قائمة المواضيع :
ظاهرة التكفير على ضوء القرآن والسنّة الشريفة
لاشكّ في أنّ التكفير في هذا العصر وإنْ كان امتداداً للتكفير في العصور السالفة، والّذي تصاعد في القرنين الثالث والرابع الهجريين بفعل المتشدّدين لاسيّما المتشدّدين من أتباع المذهب الحنبليّ، بَيْد أنّه اشتدّ في أوائل هذا القرن، ثم بلغ ذروته في السنوات العشر الأخيرة، حيث أناخ بكلكله على البلاد الإسلاميّة، وتحوّل إلى ظاهرة بارزة اقترنت بمجازر رهيبة، أقدم عليها شباب مهوّسون، شَحنت بعض المؤسّسات والمدارس الدينية أذهانهم بالأفكار المتشدّدة، ومشاعرهم بالحقد والكراهية لسائر المسلمين لاسيّما أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، ثم أطلقت لأيديهم الحرية بممارسة عمليات القتل والذبح والنحر الجماعي للنساء والشيوخ والأطفال في مدن العراق واليمن وباكستان وسوريا وأفغانستان وغيرها، واستباحة الأموال والأعراض، من خلال فتاوى عمياء يصدرها المتعصّبون من أنصاف المتعلّمين الذين عقدوا حلفاً شيطانياً مع محترفي السياسة، فاحتلّوا المواقع العليا في الإفتاء والإرشاد.
وإذا كان التكفير في العصور الماضية يرتبط، في جانب كبير منه، بعوامل داخلية، يشكّل فيها العامل السياسي ركناً من أركانه، فإنّ هذا العامل يشكّل، في الوقت الحاضر، ركناً أساساً فيه، حيث استغلّت الدوائر الصهيوينة العالمية، وأجهزة المخابرات للدول الاستكبارية، ما في تاريخ المسلمين من خصومات وصراعات مذهبية، وما في تراثهم العقديّ من آفات التكفير والتبديع والتضليل، فأخذت تسخّر شتى الأجهزة من أجل نبشها وتضخيمها، وعرضها بأساليب استفزازية على القنوات الفضائية ووسائل الأعلام.
كما أنّها سلكت مختلف السبل الماكرة المحرّضة الّتي تؤدي، في إطار تخطيط شامل، إلى تكريس التفرقة بين المسلمين، وإشعال فتيل النزاع، وتأجيج نار الصراع بينهم، بغية إشغال بعضهم ببعض، وتحويلهم إلى تيارات متناحرة فيما بينها، وصولاً للأهداف المبتغاة، وأهمها:
1. تشويه الصورة الناصعة للإسلام، الذي تعاظمت ـ في العقود الأخيرة ـ رغبة المثقّفين الغربيّين في التعرّف على مبادئه وقيمه السامية، والانتماء إليه .
2. نشر الفوضى والخراب في بلاد المسلمين، وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، لتيسير سبل الهيمنة عليها، ونهب ثرواتها، والتحكّم بمقدّراتها.
3. محاصرة المقاومة الإسلاميّة لاسيما الشيعية منها، وتفتيت قوّتها الّتي كان لها الدور الأكبر في هزيمة الكيان الصهيوني الإرهابي في لبنان وفلسطين، وفي هزيمة أمريكا في العراق.
4. توفير الأمن للكيان الصهيونيّ، والسعي إلى جعله القوّة الوحيدة الضاربة في المنطقة، لتكون له الغلبة عليها، وليخلو له الجوّ لتكريس وجوده وتوسيعه، وانتهاك مقدّسات المسلمين، وتحقيق سائر مآربه الشريرة.
كلّ هذا وغيره دعانا إلى توضيح مبادئ الكفر وأُسسه وأسبابه على ضوء الكتاب والسنّة، حتّى يتضّح للرأي العام الإسلامي والعالمي أنّ الإسلام بعيد كلّ البعد عن أفكار هؤلاء وسلوكياتهم.
وأنّه لو كان ثَمّة جرثومة فساد في المجتمع الإسلامي، فهؤلاء هم الفساد المجسّم حيث حالوا بين الناس وبين معرفة الإسلام الحقيقي، وصدّوهم عن اعتناقه والإيمان بمبادئه، وهذا هو أكبر الفساد ولو كان ثَمّة منكر فيه، فأعمالهم الإجرامية الّتي لا ترحم صغيراً ولا كبيراً، هي المنكر الأخطر والأكبر الّذي يجب تطهير الأرض منه، بتأييد من الله سبحانه... والله من وراء القصد.

المتطرّفون وتكفير رجال العلم في القرون السابقة   
 
1
المتطرّفون وتكفير رجال العلم
في القرون السابقة
الغلوّ عبارة عن الخروج عن حدّ الوسط وهو يتمثّل تارة في الإفراط، وإليه يشير سبحانه بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ )([1])، وأُخرى في التفريط ومن ابرز مصاديقه بخس حقوق الناس بذرائع واهية، ونحن نذكر نماذج من هذا النوع من التطرّف ليكون عبرة للمعاصرين.
1. محنة الطبري (224 ـ 310 هـ)
قبل أن نشير إلى محنة محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، نودّ أن نتعرّف على مكانته العلمية من خلال كلمات بعض الأعلام. قال الخطيب البغدادي في حقّه: أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحدٌ من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين... . عارفاً بأيام الناس وأخبارهم .([2])
وقال الذهبي: كان من أفراد الدهر علماً، وذكاء، وكثرة تصانيف. قلّ أن ترى العيون مثله. ثم قال: جمع طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. وأضاف: وكانت الحنابلة حزبَ أبي بكر بن أبي داود([3])، فكثروا وشغَّبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى.([4])
وكان ابن جرير قد دفن ليلاً بداره لأنّ العامّة ـ كما ذكر ابن مِسكويه ـ اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، واتهموه بأمرين:
أ. ادّعوا عليه الرفض.
ب. ادّعوا عليه الإلحاد.
وكان علي بن عيسى([5]) يقول: والله لو سُئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه.([6])
أمّا ابن الأثير فعلّل دفنه ليلاً بداره، بالقول: إنّ بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب، وهو أنّ الطبري جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنّف مثله ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهاً، وإنّما كان محدّثاً، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يُحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه وقالوا ما قالوا.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسداً وبغياً إنّه لدميم([7])
2. هدم جامع (براثا)
قال أبو صالح بن أحمد بن عيسى السليلي في كتابه «الفتن» بعد أن ذكر فضل جامع براثا الّذي يؤمّه الشيعة ببغداد: فرأيت مسجد براثا وقد هدمه الحنبليون وحفروا قبوراً فيه، وأخذوا أقواماً قد حُفر لهم قبور فغلبوا أهل الميت ودفنوهم فيه، إرادةَ تعطيل المسجد وتصييره مقبرة، وكان فيه نخل فقُطع، وأُحرق جذوعه وسقوفه، وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة .([8])
3. التطرّف في تفسير الصفات الخبرية
ذكر ابن الأثير في حوادث سنة (323 هـ )، فتنة المتطرّفين (من الحنابلة) في بغداد وأنّهم يأخذون الرجال إذا مشوا مع النساء والصبيان ويحملونهم إلى صاحب الشرطة ويشهدون عليهم بالفاحشة، فأرهجوا بغداد.
إلى أن قال: وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان وكانوا إذا مرّ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم حتّى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يُقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبّخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه: تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلين والنعلين المذهَّبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة الّتي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطاناً زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه.([9])
4. فتنة الجهر بالبسملة
يقول ابن الأثير: في هذه السنة (يعني 447 هـ) صارت مسألة الجهر بالبسملة والمخافتة بها سبباً للفتنة بين فقهاء الشافعية والحنابلة، فالطائفة الثانية أنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفاً وقال: أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوها.(2)
 
5. إحراق مسجد الشوافع
لم يكن اختلاف الحنابلة مع الشافعية ـ حسب زعمهم ـ إلاّ في الفروع، لأنّ أئمتهم كانوا مختلفين فيها، لا في الأُصول الّتي يناط بها الإيمان، ومع ذلك نرى أنّ الحنابلة ربّما يحرقون مسجد الشوافع تعصُّباً.
وإلى هذا أشار ابن جنيد حيث قال: وقد بنى وزير خوارزم شاه للشافعية بمرو جامعاً مشرفاً على جامع الحنفية، فتعصّب شيخ
الإسلام (بمرو) وهو مقدّم الحنابلة بها، وجمع الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممّن سعى في ذلك، فأغرمهم مالاً كثيراً.([10])
6. التشكيك في شيخ الأشاعرة
إنّ علي بن إسماعيل المعروف بأبي الحسن الأشعري كان معتزلياً ثم أعلن براءته من هذا ا لمذهب والتحق بمذهب الإمام أحمد، ومع ذلك نرى أنّ الحنابلة لا يعدّونه من أهل السنّة كما لا يعدّون أتباعه الذين يمثّلون كثيراً منهم من أهل السنّة، والتاريخ حافل بوجود منازعات كثيرة بين الحنابلة والأشاعرة، إلى أن احتاج رئيس الأشاعرة في وقته إلى استفتاء أرسله إلى مشاهير العلماء في حال الإمام الأشعري، فكتب كلّ شيئاً في علمه وسيرته، ومع ذلك نرى أنّ نار الفتنة كانت تشتعل بين فينة وأُخرى، حتّى أنّ السبكي خصّص فصلاً يشرح فيه حال الفتنة الّتي وقعت في نيشابور، وآلت إلى خروج أكابر العلماء من تلك المنطقة، وكان ذلك في أيام سلطة طغرل بك السلجوقي ووزيره أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وقد وصف السبكي هذه الفتنة بقوله:
وهذه هي الفتنة الّتي طار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان، والشام، والحجاز، والعراق، وعظم خطبها وبلاؤها، وقام في سَبِّ أهل السنّة خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجُمَع، وتوظيف سبّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن (الأشعري) بها أُسوة بعلي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، في زمن بغض بني أُمية، حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب.([11])
7. موت البوريّ بحلواء مسمومة
يذكر الجزري في حوادث سنة (567 هـ) : انّه مات فيها البوري، الفقيه الشافعيّ، تفقّه على محمد بن يحيى، وقدم بغداد ووعظ، وكان يذمّ الحنابلة، وكثرت أتباعه، فأصابه إسهال فمات هو وجماعة من أصحابه، فقيل: إنّ الحنابلة أهدوا له حلواء، فمات هو وكلّ مَن أكل منها.([12])
8 . قتل الأشاعرة في المدرسة النظامية
كان أبو نصر بن أبي القاسم القشيري ([13]) إماماً على مذهب الإمام الأشعري، فلمّا ورد بغداد حاجّاً جلس في المدرسة النظامية يعظ الناس... وجرى له مع الحنابلة فتن، لأنّه تكلّم على مذهب الأشعري ونصرَه، وكثر أتباعه والمتعصّبون له، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة، وكان من المتعصّبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق، وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان، وجرت بين الطائفتين أُمور عظيمة.([14])
لم يكن الإمام الأشعري ولا أتباعه مختلفين مع الحنابلة في توحيده سبحانه ولا في رسالة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا في معاوية، وإنّما كانوا يختلفون في التنزيه والتشبيه، أفيكون هذا مسوغاً لإراقة الدماء؟!
هذا شيء قليل من أعمال المتطرّفين عبر قرون، وتحاملهم على رجال العلم والإصلاح من دون دليل وبرهان.
ونكتفي بهذه الشواهد دون حاجة للاستطراد في ذكر الأعمال الإجرامية الّتي حدثت في القرون الوسطى.
وممّا يدلّ على جهل المتعصّبين بمعايير الإيمان والكفر أنّهم كفّروا الأشاعرة أو قتلوهم في أُمور لا تمتّ إلى الإيمان والكفر وإنّما هي مسائل كلامية نظير الصفات الخبرية ـ أعني: العين واليد والاستواء لله سبحانه ـ فالحنابلة يأخذون بها في المعنى اللغوي كما مرّ في بيان الراضي العباسيّ، والأشاعرة من أهل التنزيه يفسّرونها بوجه لا يوجب التشبيه والتجسيم، وقد مرّ أنّهم آذوا إمام المسجد بحجة أنّه يجهر بالبسملة. والجهر بها أو القنوت في صلاة الفجر ـ اللّذين آذوا بسببهما إمام المسجد ـ حكم فرعي خاضع للاجتهاد، فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد، وإمام المسجد لم يكن خارجاً عن أحدهما.
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)([15])

إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
 
2
إدانة تكفير أهل القبلة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
إنّ للإيمان والكفر معايير واضحة في الكتاب والسنّة ، ولم تفوَّض تلك المعايير إلى أحد حتّى يكفّر من شاء ويعدّ من شاء مؤمناً، وإنّما يتبع كون الرجل مؤمناً أو كافراً تلك المعايير الّتي وردت في الكتاب والسنّة وحفلت بذكرها كتب علماء الفقه والتفسير والكلام. وممّا يؤسف له أنّ أدعياء العلم والاجتهاد يكفّرون أُمّة كبيرة من المسلمين بلا دليل ولا برهان وإنّما يتّبعون الهوى، كما سيظهر من خلال البحث.
وأمّا إدانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كلّ مَن يكفّر أهل التوحيد فتظهر من كلامه حول قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)([16]).
1. روى البخاري عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الحُرَقة ]من جُهَينة [فصبَّحْنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاَّ الله، فكفّ الأنصاري، فطعنته برُمحي حتّى قتلته، فلمّا قدمنا بلغَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «يا أُسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟» قلت: كان متعِّوذاً، فمازال يكرّرها حتّى تمنيّت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.([17])
2. روى أبو يعلى الموصلي وغيره عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث عليٌّ إلى رسول الله من اليمن بذَهَبة في أدَم مقروظ ([18]) لم تحصَّل([19])، فقسمها بين أربعة نفر: زيد الخيل، والأقرع بن حابس، وعُيَينة بن حِصْن، وعلقمة بن عُلاثة، فقال ناس من المهاجرين والأنصار: نحن كنا أحقّ بهذا، فبلغه ذلك فشقّ عليه... إلى أن قال فقام إليه ]آخر[ فقال: يا رسول الله اتّق الله... فقام خالد... فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، إنّه لعلّه يصلّي. قال: إنّه إنْ يصلّي يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال : «إنّي لم أومر أن أشقَّ([20]) عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم».([21])
3. أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر»([22]).
4. أخرج مسلم عن ابن عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»([23]).
5. أخرج الترمذي في سننه عن ثابت بن الضحاك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولاعن المؤمن كقاتله، ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله...»([24]).
***
وعلى ضوء هذه الأحاديث المتضافرة والكلمات المضيئة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يعلم أنّ تكفير مسلم ليس بالأمر الهيّن بل هو من الموبقات، قال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)([25]).
ونؤكد، مرّة أُخرى، أنّ المسلمين لم يزالوا منذ قرون غرضاً لأهداف المستعمرين ومخطّطاتهم في بثّ الفرقة بين صفوفهم وجعلهم فرقاً وأُمماً متناحرة ينهش بعضهم بعضاً، وكأنّهم ليسوا من أُمّة واحدة، كلّ ذلك ليكونوا فريسة سائغة للمستعمرين، وبالتالي ينهبون ثرواتهم ويقضون على عقيدتهم وثقافتهم الإسلاميّة بشتّى الوسائل، ولأجل ذلك نرى أنّهم ربما يُشعلون نيران الفتن لأجل مسائل فقهية لا تمتّ إلى العقيدة بصلة، فيكفّر بعضهم بعضاً مع أنّ المسائل الفقهية لم تزل مورد خلاف ونقاش بين الفقهاء.
إدانة علماء المسلمين تكفير أهل القبلة  

 
3
إدانة علماء المسلمين
تكفير أهل القبلة
إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هو القدوة والأُسوة للمسلمين عامّة وللعلماء الواعين المخلصين خاصّة، فقد قاموا بالدعوة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف وجمع عامّة المسلمين تحت خيمة الإسلام والإيمان، إلاّ مَن أنكر أحد الأُصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، أو أنكر ما يلازم أحد هذه الأُصول. وإليك بعض كلماتهم:
1. كلمة الشيخ الجليل الأقدم الفضل بن شاذان الأزدي:([26])
ولو جعلتم للذين تسمّونهم الرافضة ما في الأرض من ذهب أو فضة على أن يستحلّوا قتل رجل مسلم، أو أخذ ماله، ما استحلّوا ذلك إلاّ مع إمام مثل عليّ صلوات الله عليه في علمه بما يأتي وما يذر، وهو المهدي الّذي تروون أنّه يعدل بين الناس.([27])

 
2. كلمة الإمام الأشعري:
قال أحمد بن زاهر السرخسي الأشعري: لمّا حضرت الوفاة لأبي الحسن الأشعري في داري ببغداد أمر بجمع أصحابه ثم قال: اشهدوا عليَّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم.([28])
3. كلمة ابن حزم في المقام
قال ابن حزم الظاهري: وذهبت طائفة إلى أنّه لا يكفَّر ولا يفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وإنّ كلّ مَن أجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنّه الحقّ فإنّه مأجور على كلّ حال، إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد. وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود، وعلي (عليه السلام)، وهو قول كلّ مَن عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة، ما نعلم منهم في ذلك خلافاً أصلاً.([29])
4. كلمة القاضي الإيجي
قال جمهور المتكلّمين والفقهاء على أنّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة. واستدلّ على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً بعلم أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم بإسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. ([30])
5. كلمة تقي الدين السبكي
قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: إنّ الإقدام على تكفير المؤمنين عسر جدّاً، وكلّ مَن في قلبه إيمان، يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، فإنّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر.([31])
6. كلمة التفتازاني
قال: إنّ مخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد، واستدلّ بقوله: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو الحق.([32])
***
هذا قليل من كثير من كلمات علماء الإسلام ممّن تنبض قلوبهم رغبة بوحدة المسلمين ورفض أي محاولة لتمزيقهم وهدم كيانهم، فلنذكر شيئاً من كلمات علمائنا المعاصرين:
لمّا أفتى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين بتكفير أتباع أهل البيت وهدر دمائهم مقرونة بسيل من التهم الباطلة والشبهات المختلقة، قامت مجموعة من علماء أهل السنّة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي باستنكار تلك الفتوى الشاذّة عن الكتاب والسنّة والّتي تفرّق الأُمة الإسلاميّة وتمزّق أوصالها، فلنذكر شيئاً من كلماتهم من رسائلهم الّتي أرسلوها إلى العلاّمة الحجّة الشيخ التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي لأهل البيت(عليهم السلام):
1. كلمة الدكتور سامي حمّود (المدير العام لمركز البحوث والاستشارات العالمية الإسلاميّة ـ عمّان ـ الأردن)، قال:
وقد أسفت لصدور مثل هذه الفتوى عمّن يدّعي العلم بالدين، وهو يخالف أمر الله للمسلمين بالوحدة والاعتصام بحبل الله المتين، وكأنّه لم يقرأ قول الله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ )([33]).
2. كلمة عبدالله بن عبد الرحمن البسّام «رئيس الدائرة الحقوقية الأُولى في محكمة التمييز في المنطقة الغربية، وزارة العدل، المملكة العربية السعودية»: قال:
كلّ ما أشار إليه فضيلتكم (يخاطب الشيخ التسخيري) هو عين الحق والصواب وهو الّذي نسأل الله تعالى أن يحقّقه لتجتمع الكلمة ويتوحّد الصّف، ويكون للإسلام قوة في وجه أعدائه، إلى أن يقول: ونحن في عصر نُبذ فيه التعصّب، فدعونا نجتمع ونتوحّد على دين الله ونتعاون على إعلاء كلمة الله ونشر دينه ونشل البشرية الضالّة من حضيض الجهل بدين ربها إلى العلم به.
3. كلمة محمد كمال آدم (عضو مجلس العلماء في أثيوبيا).
قال: لاشكّ أنّ هذه الفتاوى مستنكرة لدى كلّ المسلمين عامّة ولدى كلّ العلماء المخلصين خاصّة، وإصدار مثل هذه الفتاوى الباطلة لا يحقّق إلاّ الخدمة للمستكبرين، ومحاولة لتشتيت شمل المسلمين لكي لا يتّحدوا لمواجهة قوى الشر والباطل.
4. كلمة محمد عبده اليماني «رئيس جمعية اقرأ الخيرية، في جدّة»، قال:
إنّ وحدة الأُمّة الإسلاميّة وتلاحمها بوجه أعدائها الذين يحيكون لها المؤمرات من أهم الضرورات، هذا أمر لا يختلف عليه عاقل ويجب أن تنسى الأُمّة كلّ خلافاتها الاجتهادية، الّتي لا تمس التوحيد وأُصول الإيمان، وتنصهر في بوتقة واحدة استجابة لأمر الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )([34]).
5. كلمة أحمد جمال (العضو الخبير لمجمع الفقه الإسلامي ـ مكّة ـ الزاهر). قال:
أسفت لما ذكّرتم به من صدور بعض الفتاوى ضد الشيعة بما لا دليل عليه، ووجهة نظري في المسألة أحد أمرين:
إمّا الصبر والصمت وإهمال المسألة وعدم الاهتمام بها، وإمّا الرد عليها بالحجج والأدلّة الّتي تبطل الفتوى وتظهر أنّها مجرد دعوى.
6. كلمة محمود علي السرطاوي (كلية الشريعة ـ الجامعة الأردنية) قال:
إنّ المفتي لم يستند فيما ادّعاه إلى مستند شرعي من الكتاب الكريم أو السنّة النبوية المطهّرة وعمل السلف وأقوالهم، بل كان دليله الهوى، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
عجباً عجباً، هل يستحلّ الأخ الكريم ذبيحة اليهود والنصارى، والزواج منهم، ويحرّم ذبيحة إخواننا من الشيعة الذين يؤمنون بالله رباّ وبمحمد نبياً ورسولاً وبالقرآن الكريم كتاباً منزلاً من عند الله تعالى على قلب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وباليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشرّه.
7. كلمة الدكتور محمد علي محجوب (وزير الأوقاف المصري آنذاك، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة) .
قال: لقد تلقّيت كتابكم بشأن الرأي في صدور القتل الجماعي لأتباع مذهب أهل البيت... إلى أن يقول: وكما تعلمون أنّنا في مصر نعاني من مثل هذه الآراء الجافّة والتطرّف في الحكم والفتيا والّذي لن يخلص منه مجتمعنا المسلم إلاّ حين تأخذ الوسيطة الإسلاميّة طريقها إلى التمكّن ويفسح لها الجميع حتّى تسود وتعلو.
8. كلمة الدكتور طه جابر العلواني (أُستاذ الفقه والأُصول في جامعة محمد بن سعود الإسلاميّة في الرياض).
قال: نحن في عصر قد تكاثرت فيه الأُمم على المسلمين وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، ونحن حريّون بأن نتذكر على الدوام قول الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )([35]) ونبذ ذلك التراث المفرّق لكلمة المسلمين المدّمر لوحدة الأُمة... إلى أن قال: إنّ ما نعرفه عن عقائد الشيعة وما يصرّح به أئمتهم المعتبرون كما هو ظاهر في مؤلّفاتهم ويعلن به مشايخهم أنّهم يؤمنون بالله ربّاً وبمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)نبياً ورسولاً ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمنون بأنّ الإمامة منصب ديني بعد النبوة، وأنّ الأئمة من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هم أئمة حق يوالونهم بالمودّة والمحبة، ولكنّهم لا يؤمنون بألوهيّة الإمام علي (عليه السلام)أو نبوته.
9. كلمة الشيخ أحمد حمد الخليلي (المفتي العام لسلطنة عمان).
قال: قد اطّلعت على الفتوى الحمقاء الّتي تشرك طائفة لا يستهان بها من أُمّة الإسلام وتدعو إلى قتلهم وهذا ممّا يكون له أبلغ الأثر في إضعاف هذه الأُمّة.
إنّ صدور فتوى كهذه منهم لدليل واضح على ضيق أُفقهم وضحالة تفكيرهم وعدم تخلّقهم بأخلاق العلماء، وأنّهم دعاة فرقة لا وحدة، ودعاة شقاق لا وفاق، وإنْ هم إلاّ أداة طيّعة في أيدي أعداء الإسلام ـ وعَوا ذلك أم لم يعوه ـ يستغلّونهم في تفتيت الأُمة الإسلاميّة وتمزيق شملها وإبقائها في سبات عميق بعيدة عن فهم الإسلام والعمل بجوهره.
10. كلمة الشيخ عبدالحميد السائح (رئيس المجلس الوطني الفلسطيني)
قال: إذا كان طعام أهل الكتاب بنصّ القرآن حلالاً لنا، ويشمل ذلك الذبح فكيف نحرّم ذبيحة من هو معروف من المسلمين، ولم نتوضح عقيدته، أو لم يصرّح هو شخصه باعتقاده تلك التهم الّتي تستوجب التكفير، والأصل في الإسلام براءة الذمّة، ولذلك لا يجوز أن نحكم بأنّ فئة من المسلمين لا تؤكل ذبائحهم، بناء على تلك الأقاويل الّتي لا ترقى إلى درجة اليقين والقطع.([36])
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ
لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)([37])
    

 
4
أسباب نشوء ظاهرة التكفير
من أسباب التكفير جهل المكّفر أو تجاهله لمذهب مَن يرميه بالكفر، وهذا هو الّذي جرّ البلاء على المسلمين طوال قرون، ولأجل أن يقف القارئ على نماذج من هذا النوع من التجاهل الّذي لا يغفر أبداً، نذكر ما يلي:
1. اختلاق خيانة الأمين
يزعمون أنّ الشيعة تقول: إنّ النبوة كانت لعلي (عليه السلام)ولكنّ جبرئيل خان الأمانة وأعطاها لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ألف القصيمي ([38]) كتاباً باسم «الصراع بين الإسلام والوثنية» وأراد من الوثنية الشيعة الإمامية، وأتى آخر فقرّضه بشعره وعرّف الشيعة الإمامية بقوله:
ويحمل قلبهم بغضاً شنيعاً *** لخير الخلق ليس له دفاعُ
يقولون الأمين حبا بوحي *** وخان وما لهم عن ذا ارتداعُ
فهل في الأرض كفر بعد هذا *** وحرثُهمُ لمن يهوى متاعُ
فما للقوم دينٌ أو حياءٌ *** وحسبهمُ من الخزي «الصراع» ([39])
أقول: إذا كان هذا مبلغ علم إمام المسجد الحرام وخطيبه فما ظنّكم بحال من هم تحت منبره.
وما نسبه إلى الإمامية من أعظم التهم الّتي سمعت بها أُذن الدنيا بالنسبة إلى أُمّة يعبدون الله سبحانه وحده، ويؤمنون بأنبيائه وعلى رأسهم النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكتابه وشريعته وسننه، كما يؤمنون بأمانة أمين الوحي جبرئيل الّذي يصفه سبحانه بقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)([40]).
وقوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)(3).
والشيعة يتلون كتاب الله آناء الليل والنهار، فكيف يصفون الأمين بالخيانة؟!
فهلمّ معي لنوقفك على مصدر التهمة، وهو رواية منقولة عن الشَّعبي (المتوفّى 103 هـ)، جاء فيها: (واليهود تبغض جبرئيل وتقول: هو عدوّنا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب)([41]).
والرواية المنقولة عن الشعبي من السخافة بمكان، لأُمور منها:
1. أنّ الشعبيّ يسمّي الشيعة بالرافضة، وهذا اللقب الّذي نُبز به الشيعة، ذكر مؤرّخو السنّة أنّه عُرف عند قيام زيد بثورته ضد الحكم الأُموي عام (122 هـ) أي بعد وفاة الشعبي بنحو (19) عاماً، فأمّا أن يكون هذا اللقب قد ورد قبل هذا، وهو ما لا تقول به رواياتهم، أو أنّ الرواية مخترعة، وهو الأصحّ.
2. قد وقع في سند هذه الرواية: عبدالرحمن بن مالك بن مِغْول، وهو مجروح عند نقّاد السنّة. قال أحمد والدارقطني: متروك. وقال أبو داود: كذّاب. وقال مرة: يضع الحديث. وقال النسائي وغيره. ليس بثقة.([42])
وقد شاء الله تعالى أن يفتضح هذا الكذّاب، فقد روى زكريا بن يحيى الساجي بإسناده عنه، عن أبيه، عن الشعبي، قال: ائتني بزيديٍّ صغير أُخرج لك منه رافضياً كبيراً...
نقل ذلك عنه الذهبيّ، وعلّق عليه بالقول: إنّ الزيدية إنّما وُجدوا بعد الشعبيّ بمدّة.([43])
3. ألا تكفي آلاف المنائر والمساجد عند الشيعة، والّتي تصرخ
ليل نهار: أشهد أنّ محمداً رسول الله، للتدليل على أنّ هذه القصة فرية
مفتعلة.
4. أنّ كتب عقائد وفقه الشيعة تملأ الدنيا، فهل يوجد في كتاب واحد منها ما يشير إلى هذه الفرية، ونرضى بأن يكون حتّى من المخرّفين ممّن نراهم عند فئة أُخرى. إنّنا نطالب بمصدر واحد اعتمد عليه هؤلاء في نقل ما نقلوه.([44])
2. نسخ الشريعة عن طريق البداء
إنّ البداء حقيقة قرآنية تضافرت الآيات عليها وحقيقتها أنّه
ليس للإنسان تقدير واحد لا يتغيّر، بل يمكن للإنسان أن يبدل تقديره
بعمل صالح أو طالح، قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([45]).
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدلّ على أنّ للإنسان أن يبدل تقديره بعمله إمّا إلى صالح أو طالح، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)([46]).
هذه هي حقيقة البداء، ولو قالوا: «بدا لله»، فقد اقتدوا في ذلك بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص... إلى آخر ما ذكر»([47]).
ومن المعلوم أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «بدا لله» ليس بمعناه الحقيقي أي ظهر له بعد ما خفي، وإلاّ تعارض مع قوله سبحانه: (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْء فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ).([48])
وإنّما هو تعبير مجازي نظير قوله سبحانه: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا)([49])، وقوله سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ )([50])، وهذا من باب المشاكلة في التعبير، أو بضرب من التشبيه والمجاز.
هذه هي حقيقة البداء على وجه الإجمال الّذي هو أمر متفق عليه بين الفرق الإسلاميّة، ولكن نرى أن أبا القاسم البلخي المتكلّم المعتزليّ (المتوفّى 319 هـ) ينسب البداء إلى الشيعة، ويفسره بقوله: إن الأئمّة المنصوص عليهم بزعمهم مفوّض إليهم نسخ القرآن وتبديله([51])، وتجاوَزَ بعضهم حتّى خرج من الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزّ وجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدّ له وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون إلاّ ما يقدّره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أنّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكّة.
نقل الشيخ الطوسي عنه هذا الكلام، وقال: وأظنّ أنّه عنى بهذا أصحابنا الإماميّة، لأنّه ليس في الأُمّة من يقول بالنص على الأئمة(عليهم السلام)سواهم، فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة(عليهم السلام)ولا أحد منم يقول بحدوث العلم .([52])
هذا وقد سرى الجهل بعقائد الشيعة في أمر البداء إلى كتب المتأخّرين من السنّة ولا نريد التذكير به، والحق أنّ النزاع في البداء لفظي وليس
معنوياً.
وقد سألني أحد علماء السنّة عن حقيقة البداء، فدفعت إليه «أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للشيخ المفيد، فأخذ الكتابين وطالعهما وجاء بهما بعد ستة أيام وقال: البداء بهذا المعنى الموجود في الكتابين ممّا اتّفق عليه علماء السنّة.
3. رمي الشيعة بتهم زائفة
لم تزل الشيعة تُرمى بالتُّهم الباطلة، من عهد بني أُميّة، وإلى يومنا هذا، ومن أبرز من نسب إليهم تلك الأكاذيب ابن تيمية في كتابه «منهاج السنّة»، وقد ذكرنا شيئاً منها في كتابنا «ابن تيمية فكراً ومنهجاً» ولو أردنا استقصاءها لطال بنا المقام، ونذكر منها هنا أمرين:
1. قال: ومن حماقاتهم كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد.
أقول: لم أر في كتاب ولم أسمع من شيخ أنّ الشيعة لا يشربون من نهر حفره يزيد، فمن أين جاء ابن تيمية بذلك؟
2. قال: ومن حماقاتهم كونهم يكرهون التلفظ بلفظ (العشرة) أو فعل شيء يكون عشرة حتّى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك .([53])
ونحن لا نعلّق على ذلك بشيء، إلاّ بقوله سبحانه:
(وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرى)([54]).

العبادة لغةً واصطلاحاً
 
5
 
الجهل بالمفاهيم الإسلاميّة
إذا كان الداعي الأول هو التجاهل، فهناك سبب آخر وهو الجهل ببعض المفاهيم الإسلاميّة الّتي صارت سبباً لتكفير قوم، وعلى رأس هذا الأمر العنوانان التاليان:
1. العبادة.
2. البدعة.
فإن كثيراً من الوهابيين إنّما يكفّرون الأُمّة الإسلاميّة جمعاء لأجل جهلهم بمعاني هذين اللفظين، حيث قاموا بتفسير التوحيد في العبادة من عند أنفسهم بشكل لا ينطبق حتّى على أنفسهم. ولأجل رفع الحجاب عن وجه الحقيقة نذكر شيئاً عن هذا الموضوع على وجه الإجمال.
لاشكّ أنّ التوحيد في العبادة من مراتب التوحيد، فالإنسان الموحِّد من يوحِّد الله سبحانه ذاتاً وأنّه واحد لا نظير له، وخلقاً وأنّه لا خالق إلاّ
هو، وتدبيراً وأنّه لا مدبّر إلاّ هو، وعبادة وأنّه لا معبود سواه، فمن لم
يوحّد الله في شيء من هذه المراتب فليس بموحِّد فضلاً عن أن
يكون مسلماً أو مؤمناً، وقد بلغ التوحيد في العبادة منزلة كبيرة بحيث
صار العلّة الغائية لبعث الأنبياء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً
أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)([55]).
وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)([56]).
وعلى هذا فلا نزاع في الكبرى، وأنّ العبادة تختصّ بالله سبحانه، أخذاً بقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)([57])، إنّما الكلام في تحديدها تحديداً منطقياً يكون جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار، وممّا يؤسف له أنّ القوم لم يحدّدوها بحدّ تتميّز به العبادة عن غيرها، وإليك التعاريف الواردة في كتب اللغة والتفسير:
كلمات اللغويين
إن أئمة اللغة العربية فسّروا العبادة بما يلي:
1. العبادة: أصل العبودية الخضوع والتذلّل.([58])
2. العبودية إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها لأنّها غاية التذلّل .([59])
3. العبادة: الطاعة .([60])
فلو رجعت إلى سائر القواميس، تجد تعابير مشابهة.
ولا يخفى أنّه لو كانت العبادة هي الخضوع لعمّ البلاء جميع البشر، حيث إنّه يخضع بعضهم لبعض، كالولد أمام الوالدين، والجندي أمام الضابط، والتلميذ أمام الأُستاذ، وعلى هذا فلا يوجد على أديم الأرض موحّد، حتّى الوهابيّ نفسه.
كلمات المفسّرين
1. قال صاحب المنار: العبادة: ضرب من الخضوع، بالغ حد النهاية، ناشئٌ عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشؤها، واعتقاد بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها.([61])
ولا يخفى أنّ التعريف غير جامع ولا مانع، أمّا الأوّل فإنّ بعض مصاديق العبادة يفقد الخضوع الشديد ولا يكون بالغاً حدّ النهاية، كصلوات الناس العاديّين والعوام منهم، مع أنّ عملهم عبادة.
وأمّا الثاني فربّما يكون خضوع العاشق أمام معشوقته والجندي أمام ضابطه، أشدّ خضوعاً ممّا يقوم به كثير من المؤمنين تجاه ربّ العالمين، ولا يوصف خضوعه بالعبادة.
2. قال شيخ الأزهر: العبادة خضوع لا يحدّ لعظمة لا تحدّ.([62])
ويرد عليه ما أُورد على التعريف الأوّل.
إلى غير ذلك من التعاريف الّتي لا تنطبق على واقع الأمر، وهؤلاء هم ملائكة الله قد سجدوا لآدم وخضعوا له نهاية الخضوع ومع ذلك لم يخرجوا عن حدّ التوحيد قيد شعرة، وهؤلاء أبناء يعقوب ووالداهم سجدوا ليوسف، كما قال سبحانه: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا )([63])، ولم يشركوا بربّهم .
وعلى هذا فلابدّ أن تحدَّد العبادة حدّاً منطقياً جامعاً للأفراد ومانعاً للأغيار، حتّى يقطع أي عذر للوهابيّين حيث يعدّون كلّ خضوع وخشوع للأنبياء والأولياء أو أيّ دعاء لهم، عبادة لهم.
وأنت إذا زرت الحرمين الشريفين فستقرع سمعك كلمات الشرك والبدعة أكثر من كلّ الكلمات، وكأنّه ليس في جعبة القوم إلاّ أمران: الشرك والبدعة.
التعريف الصحيح للعبادة
قد وقفت على أن التعاريف السابقة ليست بجامعة ولا مانعة، واللازم في تعريف العبادة هو التعرّف على القيود المأخوذة في تعريفها، إذ ليست العبادة مجرد الخضوع بل الخضوع النابع عن اعتقاد خاص، وهذا هو الّذي يميّز العبادة عن التكريم والاحترام، فنقول:
1. العبادة هي الخضوع الناشئء عن الاعتقاد بأُلوهية المعبود
فالذي يميّز العبادة عمّا يشابهها هو الاعتقاد الخاصّ بأنّ المعبود إلهٌ، سواء أكان إله العالمين أو إلهاً مختلقاً في الواقع وإن لم يكن كذلك في نظر مَن يعبده، وهذا القيد يُدخل كلّ عبادة صحيحة وباطلة تحت التعريف. أمّا الصحيحة فواضحة لأنّ المؤمن يخضع عن اعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالمين، وأمّا عبادة الوثني فهو يخضع بتصوّر أنّ الوثن إله صغير مخلوق لإله أكبر، ولذلك لمّا دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الإله الواحد، استغرب المشركون وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)([64]).
ويدلّ على ما ذكرنا من القيد قوله سبحانه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ )([65])، فقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرُهُ)بمنزلة التعليل وهو أنّ العبادة خاصّة للإله ولا إله إلاّ الله.
وقد أثبتنا في محلّه أنّ الإله يساوق لفظ الجلالة في المعنى غير أنّ الثاني علَم، والإله اسم جنس يعمّ الإله الصادق والإله الكاذب، وأنّ ما اشتهر بأنّ الإله بمعنى المعبود فإنّما هو تفسير باللازم لا أنّه معناه، بل المتبادر منه ما هو المتبادر من لفظ الجلالة ويفترقان بالكلّية والعلَمية.
2. العبادة: هي الخضوع لشيء على أنّه ربّ([66])
العبادة عبارة عن الخضوع النابع عن أنّ المخضوع له ربّ الخاضع، المالك لشؤونه، المتكفّل بتدبيره وتربيته، وهما من صفات الربّ، فربّ الدار وربّ الضَّيعة وربُّ الفرس مسؤول عن تربية المربوب وتدبيره.
ويدلّ على ما ذكرنا من القيد قوله سبحانه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)([67]) فقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ) بمنزلة التعليل للعبادة، ويثبت أنّها من شؤون الربّ، ولا ربّ إلاّ الله سبحانه فهو ربّ العالمين وربّ الآلهة المكذوبة.
 
3. العبادة: هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شؤون وجوده
ليس مجرد الخضوع عبادة إلاّ إذا كان نابعاً من الاعتقاد الخاصّ بأنّ المخضوع له يملك شأناً من شؤون حياة الخاضع في الدنيا والآخرة .
وعلى هذا فالعبادة قائمة بأمرين:
1. ما يرجع إلى الجوارح وهو الخضوع بالرأس واليد والكلام وغيرها.
2. ما يرجع إلى الجوانح وهو الاعتقاد الخاصّ بأنّ المخضوع له إله أو رب أو بيده شأن من شؤون حياته في الدنيا والآخرة.
4. ومن أفضل ما عُرّفت به العبادة هو ما ذكره ابن عاشور، حيث قال: إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنّه يملك نفع العابد وضُرّه ملكاً ذاتياً مستمراً، فالمعبود إله كما حكى الله قول فرعون: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)([68]).([69])
دعاء الصالحين ليس عبادة لهم
إنّ دعاء الصالحين على قسمين وإن كان أوّلهما غير موجود بين المسلمين:
1. دعاؤهم والخضوع لهم بما أنّهم آلهة أو أرباب أو أنّ بيدهم مصير الداعي في الدنيا والآخرة. ولا شكّ أنّ الدعاء بهذا القيد عبادة لهم، ولكن لا تجد على أديم الأرض مسلماً يدعو الصالحين بأحد هذه الأوصاف.
2. دعاؤهم بما أنّهم عباد صالحون وبما أنّ لهم منزلة عند الله، يستجاب دعاؤهم وتقبل شفاعتهم، والدعاء بهذا المعنى نوع توسّل بأحد الأسباب الّتي دعا إليها القرآن الكريم وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً)([70]).
فلو قال القائل: إنّ الآية ناظرة إلى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا صلة لها بما بعد موته؟
قلنا: أوّلاً: نمنع اختصاص الآية بحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). بل تشتمل الآية لما بعد الرحيل بشهادة السيرة المستمرة بين المسلمين.
وثانياً: نفترض أنّها راجعة إلى حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لكن الكلام في مجال آخر وهو أنّ دعاء الصالحين ـ بما أنّهم عباد الله المكرمون ـ لو كان عبادة لهم لكان كذلك عند حياتهم أيضاً فإنّ الحياة والموت ليستا ميزاناً للتوحيد والشرك، ولو فرض كونهما ميزاناً لكانا ميزاناً في الانتفاع وعدمه فيكون دعاء الحيّ مجدياً، ودعاء الميّت غير مجد، وأين هذا من الشرك؟
ومن هنا يعلم أنّ ما قاله ابن جبرين في وصف الشيعة الإمامية، نابع عن جهله بمفهوم العبادة، حيث قال: إنّ الرافضة غالباً مشركون حيث يدعون عليّ بن أبي طالب دائماً في الشدّة والرخاء حتّى في عرفات والطواف والسعي ويدعون أبناءه وأئمتهم كما سمعناهم مراراً، وهذا شرك أكبر وردّة عن الإسلام يستحقّون القتل عليها كما سمعناهم في عرفات وهم بذلك مرتدّون حيث جعلوه ربّاً وخالقاً ومتصرّفاً في الكون.
أقول: كلّ ما ذكره من القيود ناظر إلى الصورة الأُولى ولا تجد أحداً من المسلمين (فضلاً عن الشيعة الذين يوحِّدون الله تعالى بأفضل صور التوحيد) مَن يعتقد أنّ علي بن أبي طالب ربٌ أو خالق أو متصرّف في الكون.
(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)([71])
وبمثل هذه الفتاوى الباطلة المبنية على شفا جرف هار يبيح الشيخ ابن جبرين وغيره من شيوخ الوهابيّة، القتل الجماعي لأُمّة مسلمة موحِّدة يتجاوز عددها المائتي مليون، ويعدّون ثلث المسلمين أو ربعهم.
إنّ الصخب والضوضاء والصراخ الذي يُسمع من أئمة المسجد النبوي أو في المسجد الحرام وأطرافهما، وهم يكِّفرون بملء أفواهم المسلمين عامّة والشيعة خاصّة، ناشئ من الجهل بمفاد الشرك في العبادة، حيث زعموا أنّ الخضوع أمام ضريح النبي الأكرم عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّ هؤلاء ذوي العقول الجامدة لم يفرّقوا بين عبادة النبي وبين تكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمر الله تعالى المسلمين به، بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)([72]) فالضمائر الثلاثة ترجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمراد من التعزير هو تكريمه وتوقيره، لا نصرته ; لأنّ الإخبار عنها ورد صريحاً بقوله: (وَنَصَرُوهُ).

دعاء الصالحين في حديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)
كيف يلهج ابن جبرين وغيره بأنّ دعاء الصالحين شرك وعبادة لهم مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)علّم ضريراً بأن يتوسّل في دعائه بنفس النبي وشخصه : روى عثمان بن حنيف، قال: إن رجلاً ضريراً أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: ادعُ الله أن يعافيني .
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شئت دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ وهو خير؟».
قال: فادعُهُ، فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتوضّأ فيحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: «فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضُرّ».
لا كلام في صحّة سند الحديث ولم يشك أحدٌ إلى الآن في صحّته، حتّى أنّ الكاتب الوهابي المعاصر الرفاعي الّذي يسعى دوماً إلى تضعيف الأحاديث الخاصّة بالتوسّل أذعن بصحّة الحديث، وقال: لاشكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور .([73])
كيف لا يكون صحيحاً مشهوراً عندهم وقد رواه أحمد بن حنبل ([74])، وابن ماجة ([75])، والترمذي ([76])، والنسائي، والبيهقي، والطبراني،
والحاكم النيسابوري([77]).
وأمّا دلالة الحديث فهي واضحة، فلو قدّمت هذا الحديث إلى من يُحسن اللُّغة العربية جيّداً ويتمتّع بصفاء فكر، بعيد عن مجادلات الوهابييّن وشُبهاتهم ثم سألته: بماذا أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك الأعمى عندما علّمه
ذلك الدعاء؟ لقال: علّمه النبي أن يقول: يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي. أليس ذلك نداءً للصالحين ودعاء لهم، فكيف علّم نبي التوحيد أُمّته بدعائه وندائه؟
والعجب أنّ عثمان بن حنيف علّم هذا الدعاء لشخص آخر كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلمّا علّمه ابن حنيف ذلك الدعاء وعمل بما فيه، قُضيت حاجته، عندما ذهب إليه .([78])
مفاد قولهم الدعاء مُخّ العبادة
وهناك من الوهابيين مَن يدلّس ويشوّش الأفكار ويقول بأنّ الدعاء يرادف العبادة، ويروي أنّ الدعاء مخّ العبادة، فدعاء الصالح بأيّ معنى كان، يكون عبادة.
وهذا من مغالطاتهم الواضحة فإنّ الدعاء تارة يستعمل في العبادة وأُخرى بمعنى الطلب، فهذا هو مؤمن آل فرعون يدعو قومه ويقول: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَني إِلَى النَّارِ )([79])، وقال سبحانه حاكياً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)([80])، وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ )([81]) إلى عشرات الموارد الّتي استعمل فيها الدعاء بمعنى الطلب والدعاء. وأمّا ما روي من أنَّ الدعاء مخّ العبادة، فالمراد أنّ دعاء الله مخّ العبادة، لا دعاء الصبي أُمّه، والمخدوم خادمه.
    
وبما أنّ المجال لا يسع لأن نذكر سائر الأدلّة الّتي تدل على جواز التوسل بالصالحين ودعائهم، اكتفينا برواية واحدة وفيها غنىً وكفاية.
البدعة مفهومها وحدّها
قد تقدّم أنّ الجهل بمفهوم الأمرين: العبادة والبدعة، وعدم تحديد مفهوم كلٍّ منهما، صار سبباً لمسلسل التكفير، وقد مرّ الكلام في مفهوم العبادة وعرفت أنّ المسلمين عامّة لا يعبدون سوى الله تبارك وتعالى وأنّ توسّلهم أو نداءهم للصالحين لا يمتّ إلى العبادة بصلة، وبقي الكلام في مفهوم البدعة، فإنّ الجهل بها وبحدودها صار سبباً لرمي كثير من الأعمال والسنن والمراسم والشعائر الدينية بالبدعة.
ولاشكّ أنّ البدعة في الدين من كبائر المعاصي وعظائم المحرّمات وقد دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة، وأُوعد صاحبها بالنار على لسان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتقنين، ويتدخّل في دينه فيزيد عليه وينقص منه شيئاً كلّ ذلك افتراء على الله، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون، إنّما الكلام في تحديد مفهوم البدعة.
تعريف البدعة
يمكن تعريف البدعة بالنحو التالي:
البدعة: التدخّل في الدين في الأُصول والفروع بعبارة أُخرى عقيدة وحكماً بزيادة أو نقيصة لكن بشرطين:
1. أن تكون هناك إشاعة ودعوى إلى فعل المبتدع.
2. أن لا يكون هناك دليل في الشرع على جواز الشيء، لا بالخصوص ولا بالعموم .
أمّا التعريف فتعلم صحّته من الآيات الذامّة لعمل المشركين وأحبار اليهود. وأمّا الشرط الأوّل فيقول: (قُلْ ءآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)([82])فتدلّ على أنّ كلّ شيء إذا لم يأذن به ومع ذلك نُسب إليه سبحانه، يكون من مقولة الافتراء على الله.
وأمّا الثاني فقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ)([83]) فقولهم: (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ) صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرِّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله. وهذا يثبت أنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.
وبذلك ظهر أنّ كلّ أمر مستحدث إذا لم يُنسَب إلى الدين وإلى ما أنزله الله فليس ببدعة، وإن اندرج في الحلال تارة والحرام أُخرى.
توضيحه: لاشكّ أنّه قد ظهرت في مجتمعاتنا أُمور جديدة، ومع ذلك لا يمكن وصفها بالبدعة، ولا يشملها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ بدعة ضلالة» إذ المراد كلّ بدعة في الدين، لا كلّ أمر جديد، فالمبتدع هو المتدخِّل في الشريعة لا المتدخّل في شؤون الحياة بغير صبغة شرعيّة.
مثلاً جرت العادات في بعض المجتمعات على اختلاط النساء بالرجال، في حفلات الاستقبال من دون حجاب ولا عفاف، فلاشك في أنّ ذلك حرام جداً ولكنّه ليس بدعة في الدين، لأنّ هؤلاء خاضعون للهوى ولم ينسبوا عملهم إلى الدين. فالأُمور العادية بين مباح ومكروه وحرام فلا توصف بالبدعة إذا لم تُنسب إلى الدين.
إنّ لكل قوم سُنناً وآداباً خاصة ترسم طبيعة المعاشرة ونوع العلاقات الاجتماعية، كما أنّ لهم أساليبهم الخاصّة في الأُمور العمرانية وفي كيفية استغلال الطبيعة، وغير ذلك، فمثلاً قد تقتضي تقاليد وأعراف قوم تخصيص يوم واحد لتكريم زعيم لهم باعتباره رمزاً تاريخياً، أو للاحتفال بذكرى حادثة جليلة ساهمت في صنع أمجادهم، وقد توجب المصالح التطوير في الأُمور العمرانية وما شاكلها، أو في استغلال الطبيعة عن طريق الأجهزة الحديثة، فهذه الأُمور وغيرها قد ترك الشارع طريقة التعامل معها إلى الناس وفق أساليب حياتهم والتجديد الحاصل فيها، ولم يتدخل فيها إلاّ بوضع الأُطر العامّة لها، وهي أن لا تكون طريقة التعامل مخالفة للقواعد والضوابط الشرعيّة العامّة، ولولا هذه المرونة لما كان الإسلام ديناً عالمياً سائداً، ولتوقّفت حركته منذ أقدم العصور، ونأتي لمزيد من التوضيح بمثال:
قد حدثت في العصور الأخيرة عدّة تقاليد في ميدان الألعاب الرياضية ككرة القدم والسلّة، والطائرة والمصارعة والملاكمة وغير ذلك، فبما أنّها أُمور عادية محدثة فلا تعدُّ بدعة في الدين، ولو صحّ إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي أي الشيء الجديد في ميادين الحياة، لا في الأُمور الشرعية، غاية الأمر يجب أن تحدّد شرعيتها بالضوابط الكلّية بأن لا يكون هناك اختلاط بين اللاعبين نساءً ورجالاً وأن لا يكون هناك ضرر وإضرار كما هو المحتمل في الملاكمة.
إنّ جميع العادات من قول أو فعل محكوم بالإباحة بشرطين:
1. أن لا يدلّ دليل على حرمة بخصوصها، في الكتاب والسنّة .
2. أن لا ينطبق عليه أحد العناوين الثانوية «كالإسراف» و «الإعانة على الإثم» و« تقوية شوكة الكافرين» و «الإضرار بالمسلمين» و «الإضرار بالنفس والنفيس» إلى غير ذلك من العناوين الثانوية المغيرة لحكم الموضوع. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع المصنوعات الحديثة الّتي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلفاز والسيارة والطائرة وما شابهها ، هي من هذا القبيل، لعدم وجود دليل خاص على حرمتها وعدم انطباق دليل على تحريمها من العناوين الثانوية .
ومن جهالات المتطرّفين في الأُمور العادية ما يقضى منه العجب، وهذا النوع من التزمّت هو الّذي يعرقل عجلة تبليغ الإسلام .
يقول الشاطبي: إنّ من السلف من يرشد كلامه إلى أنّ العادات كالعبادات، فكما أنّا مأمورون في العباديات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العادات.
وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم... ويظهر أيضاً من كلام من قال: أوّل ما أحدث الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المناخل.([84])
وأضاف الشاطبي: ويُحكى عن الربيع بن أبي راشد أنّه قال: لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبّانة مسكني إلى أن أموت. والسكنى (أمر) عادي بلا إشكال. وعلى هذا الترتيب يكون قسم العادات داخلاً في قسم العبادات فدخول الابتداع فيه ظاهر، والأكثرون على خلاف هذا.([85])
وإليك بعض هذه الموارد الدالَّة على هذا الفهم المغلوط للبدعة:
ـ روى الغزالي: أنّ رجلاً قال لأبي بكر بن عياش: كيف أصبحت؟ فما أجابه، قال: دعونا من هذه البدعة([86]).
ـ وقال محمد بن حمد ابن الحاج المالكي (المتوفّى 737 هـ): وقد منع علماؤنا رحمة الله عليهم المراوح، إذ إنّ اتخاذها في المساجد بدعة.([87])
ـ وقال ابن الحاج أيضاً (وهو يذكر ما يسمّيه البدع المحدثة في المساجد): وليحذر أن يفرش السجّادة على المنبر لأنّ ذلك بدعة.. وكذلك ينبغي أن يُمنع ما يُفرش على درج المنبر يوم الجمعة، فإنّه من باب الترفّه، ولم يكن من فعل مَن مضى، فهو بدعة أيضاً .([88])
وقد ذكر كلٌّ من الشاطبي وابن الحاج نظائر من هذه الأُمور الّتي أدخلت تحت عنوان الابتداع في الدين، فلا نطيل فيها الكلام.([89])
أهؤلاء هم الذين صاروا زيناً لخير القرون وأصبحوا أدّلاء على الإسلام في عامة القرون؟! لا أدري ولا المنجم يدري.
هذا خلاصة ما يرجع إلى القيد الأوّل وأنّ حقيقة البدعة هي إدخال ما ليس من الدين فيه، بزيادة أو نقيصة، وأنّ قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «شرّ الأُمور محدثاتها»، ناظر إلى الأُمور المنسوبة إلى الدين وهي ليست منه، وأنّ الاستدلال بالحديث على ذم العادات المحدثة استدلال باطل، وإنّما يستنبط حكم المحدثات من ناحية الحلال والحرام من الكتاب العزيز والسنة النبوية.
بقي الكلام في القيدين الأخيرين أعني:
1. الإشاعة في المجتمع.
2. أن لا يكون هناك دليل في الشرع على جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.
الإشاعة ودعوة الآخرين إلى ما أحدث
هذا هو أحد مقوّمات البدعة، فلو جلس في البيت وزاد أو نقص شيئاً في الدين فقد ارتكب أمراً حراماً لكن لا يوصف قوله أو فعله بالبدعة، لأنّ عمل المبتدعين عبر القرون ـ وأخصّ بالذكر عمل المشركين ـ لم يكن عملاً شخصياً في الخفاء بل كان مقروناً بدعوة الناس إليه كما لا يخفى .
***
عدم وجود أصل لها في الكتاب والسنّة
هذا هو الأمر المهم الّذي يجب التركيز عليه في مقابل المتزمّتين حيث لا يميّزون بين البدعة لغة وبينها شرعاً، فلو أمسك شخص إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض فقد ابتدع لغة وشرعاً. إنّما الكلام إذا كان لعمله المحدَث أصل في الشريعة وإن لم يكن عليه دليل بالخصوص فلا يوصف بالبدعة.
وقال ابن حجر العسقلاني: والمراد بالبدعة: ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.([90])
قال ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة .([91])
وقال العلاّمة المجلسي: البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً.([92])
ونأتي بمثال: قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)([93])، فإنّ قوله: (مِنْ قُوَّة)موضوع كلّي يشمل عامّة القوى الّتي تحقّق هذا الهدف.
وعلى هذا فالتسلّح بالغوّاصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة، من مصاديق القوّة ولا يُعدّ بدعة، بل يُعدّ تجسيداً لهذا الأصل.
وبما ذكرنا تقف على أنّ كثيراً من الأُمور الّتي يصفها الوهابيون بأنّها من البدعة ليس منها، فإنّ لها أُصولاً في الكتاب والسنّة، ونشير إلى بعض الموارد:
1. يقول محمد حامد الفقي: والمواليد والذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم .([94])
وقد تبع الرجل مبدع مسلكه، قال ابن تيمية حول الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف أحقّ به منّا، فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص .([95])
وقد تخبّط الرجلان، أمّا الأوّل فقد عدّ الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد قلنا: إنّ من مقوّمات العبادة الاعتقاد بأُلوهية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو ربوبيته أو كون مصير المحتفل بيده، وليس شيء من ذلك في الاحتفالات وإنّما يقام الاحتفال لتكريم رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق توحيده سبحانه، فكيف يكون عبادة له؟!
وأمّا الثاني (ابن تيمية) فقد ابتدع في تعريف البدعة حيث جعل الميزان في الحلال والحرام عمل السلف، وهذا هو البدعة بعينها، فإنّ الميزان هو الكتاب والسنّة لا عمل السلف.
أضف إلى ذلك: أنّ الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تجسيد لحبّه الّذي دعا إليه الكتاب والسنّة; أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)([96]).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده والناس أجمعين».
وقد تضافرت الروايات على حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)([97]).
ولاشك أنّ الاتّباع من مظاهر الحبّ، ولكنّه لا يختصّ بالاتّباع بل له آثار في حياة المحبّ كأن يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه.
ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن يُرى أثره في الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم القيام بكلّ ما يُعدّ مظهراً لحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة، ويمكن أن يتجلّى الحب بالأُمور التالية:
1. مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نظماً ونثراً، وقد تفجّرت قرائح الشعراء بمدح النبي ضمن قصيدة وقصائد لو جمعت في كتاب لصار موسوعة، وهذا هو كعب بن زهير ينشئ قصيدة مطوّلة في مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منطلقاً من حبّه له ويلقيها على روؤس الأشهاد والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم ويقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيّم إثرها لم يُفدَ مكبولُ
إلى أن قال:
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنَّد من سيوف الله مسلولُ([98])
2. تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بصلة كباب داره وضريحه وأستار قبره، انطلاقاً من مبدأ الحب الّذي عرفته وهذا أمر طبيعي فكلّ مَن يقبّلون ضرائح الأولياء وأبواب قبورهم فإنّما ينطلقون من مبدأ الحب.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيضعها على فيه يُقبّلها، وأحسب أنّي رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفى به.
وعلّق الحافظ الذهبي على ذلك قائلاً: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنّ عبدالله سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمسّ الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك باساً، أعاذنا الله من رأي الخوارج، ومن البدع.([99])
3. الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أي قرن من القرون، فقد انطلق من حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمر به القرآن والسنّة، وها نحن نذكر كلمة واحدة من الكلمات الكثيرة لعلماء أهل السنّة، حول الاحتفال بميلاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول الديار بكري: لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة المولد الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم.([100])
4. شدّ الرحال لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
ممّا يثير غضب الوهابيين وأخصّ بالذكر الفئة التكفيرية، شدّ الرحال لزيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي سار عليه المسلمون بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، وأنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا مناسك الحجّ يتوجهون إلى المدينة لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا شيء لا ينكره إلاّ المكابر، ثم إنّ الفئة التكفيرية تستدلّ على التحريم بالحديث التالي:
«لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» ([101]).
وهؤلاء المتزمتون حُرموا فهم الحديث، فإنّه لا صلة له بالسفر لزيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنّ المستثنى منه محذوف وتقدير الحديث: «لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد» .
فالموضوع في المستثنى منه والمستثنى هو المسجد لا غير، ونحن نقول أيضاً: لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
وأين هو من شدّ الرحال إلى زيارة النبي أو أحد الأولياء، أو شدّ الرحال إلى صلة الأرحام أو الدراسة في الجامعات؟ فكلّ هذا خارج عن مدلول الحديث من غير فرق بين المستثنى والمستثنى منه .
يقول الدكتور عبدالملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب لأنّه في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة لأنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة، فزيادة الثواب تحبّب السفر إليها وهي غير موجودة في بقية المساجد.([102])
5. قبض اليد اليمنى باليسرى في الصلاة
اتّفق فقهاء السنة ـ إلاّ مالك ـ على أنّ القبض سنّة وليس بفريضة، وقال مالك: يندب إسدال اليدين في الصلاة، ونقل عن الأوزاعي التخيير بين القبض والسَّدل .([103])
ومع ذلك ترى أنّ المتزمّتين يؤاخذون مَن ترك القبض، مع أنّ أبا حُميد الساعدي أحد أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عرض صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على أصحابه وذكر عامّة خصوصيات صلاته ولم يذكر فيها القبض.
روى البيهقي عن أبي حميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فاعرض علينا، فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتّى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبّر حتّى يقرّ كلّ عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّر ويرفع يديه حتّى يحاذي بها منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبته... إلى أن قال:
فلما عرض صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على أصحابه قالوا جميعاً: صدق، هكذا كان يصلّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).([104])
إلى هنا تمّ الكلام في البدعة وقد أشبعنا الكلام فيها في كتابنا: «البدعة حدّها وآثارها» فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .
وإنّما الغرض هنا الإشارة إلى العوامل الّتي صارت سبباً لتكفير المسلمين.

 
6
 
ما هو ملاك الكفر والإيمان؟
إذا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوثاً من قبل الله سبحانه وموحى
إليه، فيجب الإيمان بكلّ ما جاء به، ولا يصحّ التبعيض بأن يؤمَن ببعض ويُكفر ببعض، فإنّ ذلك تكذيب للوحي، غير أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجال المعارف والأحكام لمّا كان واسعاً مترامي الأطراف لا يمكن استحضاره في الضمير ثم التصديق به، فلذلك ينقسم ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قسمين; قسم منه معلوم بالتفصيل كتوحيده سبحانه والحشر يوم المعاد ووجوب الصلاة والزكاة، وقسم آخر معلوم بالإجمال وهو موجود بين ثنايا الكتاب وسنّة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا محيص من الإيمان بما علم تفصيلاً بالتفصيل، وبما علم إجمالاً بالإجمال، هذا هو الموافق للتحقيق وما عليه المحقّقون.
قال عضد الدين الإيجي (المتوفّى 756 هـ): الإيمان عندنا وعند الأئمة كالقاضي([105]) والأُستاذ([106]): التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً.([107])
وقال السَّعد التفتازاني (المتوفّى 793 هـ): هو تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً، ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً حتّى لو لم يصدّق بوجوب الصلاة وبحرمة الخمر عند السؤال عنهما كان كافراً، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور.([108])
ما يجب الإيمان به تفصيلاً
إن الّذي يجب الإيمان به تفصيلاً هو عبارة عن الأُمور التالية:
1. وجوده سبحانه ـ جلّت عظمته وتقدّست ذاته ـ وتوحيده وأنّه واحد لاندّ له ولا مثل، وقد تمثّل هذا النوع من التوحيد في سورة الإخلاص، قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اَللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)([109]).
2. أنّه متفرّد في الخالقية، فلا خالق للعالم وما فيه إلاّ الله سبحانه، وقد أكّد القرآن على ذلك في آيات كثيرة، نظير قوله تعالى: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )([110]).
3. أنّه متفرّد في الربوبية والتدبير، فلا مدبّر للعالم وما فيه سواه، وقد ركّز القرآن على هذا الأمر في مختلف الآيات نظير قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ )([111]).
إنّ التوحيد في التدبير لا ينافي الاعتقاد بسائر المدبّرات الّتي تدبّر العالم بإذنه سبحانه والّتي تُعد من جنود الله، كما لا ينافي أيضاً القول بتأثير الأسباب الطبيعية في المسبّبات إذ كلّ ذلك بإذنه سبحانه. كيف وقد جاء التصريح به في آيات عديدة .([112])
4. التوحيد في العبادة الّذي هو الهدف المهم من بعث الأنبياء كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)([113]).
نعم التوحيد في العبادة من شؤون التوحيد في الخالقية والربوبية، فبما أنّ مصير العالم والإنسان آجلاً وعاجلاً بيده سبحانه، فلا يعبد إلاّ إيّاه.
5. نبوة الأنبياء العظام(عليهم السلام)ونبوّة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ورسالته العالمية الخاتمة، قال سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَ مَلاَئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَ قَالُوا سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ)([114])، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على نبوة الأنبياء ونبوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكونه خاتم الأنبياء.
6. المعاد، والاعتراف بأنّه من أركان الإيمان، وإن غفل عنه
أكثر المتكلّمين الباحثين في الإيمان والكفر، ولا يتحقّق للدين ـ بمعناه الوسيع ـ مفهوم، ما لم يوجد فيه عنصر العقيدة بيوم المعاد، ولا تتسم
العقيدة بسمة الدين إلاّ به، ولأجل ذلك قُرن الإيمان به، بالإيمان بالله سبحانه في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ)([115]).
هذا كلّه حول العقائد وأمّا الفروع فالإيمان بالضروريات من مقوّمات الإيمان، كالإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والحج وصوم شهر رمضان بمعنى أنّ منكر وجوب هذه العبادات يخرج من الإيمان.
وما ذكرناه هو حصيلة الروايات المتضافرة الّتي جاءت على صنفين:
1. ما اقتصر على إظهار الشهادتين.
2. ما جاء فيه الاعتقاد ببعض الفروع.
أمّا الصنف الأوّل فنذكر منها ما يلي:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب أنّ عليّاً صرخ: يا رسول الله، على ماذا أُقاتل الناس؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أنّ لا الله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد مَنعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها. وحسابهم على الله »([116]).
وهذا هو المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)حيث روى البرقي مسنداً عنه أنّه قال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث»([117]).
وقد روي نظيره عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) قال: «قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أُمرت أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوا حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم»([118]).
ومن حسن الحظ أنّ أئمة الفقه من السنّة صرّحوا بذلك.
قال الإمام الشافعي: فاعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه سبحانه فرض أن يقاتلهم حتّى يظهروا أن لا إله إلاّ الله، فإذا فعلوا منعوا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها.([119])
وقال القاضي عياض: اختصاص عصم النفس والمال لمن قال: لا إله إلاّ الله، تعبير عن الإجابة عن الإيمان، أو أنّ المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحّد، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأمّا غيرهم ممّن يقرّ بالتوحيد فلا يكفي في عصمته قوله: لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الآخر: «وأنّي رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة»([120]).
وهذه النصوص ـ وغيرها كثير ـ تُصرّح بأنّ ما تحقن به الدماء وتصان به الأعراض ويدخل به الإنسان في عداد المسلمين ويستظلُّ بخيمة الإسلام، هو الاعتقاد بتوحيده سبحانه ورسالة الرسول، وهذا ما نعبّر عنه ببساطة العقيدة وسهولة التكاليف الإسلامية.
وأمّا الصنف الثاني فنأتي ببعض نصوصه:
1 . ما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (وهو يبيّن معنى الإيمان بالله وحده): شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان وأن تُعطوا من المغنم الخُمُس»([121]).
2 . ما تضافر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن شهد أن لا إله إلاّ الله ، واستقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم»([122]).
3 . روى ابن عمر: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله» ([123]).
إذا عرفت هذين الصنفين من الروايات فاعلم أنّ الجميع يهدف إلى أمر واحد وهو أنّ الدخول في الإسلام والتظلّل تحت مظلّته ليس بأمر عسير بل سهل جداً، وليس في الإسلام ما هو معقّد في المعارف، ولا معسور
في الأحكام، وشتّان بين بساطة العقيدة فيه، والتعقيد الموجود في المسيحية من القول بالتثليث وفي الوقت نفسه من الاعتقاد بكونه سبحانه إلهاً
واحداً.
وأمّا الاختلاف بين الصنفين فيمكن رفع ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ موقف الصنف الأوّل غير موقف الصنف الثاني، فالأوّل بصدد بيان ما تُصان به الدماء وتحلّ به الذبائح، وتجوز به المناكحة، فيكفي في ذلك الإقرار بالشهادتين المعربتين عن التصديق بهما قلباً. وأمّا الثاني فهو بصدد بيان ما ينجي الإنسان من عذاب الآخرة وهو رهن العمل بالأحكام، وقد ذكرنا نماذج منه، لتكون إشارة إلى غيرها.
الثاني: أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ينقسم إلى ضروري يعلم من غير نظر واستدلال ويعرفه كلّ مَن ورد حظيرته، كوجوب الصلاة والزكاة وصوم رمضان; وإلى غير ضروري يقف عليه مَن عمّر في الإسلام وعاش بين المسلمين وخالط العلماء والوعاظ، أو نظر في الكتاب والسنّة، فإنّ إنكار القسم الأوّل إنكار لنفس الرسالة، بحيث لا يمكن الجمع ـ في نظر العرف ـ بين الشهادة على الرسالة وإنكار وجوب الصلاة والزكاة، ولأجل ذلك لا يعذر فيه ادّعاء الجهل عند الإنكار إلاّ إذا دلّت القرائن على جهل المنكر بأنّه ضروريّ، كما إذا كان جديد عهد بالإسلام. وعلى هذا لا منافاة بين الصنفين، فلعلّ عدم ذكرها في الصنف الأوّل للاستغناء عنها بالاعتراف بالرسالة الّذي لا ينفكّ عن الاعتراف بها.
وبذلك يظهر: أنّ المسائل الفرعية والأُصولية الكلامية وإن كانت من صميم الإسلام لكن لا يجب الإذعان القلبي بها تفصيلاً، بل يكفي الإيمان بها إجمالاً حسب ما جاء به النبي فيكفي في الإيمان، الإذعان بأنّ القرآن نزل من الله ، من دون لزوم عقد القلب بقِدَمِه أو حدوثه، وأنّ الله عالم وقادر من دون لزوم تبيين موقع الصفات وأنّها عين الذات أو زائدة عليها، وقس على ذلك جميع المسائل الكلامية والفقهية إلاّ ما خرج بالدليل.
المرونة في قبول الإسلام
إذا عرفت هذه السنن والكلمات فاعلم أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل إسلام كلّ إنسان يُقرّ بـ (لا إله إلاّ الله) و (محمد رسول الله).
ومن المعلوم أنّ الإقرار بهما كان يلازم الإقرار بيوم الجزاء، ولم يكن رسول الله يسأل أحداً عن سائر الأُمور الكلامية الّتي ظهرت بعد رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)وتداولتها ألسن المحدِّثين والمتكلِّمين، وما ذلك إلاّ لأن هذه المسائل لا تمتّ إلى جوهر الإيمان وقوامه بصلة، وإن كان الحق في كلّ مسألة في وجه واحد.
كان الناس يحضرون عند (رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))  زرافات ووحداناً ويتشرّفون بالإسلام بكلمتين أو بكلمة واحدة (تلازم الكلمتين الأُخريين)، ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يسألهم عن المسائل التالية:
1. هل أنت تعترف بأنّ صفاته سبحانه عين ذاته أو زائدة عليها؟
2. هل أنت تعترف بأنّ الصفات الخبرية في القرآن كالرجل واليد بنفس معانيها، أو هي كناية عن معان أُخرى؟
3. هل أنت تقول بأنّ القرآن قديم أو محدث؟؟
4. هل أنت تعترف بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله أو لا؟
5. هل أنت تعتقد بعصمة الأنبياء قبل البعثة أو بعدها؟
6. هل أنت تعتقد برؤية الله في الآخرة؟
إلى غير ذلك من عشرات الأسئلة الّتي صارت ذريعة لتكفير المسلمين، بسبب الاعتقاد بهذه المسائل خصوصاً الصفات الخبرية وحدوث القرآن وقِدَمه أو رؤية الله تعالى يوم القيامة.
وأخيراً صارت عدّة مسائل كلامية ذريعة للتكفير أحدثها محمد بن عبدالوهاب إمام الفرقة الوهابية نظير:
1. التوسّل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم.
2. البناء على القبور الّذي وصفوه بالوثنية.
وغير ذلك من المسائل الكلامية أو الفقهية الّتي لا تناط بالإيمان والكفر ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يسأل عنها كلّ مَن يدخل في حظيرة الإيمان،
بل كان يصهر الجميع في بوتقة واحدة ويدخلهم في خيمة الإسلام والإيمان.
وممّا زاد في الطين بلّة، أنّهم يفترون على الشيعة أُموراً مكذوبة، ثم يكفِّرونهم بها، نظير:
1. تأليه الشيعة لعلي وأولاده، وأنّهم يعبدونهم ويعتقدون بإلوهيتهم.
2. إنكارهم ختم النبوة برحيل سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ الوحي لم يزل ينزل على عليّ وأولاده.
3. بغض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسبّهم ولعنهم وأنّهم أعداء الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم.
4. تحريف القرآن الكريم وأنّه حُذف منه أكثر ممّا هو الموجود .
5. نسبة الخيانة لأمين الوحي وأنّه بعث إلى علي (عليه السلام)فخان فذهب إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم للشيعة الإمامية مسائل كلامية تختصّ بها وربما يكون ذلك سبباً لبعض التُّهم، ومن ذلك:
1. الإيمان بخلافة الخلفاء
إنّ هذا الأمر ليس من الأُصول بل هو من الأحكام الفرعية الّتي لا يضر الاختلاف فيها ويشهد لِما قلناه كلمات أئمة أهل السنّة:
قال التفتازاني: لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أُمور كلّية تتعلّق بها مصالح دينية أو دنيوية، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية([124]).
وقال الإيجي: المرصد الرابع: في الإمامة ومباحثها عندنا من الفروع وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ([125]).
وقال الجرجاني: الإمامة ليست من أُصول الديانات والعقائد، بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً ([126]).
فإذا كانت الإمامة من الفروع فما أكثر الاختلاف في الفروع فكيف يكون الاختلاف موجباً للكفر؟
2. علم الأئمة(عليهم السلام)بالغيب
لاشكّ أنّ العلم بالغيب علماً ذاتياً غير مكتسب وغير محدّد بحدٍّ، يختصّ بالله سبحانه، ولكن لا مانع من أن يُعلِّم سبحانه شيئاً من الغيب لبعض أوليائه فيخبر عن الملاحم لأجل كونهم محدّثين، والمحدّث يسمع صوت الملك ولا يراه، وهو ليس أمراً بدعيّاً في مجال العقيدة، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء...»([127]).
وقد تضافرت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ المحدّثين، فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عند الشيعة من المحدَّثين، فأي إشكال في ذلك؟ وهل هو يوجب مشاركتهم الله في علم الغيب ؟! وأين العلم بالغيب مكتسباً من الله محدوداً بحدّ خاص، من علمه الواسع غير المكتسب ولا المحدود؟
3. التقيّة من المسلم
وممّا يخطِّئون به الشيعة هو تقيّتهم من المخالف المسلم، بناءً على اختصاص التقية بالكافر مع أنّه أمر صرّح بجوازه غير واحد من أئمة السنّة .
قال الرازي في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )([128]): ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .([129])
وقال ابن الوزير اليمانيّ ([130]) في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال، في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو أبثّه لقطع هذا البلعوم.([131])
قلت: إن هذا ليس أمراً مبتدعاً، فقد عمل به أربعة وعشرون محدِّثاً في مقابل السلطان الجائر المسلم، أعني: المأمون، وقد نقل تفصيل القصة الطبري في تاريخه، قال: جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدِّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدّثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها، ثم سأل كلّ واحد منهم عن رأيه في خلق القرآن، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث، فلمّا شعروا بالخطر وقرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلاّ أربعة منهم: أحمد بن حنبل، وسجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح; فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأن القرآن مخلوق، فخلّي سبيله، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح، وللقصة تكملة ذكرناها بتفاصيلها في كتابنا بحوث في الملل والنحل، فلاحظ .([132])
***
4. تكفير الصحابة
(سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )([133]) إنّ تكفير الصحابة من الافتراءات الّتي تشهد الضرورة ببطلانها، كيف؟ وثمّة طائفة من الصحابة هم من رواد التشيّع، ثم كيف؟ وهذا إمامهم (الّذي يقتدون به ويقتفون أثره)، بل إمام المسلمين عامّة، أعني: علي بن أبي طالب (عليه السلام)يقول في حق الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!
أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ»([134]).
ويقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)في حقّهم: «اللهمّ وأصحابُ محمّد خاصّةً، الذين أحَسنوا الصحابة، والذين أبلَوُ البلاءَ الحسَن في نصرهِ، وكانَفُوه، وأسرعوا إلى وِفادتهِ، وسابقوا إلى دعوتهِ... فلا تنسَ لَهُمُ اللهمّ ما تركوا لك وفيك، وأَرضِهِم من رضوانك...»([135])
ثم إنّ لعضد الدين الإيجي في «المواقف» وشارحه السيد الجرجاني في شرحها كلاماً في عدم جواز تكفير الشيعة بمعتقداتهم نأتى بنصهما متناً وشرحاً، فقد ذكرا الوجوه وردّها:
الأوّل: أنّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان (تكذيب) للقرآن و (للرسول حيث أثنى عليهم وعظّمهم) فيكون كفرا.
قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه، وهؤلاء قد اعتقدوا أنّ مَن قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه وإليه أشار بقوله: (ولاهم داخلون فيه عندهم) فلا يكون قدحهم تكذيباً للقرآن، وأمّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض معين من الصحابة والشهادة لهم بالجنّة فمن قبيل الآحاد، فلا يكفَّر المسلم بإنكارها أو تقوّل ذلك، الثناء عليهم، وتلك الشهادة لهم مقيّدان، بشرط سلامة العاقبة ولم توجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.
الثاني: الإجماع منعقد من الأُمّة، على تكفير من كفّر عظماء الصحابة، وكلّ واحد من الفريقين يكفّر بعض هؤلاء العظماء فيكون كافراً.
قلنا: هؤلاء، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصحابة وعظمائهم، فلا يلزم كفره.
الثالث: قوله (عليه السلام): «مَن قال لأخيه المسلم يا كافر، فقد باء به ـ أي بالكفر ـ أحدهما».
قلنا: آحاد، وقد أجمعت الأُمّة على أنّ إنكار الآحاد ليس كفراً، ومع ذلك نقول: المراد مع اعتقاد أنّه مسلم، فإنّ من ظن بمسلم أنّه يهودي أو نصراني فقال له: ياكافر، لم يكن ذلك كفراً بالإجماع ([136]).
هذا كلامهما ونحن نقول ليس هنا من يكفر الصحابة بل الموجود هو دراسة حياة الصحابة بعد رحلة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو أمر درج عليه السلف من أصحاب السيرة والتاريخ والرجال كدراسة حال التابعين لهم، وأخذ الدين عنهم لا يصدّنا عن تلك الدراسة العلمية بل يدفعنا إلى أخذها من أُناس صادقين عادلين، فمن زعم أنّ دراسة حياة الصحابي يورث الضعف في الدين أو يوجب الخلل في الإسلام فقد أتى بكلام غير مقبول ولا معقول، وهؤلاء هم علماء الرجال قد ألّفوا موسوعات في أحوال رجال الحديث مبتدئين من التابعين، ونحن نعطف الصحابة على التابعين أيضاً، ونكيل لكلّ من قال الحق وعمل به، المدح العظيم والثناء الجميل.
هذا هو حدّ الإيمان والكفر وحدّ الشرك والبدعة قد وقفت عليها عن كثب، وأنّ فِرَق الإسلام عامّة (غير الغلاة والنواصب) كلّهم داخلون في حظيرة الإسلام، فيجب أن تُحقَن دماؤهم وتُصان أموالهم وأعراضهم وكل ما يمتّ إليهم بصلة، وأنّ مَن يقوم بتكفير أُمّة أو أُمم من المسلمين فإنّما يصدر عن عصبية وعناد، أو عن غرض خبيث يخدم به قوى الكفر والاستبداد والاستكبار. والله سبحانه هو الهادي إلى الطريق الحقّ.
بيان واقتراح
وبعد هذه الجولة العلمية الخاطفة لمناقشة بعض أُسس ومبررات الاتجاهات التكفيرية، لابُدّ لنا أن نعيد التأكيد على ما تمّثله هذه الاتجاهات من خطورة بالغة على مستقبل الإسلام والأُمّة.
فالتكفير اليوم لم يعد مجرد فتوى أو رأي نظري، وليس اتجاهاً لمجموعة محدودة كما كان في العهود السابقة، بل تحوّل إلى تيار فاعل يستقطب الاتباع في بلدان ومجتمعات كثيرة، ويخرّج أجيالاً من ابناء الأُمّة تحمل فكر التطرّف والتشدّد، وتتجه لممارسة العنف والإرهاب، ورأينا ضمن اتباع هذا التيار التكفيري بعض من اعتنقوا الإسلام حديثاً من الشباب الغربيين والذين قتل بعضهم في معارك الصراع والفتن في مناطق عديدة.
كما أصبح لهذا التيار التكفيري وسائل إعلام متطورة ضمن عالم التواصل الاجتماعي الحديث، ولهم معسكراتهم وقدراتهم الحربية الهائلة، وشبكاتهم التنظيمية الواسعة، وامكاناتهم المالية الكبيرة.
وكلّ ذلك يدلّ على أنّ قوىً عالمية كبرى تدعمهم لخدمة اغراضها ومخططاتها ضد الإسلام والمسلمين، وواضح ان بعض الدول والقوى الاقليمية تستفيد منهم في صراعاتها ضد الأنظمة والجهات المنافسة لها، فتدعمهم، ممّا يمنحهم فرص التجديد والتطوير لقدراتهم وفاعليتهم المرعبة.
من هنا لابدّ من إعلان النفير العام في جميع أوساط الأُمة، وخاصّة العلماء والقيادات الفكرية والاجتماعية، ضد هذا الخطر الماحق، والوباء الفتّاك، ولا يصح أبداً ان تتاح للتكفيريين فرصة الاستفادة من مجال الاختلافات المذهبية والسياسية، للعبث بواقع الأُمّة، وتهديد مستقبلها، وتشويه صورة الإسلام أمام العالم.
وأُطالب جميع المخلصين من علماء الأُمة، وقياداتها الواعية، بتحمل المسؤولية أمام الله والتاريخ تجاه هذا التحدي والخطر الكبير، ضمن النقاط التالية:
1. إظهار الموقف الشرعي الواضح والصريح بإدانة التكفير لأحد من أهل القبلة على أساس الاختلافات المذهبية والعقدية المعروفة في الأُمة. وتحريم وتجريم ممارسات العنف والإرهاب.
2. تحذير إبناء الأُمة وتوعيتهم عبر مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، ومنابر الخطاب الديني، من شر وخطر هذه الاتجاهات التكفيرية، فهي اعظم منكر يجب النهي عنه والوقوف أمامه في هذا العصر.
3. نشر ثقافة الإسلام، وتعاليمه السامية، في التآخي والرحمة والمحبة والتسامح، بين المسلمين، بل بين أبناء البشرية جمعاء، فالناس صنفان أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
4. الجدّية في الحوار والتقارب والتواصل بين قادة المذاهب الإسلامية، وزعامات الأُمّة، وفاعليات مجتمعات المسلمين.
5. استمرار بذل الجهود وتضافر القوى لمواجهة تيارات التكفير عبر انعقاد المؤتمرات، والنشاط العلمي والإعلامي، وتشكيل لجان المتابعة للقرارات والمقترحات.
***
(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)([137])
 

    
 
 


[1] . المائدة: 77 .
[2] . تاريخ بغداد: 2 / 163، الترجمة 589 .
[3] . أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث السِّجستاني (230 ـ 316 هـ) قال ابن عدي: كان في الابتداء يُنسب إلى شيء من النَّصْب، فنفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، فردّه ابن عيسى فحدّث، وأظهر فضائل عليّ، ثم تحنبل، فصار شيخاً فيهم. قيل لابن جرير الطبري: ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي، فقال: تكبيرة من حارس!! سير أعلام النبلاء: 13 / 230، الترجمة 118 .
[4] . سير أعلام النبلاء: 14 / 277، الترجمة 175 .
[5] . علي بن عيسى بن داود ابن الجرّاح (244 ـ 334 هـ): وزير المقتدر العباسي والقاهر، وأحد العلماء الرؤساء من أهل بغداد. له كتب منها: «ديوان رسائل» و «معاني القرآن» أعانه عليه ابن مجاهد المقري. الأعلام: 4 / 317 .
[6] . الكامل في التاريخ: 8 / 134 (نقله عن ابن مسكويه) .
[7] . الكامل في التاريخ: 8 / 134 ـ 135 .
[8] . نقله عنه السيد ابن طاووس في: التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (المعروف بالملاحم والفتن): 261، برقم 379، الباب 48 .
[9] . الكامل في التاريخ: 8 / 308 .  2 . الكامل في التاريخ: 9 / 614، حوادث عام 447 هـ .
[10] . الكامل في التاريخ: 12 / 158، حوادث سنة 596 هـ .
[11] . طبقات الشافعية: 3 / 391 .
[12] . الكامل في التاريخ:11/376.
[13] . فهرست النديم:271; وفيات الأعيان:3/285.
[14] . الكامل في التاريخ :10 / 104 ـ 105 ، حوادث عام 469هـ .
[15] . الكهف: 103 ـ 104.
[16] . النساء: 94 .
[17] . صحيح البخاري: 3 / 86 ، كتاب المغازي، برقم 4269; المصنّف: 10 / 173، برقم 18720 .
[18] . في البخاري: «أديم». والأدم جمع أديم، وهو الجلد، والمقروظ: المصبوغ بالقرظ، وهو حبٌّ كالعدس يخرج من شجر العضاه.
[19] . في البخاري: «لم تحصل من ترابها». والمعنى: لم تميّز ولم تُصفّ من التراب.
[20] . في البخاري: أنقُب.
[21] . مسند أبي يعلى الموصلي: 2 / 391، برقم 1163 ; مسند أحمد: 3 / 371، برقم 10625، وفي الطبعة القديمة: ج 3 ص 4 ; صحيح البخاري: 3 / 107 ، برقم 4351، كتاب المغازي.
[22] . سنن أبي داود: 4 / 221، برقم 4687، كتاب السنّة.
[23] . صحيح مسلم: 1 / 56، باب مَن قال لأخيه المسلم: يا كافر من كتاب الإيمان.
[24] . سنن الترمذي: 5 / 22، برقم 2636، كتاب الإيمان .
[25] . آل عمران: 105 .
[26] . المتوفّى (260 هـ). وكان من كبار فقهاء الإمامية ومتكلّميهم، كثير التصانيف. قال النجاشي: وهو في قدره أشهر من أن نصفه. رجال النجاشي: 306 ـ 307 برقم 840 .
[27] . الإيضاح: 208، مؤسسة الأعلمي، 1402 هـ .
[28] . اليواقيت والجواهر للشعراني: 2 / 126 .
[29] . الفصل لابن حزم: 3 / 291 .
[30] . المواقف: 392.
[31] . اليواقيت والجواهر: 2 / 125، ط عام 1378 هـ .
[32] . شرح المقاصد: 5 / 227 .
[33] . البقرة: 191 .
[34] . آل عمران: 103.
[35] . آل عمران: 103.
[36] . تم نقل هذه النصوص عن مجلة رسالة الثقلين، العدد 2، السنة 1، 1413 هـ . (83 ـ 97) .
[37] . ق: 37 .
[38] . عبدالله القصيمي (1903 ـ 1995 م) وهابي تزندق في آخر عمره، وألف كتاباً باسم: «كيف ذلّ المسلمون» ثم ألف كتاباً آخر باسم: «هذي هي الأغلال»، وقد آثار الكتاب الثاني غضب الوهابيين، فقام بعضهم بالرد عليه بكتاب أسماه: الرد القويم على ملحد القصيم، ثم توالت الردود على كتابه حتّى أنّهم انشأوا فيه قصائد، ورد في أحدها هذا البيت :
هذا القصيمي في الأغلال قد كفرا *** وفاه بالزيغ والإلحاد مشتهرا
[39] . الأبيات من قصيدة للشيخ عبدالظاهر أبي السمح إمام المسجد الحرام وخطيبه آنذاك. توفّي سنة (1370 هـ).
[40] . البقرة: 97 .       3 . البقرة: 98 .
[41] . العقد الفريد: 2 / 249 ـ 250، تحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة. ورواها ابن شاهين (المتوفّى 385 هـ) بإسناده عن عبدالرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه عن الشعبي. ذكر ذلك ابن تيمية في: منهاج السنة: 1 / 23 .
[42] . ميزان الاعتدال: 2 / 584 برقم 4949 .
[43] . المصدر نفسه، وفيه: (هكذا رواه زكريا الساجي عنه. ورواه غير الساجي عن ابن المثنى، فقال فيه ـ بدل زيدي: شيعي. وهذا أشبه، فإنّ الزيدية إنّما وُجدوا بعد الشعبيّ بمدّة). ولم يذكر لنا الذهبي اسم هذا الراوي رحمه الله تعالى. هذا، ويعدّ الساجي من ا لثقات عندهم، وقد مات في سنة (307 هـ) .
[44] . انظر: هوية التشيّع: 202 ـ 206. وقد ناقش مؤلّفه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، هذه الرواية، وزيّفها بأُمور بلغت أحد عشر أمراً.
[45] . الأعراف: 96 .
[46] . الرعد: 39 .
[47] . صحيح البخاري: 2 / 405 ـ 406، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 53، برقم 2464.
[48] . إبراهيم: 38.
[49] . الطارق: 15 ـ 16 .
[50] . التوبة: 67 .
[51] . في المصدر «وتدبيره» وهو تصحيف والصحيح ما أثبتناه، وفقاً للطبعة الحجرية: ص 6 .
[52] . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 13 ـ 14، طبعة النجف 1376 هـ .
[53] . منهاج السنة: 1 / 38 ـ 39 ، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
[54] . طه: 61 .
[55] . النحل: 36.
[56] . الأنبياء: 25.
[57] . الحمد: 5 .
[58] . لسان العرب: مادة «عبد».
[59] . مفردات الراغب: مادة «عبد».
[60] . القاموس المحيط: مادة «عبد».
[61] . تفسير المنار: 1 / 57 .
[62] . تفسير القرآن الكريم: 77. تأليف الإمام شلتوت.
[63] . يوسف: 100 .
[64] . ص: 5 .
[65] . الأعراف: 59 .
[66] . البيان للسيد الخوئي: 503 .
[67] . الأنبياء: 92 .
[68] . المؤمنون: 47 .
[69] . التحرير والتنوير: 27 / 45 .
[70] . النساء: 64 .
[71] . الكهف: 5 .
[72] . الأعراف: 157 .
[73] . التوصل إلى حقيقة التوسّل: 158 .
[74] . مسند أحمد: 4 / 138 .
[75] . سنن ابن ماجة: 326 ـ 327 برقم 1385 (وقال: قال ابن إسحاق: هذا حديث صحيح).
[76] . سنن الترمذي: 1026 برقم 3589 (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) .
[77] . المستدرك على الصحيحين: 1 / 313 .
[78] . المعجم الكبير: 9 / 30 ـ 31 برقم 8311 .
[79] . غافر: 41 .
[80] . آل عمران: 153 .
[81] . آل عمران: 104 .
[82] . يونس: 59.
[83] . البقرة: 79 .
[84] . يريد أنّ نخل الدقيق بالمُنْخُل بدعة!!
[85] . الاعتصام للشاطبي: 2 / 79 .
[86] . إحياء علوم الدين: 2 / 251، كتاب العزلة.
[87] . المدخل: 2 / 217 .
[88] . المدخل: 2 / 268 .
[89] . لاحظ : الاعتصام: 2 /  68; والمدخل: 2 / 203 ـ 239 .
[90] . فتح الباري: 5 / 156، و 17 / 9 .
[91] . تحفة الأحوذي للمباركفوري: 7 / 366 ; جامع العلوم والحكم: 160، طبعة الهند.
[92] . بحار الأنوار: 74 / 202 .
[93] . الأنفال: 60 .
[94] . فتح المجيد (قسم الهامش): 145 .
[95] . اقتضاء الصراط المستقيم: 293 ـ 494 .
[96] . التوبة: 34 .
[97] . مسند أحمد: 3 / 177; صحيح البخاري: 1 / 9 .
[98] . السيرة النبوية: 2 / 315. لاحظ : بقية أبيات القصيدة فيها.
[99] . سير أعلام النبلاء: 11 / 212 ، الترجمة 78 .
[100] . تاريخ الخميس: 1 / 323.
[101] . صحيح مسلم: 4 / 126، باب لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
[102] . البدعة للدكتور عبدالملك السعدي: 60 .
[103] . رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبدالحميد: 5 .
[104] . السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 72، 73، 101، 102; سنن أبي داود: 1 / 194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730 ـ 736 .
[105] . يعني: القاضي أبا بكر محمد بن الطيّب الباقلاني (المتوفّى 403 هـ)، أحد كبار متكلّمي الأشاعرة.
[106] . يريد أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الاسفراييني (المتوفّى 418 هـ)، من مجتهدي الشافعية ومتكلّميهم.
[107] . المواقف : 384 .
[108] . شرح المقاصد: 5 / 127 .
[109] . التوحيد: 1 ـ 4 .
[110] . الرعد: 16. ولاحظ : الزمر: 62 وغافر: 62، الأنعام: 101، الحشر: 24 .
[111] . يونس: 3. ولاحظ : الرعد: 2، آل عمران: 64، التوبة: 31.
[112] . لاحظ : الآيات الّتي ورد فيها ذكر الماء ونزول المطر.
[113] . النحل: 36، ولاحظ : الأنبياء: 25 .
[114] . البقرة: 285 .
[115] . النساء: 59، ولاحظ : البقرة 232 .
[116] . صحيح مسلم: 1199 برقم 6116، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (عليه السلام) .
[117] . بحار الأنوار: 68 / 248، برقم 8 .
[118] . بحار الأنوار: 68 / 242 .
[119] . الأُمّ للشافعي: 7 / 296 ـ 297 .
[120] . بحار الأنوار: 68 / 243 .
[121]. صحيح البخاري: 1/ 21 برقم 53 ، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس.
[122]. جامع الأُصول لابن الأثير: 1/158 ـ 159.
[123]. صحيح البخاري: 1 / 14 برقم 25، كتاب الإيمان، باب: (فَإِنْ تَابُوا وَ أَقَامُوا الصَّلَوةَ...)التوبة: 5 .
[124]. شرح المقاصد: 5 / 232 .
[125]. المواقف: 395 .
[126]. شرح المواقف: 8 / 344 .
[127] . صحيح البخاري: 2 / 194 .
[128] . آل عمران: 28 .
[129] . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .
[130] . أبو عبدالله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الحسني (المتوفّى 840 هـ). أثنى عليه الشوكاني، ونعته بالمجتهد المطلق، ثم قال: وكلامه لا يشبه كلام أهل عصره وكلام من بعده، بل هو من نمط كلام ابن حزم وابن تيميّة. البدر الطالع: 2 / 316 برقم 561 .
[131] . إيثار الحقّ على الخلق: 141 ـ 142، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ .
[132] . بحوث في الملل والنحل: 3 / 605 ـ 614 .
[133] . النور: 16 .
[134] . نهج البلاغة: الخطبة 182 .
[135] . الصحيفة السجادية الكاملة: الدعاء الرابع (في الصلاة على أتباع الرُّسل ومصدّقيهم).
[136]. السيد الشريف الجرجاني: شرح المواقف: 8/344، ط مصر.
[137] . الزمر: 17 ـ 18 .