قائمة المواضيع :
في الرشوة موضوعاً وحكماً
الرشوة مثلث الفاء مأخوذة من رشا الفرخ. إذا مدّ رأسه إلى أُمّه لتزقَّه أي لتطعمه بمنقاره، والرشا: رسّ الدلو، الذي يتوصّل به إلى الماء.وقال ابن فارس: «رشي» أصل يدلّ على سبب أو تسبب لشيء برفق وملاينة. تقول: ترشيت الرجلَ: لاينته، وراشيتُ الرجل: إذا عاونتَه فظاهرته.
وبإحدى المناسبات الثلاث، تطلق الرشوة على الشيء المدفوع إلى القاضي وغيره لغاية خاصّة، فعمل الراشي أشبه بعمل الفرخ، أو ملقي الدلو إلى داخل البئر، ليتوصّل به إلى الماء، لكن بمرونة وملاينة، ولطافة.
ويقع الكلام في أُمور:
الأوّل: الرشوة في المعاجم وكلمات الفقهاء
1. قال الفيّومي: الرشوة: ما يعطيه الشخص الحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد.
2. قال ابن الأثير: الرِشوة والرُشوة: الوُصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشا الذي يتوصّل به إلى الماء، فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي : الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما، يستزيد لهذا ويستنقص لهذا. فأمّا من يعطي توصّلاً لأخذ حقّ، أو دفع ظلم فغير داخل فيه.
3. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: الرِشو ـ بكسر ـ ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد.
4. وقال الطريحي : قلّما تستعمل الرشوة إلاّ فيما يتوصّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل، وهو ظاهر.
5. وقال الفيروز آبادي: الرشوة الجُعل.
والمتحصّل من ضمّ البعض إلى بعض أنّ الرشوة، ما يتوصّل به إلى الحكم لمصالح الدافع حقّاً كان أو باطلاً، وأحسن التعابير ما ذكره الزمخشري حيث قال: ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له.
هذه كلمات اللغويين وإليك كلمات الفقهاء بوجه موجز:
1. قال الشيخ: والقاضي بين المسلمين والعامل عليهم يحرم على كل واحد منهم الرشوة، لما روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لعن الله الراشي و المرتشي في الحكم وهو حرام على المرتشي بكل حال، وأمّا الراشي فإن كان قد رشاه على تغيير حكم أو إيقافه فهو حرام».(1093)
2. وقال ابن إدريس:والقاضي بين المسلمين والحاكم والعامل عليهم يحرم على كلّ واحد منهم الرشوة... إلى آخر ما نقلناه عن الشيخ بنصّه.(1094)
3. وقال العلاّمة: والرشوة حرام على آخذها ويأثم دافعها إن توصّل بها إلى الباطل لا إلى الحقّ ويجب على المرتشي إعادتها، وإن حكم عليه بحقّ أو باطل.(1095)
4. وقال العاملي: الرشوة للحكم حقّاً أو باطلاً كما هو الحقّ فهي حرام على الراشي أيضاً مطلقاً ولاينبغي تعريفها بأنّها التي يشترط بإزائها الحكم بغير الحقّ، أو الامتناع من الحكم بالحقّ كما صنع بعض الأصحاب.(1096)
5. وقال السيّد الطباطبائي: الرشوة ما يبذله للقاضي ليحكم له بالباطل، أو ليحكم له حقّاً كان أو باطلاً، أو لتعلِّمه طريق المخاصمة حتى يغلب خصمه.(1097)
ولابدّ من تخصيص الجزء الأخير من كلام السيّد الطباطبائي بما إذا كان المتعلّم مبطلاً، وإلاّ فتعليم المحقِّ للغلبة على الباطل لايكون حراماً.
ولعلّ أغلب هذه الكلمات تهدف إلى معنى واحد و هو دفع مال أو غيره إلى القاضي ليحمله على مايريد وهو على أقسام:
1. أن يحمله على الحكم بالباطل.
2. أن يحمله على الحكم بما يريد من دون تقييده بالحقّ وبالباطل.
3. أن يحمله على الحكم بالحقّ بحيث لولا الدفع لما حكم به قطعاً أو احتمالاً.
والظاهر دخول الجميع تحت الرشوة كما عرفت في كلام العاملي، وجوازها لأجل قاعدة لاضرر وغيرها لايكون دليلاً على خروجها عنها موضوعاً كما سيأتي. و تفسيرها بالبذل لإبطال الحقّ أو إحقاق الباطل تفسير بالمصداق الغالبي و حاصل مفهومها التزام القاضي في مقابل أخذ مال أو غيره، بعمل، لولاه لما قام به سواء كان ذلك العمل إبطالاً لحقّ أو إحقاقاً لباطل، أو حكماً بالحقّ.
الثاني: الرشوة غير مختصّة بباب القضاء
إذا كانت الرشوة ما يتوصّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل، فلاتختصّ بالقاضي، بل تعمّ الحاكم والعامل، وقد عرفت في كلام الشيخ وابن إدريس عطفَ الحاكم والعامل إلى القاضي، بل تعمّ مايدفع إلى موظّف أو ظالم مقتدر، ليستعين به في محو الحقّ أو إحياء الباطل، أو الحكم بالحقّ، بحيث لولاها لما حكم.وهو الظاهر من كلام الزمخشري حيث قال:«ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له، أو يحمله على مايريد».
فإن قلت: ظاهر الآية، أعني: قوله سبحانه:(وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَكُمْْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالَ النّاسِ بِالإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُون)(1098) اختصاصها بما إذا كان الآخذ حاكماً والمراد منه القاضي فلا يشمل ما إذا دفع شيئاً لغير القاضي، من سائر الحكّام والموظّفين ، والظالمين للاستعانة بهم فيما يريده، من إبطال الحقّ، أو تمشية الباطل و غيرهما.
قلت: سيوافيك عند البحث عن حكم الرشوة أنّ القيود الواردة
في الآية، غالبيّة، وليست لها خصوصية وذلك لأنّ إبطال الحقّ، في
العصور السابقة والعصر الحاضر، بيد القضاة ولأجل ذلك خصّ القضاة بالذكر فيكون القيد وارداً مورد الغالب.
وأمّا الروايات فما اقترن فيها الرشاء بالحكم، لايهدف إلى اختصاصها بالحكم، بل بصدد بيان أنّ الرشاء في الحكم، كفر بالله(1099) أو سحت،(1100) أو شرك(1101)، لا أنّ الرشاء مختصّ بباب الحكم، بل الرشاء مفهوم عام وله مصاديق ولكن حرمة قسم منه مؤكّدة وهو الرشاء في الحكم، فهو سحت، وكفر بالله، وشرك به.
الثالث: حكم الرشوة في الكتاب والسنّة
إنّ حرمة الرشوة من ضروريات الفقه الإسلامي التي دلّ عليها الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، بل اتّفقت عليها الشرائع السماوية وعقلاء العالم وإن لم يكونوا منتحلين إلى شريعة، ولذا تعدّ حرمة الرشوة في الإسلام، حكماً إمضائيّاً، لا تأسيسيّاً.
فمن الكتاب قوله سبحانه:(وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَكُمْْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا
بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُون
)(1102)،
وقد جاء صدر الآية أيضاً في آية أُخرى (1103) ولكن لاصلة لها بالمقام
وفسّرها في المجمع بالنحو التالي:
«لايأكل بعضُكم مال بعض بالغصب والظلم والوجوه التي لاتحلّ، وتلقوا بالأموال إلى القضاة لتأكلوا طائفة من أموال الناس، بالعمل الموجب للإثم وكان الأمر بخلافه وأنتم تعلمون أنّ ذلك الفريق من المال ليس بحقّ لكم وأنتم مبطلون».(1104)
وقال السيّد الأُستاذ (قدس سره)في الميزان: «الإدلاء إرسال الدلو في البئر لنزح الماء كُنيّ به عن مطلق تقريب المال إلى الحكّام ليحكموا كما يريده الراشي، وهو كناية لطيفة تشير إلى استبطان حكمهم، المطلوب بالرشوة الممثِّل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة إلى من يريده، والآية مسوقة للنهي عن تصالح الراشي و المرتشي على أكل أموال الناس بوضعها بينهما وتقسيمها لأنفسهما بأخذ الحاكم ما أُدلي به منها إليه، و أخذ الراشي فريقاً آخر منها بالإثم، وهما يعلمان أنّ ذلك باطل غير حقّ».(1105)
والحاصل: أنّ صدر الآية نهى عن مطلق أكل الأموال بالباطل كما ذكره الطبرسي، لكن قوله تعالى:(وَتُدْلُوا بِها )إشارة إلى قسم خاص منه وهو تقريب بعض المال إلى الحاكم ليحكم لصالحه حتّى يتسنّى للراشي أكل البعض الآخر الذي يدلّ عليه قوله تعالى:(لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ) .
والغاية من دفع المال إلى الحاكم، هو حكمه لصالحه، وهما يتواطآن على ذلك بأنّ هذا بدل ذاك، سواء صرّحا بذلك أو أضمرا وكان معلوماً لهما وبذلك يتّضح الفرق بين الرشوة والهديّة، فالأوّل مشتمل على المقابلة صريحاً أو مضمراً بخلاف الثاني، فليس هناك أيّة مقابلة لا في الظاهر ولا في الباطن، والفرق بينهما كالفرق بين البيع والهبة ويشير إلى ما ذكر، حرف اللام في قوله :(لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوالِ النّاسِ)واللام للغاية.
ويدلّ على الحرمة لفيف من الروايات التي أشرنا إلى مواضعها فلاحظ.
هذا والرشوة من المفاهيم ذات الإضافة، إضافة إلى الراشي، وإضافة إلى المرتشي، وإلى المال المعطى(الرشوة) فإذا دلّ الدليل على حرمة الرشا، فيكون دليلاً على كونه حراماً على المعطي والآخذ، ولأجل ذلك ترى أنّ الآية توجّه الخطاب إلى الراشي أوّلاً وبالذات وتقول:(ِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوال النّاسِ بِالإِثْم) ، وبذلك تستغني عن الاستدلال على الحرمة في جا نب المعطي بالنبوي المروي من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لعن الله الراشي والمرتشي».(1106)
وقال السيّد الطباطبائي : كما يحرم على الآخذ، كذا يحرم البذل على الباذل لقوله: «لعن الله الراشي والمرتشي» ولكونه إعانة على الإثم.(1107)
يلاحظ عليه: أمّا النبوي فلم يثبت سنده وأمّا الثاني فمنصرفه ما إذا كان الغير قاصداً لارتكاب الحرام، فالآخر يعينه في ذلك الهدف مثلاً لو حاول ضربَ اليتيم، فيعطيه العصا، أو قتل إنسان فيعينه بالآلة القتّالة، وأمّا إذا لم يكن المقصود الأصلي هو إعانة الغير ودفعه إلى المحرّم، بل كان الهدف الأصلي هو أكل الدافع أموال الناس بالإثم في ظلّ حكم القاضي فشمولها له مورد تأمّل.
والأولى الاستدلال بنفس الآية المغني عن هذه المستمسكات.
الرابع: حكم الرشا في إحقاق الحقّ
قد عرفت أنّ الرشا، هو دفع شيء للقاضي ليلزم بشيء من غير فرق بين الحكم بالباطل أو الحكم لصالحه حقّاً كان أو باطلاً أوالحكم بالحقّ، لكن يقع الكلام في أنّه هل يجوز إذا توصّل بها إلى حقّ؟ ثمّ إنّ للتوصّل بها إليه صورتين: إمّا يتوقّف إنقاذ الحقّ عليها أو لا. وعلى كلا التقديرين إذا جاز للدافع فهل يجوز للآخذ أو لا؟
قال الشيخ: وإن كان لإجرائه على واجبه لم يحرم عليه، أن يرشوه كذلك لأنّه يستنقذ ماله فيحلّ ذلك له ويحرم على آخذه، لأنّه يأخذ الرزق من بيت المال. وإن لم يكن له رزق كما إذا قال لهما: لست أقضي بينكما حتّى تجعلا لي رزقاً حلّ ذلك له حينئذ عند قوم و عندنا لايجوز بحال.(1108)
وقال ابن إدريس: إن كان على إجرائه على واجبه لم يحرم عليه أن يرشوه لأنّه يستنقذ ماله، فيحلّ ذلك له ويحرم على الحاكم أخذه.(1109)
وقال المحقّق : ولو توصّل إلى حقّ لم يأثم.(1110)
وقال السيّد الطباطبائي: نعم لو كان كارهاً في الدفع لاحرمة عليه، وكذا لو توقّف استنقاذ حقّه على ذلك وإن كان محرّماً على الآخذ.(1111)
أمّا جوازه للدافع فلوجهين:
الأوّل: عدم دخوله في الآية المباركة، لأنّ الغاية من الدفع فيها هو أكل أموال الناس بالإثم وهو لايريد سوى استنقاذ حقّه فليس عمله داخلاً في الغاية.
الثاني: قد عرفت أنّه داخل في الرشوة موضوعاً ولكن، يحكم عليه بالحلّية في هذا الفرض لقاعدة لاضرر. وأمّا كونه حراماً على الآخذ لأنّه أكل المال بالباطل فعمله داخل في صدرها.و إنّما تصدق الرشوة في حقّ المنصوب بالقضاء والحكم فإذا مُنع من الرشوة لما حكم بالحقّ، بل حكم بالباطل.لأخذ الرشوة من صاحبه، وأمّا من ليس منصوباً بالقضاء، فيطلب الأُجرة على القضاء بالحقّ وإلاّ، فلايتصدّى للأمر ، فهو خارج عن موضوع البحث، وداخل في جواز أخذ الأُجرة على القضاءوعدمه. وبذلك تعلم الخلل في كلام الشيخ الطوسي حيث فرض المسألة في الصورة الأخيرة كما لايخفى.
ثمّ هل الدفع من جانب المعطي رشوة محلّلة كما هو الحال في صورة الإكراه، أو ليس رشوة موضوعاً وإن كان رشوة بالنسبة إلى الآخذ. لايترتّب على ذلك ثمرة، وإن كان الأوّل لايخلو عن قوّة. و قد عرفت وجود السعة في التعريف السابق لها: وهو الدفع لأجل الحكم بالباطل، أو الحكم لصالحه حقّاً كان أو باطلاً، بإضافة مايشمل ذلك القسم أيضاً.
ثمّ إذا لم يتوقّف استنقاذ الحقّ عليه، كما إذا كان لأخذ الحقّ، طريقان: أحدهما ذلك، والآخر التقاص من ماله، أو التوسل بأصحاب القدرة فهل يجوز أو لا؟ فيه وجهان:
1. الجواز، لانتفاء الغاية الواردة في الآية من أكل أموال الناس بالإثم ولقاعدة لاضرر، كما مرّ، وتوهم أنّه من باب الإعانة على الإثم قد عرفت حاله.
2. عدمه لكون الرشوة أوسع ممّا جاء في الآية ، و لا موضوع لقاعدة لا ضرر لعدم الضرر بعد وجود طريق مشروع لأخذ الحقّ. و الثاني هو الأقوى لأنّه رشوة.
الخامس: في عدم اختصاص الرشوة بالمال والقاضي والحقّ
ثمّ إنّ هنا أُموراً ثلاثة لايدلّ عليها منطوق الآية ولكن يمكن استخراج حكمها بالتأمّل، منها:
1. هل الرشوة تختصّ بالمال، أو تعمّ غيره كالخياطة، أو قضاء حاجة القاضي في موضوع آخر، أو مدحه بالشعر والخطابة؟ يظهر من السيّد الطباطبائي كونها أعم. قال: الرشوة قد تكون مالاً من عين أو منفعة، وقد تكون عملاً للقاضي كخياطة ثوبه أو تعمير داره أو نحوهما، وقد تكون قولاً كمدحه والثناء عليه.(1112)
والعرف يساعده، وأمّا الآية فالمذكور فيها، هو إدلاء المال إلى الحاكم ولكنّه وارد مورد الغالب، والمقصود أنّ كلّ تسبب إلى الغاية المحرّمة (أكل أموال الناس بالإثم) حرام فحرمة الغاية توجب سراية الحرمة إلى كلّ سبب، مالاً كان أو منفعة، أو عملاً للقاضي.
2. وبذلك تعلم الحال في دفع المال إلى الظالم للغاية المحرّمة وإن لم يكن قاضياً، فهو أيضاً من مصاديق الرشوة، وقد مرّ أنّ ذكر الحكّام في الآية من باب أغلب المصاديق.
قال السيّد الطباطبائي: لاتختصّ الرشوة بما يبذل للقاضي ليحكم له، بل تجري في غير الحكم أيضاً، كما إذا بذل شيئاً لحاكم العرف أو الظالم أو رئيس ليعينه على ظلم أو غيره من المعاصي ونحو ذلك فتكون حراماً.(1113) نعم لو بذل له شيئاً ليعينه على إحقاق حقّ أو دفع ظلم أو أمر مباح فلا إشكال.وأمّا في القاضي فقد مرّ الكلام فيه و أنّه رشوة محرّمة .
3. كما أنّ بذل الرشوة لأكل المال بالإثم حرام، وكذلك تحرم إذا كان الهدف إبطال الحقّ كما إذا رشا القاضي ، ليحكم بأنّ حقّ الحضانة في البنت فوق السنتين للأب، مع أنّه للأُم إلى سبع سنين، وذلك لأنّ أكل المال بالإثم، وارد مورد الغالب.
السادس: حكم بيع المحاباة
وهو بيع الغالي بقيمة رخيصة، كبيع ما يساوي ألف، بمائة، وتكون المعاملة غطاءً لدفع المال إلى القاضي ليحكم له. ولاشكّ في حرمته لحرمة غايته وهو أكل أموال الناس بالإثم، إنّما الكلام في فساده .قال في الجواهر في شرح قول المحقّق :«ويجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها » ما هذا نصّه: حتّى لو وقعت في ضمن عقد هبة أو بيع محاباة أو وقف فإنّه بناء على أنّ نحو ذلك من أفراد الرشا لا ريب في فساد العقود المزبورة نحو ما كان منها إعانة على الإثم ترجيحاً لأدلّة فسادها على ما يقتضي صحّتها، بل النهي فيها عن نفس المعاملة بل لعلّ ذلك مبني على فساد الرشوة التي هي غالباًتكون بعنوان الهبة رشوة.(1114)
يلاحظ عليه: أنّه إذا لم يكن النهي متعلّقاً بنفس المعاملة، بل بعنوان خارج عن حقيقتها، ككونها إعانة على الإثم، أو رشوة ففي مثلها لايقتضي الفساد، إذ غاية ما ذكره ، أنّ العقد والمعاملة أي الإيجاب والقبول، مصداق لعنوان الرشوة، ولكن المعاملة ليست محرّمة بالذات، فعندئذ تصحّ المعاملة ويكون نفس العمل حراماً تكليفاً.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم قسَّم المعاملة المحابى فيها إلى أقسام ثلاثة ورجّح الفساد في الجميع، قال: وله أقسام:
1. ما لم يقصد من المعاملة إلاّ المحاباة التي في ضمنها.
2. قصد المعاملة لكن جعل المحاباة لأجل الحكم له بأن كان الحكم له من قبيل ما تواطآ عليه من الشروط غير المصرّح بها في العقد وهي الرشوة.
3. قصد أصل المعاملة، ثمّ حابى فيها لجلب قلب القاضي فهي كالهدية ملحقة بالرشوة وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوي.(1115)
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ رمي الجميع بسهم واحد غير تامّ، والأوّل باطل لأجل عدم قصد المعاملة. والثاني باطل لأجل بطلانها بمقدار المحاباة، المستلزم لبطلان أصل المعاملة. وأمّا الثالث: فقابل للملاحظة فربّما يقال أنّ ظاهر القواعد الصحّة، لكون الرشوة داعياً فيها. إلاّ أن يقال فيها بالبطلان فإنّ الهدية غطاء على الرشوة و واجهة لها فانتظر.
الثاني: أنّ سياق كلامه أنّ البطلان لأجل انطباق أمر خارج على المعاملة، وقد عرفت أنّه لايستلزم البطلان.
نعم للسيّد الطباطبائي كلام في المقام أشار في آخره بما يمكن أن يكون سنداً للبطلان.
قال معترضاً على كلام المحقّق الأنصاري : إنّه اختار في مسألة الإعانة على الإثم عدم فساد البيع إذا قصد توصل الغير إلى المحرّم مثل بيع العنب ليعمل خمراً، وذلك لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة وهو الإعانة ـ إلى أن قال : ـ وإلاّ فالأوجه عدم الفساد لما ذكر من تعلّق النهي بأمر خارج عن المعاملة ولانسلّم ما ذكره صاحب الجواهر من بقاء المال على ملك الراشي بأيّ طريق كان وإنّما هو مسلّم في صورة البذل من غير أن يكون بعقد من العقود ـ إلى أن قال: ـ نعم يمكن أن يقال إنّه إذا قصد الرشوة بالمعاملة المحاباتية يصدق عرفاً أنّ العين الموهوبة رشوة فتكون حراماً ولازمه بطلان المعاملة، وهذا هو الفرق بين المقام وبين مسألة الإعانة. وعليه لابدّ أن يفصّل بين المذكورات وبين البيع بثمن المثل بقصد الرشوة فيما إذا كان للقاضي غرض في المبيع ولو بعوض مثله.(1116)
الأمرالسابع: في حكم الرشوة ردّاً و ضماناً
إنّ المأخوذ رشوة أو الملحق بها حكماً ـ كما هو الحال في الهدايا الّتي تُقدّم إلى القاضي والتي سيوافيك حكمهاـ هل يجب ردّه مادام باقياً، ويضمن إذا تلف أو أتلفه الآخذ، أو لا؟ والمحكي عن فقهاء العامّة أنّ المرتشي يملكها و إن فعل حراماً، و نقل عن بعض آخرين أنّه يضعها في بيت المال. (1117)وإليك نقل بعض الكلمات:
1. قال الشيخ: كلّ موضع قلنا يحرم عليه فإن خالف و قبل فما الذي يصنع؟ فإن كان عامل الصدقات ، قال قوم: يجب عليه ردّها، وقال آخرون: يجوز أن يتصدّق عليه بها، والأوّل أحوط، وأمّا هديّة القاضي قال قوم: يضعها في بيت المال ليُصرف في المصالح، وقال آخرون: يردّها على أصحابها وهو الأحوط عندنا.(1118) ولم يذكر الشيخ حكم التلف ولعلّ نظره فيه يعلم من حكمه بوجوب الردّ، إذ لو وجب الردّ، يلزمه الضمان مع التلف، وإلاّ فيكون الحكم بعدم الضمان مناقضاً مع وجوب الردّ كما سيوافيك .
2. قال المحقّق: ويجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها، ولو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له.(1119)
3. قال العلاّمة: وتجب على المرتشي إعادتها وإن حكم عليه بحقّ أو باطل، ولو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها.(1120)
4. وقال أيضاً: وعلى المرتشي إعادتها فإن تلفت ضمن.(1121)
5. قال الشهيد الثاني: وتجب على المرتشي إعادة الرشوة على صاحبها على خلاف بعض العامّة حيث ذهب إلى أنّه يملكها وإن فعل حراماً لوجود التمليك، وآخرين حيث ذهبوا إلى أنّه يضعها في بيت المال، والأظهر ما ذكره المصنّف من عدم ملكها مطلقاً ووجوب ردّها إلى المالك ويضمنها إلى أن يصل.(1122)
6. قال المحقّق الأردبيلي: وممّا سبق يعلم وجوب الإعادة على المرتشي وأنّه لابدّ من دفعه فورياً مع وجود العين، ومع التلف عوضاً مثلاً وقيمةً على الوجه المقرّر في ضمان المتلفات سواء أكان بتفريطه أم لا مثل الغصب فإنّ اليد ليست بيد أمانة.(1123)
7. قال صاحب الجواهر: ولا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك كما هو مقتضى قوله: « إنّها سحت» وغيره من النصوص الدالة على ذلك وأنّ حكمها حكم غيرها ممّا كان من هذا القبيل. نعم قد يشكل الرجوع بها مع تلفها وعلم الدافع بالحرمة باعتبار تسليطه والتحقيق فيه ما مرّ في نظائره.(1124)
إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة لما سبق. ويقع الكلام في وجوب ردّها أوّلاً، وضمانها بمثل أو قيمة ثانياً.
وبعبارة أُخرى: يقع الكلام تارة في الحكم التكليفي أي وجوب الردّ ، وأُخرى في الحكم الوضعي أي الضمان لدى الإتلاف والتلف.
أمّا وجوب الردّ فلما مرّ من عدم تملّكها، لتعلّق النهي بذات المعاملة (الرشوة) الدالّ على فساد التمليك العرفي، الملازم لبقائها في ملك مالكها، من غير فرق بين أن يملّكها بنفسها أو وقعت في ضمن بيع محاباة لما عرفت من صدق الرشوة على العين عرفاً ويظهر من خبر ابن اللتبية الوارد في الهدايا التي تقدّم إلى عامل الصدقات، أنّه لايملكها وسيوافيك نصّ الحديث عند البحث في الهديّة .
أمّا ضمانها على المرتشي إذا تلفت أو أتلفها المرتشي فقد عرفت عبارات الأصحاب، الحاكية عن الضمان إنّما الكلام في دليله. فنقول: استدلّ بعموم« على اليد ما أخذت حتّى تؤّدي» (1125) خرج منه ما أُخذ أمانة كالوديعة وغيرها والمفروض أنّه لم يُسلّطه على العين إلاّ في مقابل عوض و لم يجعلها عنده أمانة ، ولم يهتك حرمة ماله، بل طلب به ماهو أعزّ وأغلى ممّا دفع. ولمّا حكم الشارع ببطلان المعاملة، بقيت العين على ملك مالكها، فيكون أخذها بعنوان المعاوضة موجباً للضمان، حتّى يردّ عينها أو مثلها أو قيمتها.وما تقدّم من صاحب الجواهر من «أنّه قد يشكل الرجوع بها مع تلفها وعلم الدافع بالحرمة باعتبار تسليطه» فقد أوضحه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة وقال: ولعلّ وجه الضمان لأنّ الراشي إنّما بذل في مقابلة الحكم فيكون إعطاؤه بعنوان المعاوضة ويدخل في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده »، ثمّ استشكل عليه بوجوه ثلاثة وقال: وفيه:
أوّلاً: أنّه أخصّ من المدّعى إذ قد يكون لا بعنوان المعاوضة، بل إنّما يعطى مجّاناً وعوضه جلب قلب القاضي فلايكون في مقابلة الحكم، والغرض غير العوض.
وثانياً: لادليل على القاعدة المذكورة كما بيّن في محلّه.
وثالثاً: أنّ المفروض أنّ الراشي راض بإتلاف المرتشي إيّاها، فيكون هو الهاتك لحرمة ماله حيث إنّه سلّطه عليه مع علمه بعدم ملكيّته وحرمته عليه، فرضاه وإن كان مقيّداً بالعوض الذي هو الحكم إلاّ أنّ قيده حاصل بعد فرض الحكم له، فحاله حال سائر المقبوضات بالعقود الفاسدة وقد بيّنا فيها عدم الضمان مع التلف.نعم لو كان رضاه مقيّداً بالحكم له ولم يحكم له يمكن أن يقال فيه بالضمان، لأنّ المفروض أنّ رضاه كان مقيّداً والقيد لم يحصل.(1126)
يلاحظ على الوجه الأوّل: وقد سبقه الشيخ الأنصاري في هذا التفصيل قائلاً: «بأنّ الرشوة حقيقة جعل على الباطل بخلاف ما إذا لم يقصد بها المقابلة فأعطى مجّاناً ليكون داعياًعلى الحكم وهو المسمّى بالهبة، فإنّ الظاهر عدم ضمانه، لأنّ مرجعه إلى هبة فاسدة، إذ الدّاعي لايكون عوضاً » بأنّه إنّما يتمّ في مورد لم يكن هناك التفات من القاضي إلى ما أضمره المُهدي، وإلاّ تكون العين في مقابل الحكم، لصالحه والقاضي الملتفت إلى نيّة الدافع يتلقّاه رشوة، ويقف على أنّ عنوان الهدية غطاء على القبيح، وواجهة لما هو المذموم شرعاً وعرفاً، ومع ذلك كيف يتلقّاه هدية، ولايُعتبر في كون الشيء عوضاً، التصريح به، بل تكفي الإشارة والإيماء إلى أنّ الدافع يطلب من تقديمه إليه، هو حكمه لصالحه وإنّما يصرِّح بالتقابل والمعاوضة، البسطاء من الناس وأمّا أهل الخبرة فيدفعونه بعناوين، صوناً لمقام القضاء في الظاهر عن القبيح، وما هو إلاّ شيطنة منهم .
والحاصل: أنّ الهدية بشرط التفات القاضي إلى واقع الأمر رشوة ، موضوعاً وحكماً أو حكماً فقط، وإن كان التحقيق هو الأوّل فلايكون الدليل أخصّ من المدّعى.
يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّه لا يضرّ بالمقصود إذ الدليل على الضمان ، هو دليل القاعدة أعني: قاعدة اليد، أو قاعدة الإقدام، لا نفس القاعدة، سواء أصحّت أم لا.
ويلاحظ على الوجه الثالث، أعني قوله: «أنّ المفروض أنّ الراشي راض بإتلاف المرتشي إيّاها، فيكون هو الهاتك لحرمة ماله حيث إنّه سلّطه عليه مع علمه بعدم ملكيتّه وحرمته عليه، فرضاه وإن كان مقيّداً بالعوض الّذي هو الحكم إلاّ أنّ قيده حاصل بعد فرض الحكم له»، فهو يرجع إلى أمرين:
1. « إنّه الهاتك لحرمة ماله»، ولكنّه ممنوع، إذ كيف يوصف كذلك مع أنّه بصدد أن يأخذ من القاضي ما هو أعز وأغلى ممّا دفع بمراتب.
وبعبارة أُخرى: إنّما دَفعَ ما دَفَعَ ليلتزم القاضي على شيء من الأُمور الثلاثة الماضية.
2. «إنّ رضاه كان مقيّداًوقد حصل قيده» وهو أيضاً مثل ما سبق، وذلك لأنّ رضا الراشي بتصرّف القاضي فيه لم يكن مغايراً لرضاه بالتصرّف فيه بعنوان الرشوة والمفروض أنّ الشارع حكم ببطلانها فيكون وجود الرضا كعدمه، فيصير مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، وذلك لعدم صلاحية ذلك الرضا للخروج عنه، ولايكون علم الدافع بفساد المعاملة سبباً لنشوء رضى آخر حتّى يكون هو المسوِّغ للتصرّف والرافع للضمان، بل الراشي إنّما رضى بالتصرّف بالعنوان المحرّم، علم بتحريمه أو لا ومثل ذلك الرضا لايكون سبباً للحلّية وإلاّ لزم أن يكون ثمن المغنيّة وأجر الزانية حلالاً لرضا الدافع بالتصرّف فيه .
وما ذكرناه جار في جميع العقود الفاسدة ، محرّمة كانت أو لا كبيع الصبي والمحجور، لأنّ المفروض أنّ الرضا فيها رضاً معاملي، والمفروض أنّ الشارع تلقّاه لغواً وفاسداً غير مؤثر، وليس هناك رضاً آخر يؤثّر في جواز التصرّف ورفع الضمان ، فيكون المرجع هو عموم على اليد و لم يثبت المخصِّص.
وهناك إشكال آخر يتوجّه على كلامه وهو: لو كان رضا الراشي وكونه هاتكاً لحرمة ماله، رافعاً للضمان وسبباً لجواز التصرّف فيه ، يلزم عدم وجوب الردّ مع أنّ الكل اتّفقوا على وجوبه، والجمع بين وجوب الردّ وعدم الضمان أشبه بالجمع بين الضدّين .
وممّا ذكر من اختصاص البحث بما إذا كان القاضي ملتفتاً إلى نيّة الراشي والمُهدِي، يعلم ضعف ما أفاده في الجواهر من الإشكال في الضمان مع التلف، فيما إذا كانت الرشوة من الأعمال التي تبرَّع بها الراشي ونحوه ممّا لابد فيه للمرتشي ولا أمر بالعمل. (1127) اللّهم إلاّ أن يُفصَّل ـ كما احتملناه سابقاً ـ بين العين والمنفعة بأنّ الراشي لمّا كان هو المقدم عرفاً فهو المتلف فلايملك على المرتشي شيئاً من العمل. ومع ذلك فللنظر فيه مجال، لأنّه لم يملّكه إلاّ في مقابل الحكم له الذي طرده الشارع وعدّه فاسداً ولم يملّكه مجّاناً فيدخل تحت قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، لا العكس.
الأمر الثامن: في الفرق بين الهدية والرشوة
إنّ ما يبذل للقاضي والعامل والظالم، ينقسم إلى الرشوة والهدية، والظاهر أنّ الفرق بينهما جوهري يتفارقان به لا بالقصد، والاختلاف في القصد تابع للاختلاف الماهوي، فلو كان البذل في مقابل العوض، بأن يذكر أو يضمر بأنّ هذا مقابل ذاك فهو رشوة، وإلاّ فإن كان البذل بلا عوض بأن كان ناشئاً عن عاطفة قلبية أو رابطة رحمية أو غير ذلك، فهو هدية .
وبعبارة أُخرى: أنّ الطريق الصحيح لاستكشاف الفرق بين الرشوة والهدية هو الدقّة في الفرق بين البيع والهبة غير المعوَّضة، فإنّ الفرق بينهما جوهري في عالم الاعتبار، لا بالقصد والنيّة،حتى ولو اختلف القصد ، فإنّما هو لأجل اختلاف المقصود بالذات ففي البيع التزام بشيء، ليس في الهبة، ولأجل ذلك يقصد البائع مبادلة مال بمال ولايقصده الواهب. وإنّما يقصد أصل البذل بلا عوض. ومثله الرشوة والهدية، فالراشي سواء دفعه صريحاً باسم الرشوة، أو ألبس عليها لباس الهدية فإنّما يبذل في مقابل التزام بما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة، بخلاف ما إذا بذله من دون انتظار عمل، وبذلك يظهر أنّهما عقدان متخالفان ، لايجتمعان في مورد، كاختلاف البيع والهبة عقداً أو معاطاة فما يسمّيه القوم في المقام هديّة فهي عندنا رشوة و ليست هديّة إلاّ مجازاً وتغطية واسماً، لا حقيقة ، والهدية الواقعية ما لا يكون هناك أيُّ انتظار عمل.
قال السيّد الطباطبائي: الفرق بين الرشوة والهدية أنّ الغرض من الرشوة جلب قلبه ليحكم له ومن الهدية الصحيحة، القربة أو إيراث المودّة لا لداع أو الداعي عليها حبّه له، لوجود صفة كمال فيه من علم أو ورع أو نحوهما.(1128) ولقد أحسن فعدّ ما يبذل لجلب قلب القاضي من الرشوة، وخصص الهديّة بما لا عوض فيه .
وعلى كلّ تقدير فالأولى التركيز على حكم الهديّة في المقام، فللشيخ في المقام كلام في المبسوط نأتي بإجماله قال: «فأمّا الهدية فإن لم يكن بمهاداته عادة حرم عليه قبولها والعامل على الصدقات كذلك لما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «هدية العمّال غلول»، وفي بعضها: «هدية العمّال سحت» وأمّا إن كان من عادته كالقريب والصديق الملاطف نظرت فإن كان في حال حكومته بينه وبين غيره أو أحسّ بأنّه يقدّمه لحكومة بين يديه، حرم عليه الأخذ كالرشوة، وإن لم يكن هناك شيء من هذا فالمستحبّ أن يتنزّه عنها. هذا كلّه إذا كان الحاكم في موضع ولايته، فأمّا إن حصل في غير موضع ولايته فأهدى له هدية فالمستحبّ أن لايقبلها.(1129)
وحاصله تقسيمها إلى أقسام ثلاثة، يحرم الأوّلان دون الثالث، وقريب منه ما ذكره ابن البرّاج في المهذّب.(1130)
وقال المحقّق الأردبيلي: والظاهر أنّه يجوز له قبول الهدية فإنّه مستحبّ في الأصل، إلاّ أنّه يمكن أن يكون مكروهاً لاحتمال كونها رشوة، إلاّ أن يعلم باليقين انّها ليست كذلك مثل إن كان بينه وبين المُهدي صداقة قديمة وعلم أن ليس له غرض من حكومة وخصومة بوجه، أو يكون غريباً لا يعلم، أو جاء من السفر وكان عادته ذلك، أو فعل ذلك بالنسبة إليه وإلى غيره، ومع ذلك لاشكّ أنّ الأحوط هو الاجتناب في وقت يمكن أو يحتمل احتمالاً بعيداً لكونها رشوة وتؤيّده الأخبار من طرقهم وقد روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «هدايا العمّال غلول»، وفي أُخرى : «هدية العمّال سحت».(1131)
وقد ظهر ممّا ذكر أنّ هذه التفاصيل تبعيد للمسافة والأولى حسم مادة الخلاف بكلمة واحدة وهي أنّ الرشوة عبارة عن كون البذل في مقابل شيء من الحكم بالباطل أو الحكم لصالحه، أو الحكم بالحقّ لولاه لما حكم ولايشترط في التقابل، التصريح بل يكفي كونه معلوماً من القرائن سواء كان البذل في موضع الولاية أو غيره، كان قبل طرح الدعوى أو بعده وقبل الحكم. وعلى ضوء ذلك فأكثر ما يسمّيه الناس هدية، فهو هدية ظاهراً، رشوة حقيقة، ولا يهمّنا دخولها فيها موضوعاً، سواء أكانت رشوة موضوعاً أم لا فهي رشوة حكماً، وما دلّ على حرمة الرشوة، يدلّ على حرمة الهدية أيضاً لفظاً، أو بإلغاء الخصوصية وإن كان الحقّ أنّها رشوة موضوعاً، ولقد أحسن السيد الطباطبائي كما مرّ حيث سمّى ما يبذل لجلب قلب القاضي رشوة لا هدية، وخصّ الثانية بما إذا كان الداعي حبّه له أو لكماله.
وبكلمة قصيرة: إنّ البذل إذا كان في مقابل التزام القاضي بشيء في صميم الحكم ، ظاهراً أو غاية فهو رشوة وإن قُدِّم إليه باسم الهدية; وأمّا إذا بذل من دون أيّ انتظار من القاضي لا ظاهراً ولا واقعاً فهو هدية.
ويؤيّده ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه استعمل رجلاً من الأزد على الصدقة يقال له ابن اللتبية .
فلمّا جاءه قال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هذا لكم وهذا أُهدي لي.
فقام رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)على المنبر فحمد الله و أثنى عليه وقال: «ما بال العامل نستعمله على بعض العمل من أعمالنا فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أُهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أُمِّه فينظر هل يُهدى له شيء أولا؟ والذي نفس محمّد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر».ثمّ رفع يديه حتّى رأيت عفرة إبطيه، فقال: «اللّهم هل بلّغت؟» .(1132)
ثمّ إنّ هنا فروعاً ذكرها الشيخ الأنصاري في المكاسب المحرّمة نأتي بها وبغيرها ممّا ذكره السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة.
فروع
الفرع الأوّل: إذا شكّ الآخذ في كون المأخوذ رشوة أو هدية
إذا بُذل للقاضي شيء وشكّ في أنّ الدافع قصد بها الرشوة أو الهديّة الصحيحة، ذهب السيّد الطباطبائي إلى جواز الأخذ حملاً لفعله على الصحّة إلاّ إذا كانت هناك قرينة على إرادته منها الرشوة كما إذا لم تكن من عادته ذلك قبل المرافعة وقال: والأولى عدم أخذها مطلقاً، ويمكن أن يقال بحرمتها حال المرافعة لأنّه يصدق عليها الرشوة عرفاً، بل يمكن أن يقال: بحرمتها تعبّداً لما في بعض الأخبار من أنّ هدايا العمّال غلول أو سحت.(1133)
يلاحظ عليه: أنّ جريان أصل الصحّة مبنيّ على أنّ الرشوة والهبة تتحدان ماهية وتختلفان قصداً، فلو قَصَد الباذل التزام القاضي بشيء من إبطال الحقّ، أو إحقاق الباطل أو الحكم بالحقّ فهو رشوة وإن لم يقصد التزامه بشيء، بل دفعه إليه، تكريماً أو محبّة، أو أداءً للوظيفة في حقّ الرحم فهو هديّة ، فعند ذلك فالعمل الواحد الذي له حالتان يحمل على حالة الصحّة، لا على حالة الفساد كما هو الحال فيما إذا باع وشكّ أنّه هل كان ربوياً أو لا؟ أو أسلف وشكّ أنّه أقبض الثمن أو لا؟ ففي جميع ذلك يحمل على الصحّة.
وأمّا إذا قلنا بأنّهما أمران مختلفان ماهية حيث إنّ أحدهما بذل في مقابل شيء، و الآخر بذل بلا عوض فإجراء أصالة الصحّة مشكل جدّاً، لأنّ القدر المتيقّن من موردها إذا أحرز عنوان الفعل وشكّ في خصوصياته لا ما إذا كان العنوان مشكوكاً، وهذا كما إذا رأينا الرجل أمام الميّت، يحرّك لسانه، ولا ندري أنّه يصلي أو يدعو له بالخير والمغفرة، فلا يُحكم عليه بأنّه صلّى عليه صلاة صحيحة، أو ذهب إلى الحمام ثمّ خرج ولايدري هل كان للنظافة ، أو للاغتسال؟ والمقام من قبيل الثاني، لأنّ البذل مع العوض، غير البذل بلا عوض فاختلافهما يَكْمُنُ في وجود المقابل لأحدهما دون الآخر، وأمّا الاختلاف في القصد فهو تابع لاختلاف المقصود، لا أنّهما يتميزان بالقصد.
وأمّا ما أفاده من أنّه «لو دلّت القرينة على أنّه رشوة يحكم بها» فإنّما يتم إذا كانت مفيدة للاطمئنان الذي هو علم عرفي وحجّة عقلائية أمضاه الشارع، لا على مطلق الظنّ الذي لم يقم دليل على حجّيته. نعم الاستدلال بما ذكر من الرواية غير كاف في المقام، لأنّ إضافة الهدية إلى العمّال قرينة على أنّ الهدية كانت رشوة ولأجل ذلك حكم عليه بالغلول أو السحت.
الفرع الثاني: إذا اتّفقا على وجود عقد واختلفا في نوعه
إذا اتّفقا على وجود عقد بين الدافع والقابض ولكن اختلفا في نوعه فقال الدافع: كان المبذول رشوة، وقال القابض: كان هبة صحيحة، قال السيّد الطباطبائي ـ على غرار ما ذكره في الفرع الأوّل ـ يقدّم قول القابض للحمل على الصحّة وأصل البراءة من الضمان ، بناء على أنّ الضمان على فرض كونه رشوة.
وأمّا احتمال تقديم قول الدافع لأنّه أعرف بنيّته أو لأنّ الأصل في اليد الضمان، فلا وجه له، لعدم الدليل على الأوّل، ومثله كون الأصل الضمان لعدم الدليل عليه إلاّ عموم على اليد وهي مختصّة باليد العادية، ومع الإغماض ـ عن الاختصاص ـ فالشبهة مصداقية، وعلى فرض التمسّك بالعموم فيها، الحمل على الصحّة مقدّم عليه.(1134)
يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من كون المورد خارجاً عن مجرى أصالة الصحّة، لعدم تعلّق الشكّ بالعقد الواحد من أجل كونه واجداً لشرائط الصحّة وعدمه، وإنّما اتّفقا على أصل العقد لكنّه مردّد بين عقدين، مختلفين وقد عرفت حاله وأنّه ليس مجرى لأصالة الصحّة.
وثانياً : أنّ الأصل في الأموال وهكذا الأعراض والنفوس، هو الضمان، لا البراءة وقد نبّه الشيخ بذلك في مبحث البراءة ، وأوجب الاحتياط في الشبهات البدئية إذا كان المشتبه مالاً أو عرضاً أو نفساً، وذلك لأنّ الأصل عدم الانتقال في الأموال، وعدم الحلّية في الأعراض والنفوس .
هذا تحليل كلامه حول الشقّ الأوّل ، أعني: تقديم قول القابض.
وأمّا تحليل كلامه حول الشقّ الثاني، أعني: تقديم قول الدافع، فقد أشكَلَ بالأُمور التالية:
1. بأنّ الدافع وإن كان أعرف بنيّته، لكن لا دليل على حجّيته.
2. أنّ قاعدة «على اليد» مختصّة باليد العادية وهي منتفية في المقام.
3. أنّ المورد من قبيل الشبهة المصداقية للعام لاحتمال كون التسليط بالمجّان وهو خارج عن تحت العموم.
4. وعلى فرض التمسّك به فأصالة الصحّة مقدّمة عليه.
و الجميع قابل للمناقشة:
أمّا الأوّل: فالظاهر اعتباره في كلّ مورد كان منشأ الشك، هو الاختلاف في نيّة العامل، نعم ليس منشأ الشكّ في المقام ناشئاً من الاختلاف في نيّة الدافع، بل منشؤه هو الاختلاف في كون العقد الواقع، رشوة أو هدية وقد عرفت أنّ القصد تابع.
وأمّا الثاني: فللمنع من اختصاصها باليد العادية، نعم هي منصرفة عن اليد الأمانية.
وأمّا الثالث: فهو صحيح لو كان هو المستند ولكن المستند إنّما هو الأصل المسلّم في الأموال وهو الضمان حتّى يدلّ دليل على خلافه، وتسانده أصالة عدم الانتقال.
وأمّا الرابع: أعني تقديم أصالة الصحّة على عموم اليد فهو غريب، لأنّها أصل والقاعدة أمارة، ومعها لاتصل النوبة إلى الأصل.
الفرع الثالث: فيما إذا لم يتّفقا على وجود العقد
إذا اختلفا في أنّه مبذول رشوة من غير عقد، أو أنّه عقد هبة صحيحة، والفرق بين الفرعين واضح، لاتّفاقهما على وجود عقد مشترك بينهما في السابق غير أنّ الباذل يصفه بالرشوة والآخر بالهبة، بخلاف المقام فالدافع لايعترف بالعقد، بل بالإعطاء رشوة، والقابض يدّعي العقد الصحيح، ولأجل ذلك تردّد السيّد الطباطبائي في هذا الفرع في بدء الأمر، فقال: فالأقوى أنّه مثل الفرع السابق، وقد يحتمل عدمه لعدم عقد مشترك حتّى يحمل على الصحّة فالدافع منكر لأصل العقد لا لصحّته.
ثمّ أورد على ما احتمله بقوله: وفيه أنّ تمليكه محمول على الصحّة ولايلزم في الحمل على الصحّة أن يكون عقد مشترك، فأصالة عدم الهبة معارضة بأصالة عدم التملّك رشوة.(1135)
والظاهر أنّ حكم هذا الفرع هو حكم السابق لعدم جريان أصالة الصحّة لعدم ثبوت الموضوع أي العقد لا أصله ولا نوعه والمرجع هو الضمان في الأموال حتّى يثبت خلافه لأصالة عدم انتقاله، ولو قلنا بجريان أصالة البراءة في ناحية القابض، فإنّما تنفع في نفي الحرمة التكليفية للقابض، ولاتنفي الحرمة الوضعية بمعنى الضمان لما عرفت من أنّ الأصل في الأموال هو الضمان.
وأمّا ما أفاده من احتمال الضمان في المقام دون السابق، لعدم الاتّفاق على وجود عقد مشترك محمول على الصحّة في المقام دون السابق، فغير مفيد لما عرفت أنّ الحقّ هو الضمان حتّى في صورة الاتّفاق على وجود عقد مشترك لأصالة الضمان في الأموال، فليس الاتّفاق وعدمه مؤثّراً في الضمان وعدمه.
ثمّ إنّه حاول تصحيح تقديم قول القابض بأمرين:
1. إجراء أصالة الصحّة في التمليك المعترف به من قبل الطرفين .
2. تعارض أصالة عدم الهبة مع أصالة عدم التملّك رشوة.
يلاحظ على الأوّل: بما ذكرنا من أنّ الأصل الحاكم في المقام هو أصالة الضمان لا أصالة الصحّة أوّلاً، وعلى فرض جريانها فإنّ موضوعها هو العقد ، المشكوك وجوده، لا التمليك ثانياً ،لأنّه يحصل من ضمّ اعتراف الدافع إلى القابض حيث إنّهما يعترفان به، غاية الأمر يختلفان في وصفه.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ الأثر مترتّب على الهبة لا على التمليك عن رشوة فتكون الهبة مصبّاً للأُصول يدّعيها القابض وينكرها الدافع والأصل مع الثاني حتّى يقيم القابض البيّنة، ويكفي للدافع إنكار الهبة ولايحتاج إلى إثبات الرشوة، لأنّ مجرّد إنكار الهبة كاف في تقديم قوله مع اليمين من دون حاجة إلى إثبات كونه رشوة.
***
وبما ذكرنا يظهر حال الفرع الرابع والخامس اللّذين ذكرهما الشيخ ولانطيل الكلام في المقام وقد طرحناهما في محاضراتنا المطبوعة في كتابنا: «المواهب في أحكام المكاسب».(1136)
1093 . المبسوط: 8/ 151.
1094 . السرائر: 2/ 166.
1095 . مفتاح الكرامة:10/33، المتن والشرح.
1096 . مفتاح الكرامة:10/33، المتن والشرح.
1097 . ملحقات العروة: 2/ 22.
1098 . البقرة: 188.
1099 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث1، 2، 8 ، 12، 16.
1100 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، 5، 9.
1101 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10.
1102 . البقرة: 188.
1103 . النساء: الآية 29:(يا أيُّها الّذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ولاتقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً) .
1104 . مجمع البيان: 1/228 ، ط . صيدا.
1105 . الميزان: 2/52، ط . طهران.
1106 . المستدرك: ج 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 8 .
1107 . ملحقات العروة: 2/ 22.
1108 . المبسوط: 8/ 151.
1109 . السرائر: 2/ 166.
1110 . الشرائع: 4/ 869.
1111 . ملحقات العروة:2/ 23.
1112 . ملحقات العروة:2/ 23.
1113 . ملحقات العروة:2/ 24.
1114 . الجواهر: 40/ 131.
1115 . المكاسب المحرّمة: 31، ط . تبريز.
1116 . ملحقات العروة: 2/ 24.
1117 . المسالك: 2/ 405.
1118 . المبسوط: 8/ 152.
1119 . شرائع الإسلام : 4/ 78.
1120 . مفتاح الكرامة: 10/33، قسم المتن.
1121 . إرشاد الأذهان:2/ 140.
1122 . المسالك: 2/ 405.
1123 . مجمع الفائدة: 12/ 50.
1124 . الجواهر:22/ 149.
1125 . المستدرك: ج 17، الباب 1 من كتاب الغصب، الحديث 4; سنن البيهقي: 6/ 95.
1126 . ملحقات العروة: 2/ 24.
1127 . الجواهر: 40/ 133.
1128 . ملحقات العروة: 2/ 25.
1129 . المبسوط : 8/ 152.
1130 . المهذّب: 2/ 581.
1131 . مجمع الفائدة: 12/ 51.
1132 . السنن الكبرى للبيهقي: 4/ 158.
1133 . ملحقات العروة: 2/25، وقد تفرّد السيّد بطرح هذا الفرع.
1134 . ملحقات العروة : 2/26، وأمّا وجه كون المورد شبهة مصداقية فلخروج التسليط المجّاني عنه، فيكون المورد مردّداً بين كونه باقياً تحت العام أو خارجاً عنه وداخلاً تحت المخصّص أي التسليط بالمجّان.
1135 . ملحقات العروة: 2/ 26.
1136 . المواهب: 413 ـ 416، وقد وردا ضمن المسألة الثالثة والرابعة فلا تغفل.