أنّ كل معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج (خرج ما لم تعلم إرادة وجوده في عصر الغيبة كالجهاد الابتدائي وإجراء الحدود كالقصاص ونحوه)، وعلى ضوء ذلك فقد خصّ دائرة الولاية بما علمت إرادة الشارع وجوده في الخارج لا ما شك، وبذلك يفترق عن القول بالولاية المطلقة للفقيه، فهو على أقسام:
أ. علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء اللّذين هما وظيفة المجتهد والقاضي، أو علم كونه وظيفة كل من يقدر على القيام به من المسلمين كالأمر بالمعروف وإرشاد الجاهل، فلا شك أنّ هذه الموارد ليست مشروطة بنظر الفقيه.
ب. علم أنّه مشروط بنظر الفقيه إمّا في وجوبه أو صحّته فيجب الرجوع إلى الفقيه في عصر الغيبة، كالتصرف في أموال القصَّر والغيّب، وهذا القسم لم يذكره الشيخ ولكن يفهم من سياق كلامه.
ج. لم يعلم شيء من الطرفين واحتمل كونه مشروطاً في وجوده (كالقصاص) أو وجوبه (كالأمر بالمعروف إذا انجر إلى ضرب التارك وجرحه) إلى نظر الفقيه فيجب الرجوع إليه.
ثمّ إنّ الفقيه إن علم من الأدلة جواز تولّيه، لعدم إناطته بنظر خصوص الإمام أو نائبه الخاص، تولاّه الفقيه مباشرة أو استنابة; وإن لم يعلم الفقيه جواز تولّيه، عطّله ولم يقم به. ومحصل كلامه: أنّ ولاية الفقيه مركّزة في الأُمور التي «علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج» وأمّا الأُمور التي لم يعلم إرادة وجوده في الخارج، فهو خارج عن حدود ولايته.
فإن قلت: إذا كان الشيء معروفاً كيف يكون منوطاً بنظر الإمام المعصوم (عليه السلام)؟
قلت: كونه معروفاً لا ينافي إناطته بنظر الإمام، والحرمان منه عند فقره كسائر البركات التي حرمناها بفقده.
ومرجع هذا إلى الشك في كون المطلوب مطلق وجوده أو وجوده من موجد خاص.
ثم استدل على وجوب الرجوع في القسم الثالث بمقبولة عمر بن حنظلة والتوقيع المروي في إكمال الدين، أعني: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه».(910)
فإنّ المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأُمور التي لابد من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، كالنظر في أموال القاصرين لغيبة أو موت أو صغر أو سفه.
5. قال السيد المحقّق البروجردي: كون الفقيه العادل منصوباً من قبل الأئمّة (عليهم السلام)لمثل تلك الأُمور العامة المهمة الّتي يبتلى بها العامّة ممّا لا إشكال فيه إجمالاً بعد ما بيّناه، ولا يحتاج في إثباته إلى مقبولة عمر بن حنظلة، غاية الأمر كونها ـ أيضاً ـ من الشواهد.(911)
نكتفي بهذه الكلمات لفقهائنا المتأخّرين ، فإنّ الاستيعاب لا يسعه المجال.
تصحيح ممارسة الفقيه الجامع للشرائط
لتصحيح ممارسة الفقيه الجامع للشرائط طريقين:
الأوّل: الرجوع إلى الروايات الّتي استدلّ بها على ولاية الفقيه. وهذا هو الذي سلكه الأعاظم منذ عصر المحقّق الثاني إلى يومنا هذا، وبسط الكلام فيه سيدنا الأُستاذ (قدس سره).
الثاني: استكشاف ضرورة وجود القوة التنفيذية من خلال دراسة الأحكام الّتي يتوقّف تحقيقها في الخارج على وجود سلطة وجهاز ينفذها في المجتمع، وقد عبّر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)عن هذه السلطة بالإمام أو الوالي أو السلطان. والقائم بهذه الأُمور يتردد بين كونه فقيهاً بصيراً عالماً بالأحكام الإسلامية قادراً على التنفيذ، وأعم منه ومن غير الفقيه وإن كانت له بصيرة في إدارة المجتمع ولباقة في السياسة والقدر المتيقن هو الأوّل، كما هو الحال فيما إذا دار الأُمر بين التعيين والتخيير. والفرق بين الطريقين أنّ الفقيه على الوجه الأوّل يمارس الأمور ولاية، وأمّا على الوجه الثاني فإنّما يمارسها حسبة، كما سيتضح في محله.
وها نحن ندرس موضوع صحة ممارسة الفقيه من خلال كلا الطريقين.
الطريق الأوّل: ولاية الفقيه وأدلتها الروائية
استدلّ القائلون بولاية الفقيه بروايات عديدة ندرسها تباعاً:
ما دلّ على جعل الفقيه قاضياً وحاكماً
دلّت الروايات الثلاث ـ الّتي سنتلوها عليك ـ على منع الشيعة من الرجوع إلى القضاة المنصوبين من قِبَلِ الحاكم الجائر، ووجوب الرجوع في قضاياهم إلى الفقيه الإمامي العارف بالأحكام، وإليك ما يدلّ على ذلك:
الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحُصَين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: «مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت،وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى:(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(912)»، قلت: كيف يصنعان؟ قال: «ينظران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا راد على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».(913)
والسند لا غبار عليه ورواته كلهم ثقات أجلاء وليس في السند مَن يُتكلم فيه إلاّ عمر بن حنظلة وهو ثقة على الأقوى ولو لم تثبت وثاقته، فالرواية قد تلقّاها العلماء بالقبول ولذلك سُمّيت مقبولة، وهي المدار في كتاب القضاء، مضافاً إلى أنّ إتقان الرواية كاشف عن صدورها عن الإمام، والرواية وإن قطّعها صاحب الوسائل في أبواب مختلفة لكن رواها الكليني في موضع واحد.(914)
هذا هو السند وأمّا الدلالة فإنّ الدقة في الصفات التي عُرّف بها القاضي لا تنطبق إلاّ على الفقيه المجتهد حيث قال: «مَن كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حرامنا وحلالنا وعرف أحكامنا» فالمراد معرفة الأحكام الواقعية لا الظاهرية ولا يتحقّق ذلك إلاّ بملكة راسخة يميّز الفقيه بها الحاكم عن المحكوم، والوارد عن المورود، ويجمع بين المطلق والمقيّد، ويميّز العام عن الخاص، وما صدر تقية عن غيره، إلى غير ذلك من الخصوصيات الّتي تؤثر في تمييز الحكم الواقعي عن غيره.
الثانية: مشهورة أبي خديجة الأُولى
روى الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه (عليه السلام)إلى أصحابنا، فقال: «قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى (بينكم) في شيء من الأخذ والعطاء، أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً، قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(915)
وسند الشيخ في التهذيبين إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح، والسند لا غبار عليه، والرواة كلّهم ثقات، وأمّا أبو الجهم فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق(عليه السلام)ولمّا بلغه خبر موته قال الصادق(عليه السلام)في حقه:«أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه وأمير المؤمنين».(916)
نعم يبقى الكلام في نقل الحسين بن سعيد الأهوازي عن أبي الجهم بلا واسطة، فإنّ الأوّل من أصحاب الرضا والجواد والهادي(عليهم السلام)وتوفّي الإمام الرضا (عليه السلام)عام 203هـ والإمام الجواد(عليه السلام)عام 220هـ والإمام الهادي(عليه السلام)عام 254 هـ ، فكيف تصح روايته عمّن توفّي (بكير بن أعين) في عصر الإمام الصادق الّذي توفي عام (148هـ)، ففي السند سقط؟!
فسقطت الواسطة بين الحسين بن سعيد و أبي الجهم ولكن يمكن استظهار الواسطة الساقطة من سائر الروايات الّتي نقلها الحسين بن سعيد عن بكير بن أعين بوسائط، فبملاحظتها يُعلم أنّ الواسطة الساقطة هي أحد هؤلاء الأعلام. وإليك أسماء الوسائط بين الحسين بن سعيد وبكير بن أعين:
أ. حريز بن عبد اللّه عن بكير.(917)
ب. ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن بكير.(918)
ج. حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن بكير.(919)
د. صفوان بن عبد اللّه بن بكير عن أبيه بكير بن أعين.(920)
هـ . حمّاد بن عيسى عن عمر بن أُذينة عن بكير.(921)
وهؤلاء كلّهم إمّا إمامي ثقة أو فطحي موثّق كعبد اللّه بن بكير.
وسيوافيك الكلام في أبي خديجة.
الثالثة: المشهورة الأُخرى لأبي خديجة
روى الصدوق في الفقيه باسناده عن أحمد بن عائذ بن حبيب الأحمسي البجليّ الثقة عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام):«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(922)
وسند الصدوق في «الفقيه» إلى أحمد بن عائذ صحيح، وأمّا أحمد بن عائذ فقد وصفه النجاشي بقوله: مولى، ثقة، كان قد صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه، وعدّه الشيخ من أصحاب الباقر والصادق(عليهما السلام).(923)
غير أنّ فيما ذكره الشيخ نظراً واضحاً لأنّه لم ينقل عن الباقر والصادق (عليهما السلام)شيئاً وإنّما نقل عن أبي الحسن(عليه السلام)وهو مردد بين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، ولذلك يروي عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر (المتوفّى عام 221 هـ ) وغيره من الأعلام المتأخّرين، وبذلك يُعلم دفع ما أُثير(924) من شبهة حول المشهورة وهي أنّ أبا خديجة كان خطّابياً ثم تاب، ومن المحتمل أنّ أحمد بن عائذ أخذ الحديث عنه عندما كان خطابياً.
وقد تبيّن اندافعها، وذلك لأنّه تاب عن الخطّابية في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)كما سيوافيك، وقد علمت أنّ أحمد بن عائذ روى عنه في عصر متأخر.
ذكر الكشي وقال: كان سالم من أصحاب أبي الخطاب وكان في المسجد يومَ بعثَ عيسى بن موسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس وكان عامل المنصور على الكوفة إلى أبي الخطاب لما بلغه أنّهم قد أظهروا الإباحات ودعوا الناس إلى نبوة أبي الخطاب، فبعث إليهم رجلاً فقتلهم جميعاً، فلم يُفْلِت منهم إلاّ رجلٌ واحد وأصابته جراحات فسقط بين القتلى يُعدّ فيهم فلما جنّه الليل خرج من بينهم فتخلّص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمّال الملقّب بأبي خديجة، فذكر بعد ذلك: أنّه تاب وكان ممّن يروي الحديث.(925)
أضف إلى ذلك أنّه من البعيد جدّاً أن يروي أحمد بن عائذ عن رجل خطابي يرى النبوة لأبي الخطاب، وبه يندفع الإشكال ذاته عن المشهورة الأُولى حيث إنّ أبا الجهم أعني بكير بن أعين، أعلى وأفضل من أن يروي عن خطابي بقي على ضلاله وإنّما نقل عنه بعد أن تاب.
حتّى أنّ الكشي قال: كما مرّ (أنّه تاب وكان ممّن يروي الحديث) فظاهره أنّه يروي الحديث بعد توبته.
وأمّا الاختلاف بين الروايتين الأُوليين والثالثة حيث إنّهما ظاهران في المجتهد المطلق، إذ ورد فيهما «عرف أحكامنا» وفي الثالثة ورد«يعلم شيئاً من قضايانا» فليس بمضر إذ من المحتمل جواز قضاء المتجزئ أيضاً كما هو ليس ببعيد. وعلى فرض عدم الجواز، يؤخذ بالقدر المتيقن.
في كيفية ممارسة الفقيه أمر القضاء
يقع الكلام في كيفية ممارسة الفقيه أمر القضاء، فهنا احتمالات:
1. أن تكون الولاية للإمام، والفقيه وكيلاً عنه في القضاء.
2. أن تكون الولاية للفقيه أيضاً مادام الإمام حيّاً، وتكون ولايته في القضاء في طول ولاية الإمام.
3. أن تكون الولاية له من غير تقيّد بحياته فيكون قاضياً بعد وفاته نظير نصب القيّم للأطفال حيث لا تبطل القيمومة بفوت الناصب.
4. أن يكون الفقيه منصوباً للقضاء من قبل اللّه سبحانه، نظير ولاية الأب والجد حيث إنّهما منصوبان من قبل اللّه بلا واسطة.
وتختلف الآثار حسب اختلاف الفروض.
فعلى الأوّل تبطل وكالته بموت الإمام شأن كلّ وكالة إذا مات الموكل.
وعلى الثاني تنتهي مدة القضاء بموت الإمام.
وعلى الثالث يبقى على منصبه وإن مات الإمام، ولا يعد ذلك من مقولة تصرف الإمام المتوفّى في أُمور الإمام الحيّ، لأنّ النصب كان متقدماً على إمامة الإمام الحيّ والتصرف من آثار النصب.
وعلى الرابع تستمر ولايته نظير ولاية الأب والجد.
والمتبادر من الأدلة كونها من القسم الثالث وإن كان الرابع محتملاً.
فإن قلت: إنّ إعطاء المنصب يتوقّف على وجود الموضوع فالجعل لا يشمل سوى الموجودين في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
قلت: ما ذكرته مبني على أنّ المجعول من قبيل القضايا الخارجية الّتي لا تشمل سوى الموجودين كقولنا: قتل من في العسكر ونهب ما في الدار، ولكن المجعول من قبيل القضايا الحقيقية الّتي تعم الموجود والمعدوم، والموجود في ظرفه نظير الوقف على البطون اللاحقة، فإنّ كلّ بطن لاحق يتلقّى الملك من نفس الواقف لا من البطن السابق.
أضف إلى ذلك أنّ الإمام بصدد رفع حاجة الشيعة فيما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة، والحاجة أمر مستمر عبر القرون فلازم ذلك بقاء الجعل مادام الملاك موجوداً.
إلى هنا تمت دراسة السند والمضمون إجمالاً، بقي الكلام في دلالة الروايات على ولاية الفقيه في إطار أوسع وإلاّ فولاية القضاء ليست أمراً مختلفاً فيه فنقول:
دلالة الروايات على سعة الولاية
إنّ الإمام(عليه السلام)وإن حرّم الرجوع إلى قضاة الجور، لكنّه وضع بدلاً لذلك، وهو الفقيه الجامع للشرائط، وأمر شيعته بالرجوع إليه في كافة الأُمور الّتي كان الناس يرجعون فيها إلى القضاة، فالإمام(عليه السلام)وإن خطّأهم في الرجوع إلى القاضي المنصوب من قبل الحاكم الجائر، ولكنّه لم يخطئ في نوعية الرجوع وإنّما خطّأ في المصداق، وعلى ذلك فلو عرفنا الأُمور الّتي كان الناس آنذاك يرجعون إلى القضاة فيها فعلى الشيعة أن يرجعوا فيها إلى الفقيه.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام أعطى منصباً رسمياً للفقيه في ذات الأُمور الّتي كان القضاة مرجعاً فيها في ذلك الزمن، فلو عرفنا عناوين هذه القضايا عن طريق رواياتنا نجزم بثبوت ولاية الفقيه فيها، وبذلك نستطيع أن نعرف حدود ولايته.
وربّما يتبادر إلى الذهن أنّ قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» ظاهر في أنّ المجعول أوسع من منصب القضاء فالفقيه قاض وفي الوقت نفسه حاكم أيضاً فلابدّ من الرجوع إليه في الأُمور الّتي كان الحكام آنذاك مراجع لها.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام أعطى للفقيه منصبي القضاء والحكم.
لكن الاستظهار غير صحيح، لأنّ إطلاق «الحاكم» على خصوص الوالي أو السلطان من مصطلحات المتأخّرين، والظاهر أنّ المراد هو القاضي بشهادة استعماله في الكتاب والسنة فيه، قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَموالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكّامِ)(926)، والمراد هو إعطاء الرشوة إلى القضاة، وأمّا استعمال الحاكم في الروايات في القاضي فكثير.(927)
ولنذكر الأُمور الّتي كانت القضاة يومذاك مرجعاً فيها:
1. لوازم القضاء وتبعاته
لا شكّ أنّ القضاء وفصل الخصومات يتوقّف في عامة العصور على أُمور كإحضار المدعى عليه، وحبسه إلى حين إصدار الحكم، وبيع مال المنكر إذا امتنع عن الأداء، أو غيرها من الأُمور الّتي يتوقف عليها القضاء وفصل الخصومات.
ولا غرو في أنّ لوازم القضاء تتسع يوماً بعد آخر، فللفقيه الولاية على القيام بها حتّى يتبيّن الحق، ويعود إلى أصحابه، كلّ ذلك بحجة أنّ الإمام(عليه السلام)قد خطّأهم في المصداق، لا في عناوين القضايا وخصوصياتها، فمهما اتّسعت دائرة القضاء وتوقّف القضاء على تحقيق أُمور فللفقيه أن يقوم بها بصفة أنّه قاض منصوب من قِبل الشرع.
2. التصدي لأُمور الصغار المختلفة
دلّت غير واحدة من الروايات على أنّ الناس في عصر الأئمّة (عليهم السلام)كانوا يرجعون في أُمور الصغار إلى قضاة البلد، فلو ثبت هذا بطريق صحيح فللفقيه التصدي لأُمور الصغار بما أنّه قد عُيّن قاضياً شرعياً من قبل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
1. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد، القيّم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صيّر إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي، لأنّهن فروج.
قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام)وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا، ولا يوصي إلى أحد، ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلاً منا فيبعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لأنّهن فروج، فما ترى في ذلك؟
قال: فقال: «إذا كان القيّم به مثلك، ومثل عبد الحميد فلا بأس».(928)
والرواية دالة على أنّ الناس كانوا راجعين في أُمور الصغار ومتاعهم وجواريهم إلى القضاة. وانّ القاضي يعيّن القيم لهم إذا لم يوص الأب بأحد.
2. روى الشيخ عن إسماعيل بن سعد قال: سألت الرضا(عليه السلام)عن رجل مات بغير وصية وترك أولاداً ذكراناً وغلماناً صغاراً وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: «نعم».
وعن الرجل يصحب الرجل في سفر فيحدث به حدث الموت، ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار، أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه إلى ولده الأكابر أو إلى القاضي، وإن كان في بلدة ليس فيها قاض كيف يصنع؟ وإن كان دفع المتاع إلى الأكابر ولم يعلم فذهب فلم يقدر على رده كيف يصنع؟ قال: «إذا أدرك الصغار وطلبوا لم يجد بدّاً من إخراجه إلاّ أن يكون بأمر السلطان».(929)
والرواية تشهد على أنّ دفع الأموال إلى القاضي في الظروف الواردة فيها الرواية كان أمراً رائجاً لكن تردد الراوي لأجل عدم إحراز صلاحية القاضي المنصوب أو فقدانه.
3. روى عبد الرحمن بن الحجاج عن خالد الطويل قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة، فقال: يا بُني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان، فقدمتني أُمّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إنّ هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصتُ عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثم أشهد عليّ ابن أبي ليلى أنا حركته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)فقصصت عليه قصتي، ثمّ قلت له: ما ترى؟ فقال: «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان».(930)
والرواية تشهد بأنّ الناس يرجعون في أُمور أموال الصغار إلى القضاة، ويشهد له قول ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه (أي لا أنفذه)، إلى غير ذلك من الروايات الّتي يقف عليها المتتبع.
ومن المعلوم أنّ الأُمور المرتبطة بالصبي الفاقد للولي تتنوع حسب تقدّم الزمان واختلاف البيئات فيقوم القيّم ببيع ماله والشراء له واعمال الخيار والأخذ بالشفعة، الّتي تجمعها الولاية على الأموال.
3. التصدي لأُمور الغائب
لا شكّ أنّ الناس في العهود السابقة وفي عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يرجعون في أُمور الغائب إلى القاضي والسيرة المستمرة تكشف عن وجودها في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد ورد في المرأة المفقود زوجها رفع أمرها إلى الحاكم، ففي صحيحة بُريد بن معاوية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ فقال: «ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها، وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجّلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الّذي فقد فيه فليُسأل عنه فإن خُبّر عنه بحياة صبرتْ وإن لم يُخبر عنه بحياة حتّى تمضي الأربع سنين دعا ولي الزوج المفقود، فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان للمفقود مال أنفق عليها، حتّى تُعلم حياته من موته. وإن لم يكن له مال قيل للوليّ: أنفق عليها، فإن فعل فلا سبيل لها إلى أن تتزوج ما أنفق عليها، وإن أبى أن ينفق عليها، أجبره الوالي على أن يطلّق تطليقة في استقبال العدّة وهي طاهر، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدّتها من يوم طلّقها الوليُّ، فبدا له أن يراجعها فهي امرأته، وهي عنده على تطليقتين، وإن انقضت العدّة قبل أن يجيء، ويراجع، فقد حلّت للأزواج، ولا سبيل للأوّل عليها».(931)
والظاهر أنّ المراد من الوالي هو القاضي أو من يجمع بين المنصبين، لأنّ المرجع في الأُمور العائلية هو القاضي فهو الّذي يأمر بالإنفاق ويكتب إلى الآفاق. ويأمر الوليّ بالطلاق ويحدده. ويؤيد الثاني ورود السلطان في بعض الروايات.(932)
روى جميل بن درّاج عن جماعة من أصحابنا عنهما(عليهما السلام)، قالا: «الغائب يُقضى عليه إذا قامت عليه البيّنة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلاّ بكفلاء».(933)
ولصاحب الجواهر كلام في المقام معناه عدم لزوم الجمود على القضاء وأنّ الإمام صار ببيان به ما ينتظم أُمور الشيعة وحوله إلى الفقيه، قال: ولا تأمل المراد من قولهم: إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة ونحو ذلك، ممّا يراد منه نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأُمور الراجعة إليهم، ولذا جزم صاحب المراسم بتفويضهم لهم في ذلك.(934)
وبعبارة واضحة: لو كان الإمام مبسوط اليد كان على الشيعة الرجوع إلى الإمام، وفي زمان الغيبة لم يتركهم الإمام بلا مرجع فعيّن لهم المرجع. ومن هنا يُعلم حكم السفهاء والمجانين فسيرة المسلمين في جميع الأعصار الرجوع في أُمورهم إلى القاضي.
4. ولايته في إجراء الحدود الشرعية والتعزيرات
كانت القضاة في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يقومون بإجراء الحدود الشرعية، فإذا نُزّل الفقيه الجامع للشرائط منزلة القاضي يكون له إجراء الحدود والتعزيرات.
هذا هو مجمل الكلام، وإليك التفصيل في ضمن أُمور:
الأوّل: غير خفي أنّ لإجراء الحدود مصالح واقعية يسود بها الأمن في المجتمع وتصان الأموال به وتحفظ الأعراض والدماء.
وقد أشار إليه النبي الأكرم، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إقامة حد خير من مطر أربعين صباحاً».(935)
الثاني: أنّ المشهور بين فقهاء الإمامية أنّ إجراء الحدود ليس من خصائص الإمام المعصوم فقط ، بل هو أيضاً من خصائص الإمام العادل، كالفقيه الجامع للشرائط، فقد ذهب المشاهير من فقهاء الإمامية إلى أنّه يجوز للفقهاء العارفين بالأحكام الشرعية إقامة الحدود في حال غيبة الإمام (عليه السلام)كما يجب لهم الحكم بين الناس ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك، ولم ينقل الخلاف إلاّ عن ثلاثة: ابن زهرة وابن إدريس وسلاّر، وفي الجواهر أنّه لم يتحقّق خلافهم.(936) هذا كلامه وقريب منه كلام غيره.
الثالث: وردت روايات تدلّ على أنّ إجراء الحدود كان بيد القضاة في أعصارهم (عليهم السلام)ومن هذه الروايات ما يلي:
1. روى الصدوق عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): مَن يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟ فقال: «إقامة الحدود إلى من إليه الحكم».(937) والمراد من الحكم، هو القضاء.
2. ما رواه أصبغ بن نباتة عن علي(عليه السلام)قال: وقضى أمير المؤمنين: «أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين».(938)
3. ما رواه علي بن عقبة، عن أبيه عقبة بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لو رأيت غيلان بن جامع...» إلى أن قال: «يا غيلان تجمع بين المرء وزوجه؟» قال: نعم، قلت: وتفرق بين المرء وزوجه؟ قال: نعم، قلت: وتقتل؟ قال: نعم، قلت: وتضرب الحدود؟ قال: نعم، قلت: وتحكم في أموال اليتامى؟ قال: نعم، قلت: وبقضاء من تقضي؟ قال: بقضاء عمر وبقضاء ابن مسعود وبقضاء ابن عباس وأقضي من قضاء أمير المؤمنين بالشيء. وللحديث صلة فلاحظ.(939)
4. روى الشيخ عن داود بن فرقد قال: حدّثني رجل عن سعيد بن أبي الخضيب البجلي قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزاملة حتّى جئنا إلى المدينة فبينما نحن في مسجد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)إذ دخل جعفر بن محمد(عليهما السلام)فقلت لابن أبي ليلى: تقوم بنا إليه؟ قال: وما نصنع عنده؟ فقلت: نسائله ونحدثه، فقال: قم، فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي، ثم قال: «مَن هذا معك؟» فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين.
فقال: «أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟» فقال: نعم. فقال: «تأخذ مال هذا فتعطيه هذا وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه ولا تخاف في ذلك أحداً؟» قال: نعم.(940)
5. روى الشيخ عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليه السلام)أنّه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حدّ ولا غيره حتّى وليّت بنو أُمية فأجازوا بالبينات.(941)
وهذه الأحاديث برمتها تدلّ على أنّ إجراء الحدود كان بيد القضاة يوم صدور هذه الروايات، فإذا نزّل الفقيه منزلة القاضي فمقتضاه ممارسته لكلّ ما كان القضاة يمارسونه.
أضف إلى ذلك نكتة أُخرى وهو أنّ إجراء الحدود لا ينفك عن القضاء، سواء أكان في حق اللّه أم في حقوق الناس، إذ المرجع في هذه المسائل هو القاضي خصوصاً فيما يرجع إلى السرقة والخيانة وغيرهما.
نعم ربّما يتصور اختصاص إجراء الحدود بالإمام المعصوم من بعض الروايات نظير ما رواه الكليني عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «لا يعفى عن الحدود الّتي للّه دون الإمام فأمّا ما كان من حقوق الناس في حدّ فلا بأس بأن يعفى عنه دون الإمام».(942)
أقول: والظاهر أنّ المراد من الإمام هو القاضي العادل لا الإمام المعصوم، وقد أطلق الإمام في بعض الروايات على مَن بيده زمام الأُمور.
قال علي(عليه السلام): «على الإمام أن يعلم أهل ولايته حدود الإسلام والإيمان».(943)
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ الإمام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلا مهور النساء».(944)
وقال الإمام الرضا(عليه السلام): «المغرم إذا تدين أو استدان في حق أُجّل سنة، فإن اتسع وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال».(945)
إلى غير ذلك من الروايات الّتي تدلّ بوضوح على أنّ المراد من الإمام من بيده الأمر عظيماً كان أو غير عظيم. إذ لو أُريد من الإمام، المعصوم يلزم خلو النقاط الكثيرة عن القيام بهذه الأُمور، بخلاف ما لو أُريد الإمام العادل فيغط عامة النقاط.
روي أنّه لمّا حج إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين ومائة (وكان أمير الحاج) فسقط أبو عبد اللّه الصادق(عليه السلام)عن بغلته فوقف عليه إسماعيل (أي توقّف) فقال له الصادق(عليه السلام): «سر فإنّ الإمام لا يقف».(946)
وبذلك يظهر مفاد قسم من الروايات الّتي ورد فيها لفظ الإمام، فهو محمول على الإمام العادل، إلاّ إذا وجدت قرينة على أنّ المراد هو الإمام المعصوم.
5. ولايته في رؤية الهلال
ويستفاد من بعض الروايات أنّ حكم الخليفة في رؤية الهلال كان نافذاً بين الناس. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم إذا كان شهدا قبل زوال الشمس.(947)
ويستفاد ممّا رواه العلاّمة المجلسي في البحار أنّ أمر الهلال كان بيد الخليفة ومن نصبه، فقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنّه دخل على المنصور الدوانيقي، وقال: «ذلك إلى الإمام إن صام صمناً وإن أفطر أفطرنا».(948)
ومن المعلوم أنّ الخليفة كان يحكم بالمدينة، وأمّا سائر البلاد فقد كان أمر الهلال بيد المنصوبين من قبله من الولاة والقضاة، وبما أنّ الإمام نزل الفقيه منزلة القاضي فيدل على حجية حكمه في أمر الهلال.
6. ولايته في مورد المعاملات
إنّ ولاية الفقيه المستمدة من كونه قاضياً لها سعة توجب إعمال الولاية في كثير من الأبواب التي كان المرجع فيها في عصر الأئمة(عليهم السلام)هو القضاة، نظير:
أ. باب الإجارة عند وجود الترافع بين الموجر والمستأجر بأنواعه.
ب. باب الوصية إذا لم يكن له موص ولكن أوصى ببيع الدار وصرف ثمنها في مصرف خاص، أو ثبتت خيانة الوصي.
ج. باب العارية والوديعة في موضع الترافع.
د. باب الشفعة وأخذ المال للصبي بالشفعة.
هـ . باب النكاح في تزويج الصغيرة وبذل المهر على القول بهما.
و. باب الطلاق في الزوجة الغائب عنها زوجها.
ح. باب البيع في مورد أموال الصغار، وبيع مال المحتكر عام المجاعة.
ط. باب في الأوقاف العامة إذا ثبتت خيانة المتولي.
إلى غير ذلك من الموارد الّتي يقف عليها المتتبع، فإنّ ما ذكرنا وما لم نذكره من الموارد كان الناس يرجعون فيها إلى القاضي، وقد قلنا: إنّ الإمام (عليه السلام)خطّأ المصداق ولكنّه أمضى أصل الرجوع.
7. ولايته في أخذ الزكوات والأخماس
إذا ثبت بالدليل أنّ أمر الزكوات والأخماس كان بيد القضاة فيكون دليلاً على ولاية الفقيه الجامع للشرائط عليهما، بل وعلى سائر الأُمور المالية وإلاّ فتكون مرجعية الفقيه بالنسبة إليهما، من باب الحسبة وهي الطريق الثاني لإثبات مشروعية تصرف الفقيه في هذه الأُمور، وسيوافيك تفصيله عند دراسة الطريق الثاني فانتظر.
إلى هنا تمت دراسة الروايات الثلاث فلندرس سائر ما استدل به على ولاية الفقيه من الروايات.
الرابعة: العلماء ورثة الأنبياء
روى الكليني بسند صحيح عن القداح عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه:«من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّه به طريقاً إلى الجنة... إلى أن قال: وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر».(949)
وقريب منه رواية أبي البختري مع اختلاف في التعبير.(950)
وقد استدل به بالنحو التالي: إنّ مقتضى كون الفقهاء ورثة الأنبياء ـ ومنهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وسائر المرسلين الذين لهم الولاية العامة على الخلق ـ انتقال كلّ ما كان لهم إليهم، إلاّ ما ثبت أنّه غير ممكن الانتقال، ولا شبهة في أنّ الولاية قابلة للانتقال، كالسلطنة الّتي كانت عند أهل الجور موروثة خلفاً عن سلف.(951)
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على عموم المنزلة في التنزيل ولكن الذيل حاك عن أنّ جهة التنزيل هو تعليم الدين وأنّهم خزّان علم اللّه سبحانه. أو أنّهم مراجع لتمييز الحق عن الباطل كما هو الحال في الأنبياء فقد ورد في ذيل حديث أبي البختري قوله(عليه السلام): «فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».(952)
وبعبارة أُخرى: لو كان المنزل عليهم هو نظير داود وسليمان أو غيرهما من الأنبياء(عليهم السلام)الذين أقاموا صرح الإمامة وجلسوا على منصّة الحكم والولاية كان لما ذكر من التعميم وجه، غير أنّ المنزل عليهم مطلق الأنبياء، ومن المعلوم أنّه لم يكن لجميعهم المراتب العليا من الولاية، فإنّ بعض الأنبياء كان مبعوثاً إلى أهل بيته وبعض آخر إلى نفسه.
وبعبارة ثالثة: إنّ هناك فرقاً بين تنزيل شخص منزلة شخص كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ففي هذه الصورة يثبت كلّ ما للمنزل عليه من المناصب للمنزل إلاّ ما خرج بالدليل كالنبوة وبين تنزيل طائفة منزلة طائفة مختلفين في المناصب والمقامات فعندئذ يؤخذ بالقدر المتيقن، وقد علمت أنّ القدر المتيقن هو كونهم مصادر الأحكام ومنابع العلم، أو كون أقوالهم وأفعالهم معايير لتمييز الحق عن الباطل فيؤخذ منهم العلم ويسترشد بعلومهم.
فإن قلت: كيف يصح قوله: «لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً» مع القول بأنّ أولاد الأنبياء يرثون آباءهم، قال سبحانه:(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاودَ).(953)
قلت: المراد من قوله: لم يورّثوا، أي ليس من شأنهم إيراث الدراهم والدنانير بأن يكونوا خزان المال فيتركوا أموالاً طائلة لأولادهم، لأنّهم لم يبعثوا لتلك الغاية بل بعثوا لمكافحة الجهل والأُمية فورّثوا العلم والمعرفة، وهذا لا ينافي ما إذا كان للنبي شيء من الأموال يرثه الوارث منهم من بعده شأن سائر الورّاث.
نعم وربّما يجاب بأنّ المراد من العلماء هم الأئمّة (عليهم السلام)، لكنّه حمل بلا قرينة.
الخامسة: مرسلة الفقيه
روى الشيخ الصدوق في «الفقيه» قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّه:ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي، يروون عنّي حديثي وسنتي».(954)
إنّ كثرة أسانيد الحديث ـ كما هو واضح لمن درس ورودها ـ تورث الاطمئنان بالصدور، وقد نقله بعض محدّثي السنة، ففي كنز العمال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «رحمة اللّه على خلفائي»، قيل: ومَن خلفاؤك يا رسول اللّه؟ قال: «الذين يحيون سنتي ويعلّمونها الناس».(955)
وأمّا كيفية الاستدلال فمبنية على أمرين:
1. انّ قوله(الَّذينَ يأْتُونَ...)عنوان مشير ومعرّف لمن يخلفه(صلى الله عليه وآله وسلم)وليس بصدد بيان«ما يُخلف فيه».
2. إطلاق الخلافة في الحديث يشمل جميع مناصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كان له منصب تبليغ آيات اللّه، والقضاء، والولاية، فهذه الشؤون الثلاثة تكون للعلماء من بعده، بل قد يقال بظهورها في الأمر الأخير، فإنّ الخلافة أمر معهود من أوّل الإسلام ليس فيه إبهام، فلو لم تكن ظاهرة في الولاية والحكومة فلا أقلّ من أنّها القدر المتيقن منها.
يلاحظ عليه: بأنّ العبارة ليست صريحة ولا ظاهرة في أنّ «رواية الحديث» بصدد التعريف لهم بل يحتمل أن تكون بصدد بيان وجه الخلافة. سلّمنا أنّ الرواية بصدد التعريف لكنّها ليست صريحة ولا ظاهـرة في أنّ وجه الخلافة هو الخلافة في الحكم والتصرف في الأموال والأنفس ، بل يكفي في وجه الخلافة هو كونهم خلفاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في تعليم الناس وإرشادهم بالأحاديث الّتي تلقوها عن النبي، سواء أكانوا رواة أم كانوا فقهاء والقول بأنّ لقوله: «خلفائي» إطلاقاً كما ترى.
أضف إلى ذلك: أنّ الرواية نبويّة فلو كان المقصود، جعل الخلافة والولاية للفقهاء يلزم من ذلك، ثبوت الولاية لهم في عرض ولاية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وتخصيـص ولايتهم بزمان الغيبة ـ مع كون الرواية صادرة عن النبي ـ كما ترى.
السادسة: التوقيع الرفيع
روى الصدوق(رحمه الله)في «كمال الدين» عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، عن محمد بن يعقوب الكليني(رحمه الله)، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أُشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه ـ أرشدك اللّه وثبّتك ـ من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنّه ليس بين اللّه عزّ وجلّ وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيلهُ سبيلُ ابن نوح (عليه السلام)، أمّا سبيل عمّي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف (عليه السلام).
أمّا الفقّاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب، وأمّا أموالكم فلا نقبلها إلاّ لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع فما آتاني اللّه خير ممّا آتاكم.
وأمّا ظهور الفرج فإنّه إلى اللّه تعالى ذكره، وكذبَ الوقّاتون.
وأمّا قول من زعم أنّ الحسين (عليه السلام)لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال.
وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم».(956)
أمّا السند: فمحمد بن محمد بن عصام من مشايخ الصدوق في «العيون» و «التوحيد» و «الفقيه» و قد ترضّى عليه هنا وفي نسخة الفقيه، وأمّا الكليني فهو أعرف من أن يعرّف، وأمّا إسحاق بن يعقوب فقد ذكر شيخنا المجيز التستري في قاموس الرجال أنّه أخو الكليني، فما في تعليق «كمال الدين» من أنّه مجهول الحال لم يوجد في الرجال ولا الكتب إلاّ في نظير هذا الباب، فمنظور فيه، وقد ورد في أوّل التوقيع دعاء الإمام له، وفي آخر التوقيع ورد: «السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى»، وبما أنّ الراوي نفس إسحاق بن يعقوب فلا يمكن الاعتماد على قول الراوي في الكلام الّذي ينقله عن الإمام في حقّ نفسه، إلاّ أنّ الراوي لمّا كان أخاً للشيخ الكليني فهو أعرف بحاله، فلا ينقل عنه هذا التوقيع بتفصيله، على أنّ مضمون الرواية يوافق بعض الروايات الأُخرى.
وأمّا الدلالة فقد استدل بفقرتين:
الفقرة الأُولى: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» فالظاهر منها إرجاع نفس الحادثة إلى الرواية ليباشروا أمرها مباشرة أو استنابة، لا إرجاع حكمها، وهو ينطبق على الحوادث الّتي ربما تواجه الشيعة، نظير ما إذا مات الرجل وترك صغاراً بلا قيّم، أو غاب وترك زوجة ولا خبر منه، فيثبت للفقيه نظير هذا المنصب. والقدر المتيقن، الحوادث الّتي تواجهها الشيعة وتقع بلا اختيار فالمرجع فيها هو الفقيه، وأمّا ما يوجدها الفقيه لأغراض دينية كتأسيس الحكومة، والتصرف في الأموال والأنفس لهذا الغرض، فلا يشملها التوقيع، لأنّها ليست من الحوادث الواقعة.
ومع ذلك كلّه فهناك احتمال آخر وهو الرجوع إليهم في حكم الموضوعات المستجدّة الّتي لم يوجد لها حل في الكتاب والسنة، ولا ينافي ذلك بأنّ المرجوع هو نفس الحوادث لا أحكامها، إذ ربّما يطلق إرجاع الحوادث ويراد إرجاع حكمها.
وربّما يقال في ردّ الاحتمال الثاني من أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء ما لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب حتّى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه، بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامة إلى رأي أحد ونظره فإنّه يحتمل أن يكون الإمام(عليه السلام)قد وكله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان.(957)
يلاحظ عليه: بأنّ البديهي هو الرجوع إلى العلماء في الموضوعات الّتي ورد حكمها في الكتاب والسنة، وأمّا الموضوعات المستجدة فليس الرجوع فيها إليهم أمراً بديهياً غير قابل للسؤال.
الفقرة الثانية: قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه عليهم».
وجه الاستدلال هو: أنّ هذا التعبير إنّما يناسب الأُمور الّتي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكأنّ هذا ـ كونهم حججاً ـ منصب أعطاه الإمام (عليه السلام)للفقيه مِن قِبَل نفسه لا مِنْ قبل اللّه سبحانه بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول: إنّهم حجج اللّه عليكم كما وصفهم في مقام آخر بـ«أنّهم أُمناء اللّه على الحلال والحرام».
أقول: ما ذكره لا يخرج عن حدّ الإشعار وإلاّ فلا مانع من أن يكون الفقيه حجة من جانب الإمام وفي الوقت نفسه حجة من جانب اللّه سبحانه، باعتبار انتهاء الحجّية الذاتية إلى اللّه سبحانه، نظير قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث الدار(في بدء الدعوة) مخاطباً لوجوه بني هاشم: «فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت(أي الإمام علي (عليه السلام)): أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوه».(958)
فإنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)حين كان خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان منصوباً من جانب اللّه سبحانه للخلافة أيضاً، وإن أبيت إلاّ عن دلالتها على ثبوت المنصب لرواة الأحاديث لكن حدود المنصب مجمل، فهل الثابت هو منصب الفتوى، أو ما هو أعم منه ومنصب القضاء، أو عامة المناصب حتّى التصرف بالأموال والنفوس، واللازم الأخذ بالقدر المتيقن، إذ ليس الحديث من هذا الجانب في مقام البيان.
السابعة: حديث مجاري الأُمور
روي في «تحف العقول» من كلام الحسين بن علي (عليهما السلام) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويروى ـ أيضاً ـ عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول:(لَوْلاَ يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ)(959)... ـ إلى أن قال: ـ ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه، الأُمناء على حلاله وحرامه».(960)
كيفية الاستدلال: أنّ مجاري جمع مجرى وهو مصدر ميمي، وليس اسم مكان وزمان فيكون المراد به أنّ إجراء الأُمور بيد العلماء.
ولكن التأمّل في صدر الحديث وذيله يدلّ على أنّ المراد من العلماء هم الأئمّة، والشاهد عليه في قوله (مندداً بالمخاطبين): فاستخففتم بحق الأئمة وأمّا حق الفقراء فقد ضيعتم... الخ.
وقوله ـ بعد تلك الفقرة ـ : «فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة في ذات اللّه كانت أُمور اللّه عليكم تُردَّ، وعنكم تَصدُر وإليكم تُرْجَع، ولكنّكم مكنّتم الظلمة من منزلتكم وأسلمتم أُمور اللّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون بالشهوات... ـ إلى أن قال: ـ اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام».
الثامنة: السلطان ولي من لا ولي له
قال الشيخ قد اشتهر في الألسن وتداول في بعض الكتب رواية: «أنّ السلطان ولي من لا ولي له».
أقول: قد ورد هذا الحديث في مسند أحمد بالشكل التالي: عن عائشة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أيّما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ثلاثاً ولها مهرها عمّا أصاب منها، فإن اشتجرا فإنّ السلطان ولي من لا ولي له».(961)
أقول: غاية ما يستفاد منه أنّ من له السلطة المطلقة في أُمور من لا ولي له كالمثال المذكور في الحديث ونظائره كالصغير إذا مات أبوه وليس له قيّم، أو زوجة غاب عنها زوجها عدة سنين، ففي مثل هذه الموارد، المرجع والقدرة هي بيد السلطان الذي يتمكن من نصب الولي وإلزام الآخرين على إطاعته، وأين ذلك من ولي الفقيه إذا لم تكن له سلطة ولو صار ذا سلطة فالعبرة بسلطته لا بكونه فقيهاً.
وإسراء ما للسلطة من الأحكام إلى الفقيه يحتاج إلى تنزيل الفقيه منزلة السلطان وليس بموجود، بخلاف تنزيل الفقيه منزلة القاضي، فالتنزيل فيه بصورة عموم المنزلة كما عرفت.
التاسعة: الفقهاء حصون الإسلام
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام)يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض الّتي كان يعبد اللّه عليها، وأبواب السماء الّتي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها».(962)
والحديث صحيح إلى علي بن أبي حمزة ، وهو وإن رُمي بالوقف أو كان واقفياً ولكن الأصحاب تلقّوا رواياته بالقبول، خصوصاً ما رواه قبل الوقف.
ورواه الكليني في موضع آخر بلا لفظ «الفقهاء».(963)
والسند صحيح والظاهر سقوط لفظ الفقهاء، وإذا دار الأمر بين النقص والزيادة فالنقص هو المتعيّن، إذ كثيراً ما يسقط من قلم الإنسان ما يجب أن يكتب، وأمّا أن يزيد الإنسان شيئاً في النص من غير وعي فقليل.
إنّما الكلام في دلالة الرواية فقد استقرب دلالتها سيدنا الأُستاذ (قدس سره)باللفظ التالي: إنّ الفقيه لا يكون حصناً للإسلام كسور البلد له إلاّ أن يكون حافظاً لجميع الشؤون من بسط العدالة وإجراء الحدود وسد الثغور وأخذ الأخاريج والضرائب وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة في الأصقاع، وإلاّ فصرف (بيان) الأحكام ليس بإسلام.(964)
والظاهر أنّ تشبيه الفقهاء بحصون المدنية هو أنّ منزلة العالم منزلة سورها، فكما أنّ السور يمنع من دخول العدو إلى داخل المدينة، فهكذا المؤمن الفقيه يمنع عن حياض الإسلام، البدعَ والشُّبه الّتي يحاول العدو إدخالها إلى صفوف المجتمع الإسلامي، وبهذا تُعلم مهمة الفقيه ومسؤوليته ولو لم يكن ما ذكرنا متعيّناً فهو أحد الاحتمالين، وعلى ما ذكره السيد الأُستاذ يلزم أن لا يوجد لهذا المؤمن الفقيه مصداق إلاّ في فترات قليلة، إذ قلّما يتوفق فقيه مؤمن لتشكيل الحكومة وتأسيسها والقيام بعامة وظائفها أو عضواً فيها قائماً بمهمة من مهمّاتها.
العاشرة: الفقهاء أُمناء الرسل
روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»، قيل يا رسول اللّه: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم».(965)
والسند معتبر، وأمّا وجه الدلالة فقد ذكر سيدنا الأُستاذ بأنّه يفيد كونهم أُمناء لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في جميع الشؤون المتعلقة برسالته وأوضحها زعامة الأُمّة وبسط العدالة الاجتماعية وما لها من المقدمات والأسباب واللوازم، فأمين الرسول أمين في جميع شؤونه، وليس شأن رسول اللّه ذكر الأحكام فقط حتّى يكون الفقيه أميناً فيه، بل المهم إجراء الأحكام.(966)
يلاحظ عليه: بأنّه فرق بين كون الفقيه أمين الرسول وبين كونه خليفته، فالمعنى الّذي ذكره يناسب كونهم خلفاء الرسول لا أُمناءه.
هذه الروايات هي العمدة ممّا استدل به على ولاية الفقيه، وقد عرفت أنّ المهم منها هو الثلاثة الأُولى وهي كافية لإثبات الولاية للفقيه في المجالات الّتي قدمنا ذكرها.
الطريق الثاني: ممارسة الفقيه حسبة
قد عرفت فيما سبق أنّ لإثبات تصحيح تصرفات الفقيه الجامع للشرائط طريقين:
الأوّل: الرجوع إلى الروايات ونتيجته إثبات الولاية للفقيه.
الثاني: استكشاف ضرورة وجود القوة التنفيذية من خلال دراسة الأحكام التي يتوقف تحقيقها في الخارج على وجود سلطة وجهاز تنفيذي.
أمّا الطريق الأوّل فقد مضى بيانه ودلائله ونتائجه، ولم تكن النتيجة إلاّ ثبوت الولاية له.
وأمّا الطريق الثاني فها هو الذي نخوض فيه، ونتيجة ذلك تصحيح ممارسة الفقيه للأُمور الاجتماعية والسياسية لأجل استكشاف صحتها عن طريق الأدلة من دون أن تكون له ولاية، بل يقوم بذلك من باب الحسبة، وسيوافيك الفرق بين القيام بالأُمور ولاية والقيام بها حسبة.
ونوضح ذلك بإمعان النظر في موردين:
الأوّل: تطبيق الأحكام على صعيد الحياة
إنّ تطبيق الأحكام ـ اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ـ رهن تشكيل حكومة قادرة على إجراء الأمرين الماضيين، فلا يعقل الأمر بتطبيق الأحكام على صعيد الحياة إلاّ بعد وجود فرض قوة قاهرة، فلو وجب الأول نستكشف وجوب إيجاد الثاني أيضاً من باب الحسبة لا من باب الحكومة وتشكيلها داخل في جوهر الإسلام وليست خارجة عنه، بل هو أُسّ الإسلام وأساسُه ولا يتحقق الإسلام بكافة أركانه إلاّ بحكومة عادلة ليس الإسلام مجردَ طقوس وأوراد وأذكار يردّدها المسلم على لسانه في وقت ومكان معيّن، بل هو نظام كامل سماوي يتكفّل ببيان كلّ ما يمتّ إلى حياة الإنسان في مجالات مختلفة، ولا يمكن الوصول إلى هذا الهدف إلاّ بتشكيل الحكومة.
انظر إلى ما جاء في الكتاب والسنة في مجال الحدود والديات أو في مورد الجهاد والدفاع، والصلح والجزية أو في مورد العقود والإيقاعات من الآيات والروايات التي يضيق المجال بنقلها، فهل يمكن تحقيق تلك الأحكام بدون قوة قاهرة وحكومة عادلة لا تأخذها في اللّه لومة لائم، كلاّ ولا، ثم كلاّ ولا.
ولنقتصر من الكثير بالأقل من الآيات.
فإذا قال سبحانه تبارك وتعالى: (أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)(967)، أو قال
سبحانه: (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)(968)، أو قال: (الزَّانِيَةُ والزّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُما مائَةَ جَلْدَة)(969)، أو قال:(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)(970)، فهل يمكن تحقيق مضامين هذه الآيات بلا حكم وحكومة؟!
وهل يمكن الجهاد وإصدار الأمر به إلاّ من خلال الحاكم؟!
وهل يمكن الصلح والمهادنة وعقد الذمة والعهود إلاّ من قبل الدولة، وهل يمكن قطع يد السارق وجلد الزاني إلاّ بالحكومة؟!
كلّ ذلك يدلّ على أنّ قوام الإسلام وإجراء الأحكام رهن حكومة عادلة قوية لا تأخذها في إجراء الأحكام لومةُ لائم.
وما أضعف قول من يقول لعل هذه الأحكام مختصة بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بحياة الإمام المعصوم(عليه السلام)وبسط يده، وعليه فنحن نشك في شرعية إجراء هذه الأحكام في عصر الغيبة.
وذلك لأنّ معنى هذا هو حصر تطبيق الإسلام الّذي هو الشريعة الخاتمة في زمان قصير ولي فيه الرسول والوصي أمر الحكومة، مع تضافر الروايات على أنّ حلاله وحرامه حلال وحرام إلى يوم القيامة الذي هو كفاية عن فعلية أحكامه واستمرارها إلى يوم البعث.
أضف إلى ذلك أنّ هذا التوهم بمعنى ردّ أكثر ما صدر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)من الأحكام الجزائية والسياسية والاقتصادية.
كلّ ذلك يبعثنا إلى أنّ تشكيل الحكومة أمر ضروري حافظ للإسلام ومحقّق لأهدافه فيجب على المؤمنين حسبة القيام بها، ولكن القدر المتيقن من بين مَن يجب عليهم ذلك هو الفقيه العادل العارف بالإسلام الّذي لا تأخذه في الحق لومة لائم.
وعلى ذلك فلو نهض الفقيه لتشكيل الحكومة يجب على الآخرين إطاعته والإنقياد له على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة.
وإن قامت فئة مؤمنة من المسلمين على تحقيق ذلك، فعلى الفقيه دعمها والاعتراف بها لو كانت موافقة للضوابط الشرعية.
الثاني: جباية الحقوق المالية وصرفها في مجالها
لا شك أنّ الإسلام دعا إلى جباية الفرائض المالية وحدّد صرفها، وهذا ما لا يتحقق إلاّ بوجود قوة قاهرة تقوم بذلك، ولإيضاح ذلك نقدم أُموراً:
1. الزكاة والخمس فريضتان ماليتان لكلّ واحد منهما مصرف خاص، قال الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم».(971)
وفي الوقت نفسه فقد حرّم الشرع الزكاةَ على الهاشميين، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وإنّ اللّه قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وإنّ الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب».(972)
وبدلاً عن ذلك أباح لفقرائهم نصف الخمس، فعن العبد الصالح(عليه السلام)في تفسير قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ)(973) قال: يُقسَّم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم للّه، وسهم لرسول اللّه، وسهم لذي القربى،، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. فسهم اللّه وسهم رسول اللّه لأُولي الأمر من بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له من اللّه وله نصف الخمس كمُلاً; ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة».(974)
2. يظهر من رواية أبي علي بن راشد أنّ الخمس ليس ملكاً للإمام بشخصه، بل هو ملك لمقام الإمامة المعطاة له من اللّه سبحانه، فلو ترك أبوه شيئاً فتركته الشخصية تُقسم بين الورثة، وأمّا ما كان عنده من الأخماس ونظائرها فهو للإمام بعده. قال أبوعلي بن راشد: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نعطى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنة نبيه».(975)
3. أنّ تعطيل ما يرجع إلى شؤون الإمامة يؤدّي إلى محق الدين وذهاب الشريعة، فإنّ الإمام وإن غاب لكن وظائف الإمامة ليست منقطعة عن الأُمّة، ففرض التعليم والتعلم ونشر الدين ومكافحة البدع وإرشاد الناشئة إلى الحق المبين وحفظهم بعيداً عن التيارات الإلحادية، كلّ ذلك من وظائف الإمامة المستمرة والّتي قوامها بذل المال في سبيل تحقّق هذه الأهداف.
كما أنّ حاجة الفقراء مستمرة، وحاجة ذوي القربى ليست منقطعة، هذا يبعثنا إلى أنّ القيام بالإنفاق عليهم مستمر، سواء أكان الإمام حاضراً أم غائباً، فلابدّ من وجود مَن يتكفّل بهذه المهمة.
4. أنّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام مؤكد، قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه»، فلا يجوز التصرف في مال المسلم فضلاً عن الإمام وإن غاب إلاّ بإذنه.
إذا علمت هذه الأُمور فاعلم أنّ مقتضى الجمع بين: وجوب أداء حقوق المستحقين من السادة وغيرهم من جانب، وعدم جواز تعطيل وظائف الإمامة من جانب آخر، وحرمة التصرف في مال الإمام من جانب ثالث، هو صرف الأخماس في ما نقطع برضاه فيه، كصرفه في تأمين حاجة المستحقين من السادة وغيرهم، ونشر الدين الإسلامي ومواجهة الكفر، وتعليم النشء الجديد الأُصول والفروع الإسلامية، ونشر أحاديث الرسول وأهل بيته الطاهرين، وإعداد المبلغين وإرسالهم إلى أقطار العالم ونشر ما دثر وغبر من مؤلفات علماء الإسلام، إلى غير ذلك من الأعمال.
وعلى ضوء ما ذكرنا لو ثبت بالتاريخ القطعي أنّ أمر الزكوات والأخماس فيما يجب الخمس عندهم كان بيد القضاة المنصوبين ، فعندئذ تثبت ولاية الفقيه على الزكوات والأخماس، وهذا هو الذي سلكناه في الطريق الأوّل، وأمّا لو لم تثبت أو لم نعثر على ما يدلّ عليه فهو أولى بالممارسة من الغير، لأنّ قيام كلّ شخص بانفراده بدفع هذه الفرائض وصرفها في مصارفها يوجب حرمان كثير من الفقراء من الزكاة، وإهمال كثير من الموضوعات الّتي لا يقف على أهميتها ولزومها إلاّ الفقيه. وبالتالي تتعطل كثير من وظائف الإمامة في حفظ الدين ونشره.
فالقيام بصرف هذين الفريضتين الماليتين في مجاريهما ومصارفهما وإن كان لازماً على جميع المسلمين من باب الحسبة، وقد علمت أنّ ملاك الحسبة هو الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه، وهذان الأمران من صغريات هذه الكبرى، غير أنّ القدر المتيقن ممّن توجه إليه هذا الخطاب هو الفقيه الجامع للشرائط العارف بالأحكام والواقف على الأهم والمهم ومصارفهما.
فتلخص من ذلك: أنّ لإثبات تصدّي الفقيه بالنسبة إلى تينك الفريضتين طريقين:
1. لو ثبت أنّ التصرف فيهما من شؤون القضاة في عصر صدور الرواية (رواية ابن حنظلة) فيثبت لهم ذلك المنصب بوضوح.
2. وإن لم يثبت الرجوع إليهم فيثبت لزوم تصدي الفقيه بالنسبة إليهما من باب الحسبة، وأنّه القدر المتيقن بالخطاب للقيام بهذين الأمرين.
***
الفوارق بين القول بالمنصب والقول بالحسبة
ثمّ إنّ قيام الفقيه بهذه الأُمور بما أنّه قاض وحاكم يختلف أثره إذا قام بعنوان الحِسْبة، ومن الفقهاء من يريد أن يسوِّغ تصرّف الفقيه من باب الحسبة، لا من باب كونه ذا ولاية وصاحب منصب ولإيضاح الفرق بين النظرتين نقول:
يظهر الفرق بين القيامين في الأمثلة التالية:
1. إذا انطلق الفقيه في إصلاح ما يرجع إلى الصبي عن منصِب شرعي يكفي في تبرير عمله وجود المصلحة، وإن لم تصل إلى حد الضرورة، بخلاف ما لو انطلق من باب الحسبة فإنّ موضوعها الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه فيجب على الجميع تلبية أمر الشارع فقيهاً كان أو غير فقيه، وإن كان الفقيه هو القدر المتيقن ممّن عليه التكليف، ففي هذا الوقت لا يكفي وجود المصلحة ـ غير الملزمة ـ بل يجب أن ينتهي الأمر إلى حد الضرورة الّتي لا يرضى الشارع بتركها عندئذ.
2. إذا عيّن الفقيه وصيّاً للميّت وقيّماً على الصغار فلو انطلق في هذا العمل عن منصب شرعي يكون الوصي أو القيّم أيضاً ذا منصب وولاية في طول ولاية الفقيه على وجه لا تبطل ولايته بموت الفقيه ولا يجوز له عزلهما إلاّ إذا خانا، كما أنّه لا يجوز للفقيه عزل وصي الميّت ـ إذا عيّنه الوصي ـ لأنّه صار ذا منصب شرعي من قبله، وليس الوصي وكيلاً من قبل الموصي حتّى تبطل وكالته بموت الموصي، بل صاحب ولاية من قِبَله.
وأمّا إذا انطلق الفقيه في هذا العمل من باب الحسبة فليس له نصب الوصيّ أو القيّم بل يجب عليه التصرف في أُموره مباشرة أو غيره تسبيباً بنحو الوكالة وله أن يعزل الوكيل متى شاء، وتبطل وكالته بموت الفقيه، بل تبطل مع عدم استمرار إذنه.
3. أنّ تصرف الفقيه في أُموال الصبي رخصة على القول بالمنصب وعزيمة على القول بالحسبة، وذلك لأنّه يكفي في التصرف في أموال الصبي على القول بالمنصب عدم المفسدة أو وجود المصلحة غير الملزمة فيكون التصرف رخصة إلاّ إذا كان التصرف ضرورياً فيكون واجباً.
وهذا بخلاف القول بالحسبة فإنّ موضوعها الأمر الّذي لا يرضى الشارع بتركه، وفي مثله يكون التصرف عزيمة لا غير.
وبما أنّ الروايات ظاهرة في إعطاء المنصب للفقيه فتكون أعماله على وفق مقتضى القيام عن منصب.
هذه هي بعض الفوارق بين القول بأنّ تصرف الفقيه من باب المنصب وكون تصرفه من باب الحسبة.
شبهات حول ولاية الفقيه
أُثيرت حول ولاية الفقيه أسئلة وشبهات نابعة عن عدم وجود تصوّر صحيح لها، وإليك تلك الأسئلة أو الشبهات:
1. ولاية الفقيه استصغار للأُمّة
إنّ القول بولاية الفقيه على الأُمّة آية أنّ الأُمّة قاصرة وعاجزة عن إدارة أمرها فلابدّ لها من ولي يتولى أُمورها.
والجواب عن ذلك: أنّ هذا التوهم ناشئ عن عدم وضوح مبدأ ولاية الفقيه وضوحاً لا يبقي شبهة ولا يترك غموضاً، فليس مبدأ ولاية الفقيه مساوياً لجعل الأُمّة الرشيدة قاصرة عن إدارة أُمورها، وذلك لأنّ وزان الفقيه في الحكومة الإسلامية وزان كلّ الرؤوساء في الحكومات الشعبية، فهل يُعدّ وجود الرئيس في قمة الحكومة دليلاً على قصور الأُمّة واستصغارها، أو أنّ القوى الثلاث غير غنية عن الرئيس؟! والفرق بين الاثنين أنّ الرئيس في الحكومات الشعبية غير فقيه أو لا تشترط فيه الفقاهة، وأمّا في الحكومة الإسلامية فبما أنّها حكومة ملتزمة بالمبادئ الإلهية فيجب أن يكون رئيسها خريج هذه المدرسة ومن أفاضلها وأعلامها.
والاختلاف بين الحكومتين هو عدم التزام الحكومات الشعبية بالقيم والشروط الخاصة في الرئيس في النظام الإسلامي، خلاف ما عليه الحكومة الإسلامية فهي ملتزمة بكون الرئيس فقيهاً عارفاً بالأحكام الشرعية خائفاً من اللّه لا تأخذه في إجراء الأحكام لومة لائم.
2. ولاية الفقيه والاستبداد
ربّما يقال: إنّ القول بولاية الفقيه يعادل القول باستبداد الفرد بالإدارة والحكم ورفض الرأي العام وهو أمر يتنافى مع روح المبادئ الإسلامية، حيث إنّ الإسلام يعترف بان للرأي العام دوراً بارزاً في تشكيل الحكومة، فكيف يمكن للفقيه بصفته الفردية أن ينقض ويبرم مع أنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كتب إلى معاوية قبل نشوب الحرب بينهما: «إنّ علياً لمّا مضى لسبيله ولاّني المسلمون الأمر من بعده... فادخل فيما دخل فيه الناس».(976)
كما أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)قد ذم مَن يجبر الناس على حكمه بالسوط والسيف، ممّا يعني أنّ الشارع المقدس لا يرضى بالحاكم الّذي يحمل نفسه على رقاب الناس قهراً ويحكمهم دون رضاهم، وذلك عندما قال له رجل: إنّه ربّما تكون بين الرجلين من أصحابنا منازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا؟ (أي هل فيه بأس؟) فقال الإمام(عليه السلام): «هذا ليس من ذاك... إنّما ذاك الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(977)
وهذه التعابير وأمثالها الواردة في كلمات أهل البيت(عليهم السلام)تكشف عن أنّ الاستبداد بالحكم أمر مذموم وأنّ للرأي العام دوراً واضحاً في الحكومة، ومع ذلك فكيف يكون للفقيه ولاية عامة دون أن يكون للشعب فيها دور؟!
والجواب عن ذلك: إنّ ولاية الفقيه لا تؤثر إلاّ في استقرار الحكومة الإسلامية الصالحة، ولا يتغير بولايته أي شيء من الأركان والقوى الثلاث، ولا تتعارض مع حرية الأُمّة واختيارها، وذلك لأنّ للمقام حالتين:
الأُولى: إذا شكلت الأُمّة حكومة من قبلها وكانت تتمتع بالشروط الّتي عيّنها الإسلام لنظام الحكم وجب عليه إمضاؤها وإقرارها وليس للفقيه أن يردّها، غير أنّه يقع في قمة الحكومة للإشراف عليها حتّى لا تزلّ ولاتنحرف عن إطار الشروط الإسلامية المقررة لنظام الحكم، فكأنّ ولاية الفقيه صمّام أمان لإبقاء الحكم على الصبغة الإسلامية.
الثانية: فيما لو لم تساعد الظروف على قيام الشعب بتشكيل حكومة له فعلى الفقيه العارف بشروط الزمان والمكان تأسيس حكومة إسلامية بمشاركة الخبراء والأخّصائيين في كلّ فن وموضوع، فعندئذ فالفقيه لا يمارس الحكومة بمفرده ويستبد بها وإنّما يمارس ولايته من خلال الخبراء وأصحاب الاختصاصات، ويتبع في ذلك مصالح الأُمّة والإسلام في كلّ الظروف والبيئات.
إنّ جوهر الحكومة الإسلامية ثابت لا يتغير وأمّا شكله وكيفية تطبيقه على صعيد الحياة فيتبع الشروط المقتضية لها، فبما أنّ الظروف الحالية تتبنى إنشاء ثلاث قوى تقوم بإدارة المجتمع وهي القوة التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، فليس للفقيه إلاّ ممارسة ولايته عن طريق هذه القوى الثلاث والإشراف عليها.
وبذلك يُعلم أنّ الحكومة الإسلامية عند حضور الإمام المنصوص عليه من جانب الله سبحانه، حكومة إلهية، وأمّا عند عدم إمكان التوصل إليه فهي مزيجة من الحاكمية الإلهية والسيادة الشعبية ، فهي إلهية لأنّ على الأُمّة الإسلامية أن تراعي جميع الشروط والضوابط في القوى الثلاث، ويجب على الحاكم المسلم أن يلتزم بتنفيذ الشريعة الإسلامية حرفاً بحرف، وهي في نفس الوقت حكومة شعبية لأنّ انتخاب الحاكم الأعلى وسائر الأجهزة العليا موكول إلى الناس ومشروط برضاهم.
وبذلك يعلم أنّ ولاية الفقيه لا تؤثر إلاّ في استقرار الحكومة الإسلامية وعدم خروج النظام عن الخطوط الّتي رسمها الإسلام في مجال الحكم ولا يراد بها حكومة الفرد واستبداده على الأُمّة.
كيف يمكن للفقيه أن يستبد بالحكم ويغض النظر عن رأي الشعب والرأي العام ـ إذا لم يكن مخالفاً للإسلام ـ مع أنّ الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)كتب إلى أهل الكوفة في جواب رسالتهم ما يعبر عن موقف الإسلام من ذلك: وإليك نص الكتابين:
رسالة أهل الكوفة إلى الإمام (عليه السلام):
بسم اللّه الرحمن الرحيم. سلام عليك فإنّا نحمد إليك اللّه الّذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد فالحمد للّه الّذي قصم عدوك الجبار العنيد الّذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتآمر عليها بغير رضاً منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها».
رسالة جوابية للإمام الحسين (عليه السلام)إلى أهل الكوفة:
«إن بلغني أنّه قد اجتمع رأي ملئكم ذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، أقدم إليكم».(978)
3. ولاية الفقيه ومشكلة التزاحم
إذا كان كل فقيه يستمد ولايته من اللّه سبحانه فكلّ من بلغ درجة الاجتهاد وكان جامعاً لشرائط القيادة فله الولاية، وربّما يوجد أفراد كثيرون يتوفر فيهم هذا الملاك، وهذا يعني تعدّد الولاة في حكومة واحدة.
والجواب عن ذلك هو أنّ تصدي الفقيه لأمر الحكومة يتوقّف على أمرين:
1. الولاية الشرعية والّتي يستمدها من اللّه سبحانه.
2. قبول الناس وخضوعهم له والّتي يعبر عنها بالمقبولية (في مقابل الأوّل الّذي يعبر عنه بالمشروعية) وهذا ما لا يتحقّق إلاّ باقبال الناس عليه.
وعلى ضوء ذلك فالفقيه إذا بلغ من المقبولية درجة سامية يخضع الشعب لولايته ويقدّمه على الآخرين تقديماً بارزاً لا يشك فيه أحد ولا يرتاب فيه مرتاب، فهذا يصبح متعيّناً ولا ينافسه غيره.
وأمّا إذا كان الفقهاء من حيث المقبولية لدى الشعب على درجة واحدة وفي عرض واحد، فإن اجتمعوا هم على تنصيب واحد منهم للتصدي للولاية فهو يتعين بلا شكّ، وإلاّ فيكون حق الانتخاب للشعب عن طريق مجلس الخبراء من الفقهاء.
هذا هو مجمل القول في ولاية الفقيه بما يناسب المقام.

878 . يونس: 3.
879 . بحارالأنوار:25/ 343.
880 . المائدة: 110.
881 . الملك: 14.
882 . يوسف: 40.
883 . الجاثية: 18.
884 . المائدة: 48.
885 . الكهف: 65.
886 . أُصول الكافي:1/266، الحديث 4.
887 . نهج البلاغة: الخطبة 234، طبعة محمد عبده.
888 . أي أنّ اللّه فوض حق التشريع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)واعتزل كما ينبئ عنه لفظ «التفويض».
889 . النساء: 59.
890 . الأحزاب: 36.
891 . النساء: 65.
892 . الأحزاب: 6.
893 . المكاسب: 3 / 546، المؤتمر العالمي للذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الانصاري، قم ـ 1420 هـ .
894 . راجع السيرة النبوية:1/ 431.
895 . المتاجر: 153.
896 . الأنبياء: 7.
897 . الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.
898 . راجع الرسائل الأربع تقريراً لبحوثنا في الاجتهاد والتقليد: الرسالة الثانية:16ـ 24.
899 . الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
900 . المتاجر: 153.
901 . رسالة صلاة الجمعة المطبوعة في ضمن رسائله:4/263ـ 264.
902 . جامع المقاصد: 2/ 375.
903 . آثار المحقّق الكركي:4/489ـ 490، قسم الرسائل، الرسالة الخراجية.
904 . كذا في المصدر ولعل الصحيح نبتغيه.
905 . انظر: آثار المحقّق الكركي: 4 / 503 ـ 504، قسم الرسائل، الرسالة الخراجية.
906 . عوائد الأيام: 187.
907 . جواهر الكلام: 21 / 397.
908 . الوسائل: ج 18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
909 . الكافي:1/33، الحديث 5.
910 . إكمال الدين: 484 ، الباب45، الحديث 4 .
911 . البدر الزاهر: 459 ـ 460 .
912 . النساء: 60.
913 . الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، الحديث 1.
914 . الكافي:1/54 و 7/ 412.
915 . الوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.
916 . الكشي:160، برقم 72.
917 . التهذيب:2/255، برقم 1012.
918 . الاستبصار:1/61، برقم 182.
919 . الاستبصار: 1/248، برقم 892.
920 . الاستبصار:1/430، برقم 1660.
921 . الاستبصار: 2/270، برقم 960.
922 . الوسائل: ج 18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
923 . معجم رجال الحديث: 2 / 137، برقم 610.
924 . يقول المحقّق النائيني: إنّ له حالة اعوجاج عن طريق الحق وهي زمان متابعته للخطابية، وحالة استقامة، ولم يعلم أنّه رواهما في أي حالة من الحالات. منية الطالب:1/ 236.
925 . رجال الكشي: 352.
926 . البقرة: 188.
927 . لاحظ كتاب القضاء وغيره في وسائل الشيعة.
928 . الوسائل: ج 12، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.
929 . الوسائل: ج 13، الباب89 من كتاب الوصايا، الحديث 3.
930 . الوسائل: ج 13، الباب92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث 2.
931 . الوسائل: ج 13، الباب23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث1 .
932 . الوسائل: ج 13، الباب23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 35.
933 . الوسائل: ج 18، الباب26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
934 . جواهر الكلام:21/ 397.
935 . الوسائل: ج 18، الباب1 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4.
936 . جواهر الكلام:21/ 394.
937 . الوسائل: ج 18، الباب27 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1.
938 . الوسائل: ج 18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
939 . الكافي:7/429، الحديث 13.
940 . تهذيب الأحكام:6/221 برقم 521، وللحديث صلة جديرة بالمطالعة.
941 . الوسائل: ج 18، الباب28 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
942 . الوسائل: ج 18، الباب20 من أبواب حدّ القذف، الحديث 1.
943 . عيون الحكم والمواعظ للّيثي: 328.
944 . الوسائل : ج 13، الباب9 من أبواب الدين والقرض، الحديث 4.
945 . الكافي: 1/ 407.
946 . الوسائل : ج 8 ، الباب26 من أبواب آداب السفر، الحديث 1.
947 . الوسائل: ج 7، الباب6 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.
948 . مستدرك سفينة البحار:6/ 411.
949 . الكافي:1/ 34. والقدّاح هو عبدالله بن ميّمون الثقة.
950 . الوسائل: ج 18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
951 . البيع للإمام الخميني:2/ 646.
952 . الوسائل: ج 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2 .
953 . النمل: 16.
954 . الفقيه:4/302، برقم 915; الوسائل: ج 18، الباب8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 50.
955 . كنز العمال:1/ 229.
956 . كمال الدين وإتمام النعمة:2/484، الباب45 ، ورواه الشيخ في «الغيبة» في الفصل الرابع الحديث4، والطبرسي في الاحتجاج:2/283; والوسائل: ج 18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
957 . المتاجر: 154.
958 . تاريخ الطبري:2/63ـ 64.
959 . المائدة: 63.
960 . بحار الأنوار:100/79ـ 80 ، الباب1 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 37.
961 . مسند أحمد:6/ 166.
962 . الكافي: 1 / 38 ، باب فقد العلماء، الحديث 3.
963 . الكافي:3/254، الحديث 13.
964 . كتاب البيع: 2/ 632.
965 . الكافي:1/46، كتاب فضل العلم.
966 . كتاب البيع:2/ 634.
967 . المائدة: 45.
968 . المائدة: 37.
969 . النور: 2.
970 . البقرة: 179.
971 . الوسائل: ج 7، الباب1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.
972 . الوسائل: ج 7، الباب29 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.
973 . الأنفال: 41.
974 . الوسائل: ج 7، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.
975 . الوسائل: ج 7، الباب2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.
976 . شرح نهج البلاغة:4/ 12.
977 . المستدرك:3/187، نقلاً عن دعائم الإسلام.
978 . الكامل للجزري:3/266 ـ 267.