قائمة المواضيع :
الطلاق المعلّق لا كفّارة فيه ولا فراق
فضيلة الأُستاذ قيس تيسير ظبيان
المدير العام لمجلة «الشريعة» المحترم
السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أمّا بعد، أتقدم لكم بالشكر الجزيل لما قمتم به من نشر محاضرتي التي ألقيتها في جامعة «الأردن» على صفحات مجلّتكم الغراء «الشريعة» في عددها الصادر برقم 394 من شهر تشرين الأوّل 1998م، وبذلك أكدتم أواصر الأُخوَّة بين المسلمين وقد كانت المحاضرة حول عناصر الوحدة الإسلامية وموانعها .
قرأت العدد الآنف الذكر بما فيه من مقالات متنوعة حسب ما سمح لي الوقت، وأخصُّ بالذكر من بينها، الأسئلة التي تصدّى للإجابة عنها فضيلة الشيخ عبد المنصف عبد الفتاح فكانت الأجوبة مقنعة في أغلب مواردها لكن استرعى انتباهي السؤالُ الذي طرحه أحد القراء بالشكل التالي، وقال:
ضربتُ زوجتي ذات يوم فتركتْ المنزل وذهبتْ إلى بيت أُسرتها فلم ألبث ان ذهبتُ إليها لكي أصالحها ولكي تطمئن إلى عدم ضربي لها مرّة ثانية، قلت لها: عليَّ الطلاق لن أضربك مرّة أُخرى، فهل إذا ضربتُها لأمر ما، تكون طالقاً أم ماذا؟
وأجاب فضيلته عن هذا السؤال بما هذا ملخصه:
هذا النوع من الطلاق على قسمين:
تارة يريد القائل بهذا النوع من الكلام الحملَ على فعل شيء أو تركه أو التهديد أو التخويف، لا إيقاع الطلاق بالفعل.
وأُخرى يريد بذلك إنشاء الطلاق بالحلف إذا حصلت المخالفة.
ففي الأوّل نَقَل عن ابن تيمية وابن قيم انّ الطلاق المعلّق الذي فيه معنى اليمين، غير واقع وتجب فيه كفارة اليمين.
وفي الثاني تقع طلقة واحدة رجعية وللزوج أن يراجعها قبل انقضاء العدة.(انتهى).
***
الطلاق المعلّق لا كفّارة فيه ولا فراق
أقول: إنّ الاجتهاد الحرّ المستمد من الكتاب والسنة من دون التزام بمذهب إمام دون إمام يجرّنا إلى القول بخلاف ما أجاب به فضيلة الشيخ (مدّ اللّه في عمره) في كلا القسمين و انّه لا كفارة في الصورة الأُولى ولا فراق في الصورة الثانية .
وبكلمة موجزة : الطلاق المعلق لا يترتب عليه أيُّ أثر وإن كان المختار لدى أئمّة المذاهب الأربعة غير ذلك. وإليك توضيح كلا الأمرين.
أمّا الأوّل (لا كفارة): فلأنّ الدليل على كفارة اليمين هي الآية المباركة التالية.
قال سبحانه: (لا يُؤاخِذكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مِنْ أَوسطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْليكُمْ أَوْ كِسْوتُهُمْ أَوْ تَحْريرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصيامُ ثَلاثَةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْْ وَاحْفَظُوا أَيْمانكُم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). (1046)
والآية توجب الكفّارة المترتبة على من نكث يمينه، ولكنّها ظاهرة في اليمين بلفظ الجلالة أو ما يعادله ويقاربه من الأسماء المقدسة، وليس الحلف بالطلاق داخلاً في الآية المباركة حتى يستلزم نقضُه، الكفّارة، بل هي قضية شرطية كعامة القضايا الشرطية المجرّدة عن معنى الحلف باللّه سبحانه كما لو قال لئن كشفت سرّي، فأنا أيضاً أفعل كذا.
وتصور أنّ الطلاق المعلق يتضمن معنى الحلف باللّه تصور خاطئ، إذ لا يتبادر منه الحلف باللّه أوّلاً، وعلى فرض تضمنه فليس هو ممّا قصده المتكلم بكلامه ثانياً. وعلى فرض تسليمهما فالموضوع لوجوب الكفّارة، هو الحلف الصريح بشهادة قوله سبحانه: (بِما عَقَّدْتُمُ الأَيمان)لا الحلف الضمني.
ولذلك يطلق الفقهاء على هذا النوع من الحلف، اليمين بالطلاق، لا الحلف باللّه سبحانه ولو ضمنياً.
وأمّا الثاني: أي وقوع الطلاق إذا كان قاصداً إنشاء الطلاق المعلّق فهو لا يصمد أمام النقاشات التالية:
الأوّل: انّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة التي أُسُسُها النكاح والطلاق، يقتضي أن يكون الأمر فيها منجَّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تُحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إمّا أن يقدم على النكاح والطلاق أو لا، فعلى الأوّل فينكح أو يطلِّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتى يحدث الله بعد ذلك أمراً، فالتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر الهام، قال سبحانه:
(وَلَنْ تَسْتَطيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَميلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تَصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً)(1047).
واللّه سبحانه يُشبِّه المرأة التي يترك الزوجُ أداء واجبها بـ«المعلّقة» التي هي لا ذات زوج ولا أيّم. وعلقة الزوجية علقة مقدّسة لا تخضع لأهواء الزوج، فهو إمّا أن يطلقها ويسرّحها، أو يتركها ولا يمسُّ كرامتها، والزوجة في الطلاق المعلّق أشبه شيء بالمعلقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.
الثاني: أنّ هذا النوع من الطلاق يقوم به الزوج في حالات خاصة دون أن يشهده عدلان، والإشهاد على الطلاق شرط لصحة وقوعه، ومتى فقد لم يقع الطلاق من دون فرق بين المنجّز والمعلّق، ويدل عليه قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا النّبيّ إِذا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَ لِعِدَتِهنَّ...* فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوف أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ وَأَقيمُوا الشَّهادةَ للّهِ)(1048).
فقوله سبحانه: (وَأَشْهِدُوا ذوي عدل) قيد للطلاق والرجعة على قول، أو لخصوص الأوّل على قول آخر. وإليك دراسة كلا القولين.
الإشهاد في الآية راجع إلى الطلاق والرجوع
فهناك من ذهب إلى كونه قيداً لهما، وقد نقل هذا القول عن عدة من الصحابة والتابعين: نقل عن ابن عباس: أنّه فسرها بالطلاق والرجعة .(1049)
وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء، قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.
وسئل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال:بئس ما صنع طلق في بدعة وارتجع في غير سنّة فليشهد على طلاقه ومراجعته وليستغفر اللّه.(1050)
وقال القرطبي: قوله تعالى: (وأَشْهِدُوا) أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة .(1051)
وقال الآلوسي: (وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْل مِنْكُم) عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبريّاً عن الريبة. (1052)
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.
وممّن قال برجوع القيد إلى الطلاق والرجعة الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي المصري . قال بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق:والظاهر من سياق الآيتين أنّ قوله: (وَأَشْهدوا)راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معاً والأمر للوجوب، لأنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّ بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيّد حمله على الوجوب ـ إلى أن قال: ـ فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، و من أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أي أثر من آثاره.(1053)
1046 . المائدة: 89.
1047 . النساء: 129.
1048 . الطلاق: 1 ـ 2.
1049 . تفسير الطبري:28/ 88.
1050 . الدر المنثور:6/ 232.
1051 . الجامع لأحكام القرآن:18/ 157.
1052 . روح المعاني:28/ 134.
1053 . نظام الطلاق في الإسلام: 118ـ 119.