قائمة المواضيع :
هل الموت قبل الدخول منصِّف للمهر أو لا؟
لاشكّ أنّ الطلاق قبل الدخول منصّف للمهر وقد اتّفق عليه المسلمون، إنّما الكلام في أنّ الموت قبل الدخول هل هو منصّف أو لا؟ وللمسألة صورتان:
الف: موت الزوج عن امرأته قبل الدخول بها.
ب: موت الزوجة عن زوجها قبل الدخول بها.
والأقوال لا تتجاوز الثلاثة:
1. استقرار المهر كلّه بموت أحدهما مطلقاً من غير فرق بين موت الزوج أو الزوجة.
2. التنصيف مطلقاً.
3. التفصيل بين موت الزوج والزوجة، باستقرار المهر كلّه في الأوّل ونصفه في الثاني، وهو خيرة الشيخ في النهاية والقاضي ابن البراج في المهذّب.
وإليك كلمات الفقهاء في المقام بالنسبة إلى الصورتين:
المعـروف من عصر الصـدوق (306ـ381 هـ) إلى عصر العلاّمة الحلـي (648ـ 726هـ) بل عصر المحقّق الثاني (المتوفّى 940 هـ ) هو عدم التنصيف، وإليك ما وقفنا عليه من الكلمات، مباشرة أو مع الواسطة:
1. قال الصدوق: والمتوفّى عنها زوجها التي لم يدخل بها إن كان فرض لها صداقاً فلها صداقها الذي فرض لها، ولها الميراث، وعدّتها أربعة أشهر وعشراً... وفي حديث آخر: وإن لم يكن دخل بها وقد فرض لها مهراً فلها نصفها، ولها الميراث وعليها العدّة. وهو الذي اعتمده، وأفتي به. (1054)
وهل الضمير يرجع إلى ما ذكره أخيراً، أعني: «وفي حديث آخر...» أو يرجع إلى ما ذكره في أوّل كلامه؟ استظهر العلامّة في المختلف بأنّه يرجع إلى الأخير، ويحتمل أن يرجع إلى الأوّل لأنّه ذكر الوجه الثاني بصورة «قول» حيث قال: وفي حديث آخر.
2. وقال الشيخ الطوسي: ومتى مات الرجل عن زوجته، قبل الدخول بها وجب على ورثته أن يعطوا المرأة المهر كاملاً، ويستحب لها أن تترك نصف المهر، فإن لم تفعل كان لها المهر كلّه وإن ماتت المرأة قبل الدخول بها، كان لأوليائها نصف المهر. (1055)
وكأن الشيخ بكلامه هذا، حاول أن يجمع بين الروايات، فإنّ الروايات في جانب موت المرأة متّفقة على التنصيف فتركها بحالها، وأمّا في جانب موت الرجل فمتضاربة، فأخذ بما دلّ على عدم التنصيف وحمل ما دلّ على التنصيف على الاستحباب، أي يستحب للمرأة أن تترك نصف المهر.
3. وقال القاضي: وإذا مات الرجل قبل الدخول بها كان على وارثه أن يدفع إلى الزوجة من التركة المهر على كماله، والأفضل للزوجة أن لاتأخذ إلاّ نصفه، فإن لم تفعل، وأخذته على كماله، كان جائزاً.
وإذا ماتت المرأة قبل الدخول بها كان لأوليائها نصف المهر. (1056)
وقد فعل القاضي كما فعله الشيخ.
4. وقال ابن حمزة: ويلزم المهر المعيّن بنفس العقد، ويستقر بأحد ثلاثة أشياء: بالدخول والموت وارتداد الزوج. (1057)
وقال أيضاً: ومن وكّل رجلاً في العقد على امرأة ثمّ مات الموكّل، وعقدُ الوكيل لم يخل: إمّا عقد قبل موته، ويصحّ العقد ويثبت المهر والميراث، أو بعد موته ويبطل العقد. (1058)
وليس في كلامه فرض موت الزوجة.
5. وقال ابن إدريس: متى مات أحد الزوجين قبل الدخول استقرّ جميع المهر كاملاً، لأنّ الموت عند محصّلي أصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار المهر جميعه، وهو اختيار شيخنا المفيد في أحكام النساء وهو الصحيح، لأنّا قد بيّنا بغير خلاف بيننا أنّ بالعقد تستحق المرأة جميع المهر المسمّى، ويسقط الطلاق قبل الدخول نصفه، فالطلاق غير حاصل إذا مات، فبقينا على ما كنّا عليه من استحقاقه، فمن ادّعى سقوط شيء منه يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك من إجماع، لأنّ أصحابنا مختلفون في ذلك، ولا من كتاب اللّه تعالى، ولا تواتر أخبار ولادليل عقلي، بل الكتاب قاض بما قلناه، والعقل حاكم بما اخترناه. (1059)
وكلامه هذا صريح في عدم التنصيف في كلتا الصورتين.
6. وقال يحيى بن سعيد: ويستقر المهر بالدخول، وبالموت من كلّ منهما ويكره لورثتها مطالبته به إذا لم تكن طالبته في حياتها، وهو في ضمان الزوج حتى تقبضه. (1060) وكلامه هذا صريح في عدم الفرق بين موت الزوج والزوجة وأنّه يجب دفع المهر كاملاً.
7. وقال المحقّق في نكت النهاية عند قول الشيخ: «وإن ماتت المرأة قبل الدخول بها كان لأوليائها نصف المهر» هذا يصحّ إذا لم يكن لها ولد، لأنّ المستقر في المذهب وهو أصحّ الروايتين أنّ المهر تملكه المرأة بنفس العقد ولو مات أحدهما كان المهر ثابتاً بأجمعه، فإذا ماتت، ورث الزوج نصفه وكان الباقي لباقي ورثتها.(1061)
ترى أنّ المحقّق لايرضى من الشيخ القول بالنصف في موت المرأة، فيحاول أن يؤوّله بحمله على ما إذا لم يكن لها ولد، فالرجل يرث نصف المهر ويدفع النصف الآخر.
8 . وقال العلاّمة في المختلف: وقول ابن إدريس قويّ، وبالجملة فالمسألة مبنيّة على أنّ المقتضي لكمال المهر ما هو ـ ثمّ قال العلاّمة ـ تذنيب: لو مات الزوج قبل الدخول، وجب لها المهر كملاً كما نقلناه في صورة المسألة. (1062)
9. وقال الفاضل المقداد: والحق أنّ المهر يستقر بالموت لما بيّنا من تملّكه بمجرّد العقد، والأصل البقاء إلاّ ما أخرجه الدليل ولم يخرجه إلاّ دليل الطلاق. (1063)
10. وقال ابن فهد الحلي: لو مات أحد الزوجين، استقرّ الجميع على المشهور لوجوبه بالعقد وحصول التنصيف بالطلاق ولم يحصل، ويجب النصف عنده. (1064)
11. وقال المحقّق الكركي: إنّ لزوم الجميع بموت الزوج قبل الدخول مذهب أكثر الأصحاب، ولزومه بموت الزوجة مذهب عامّة الأصحاب. (1065)
وقد تبيّن لي من هذا الفحص أنّ المشهور بين القدماء إلى عصر السيد السبزواري هو القول بعدم التنصيف وقلّ من قال بالتنصيف في هذه العصور، نعم نقل عن ابن الجنيد أنّه قال: الذي يوجبه العقد من المهر المسمّى النصف، والذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب بالعقد هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها، ولعلّ كلامه في مقابل القول بلزوم الكلّ بالخلوة كما عليه لفيف من الفقهاء من الفريقين، وأوّل من أصحر بالتنصيف صاحب الكفاية حيث قال في مقام الترجيح: إنّ أخبار التنصيف أكثر وأشهر بين القدماء، لاشتمال كلّ من الكتب الأربعة على بعضها بخلاف الأخبار المعارضة، فانّه لم يروها إلاّ الشيخ. (1066) وتبعه صاحب الحدائق، فعمل بأخبار التنصيف وحمل ما دلّ على دفع المهر كاملاً على التقية، فقال: فالظاهر عندي ـ بالنظر إلى ما ذكرته من الأخبار ـ هو القول بالتنصيف وحمل الأخبار المعارضة على التقية التي هي في اختلاف الأخبار أصل كل بليّة... قدعرفت أنّ الأخبار الدالّة على التنصيف متكاثرة، بحيث لايمكن طرحها ولو جاز ردّها على ما هي عليه من الاستفاضة، وصحّة الأسانيد، ورواية الثقاة لها في الأُصول المعتمدة، لأشكل الحال أيّ إشكال، وصار الداء عضالاً وأيَّ عضال. والتأويلات التي ذكرها الشيخ بعيدة غاية البعد. (1067)
ولعلّ صاحب الجواهر يريد أحد هذين الفقيهين بقوله: ومن الغريب اتّباع فاضل الرياض بعض مختلي الطريقة في القول بالتنصيف هنا للنصوص المزبورة التي قد عرفت حالها. (1068)
وقد حكى العلامّة الشيخ عبد اللّه المامقاني: إنّ والده كان يفتي في بعض أجوبة المسائل بالتنصيف، وقد خرج القول بالتنصيف عن الشذوذ بعد ما أفتى السيد الاصفهاني وتبعه الإمام الخميني، وإليك نصهما:
قال السيد الاصفهاني: لو مات أحد الزوجين قبل الدخول فالأقوى تنصيف المهر كالطلاق خصوصاً في موت المرأة، والأحوط الأولى التصالح خصوصاً في موت الرجل. (1069) ومثله عبارة الأُستاذ (قدس سره). (1070)
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة القائلين بعدم التنصيف، واستدلوا بوجوه:
أدلّة القائلين بلزوم دفع المهر كلّه:
الأوّل: قوله سبحانه: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَريئاً)(1071).
والاستدلال بالإطلاق حيث لم يقيد بكونه قبل الدخول أو بعده.
يلاحظ عليه: أنّ مساق الآية مساق سائر الآيات الواردة في هذا الموضوع فإنّ الرجال في العصر الجاهلي كانوا يبخسون النساء حقوقهنّ، ولايعطوهنّ مهورهنّ وربما كانوا يستردّونها بعد الدفع، وكان هذا موقفهم، ففي هذه الظروف تؤكد الآية على أنّه يجب إعطاء النساء صدقاتهن ; ويؤيده قوله سبحانه في نفس تلك السورة: (يا أيّها الّذينَ آمَنُوا لايَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كُرهاً وَلاتَعْضِلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ... * وإنْ أردْتُم اسْتِبْدَالَ زَوج مَكانَ زَوْج وَ آتَيْتُمْ إحداهُنَّ قِنْطاراً فَلاتَأخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أتَأخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإثْماً مُبِيناً)(1072).
فعلى ذلك فالآية ناظرة إلى تحريم البخس لحقوقهن، ولا إطلاق في الآية قبل الدخول وبعده أو قبل الموت وبعده، بل الآية منصرفة عن صورة موت الرجل بشهادة أنّها تخاطب الأزواج وتقول: (وآتُوا النِّساءَ صَدقاتِهِنَّ )والخطاب للأزواج الأحياء.
ويؤيد ذلك ما روي أنّ الرجل منهم إذا تزوج أيّمة (المرأة التي مات زوجها) أخذ صداقها دونها، فنهاهم اللّه عن ذلك. (1073)
وبذلك تظهر أنّ الآية لا تكون مرجِّحة لما دلّ على إعطاء الكل، كما سيوافيك بيانه.
الثاني: ما دلّ على أنّ المهر يملك بنفس العقد، وانّ نماءه بين العقد والقبض للمرأة. (1074)
يلاحظ عليه: أنّه لاشكّ أنّ المرأة تملك المهر ونماءه، ملكية متزلزلة ولكن الكلام في كون الموت مسقطاً كما أنّ الطلاق مسقط للنصف، فمن المحتمل أن يكون الموت مثله، فغاية ما يمكن هو استصحاب ملكية الجميع للزوجة ولكن الأصل دليل حيث لا دليل، فلو دلّت الروايات على التنصيف لما جاز العمل بالأصل، فالمهم هو الدليل الثالث الذي يرجع إلى التمسك بالروايات.
الثالث: التمسّك بالروايات الدالّة على عدم التنصيف وأنّه يجب دفع المهر كلّه، وقد رواها الشيخ من بين المشايخ الثلاث، ونقلها صاحب الوسائل في الباب الثامن والخمسين من أبواب المهور مبتدئاً من الحديث رقم عشرين إلى الخامس والعشرين، فيكون المجموع ستة روايات قد رواها :
1ـ سليمان بن خالد2ـ أبو الصباح الكناني3ـ الحلبي4ـ زرارة 5 ـ أبوبصير 6ـ منصور بن حازم.
هؤلاء رجال هذه الأحاديث، وفيهم من يحتج بحديثه على الوجه الأتم والأكمل كزرارة والحلبي،غير أنّ في الاحتجاج بهذه الأحاديث مشاكل نشير إليها:
أوّلاً: أنّ هذه الروايات رواها الشيخ فقط من بين المشايخ الثلاثة، وما رواها الكليني ولا الفقيه، فلا تجد في كتابيهما أثراً عن هذه الأحاديث وإنّما تفرّد الشيخ بنقلها، فنقلها كما نقل الأحاديث الدالّة على التنصيف فرجّح الأحاديث الأُولى وحمل ما دلّ على النصف على الاستحباب بمعنى أنّه يستحب للمرأة أو لأوليائها ترك نصف المهر.
وثانياً: أنّ بين رواة هذه الأحاديث كزرارة والحلبي من روى أيضاً خلافه، كما سيوافيك بيانه عند البحث عن دليل القول بالتنصيف.
ثالثاً: أنّ في هذه الأحاديث قرينة واضحة على صدورها تقية، وإليك بيانه: وذلك: انّ منصور بن حازم سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)مرة عن الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يدخل بها؟ قال: «لها صداقها كاملاً». (1075)
ثمّ رجع إليه مرة أُخرى سأله عن تلك المسألة أيضاً، قال الإمام: «لها المهر كاملاً ولها الميراث»، فقال ابن حازم للإمام: فإنّهم رووا عنك أنّ لها نصف المهر؟ قال الإمام: «لا يحفظون عنّي، فإنّما ذلك للمطلقة». (1076)
ثمّ إنّ السائل يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)شيئاً ثالثاً وهو أنّه قال له: «ما أجد أحداً أُحدِّثه، وإنّي لأُحدِّثُ الرجل بالحديث فيتحدث به فأُوتي فأقول: إنّي لم أقله».(1077)
فإنّ إمعان النظر في الجملة الأخيرة يرفع الستر عن وجه الحقيقة وأنّ الإمام (عليه السلام)كان حدّث بالنصف أوّلاً فأذاعته الرواة بين أبناء العامة، فلمّـا أتوا إلى الإمام (عليه السلام)ثانياً نفى التحدّث؟ وقال: «إنّي لم أقله» وكأنّه يريد بذلك ما قاله في الحديث الثاني، بقوله: «لا يحفظون عنّي، فإنّما ذلك للمطلّقة» فهو بمنزلة قوله: «إنّي لم أقله» فيكون الحكم بالنصف حكماً واقعيّاً، أنكره الإمام لمصلحة فيعرب أنّ ما صدر من الإمام في ذلك الموقف كان للتقية ومماشاة لأبناء العامة.
قال الشيخ الحرّ العاملي بعد نقل الرواية الأخيرة: وهذا قرينة واضحة على حمل حديث «منصور بن حازم» السابق على التقية. وتظهر حقيقة الحال بالرجوع إلى كتبهم.
نعم إنّ المسألة (موت أحد الزوجين بعد الفرض وقبل الدخول) غير معنونة غالباً في كتب أهل السنّة وإنّما المعنون في كتبهم مسألة أُخرى وهي: (موت أحد الزوجين قبل الفرض وقبل الدخول) وقد اختلفت كلمتهم فيها فمن قائل بمهر المثل قياساً بمسألتنا من وجوب مهرالمسمّى فيها، وهو يعرب عن وجود التسالم بينهم فيها، إلى آخر قائل بعدم الوجوب.
قال الشيخ: إذا مات أحدهما قبل الفرض وقبل الدخول فلا مهر لها، وبه قال من الصحابة عليّ (عليه السلام) وابن عباس، وزيد، والزهري، وبه قال ربيعة ومالك والأوزاعي وأهل الشام وهو أحد قولي الشافعي.
والقول الآخر: لها مهر مثلها، وبه قال ابن مسعود، وأهل الكوفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوريّ وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق. (1078)
يقول ابن قدامة في مسألة «لو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل الفرض» : إنّ لها مهر نسائها، لأنّ الموت يكمل به المسمّى فكمل به مهر المثل المفوضّة كالدخول. وقياس الموت على الطلاق غير صحيح، فإنّ الموت يتم به النكاح فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه، ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت العدّة بالموت قبل الدخول ولم تجب بالطلاق وكمل المسمّى بالموت ولم يكمل بالطلاق.(1079)
وقال ابن رشد: إذا مات الزوج قبل تسمية الصداق وقبل الدخول بها. فإنّ مالكاً وأصحابه والأوزاعي قالوا: لها صداق ولها المتعة والميراث، وقال أبو حنيفة: لها صداق المثل والميراث، وبه قال أحمد وداود، وعن الشافعي قولان.... (1080)
وليس في هذه المسألة أثر من التنصيف فالكلام يدور بين وجوب تمام مهر المثل، أو عدمه تماماً.
ولعلّه على هذا الأساس يقول شيخنا محمّد جواد مغنية: وإذا مات أحد الزوجين قبل الدخول فلها تمام المهر المسمّى عند الأربعة. (1081)
هذا كلّه حول القول بلزوم دفع المهر كلّه، وإليك دراسة القول الثاني:
ما يدل على لزوم دفع النصف فقط
استدلّ القائلون بانتصاف المهر بموت الزوجة بروايات متضافرة رواها أعلام الرواة وفيهم شخصيات بارزة، نظراء:
1ـ محمّد بن مسلم2ـ أبو عبيدة الحذّاء 3ـ زرارة 4ـ عبيد بن زرارة 5ـ عبداللّه بن الحجاج 6ـ الحلبيّ 7ـ ابن أبي يعفور 8 ـ فضل بن عبد الملك أبو العباس 9ـ أبوالجارود 10 ـ الحسن الصيقل 11ـ جميل بن صالح 12ـ عبداللّه بن بكير.(1082)
روى الأخير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل أرسل يخطب عليه امرأة وهو غائب، فأنكحوا الغائب وفرضوا الصداق ثمّ جاء خبره أنّه توفي بعد ما سيق الصداق، فقال: «إن كان أملك بعد ما توفي، فليس لها صداق ولاميراث، وإن كان أملك قبل أن يتوفّى فلها نصف الصداق وهي وارثة وعليها العدّة». (1083)
والمراد من «أملك» هو أنكح، وكأن الرجل بالنكاح يملك المرأة وهكذا العكس، ويجب علاج هذه الروايات مع ما دلّ على تمام المهر، وقد عرفت في دراسة القول الأوّل أنّ هناك قرينة تدل على أنّ ما دلّ على التمام ورد تقيّة، وأنّ الإمام (عليه السلام)أنكر صدورها على النحو الذي مرّ.
ثمّ إنّ القائلين بعدم الانتصاف، حاولوا أن يعالجوا تلك الروايات الهائلة بوجوه مختلفة نذكرها واحداً بعد الآخر.
1. حمل الروايات الدالّة على الانتصاف على التقية.
يلاحظ عليه: أنّها محاولة فاشلة، لما عرفت من اتّفاق العامة على التمام وليس في كلماتهم أيُّ أثر من الانتصاف حتّى أنّ كلامهم في ما إذا مات الزوج قبل الدخول وقبل الفرض، يدور بين دفع تمام مهر المثل وعدم دفع شيء أصلاً، وليس فيهم من يقول بالانتصاف فيه فكيف في مسألتنا هذه؟
2. الحمل على النسيان والاشتباه وأنّ الإمام (عليه السلام)قال به في المطلقة فاشتبه المراد على الرواة، فنقلوه في المتوفى عنها زوجها، ويدل عليه قوله في رواية منصور بن حازم; قلت: فإنّهم رووا عنك أنّ لها نصف المهر؟ قال: «لا يحفظون عنّي، إنّما ذلك للمطلّقة» . (1084)
يلاحظ عليه بأُمور:
الف: أنّ الاشتباه يتسرّب إلى ذهن واحد أو اثنين من الرواة لا إلى اثني عشر راوياً يعدّ أكثرهم من الطبقة العليا من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، ومن المستحيل عادة أن يشتبه المراد على هؤلاء الذين طرحوا الأسئلة في مجالس متعدّدة وسمعوا الجواب منهم ونقلوه.
ب: أنّ الاشتباه في نقل الجواب لا يتلاءم مع متون أسئلتهم، لأنّ جميع الأسئلة راجعة إلى موت الزوج، فكيف يمكن أن يكون السؤال عن موته ويكون الجواب عن طلاقه؟ فإنّ لازم ذلك أن لا تكون للجواب صلة بالأسئلة المتكررة.
ج: كيف يمكن الحمل على الاشتباه مع أنّه ورد السؤال في بعض الروايات عن موت الزوج والزوجة معاً، وفي بعض آخر عن موت الزوج والزوجة والطلاق قبل الدخول، فجاء الجواب: في الجميع النصف. روى عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها؟ قال: «إن هلكت أو هلك أو طلّقها فلها النصف وعليها العدّة كملاً ولها الميراث». (1085)
3. ما ذكره الشيـخ في كتابيه من حمل انتصاف المهر بمـوت الزوج على الاستحباب بمعنى أنّه يستحب للمرأة ولأوليائها ترك المطالبة، فالواجب هو الكلّ، والمستحب على الأخذ هو الاكتفاء بالنصف.
يلاحظ عليه: أنّه ليس فيها ما يدل على ما ذكروا إنّما الظاهر من الجميع أنّها سيقت لبيان الوظيفة، مضافاً إلى أنّه لايتمشّى مع بعض الروايات كما في رواية زرارة من قوله: «إن هلكت أو هلك أو طلّقها فلها النصف»، فعلى ما ذكره الشيخ، يكون وجوب دفع النصف في هلاكها أو طلاقه من باب الوظيفة، وأمّا في هلاكه من باب الاكتفاء بنصف الوظيفة وإذا رضيت هي أو أولياؤها، يسقط النصف الآخر وهو أشبه باستعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى.
فإن قلت: إنّ الشهرة العمليّة مع روايات التمام، وهي إحدى المرجّحات، بل هل المعيّة للحجة عن اللاّحجّة، والإعراض أحد المسقطات عن الحجّية، فعلى ذلك يجب العمل بروايات التمام حسب ما حقّق في الأُصول.
قلت: إنّما يحتج بالشهرة العملية إذا لم يعلم خطأ العاملين بالرواية، وإلاّ فيعمل بالرواية المخالفة، والمقام من هذا القبيل، فإنّ الأصحاب من عصر الصدوق إلى عصر السبزواري عملوا بروايات التمام وغفلوا عن ورودها تقيّة، وقد أوضحنا أنّها صدرت تقية حتى أنّ الإمام (عليه السلام)التجأ لدفع الشرّ إلى أن ينكر صدورها عنه، فتارة أومأ إلى ذلك، وقال: «لايحفظون عنّي إنّما ذلك للمطلّقة» ، وأُخرى صرّح بذلك وقال: «فأُوتيَ، فأقول: إنّي لم أقله أي تقيّة» مع أنّه قاله.
وأمّا الإعراض فلم يثبت، وذلك لأنّ الكليني والصدوق لم ينقلا إلاّ ما دلّ على الانتصاف، أضف إلى ذلك أنّ القول بالانتصاف نقله أعلام من الرواة، فيعرب عن أنّ الشهرة كانت معه من عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إلى عصر الصدوق (رحمه الله)، فمع ذلك كيف يمكن القول بالإعراض عنها؟
فالظاهر هو العمل بروايات الانتصاف وحمل ما دلّ على التمام على التقيّة.
هذا كلّه حول الصورة الأُولى أي موت الزوج عن المرأة التي لم يدخل بها، وأمّا الصورة الثانية وهي موت الزوجة عن زوج لم يدخل بها، فقد أطبقت الروايات على الانتصاف (1086) ولا مانع من إبقائها على ظواهرها.
نعم أوّل المحقّق هذه الروايات كما أوّل فتوى الشيخ بالانتصاف فيه بأنّها وردت فيما إذا لم يكن للزوجة ولد، فعندئذ يرث الزوج من المهر النصف ويدفع النصف الآخر. (1087)
ولا يخفى أنّ ظاهر الروايات هو أنّ ما يجب عليه من أوّل الأمر هو نصف المهر، لا أنّ الواجب تمامه.
غاية الأمر بما أنّه يرث منها النصف فلا يدفع إلاّ النصف.

1054 . المقنع: 120 ـ 121.
1055 . النهاية: 471 ، كتاب النكاح، باب المهور. وسيوافيك انّ المحقّق في نكت النهاية أوّل قول الشيخ في الصورة الثانية وجعلها من قبيل القول بوجوب دفع الكلّ فانتظر.
1056 . المهذّب: 2/204، باب الصداق.
1057 . الوسيلة: 297.
1058 . المصدر نفسه: 298.
1059 . السرائر: 2/585ـ 586.
1060 . الجامع للشرائع: 439.
1061 . نكت النهاية: 2/ 323.
1062 . المختلف: 7 / 146 ، كتاب النكاح، الفصل الثالث في الصداق.
1063 . التنقيح الرائع: 3/ 225.
1064 . المهذّب البارع: 3/ 397.
1065 . جامع المقاصد: 13 / 364، كتاب النكاح، أحكام المهر، باب وجوب كمال المهر بالوطء أو الموت.
1066 . الحدائق: 24/557ـ 558.
1067 . الحدائق: 24/557ـ 558.
1068 . الجواهر: 29/ 332.
1069 . وسيلة النجاة: 348، كتاب النكاح، فصل المهر.
1070 . تحرير الوسيلة: 2/200، المسألة 14، فصل في المهر.
1071 . النساء: 4 .
1072 . النساء: 19ـ 20.
1073 . مجمع البيان: 2/7، في تفسير الآية، وقد رواه عن الإمام الباقر (عليه السلام).
1074 . الوسائل: ج 15، الباب 24و54 من أبواب المهور.
1075 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 23.
1076 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 24.
1077 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 25.
1078 . الخلاف: 4 / 378، المسألة 18، من كتاب الصداق.
1079 . المغني: 7/175، لاحظ قوله: «إنّ الموت يكمل به المسمّى فكمل به مهر المثل» .
1080 . بداية المجتهد: 2/ 27.
1081 . الفقه على المذاهب الخمسة: 347.
1082 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 1ـ 16 وفيهم من روى عنه الحديث بأكثر من طريق واحد كزرارة وعبيد بن زرارة، وقد روى عن الأوّل بطريقين وعن الثاني بثلاث طرق ولذلك ارتقى عدد الأحاديث إلى 16 حديثاً وانخفض عدد الرواة عن الإمام (عليه السلام)، إلى 12 شخصاً.
1083 . المصدر نفسه، الحديث 16.
1084 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 24.
1085 . المصدر نفسه، الحديث 3، وبهذا المضمون الحديث 7، 8 ، 9و13 غير أنّ السؤال فيها عن موتهما وليس فيها سؤال عن الطلاق.
1086 . الوسائل: ج 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 3، 7، 8، 9.
1087 . مضى كلام المحقّق في نكت النهاية، فلاحظ.