قائمة المواضيع :
رؤية الله عقيدة يهودية مستوردة
رؤية الله عقيدة يهودية مستوردة
نشرت الجمعية العلمية السعودية لعلوم السنّة مقالاً حول رؤية الله ـ جلّ جلاله ـ يوم القيامة، ونسبتها إلى الصحابة والتابعين وأئمّة الإسلام المعروفين بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبين إلى السنّة والجماعة، ثمّ استدلّ صاحب المقال بأدلّة من الكتاب والسنّة على أنّ رؤية الله بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، ثمّ استدلّ بآيات متعدّدة سوف ندرسها كما استدلّ بحديث عن أبي هريرة في الصحيحين.
قبل دراسة الأدلّة نذكر مقدّمة وهي:
إنّ الاعتقاد بالرؤية عقيدة يهودية أصيلة جاءت في العهد القديم وإليك مقتطفات منها:
1. رأيت السيد جالساً على كرسي عال فقلت: ويل لي لأنّ عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود.( 1)
2. كنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار.(2 )
3. أمّا أنا فبالبر أنظر وجهك.( 3)
4. فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأنّنا قد رأينا الله.( 4)
5. فغضب الرب على سليمان، لأنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل الذي تراءى له مرّتين.( 5)
6. وقد رأيت الرب جالساً على كرسيّه وكلّ جند البحار وقوف لديه.( 6)
7. كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين. عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله ـ إلى أن قال: ـ هذا منظر شبه مجد الرب ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم .( 7)
هذا نزر يسير ممّا ورد في العهد القديم الذي يركّز على رؤية الله تعالى في الدنيا فضلاً عن الآخرة.
إنّ مَن تدبّر في آيات الذكر الحكيم يقف على أنّه كلّما يذكر الرؤية فإنّما يذكرها بإنكار واستنكار، يقول سبحانه مسلّياً للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله):(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...).(8 )
ولمّا سأل الكليم ـ بضغط من قومه ـ رؤيته سبحانه وقال: (ربّ أرني أنظر إليك)( ) أُجيب بنفي قاطع، قال: (لن تراني) إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ الرؤية أمر مستحيل وأنّ طلبه محال، وأنّ الإصرار عليه يستوجب العتاب والعقاب.
وأي كلام أوضح في بيان العقيدة الإسلامية من قوله سبحانه:(لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)( 10)، ومن المعلوم أنّ الإدراك إذا نسب إلى الأبصار يراد به الرؤية البصرية، وإذا نسب إلى السمع يراد به الإدراك بالسمع. وحاصل الآية أنّه يَرى ولا يُرى كما تفرّد سبحانه بالصفات التالية; فهو يطعم ولا يُطعَم ويجير ولا يجار عليه، قال سبحانه:(أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاَ يُطْعَمُ)(11 )، وقال سبحانه:(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).( 12)
ولسنا في هذا المقال بصدد سرد أدلّة المنكرين فإنّها مذكورة في الكتب الكلامية والتفاسير وغيرهما، وإنّما الغاية نقد المقال الذي نشرته الجمعية العلمية السعودية لعلوم السنّة (لاحظ موقعهم على شبكة الانترنت بعنوان www.sunnah.org.sa).
كان الرأي السائد تبعاً للذكر الحكيم وكلمات العترة الطاهرة هو تنزيه الله سبحانه عن الرؤية بالإبصار، إلاّ أنّ أوّل من نشر الرؤية بين المحدّثين هو كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار، فقد كان حبراً يهودياً ماكراً استطاع أن يستقطب عدداً من الصحابة والمحدّثين بمكره الثعلبي، وكان يركّز في كلماته على أمرين:
1. التركيز على التجسيم
قال: إنّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة فشكر لها ذلك، فوضع عليها قدمه فقال: هذا مقامي ومحشر خلقي وهذه جنتي وناري وهذا موضع ميزاني، وأنا ديّان الدين.( 13)
2. التركيز على رؤية الله
من كلامه أيضاً:إنّ الله تعالى قسّم كلامه ورؤيته بين موسى و محمّد(14 ).
وعلى هذا فلا تعجب من أن تصبح الرؤية عقيدة إسلامية يركّز عليها إمام الحنابلة والأشاعرة حتى المفكّرين منهم تبعاً للصحيحين.
وها نحن ندرس الآيات التي استدلّ بها في المقال المذكور على وجه الإيجاز.
الدليل الأوّل(لصاحب المقال)
قوله تعالى:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).(15 )
وقال: وهي من أظهر الأدلّة وأمّا من أبى إلاّ تحريفها بما يسمّيه تأويلاً، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، وهذا هو الذي أفسد الدنيا والدين، هكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل حذّرنا الله أن نفعل مثلهم، فهل قتل عثمان إلاّ بالتأويل الفاسد، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرّة.(16 )
أقول: فقد عزب عن الكاتب أنّ التدبّر في الآية غير التأويل، فقد أمر الله سبحانه بالتدبّر في الآيات وقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(17 ).
وقد شغلت هذه الآية بال الأشاعرة والمعتزلة، فالفرقة الأُولى تصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤية، والثانية تصرّ على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤية .
ونحن نقول: إنّ النظر سواء أُريد به المعنى الأوّل أو المعنى الثاني لا يدلّ على الرؤية، وذلك لأنّ المستدلّ لم يذكر مجموع الآيات الأربع التي كلّ يقابل الآخر، وإليك نقل الآيات ثم تنظيمها:
1. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ*وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).
هذه هي الآيات الأربع في سورة القيامة، وبالمقابلة يمكن أن يتيسّر لنا فهم الآية ورفع إبهامها، وليس تفسير الآية بآية أُخرى تأويلاً وإنّما هو تدبّرٌ أُمرنا به، وإليك تنظم الآيات حسب المقابلة.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ) يقابلها قوله:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ)
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)يقابلها قوله:(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)
وبما أنّ قوله:(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) واضح المعنى، يكون قرينة على المراد من مقابلها أعني قوله:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها، ويقصم ظهرها، يكون المراد من عِدله وقرينه عكسه وضدّه، وليس هو إلاّ أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته ومتوقعة فضله وكرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته وإلاّ لخرج المتقابلان عن التقابل في المعنى، وهو خلف.
وأنت ترى أنّ هذا النوع من التفسير استنطاق آية بآية أُخرى، والله سبحانه يصف القرآن بقوله:(تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)، وحاشا أن يكون تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه.
وإن شئت توضيحاً أكثر فنقول:
يجب أن يكون المتقابلان ـ بحكم التقابل ـ متّحدي المعنى والمفهوم. ولا يكونان مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأوّل ـ أعني: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ـ هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه ـ أعني: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) ـ هو حرمان هؤلاء عن الرؤية أخذاً بحكم التقابل.
وبما أنّ تلك الجملة ـ أعني: القرين الثاني ـ لا تحمل ذلك المعنى، أعني: الحرمان من الرؤية، بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل وهو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.
***
ثمّ إنّ في الآية دليلاً واضحاً على أنّ المراد من النظر غير الرؤية; وذلك لأنّه إذا أُريدت الرؤية نسب النظر إلى العيون لا إلى الوجوه، فالمسند إليه في الآيتين هو الوجوه:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ)
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ)
وهذا يدلّ على أنّ النظر حتى بمعنى الرؤية كناية عن الانتظار لرحمة الله سبحانه، وهو دليل على أنّه كُنّي بالنظر إلى الله عن الانتظار لرحمته وشمول فضله وكرمه، وله نظائر في الكتاب العزيز، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَ أَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لاَ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).(18 )
والمراد من قوله: (وَ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) هو المعنى المكنّي عنه، أي عدم شمول رحمته لهم.
إلى هنا تبيّن مفهوم الآية وأنّ ما ذكرناه هو مدلولها لكن بشرط التدبّر، ولا صلة له بالتأويل الباطل الذي ورد في النص النبوي: «أنّ مَن فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».
الدليل الثاني(لصاحب المقال)
قد طمع موسى في رؤية الله فأخبره ربه أنّه لن يراه في الدنيا ولا يستطيع، قال تعالى:(وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي...)(19 ).
فلو كانت الرؤية أمراً مستحيلاً لما يخفى على موسى أنّه مستحيل.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ أخذ بآية واحدة، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة حول الموضوع، وتصوّر أنّ الكليم ابتدأ بالسؤال وأُجيب بالنفي، وعلى ذلك بنى استدلاله بأنّه لو كان ممتنعاً لمّا سأله الكليم.
ولكن الحقيقة غير ذلك وإليك بيانها: إنّ الكليم لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أن يكلمه فلمّا كلّمه الله وسمعوا كلامه، قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعتوّهم واستكبارهم.
وإلى هذه الواقعة تشير الآيات التالية:
1. (وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).( )
2. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).( )
3. (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ).( )
إلى هذه اللحظة الحسّاسة لم يُحم الكليم حول الرؤية ولم ينبس بها ببنت شفة ولم يطلب شيئاً، بل طلب منه سبحانه أن يجيبهم حتى يدفع اعتراض قومه من نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا: إنّك لمّا لم تكن صادقاً في قولك: إنّ الله يناجيك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم الله وبعثهم معه كما يحكي مقاله عنه سبحانه ويقول: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ).
فلو كان هناك سؤال من موسى فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد إصابة الصاعقة للسائلين وعودهم إلى الحياة بدعاء موسى.
وعند ذلك يطرح السؤال الآتي:
هل يصحّ أن ينسب إلى الكليم ـ بعد ما رأى بأُمّ عينيه ما أصاب القوم من الصاعقة والدمار، إثر سؤالهم ـ الرؤية وأنّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرّر أو بلا ضرورة؟ أو أنّه ما قام بالسؤال ثانياً إلاّ بعد إصرار قومه وإلحاحهم عليه أن يسأل الرؤية لا لهم بل لنفسه، حتى تحصل رؤية الله مكان رؤيتهم، فيؤمنوا به بعد إخباره لهم بالرؤية.
لا شكّ أنّ الأوّل بعيد جداً لا تصحّ نسبته إلى مَن يملك شيئاً من العقل والفكر، فضلاً عن نبي عظيم مثل الكليم، كيف وقد رأى جزاء مَن سأل الرؤية، فالثاني هو المتعيّن.
وفي نفس الآية قرائن تدلّ على أنّ السؤال في المرّة الثانية كان بإصرار القوم وإلحاحهم وكفى في القرينة، قوله:(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)حيث يعدّ سؤال الرؤية من فعل السفهاء، ومعه كيف يصحّ له الإقدام بلا ملزم ومبرّر أو بلا ضرورة وإلجاء، وبما أنّ الله سبحانه يعلم بأنّه لم يقدم على السؤال إلاّ بإصرار قومه حتى يفحم هؤلاء ويسكتهم، لم يوجّه إلى الكليم أيّة مؤاخذة بل خاطبه بقوله:(لَنْ تَرَانِي وَ لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).
***
ونحن نعيد السؤال على المستدلّ بأنّ المسلمين اتّفقوا على امتناع رؤية الله في الدنيا أو عدم جواز طلبها، فحينئذ فهل كان موسى جاهلاً بهذا الأمر، أو عالماً؟ والأوّل غير لائق بمقام كليم الله، والثاني ينافي عصمته، إذ مع علمه بالامتناع أو بعدم جواز الطلب، فكيف طلب رؤية الله من غير مبرر وبلا سبب وجيه؟!
الدليل الثالث(للكاتب)
قوله تعالى في الكفّار:(كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ)(23 ).
فلو كان الحجب عامّاً للكافر والمؤمن لما كان وجه لتخصيص الكفّار به.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الحجب هو الحرمان عن رؤية الله سبحانه، مع أنّ المناسب لظاهر الآية كونهم محجوبين عن رحمة ربهم بسبب الذنوب التي اقترفوها.
وإليك الآية مع ما قبلها وما بعدها:
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ).(24 )
فإنّ لحن الآية يكشف عن غضب الله عليهم من أجل وصف الآيات بأنّها من أساطير الأوّلين، وعندئذ استوجبوا أمرين:( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُونَ)، أي محرومون عن رحمته ومغفرته، وبالتالي: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ) أي يصلون النار، ولا دلالة في الآية على أنّ المراد هو الحجب عن الرؤية وإنّما هو تأويل جرّ القائل إليه الرأي المسبق فهؤلاء تبنّوا عقيدة، ثم ذهبوا يطلبون الدليل لها من الذكر الحكيم، وهذا هو نفس تفسير القرآن بالرأي.
الدليل الرابع(لصاحب المقال)
قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)( )
ثم قال: المراد من الزيادة التي وُعِد بها المؤمنون، هو النظر إلى وجهه الكريم.
يلاحظ عليه: بأي دليل جعل متعلّق الزيادة هو الرؤية؟ إذ لا دليل على حمل اللام على العهد بل المراد الجنس، ومعنى الآية إنّ الذين أحسنوا لهم المثوبة الحسنى مع زيادة على ما يستحقّونه، فقد جرت سنّة الله على جزاء سيئة بمثلها وجزاء الحسنة بأكثر منها. قال سبحانه:(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).(26 )
وفي آية أُخرى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).(27 )
هذه هي الآيات التي استدلّ بها الكاتب تبعاً للرازي وغيره على رؤية الله تعالى يوم القيامة.
***
ثمّ إنّ الكاتب قال: تواترت الروايات حول الرؤية، وذكر منها رواية أبي هريرة، قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أنّ الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنّكم ترونه كذلك.
أقول: إنّ هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعدّدت نقلته، لا يصحّ الركون إليه في منطق الشرع والعقل، وذلك لأنّه:
1. إنّه خبر واحد لا يفيد علماً في باب الأُصول والعقائد، وإن كان حجّة في الفروع والأحكام، لأنّ المطلوب في العقائد هو الإذعان ورفع الريب والشك عن وجه الشيء، وهو لا يحصل بخبر الواحد أو بخبر الاثنين إلاّ إذا بلغ حدّاً يورث القطع والإذعان.
2. إنّ هذا الحديث رواه مسلم أيضاً في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وجاء في ذيله هذه الفقرات:
«... حتى إذا لم يبق إلاّ مَن كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فما تنتظرون، تتبع كلّ أُمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نُشرك بالله شيئاً مرتين أو ثلاثاً حتى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى مَن كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلاّ جعل الله ظهره طبقة واحدة كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه...».( 28)
أقول: ماذا يريد الراوي بقوله: «آتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها... فيقول: أنا ربّكم»؟ فهل كان لله سبحانه صوراً متعدّدة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر وما ندري متى عرفوها؟ فهل كان ذلك منهم في الدنيا؟ أو كان في البرزخ أو في الآخرة؟!
وماذا يريد الراوي بقوله:«نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه»؟! فإنّ معناه أنّ المؤمنين والمنافقين يعرفون الله سبحانه بساقه، فكانت هي الآية الدالّة عليه.
وكلمتي الأخيرة هي بذل النصح لهؤلاء الذين يعيشون في إطار محدود وبيئة ضيقة أن يقرأوا ويدرسوا كتب الشيعة الإمامية عن كثب، وأخصّ بالذكر كتب العقائد والمعارف بدقّة وإمعان نظر من دون نظر مسبق فربما يحصل التقارب بين الطائفتين والتفاهم بين الفئتين، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.
قم ـ جعفر السبحاني
20 رجب المرجب 1434هـ

[1] اشعياء:6/1ـ6.
[2] دانيال:7/9.
[3] مزامير داود:17/15.
[4]القضاة:13/23.
[5] الملوك الأوّل:11/9.
[6] الملوك الأوّل:22/19.
[7] حزقيال:1/1 و 28.
[8] النساء:153.
[9] الأعراف:143.
[10] الأنعام:103.
[11] الأنعام:14.
[12] المؤمنون:88.
[13] حلية الأولياء، ج6، ص 20.
[14] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي:ج3، ص 237.
[15] القيامة:22 و 23.
[16] شرح الطحاوية، ص 189.
[17] محمد:24.
[18] آل عمران:77.
[19] الأعراف:143.
[20] البقرة:55.
[21] النساء:153.
[22] الأعراف:155.
[23] المطففين:15ـ16.
[24] المطففين:13ـ16.
[25] يونس:26.
[26] يونس:27.
[27] الأنعام:160.
[28] صحيح مسلم:1/115، باب معرفة طريق الرؤية.