قائمة المواضيع :
(1) الشيعة الإمامية في الفروع والأُصول على ما عليه آل الرسول
أثار أحد ضيوف قناة «وصال» الفضائية في أحد برامجها إشكالاً حول ما رواه الشيعة الإمامية من الأحاديث والروايات عن أئمتهم قائلاً بانّها غير ثابتة عنهم أو مفتراة على لسانهم. واستند في ذلك إلى أُمور ندرسها تالياً، بعد أن نذكر مقدّمة لها دور في تقييم الفكرة وهي:
إنّ الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ابتداءً من جدّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) وانتهاء إلى الإمام الثاني عشر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ يناهز عددها خمسين ألف حديث، تقريباً، وبإمكان القارئ الكريم الرجوع إلى المجاميع الحديثية المؤلّفة في ذلك، نظير: وسائل الشيعة للشيخ الحرّ العاملي(المتوفّى1104هـ) وجامع أحاديث الشيعة الذي أُلّف تحت رعاية زعيم الشيعة في وقته آية الله السيد حسين البروجردي(المتوفّى 1380هـ) وقد تضمّنت هاتان الموسوعتان وغيرهماـ كالوافي للمحدّث الكاشاني(المتوفّى 1091هـ) وبحار الأنوار للعلاّمة المجلسي (المتوفّى 1110هـ) ـ جلّ ما روي عن قادتهم المعصومين ـ فمن المستحيل عادة وضع هذه الأحاديث الكثيرة وجعلها على لسان أهل البيت في عصر واحد أو في أعصار متلاحقة. ومع ذلك فكلّ ما ورد فيها من الأحاديث خاضع للنقد والدراسة فالجميع يشتمل على صحاح وحسان وضعاف.
إنّ أصحاب المدوّنات الحديثية لم يكونوا من المغمورين البعيدين عن علماء عصرهم من الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، حتى يتسنّى لهم الاعتكاف في الغرف المظلمة ليخترعوا هذه الروايات بالأسانيد الجمّة، بل كانوا من الشهرة بمكان، ومن الورع والتقوى بمنزلة رفيعة، فهذا الإمام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني(260ـ 329هـ) الذي قدم بغداد عام 310هـ، قد روى وقرأ وأملى كتابه الكبير الكافي في عاصمة الدولة الإسلامية ـ يومذاك ـ ومعقل أعلام الأُمّة من الفرق كافّة، على مرأى المحدّثين ومسمعهم، فلم يصفه أحد من السلف بسوء من المؤرخين أو المترجمين له، ثم قصد دمشق وبعلبك فحدّث هناك، يقول الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر: محمد بن يعقوب
من شيوخ الرافضة، قدم دمشق، وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي ومحمد بن أحمد الخفاف النيسابوري وعلي بن إبراهيم بن هاشم. ثم نقل قسماً ممّا حدّث به الكليني في بعلبك.(1)
إنّ أقصى ما اعتمد عليه الناقد في ادعائه هو أنّ في مسند الإمام زيد روايات في موضوعات مختلفة أعرض عنها الشيعة الإمامية فجعل ذلك أحد الأدلّة على أنّ مذهبهم لا يمت لأهل البيت بصلة بشهادة أنّهم تركوا العمل بشيء من روايات مسند الإمام زيد الذي كان من أهل البيت.
أقول: كأنّه القائل زعم أنّ المسند وحي منزل لا يُرد حرف منه، أو أنّ الروايات الواردة فيه متواترة لا تقبل النقاش أو محفوفة بقرائن تشرف الفقيه على العلم، ولكن خفي عليه أنّه ليس عند الإمامية كتاب صحيح لا يخضع للنقاش، سوى كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأمّا غيره فيؤخذ به على ضوء ضوابط مقررة في محلّها.ومن هذه الشروط تجرد الرواية عن العلّة والشذوذ، وسيوافيك أنّ الشيعة الإمامية أخذوا بكثير من الروايات التي جاءت في هذا المسند، ولو تركت موارد قليلة فإنّما تركت عن حجّة: إمّا لمخالفتها صريح الكتاب أو لمخالفتها لما تضافر عن أئمّة أهل البيت و تعارضها عما ورد في الصحاح والسنن.
إذا تبين ذلك فلندرس دلائل الناقد على أنّ مذهب الشيعة الإمامية لا يمت إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)بصلة، بشهادة انّهم خالفوا ما ورد في مسند الإمام زيد، في موارد.
***

المورد الأوّل: مسح الأرجل مكان غسلها

إنّ المفتي الشيعي الاثنى عشري يرى بطلان الوضوء إذا غسلت الأرجل، لكن حينما نرجع إلى مسند الإمام زيد نجد الأمر مختلفاً تماماً ففيه عن علي بن أبي طالب:«رأيت رسول الله توضّأ فغسل وجهه وذراعيه وتمضمض واستنشق ثلاثاً ومسح برأسه وأُذنيه مرّة مرّة وغسل قدميه ثلاثاً».
أقول: لا شكّ أنّ مسند الإمام زيد الثائر كما بينا، من الكتب المعتبرة عند الشيعة الإمامية وقد اعتمد مؤلّفو الكتب الأربعة عليه خصوصاً الشيخ الطوسي حيث روى عنه قرابة أربعين حديثاً بسطها في الكتب التالية: الطهارة، الصلاة، الضمان، الربا، النكاح، الطلاق، الحدود، الديات، القصاص، وما لا يختص بباب; لكنّ كون الكتاب معتبراً ليس بمعنى أنّ جميع محتوياته صالحة للاحتجاج فإنّه رهن
أُمور متعدّدة نظير: اتصال السند إلى المعصوم، وكون الرواة عدولاً ضابطين، وأخيراً خروج الحديث عن العلّة والشذوذ، فالحديث المروي في المسند الدال على غسل الأرجل في الوضوء فاقد للشرط الأخير فإنّه شاذ من جهات:

الجهة الأُولى: مخالفته للكتاب العزيز

الآية الكريمة التي وردت في مورد الوضوء صريحة أو ظاهرة في وجوب المسح لا الغسل قال سبحانه: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(2) سواء أكانت القراءة بصورة الجرّ كما هي قراءة القرّاء الأربعة من القرّاء السبعة، عطفاً على ظاهر الرؤوس، أم كانت بصورة الفتح عطفاً على محل الأرجل، وعلى كلتا القراءتين فالآية دالة على لزوم المسح، وبما أنّ الآية تعليمية يجب أن تكون واضحة الدلالة. وأمّا من قال بغسل الأرجل فقد وقع في أزمة شديدة في تبيين القراءتين، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» ولهذه العلّة وغيرها وغيرها عدلت الإمامية عن هذا الحديث المروي في مسند الإمام زيد.

الجهة الثانية: مخالفته للسنّة النبوية

ما تمسّك به الناقد من الحديث يضاد كثيراً من الروايات الدالّة على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مسح رجليه وقد نقلها أعلام الصحابة والتابعين فمن أراد أن يقف على هذه الروايات المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الدالّة على وجوب المسح فليرجع إلى المصدر أدناه.(3)
نعم توجد في مقابلها روايات مروية عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه غسل فعند التعارض، لو لم يمكن الجمع بينهما فالمرجع هو الكتاب العزيز وقد عرفت أنّه صريح أو ظاهر في المسح.

الجهة الثالثة: الحديث معارض لما تضافر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)

من كان له إلمام بأحاديث أهل البيت(عليهم السلام) يقف على أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا يركّزون على المسح دون الغسل حتى أنّ أبا جعفر الباقر(عليه السلام) حكى وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لجماعة من الشيعة فقال(عليه السلام):ألا أُحكي لكم وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قلنا: بلى، ثمّ ذكر كيفية وضوء رسول الله وقال: ومسح مقدّم رأسه وظهر قدميه....(4)
وقد كان للسلطة دور في تبديل المسح إلى الغسل فلنذكر ما يدلّ عليه.
1. قال موسى بن أنس لأبي حمزة: يا أبا حمزة إنّ الحجّاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدمه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج، قال الله تعالى:(وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها. قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه.(5)
2. سأل أبو مالك الأشعري أنس بن مالك أن يصف لهم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اجتمعوا أُصلي بكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم قالوا: لا إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء فتوضّأ ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه ثم صلى بهم فكبّر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة.(6)
رحم الله ابن عباس قال: أبى الناس إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح .(7)

الجمع بين روايات الغسل والمسح

قد عرفت دلالة القرآن الكريم على المسح وتضافر السنّة عليه وأنّ قسماً كبيراً من أعلام الصحابة والتابعين كانوا من رواة المسح وربّما يبلغ عددهم إلى ثلاثين شخصاً أو أزيد ومع ذلك فهنا روايات تأمر بالغسل ووجه الجمع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في فترة من عمره الشريف يغسل رجليه بأمر من الله سبحانه، ولكن لما نزل القرآن الكريم بالمسح نسخت السنّة بالقرآن الكريم. ومن المتفق عليه أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينسخ منها شيء.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الشيعة الإمامية لم تعمل بالحديث في مسند الإمام زيد لا لإعراض عن مؤلفه أو لعدم اعتبار كتابه بل لأجل وجود شذوذ في الحديث وهو ما سبّب عدم الافتاء بمضمونه.
***

المورد الثاني: الغسل من مسّ الميّت سنّة

استدلّ المستشكل على أنّ الفقه الشيعي ليس له رصيد يثبت أنّ مذهبهم مذهب أئّمتهم بأنّ في مسند الإمام زيد رواية عن علي(عليه السلام) يقول: الغسل من الجنابة واجب ومن الميت سنّة ولكن الشيعي الاثنى عشري يقول بوجوب الغسل على من مس الميت.
أقول: ما جاء في مسند الإمام زيد لا يخالف ما عليه الشيعة الإمامية من وجوب الغُسل لمن مسّ الميت، وذلك لأنّ كلّ حكم ورد في الكتاب العزيز يطلق عليه الفريضة وأحياناً الواجب وما ورد في غير الكتاب العزيز كلسان النبي والولي يطلق عليه السنة أعم من أن يكون فرضاً أو ندباً، فالاغتسال من الجنابة ورد في الذكر الحكيم قال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)(8) يطلق عليه الفرض، وأمّا غسل مس الميت فإنّما جاء في السنّة وهي أعمّ من أن يكون واجباً أو مستحباً، فما جاء في مسند الإمام زيد «بأنّه من الميّت سنّة» يريد ذلك، أي ورد في لسان النبي، لا أنّه مستحب يجوز تركه.
ويشهد على ذلك ما سأله الحسن بن عبيد وقال: كتبت إلى الصادق(عليه السلام): هل اغتسل أمير المؤمنين(عليه السلام)حين غسّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عند موته؟ فأجابه: «النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)طاهر مطهر ولكن أمير المؤمنين(عليه السلام) فعل وجرت السنّة».(9)
وقد ورد في الفقه الرضوي: «الفرض من تلك الأغسال غسل الجنابة» إلخ يقول صاحب الجواهر: المراد بالفرض منها الثابت في الكتاب فلا يدل على ندبية غير الجنابة.(10)
***

المورد الثالث: التيمم من الذراعين إلى المرفقين

التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين بينما الشيعي الاثنى عشري يرى أنّ المسح على اليد في التيمم هو المسح على الكف فقط وينسبون ذلك إلى أهل البيت بينما الإمام زيد يروي عن أبيه عن الحسين عن علي(رضي الله عنه) انّ المسح في اليد لابدّ أن يكون إلى المرفقين، وهذه فتوى أهل السنة والجماعة.
أقول: ما ذكره من الدليل واه جدّاً نابع عن التسرع في القضاء من دون الإحاطة بأطراف المسألة وأقوالها فإنّ فيها بين فقهاء الشيعة أقوالاً ثلاثة:
الأوّل: يُمسح اليدان من المرفق إلى أطراف الأصابع وهو خيرة علي بن بابويه والد الصدوق(المتوفّى329هـ).(11) وهو قريب ممّا ورد في رواية الإمام زيد.
الثاني: إدخال الذراعين في التيمم من باب الاحتياط وهو الظاهر من المحقق في «المعتبر»، قال: أنّ الحقّ عندي أنّ مسح ظاهر الكفين لازم، ولو مسح الذراعين جاز، عملاً بالأخبار كلّها لأنّه أخذ بالمتيقّن، قال صاحب الجواهر: مراده الاحتياط كما يشعر به تعليله.(12)
الثالث: أنّ الواجب في مسح الوجه مسح الجبهة خاصة وفي اليدين مسح الكفين من الزند إلى أطراف الأصابع على ظاهرهما دون باطنهما وهذا القول هو المشهور عند الإمامية مستدلّين بوجوه:
1. قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)(13) فإنّ الباء في المعطوف (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) للتبعيض فيكون اللازم بعض الوجوه وهكذا بعض المعطوف أعني الأيدي.
2. تعليم النبي كيفية التيمم لعمّار. قال عمّار لرسول الله: تمرّغت في التراب. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أفلا صنعت كذا ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعها على الصعيد ثم مسح جبينه بأصابعه وكفيه أحدهما بالأُخرى.(14)
3. ما رواه البخاري في حديث عمّار قال: فأتيت النبي فقال:«يكفيك الوجه والكفان». وفي رواية أُخرى: «فضرب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بيده الأرض ومسح يده وكفيه».(15)
وما ورد في مسند الإمام زيد مخالف لما ورد في صحيح البخاري.
فلو أعرض الفقه الشيعي عما ورد في المسند في مورد التيمم فلوجود ضعف فيه أسقطه عن الحجّية خصوصاً ما عرفت من اتّفاق الفريقين على تعليم النبي كيفية التيمم لعمّار وانّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مسح كفيه.
***

المورد الرابع: الوتر في كلّ الليل لا بعد منتصفه

فتوى الاثنى عشرية أنّ الوتر لا تكون إلاّ بعد منتصف الليل أمّا قبل منتصف الليل لا يرون مشروعية الوتر بينما الإمام زيد ينقل عن جدّه: أنّ رسول الله كان يوتر في كلّ الليل، يوتر في أوّل الليل
وفي وسط الليل وفي السحر.
أقول: قد تقدّم منّا أنّ الخبر الواحد حجّة إذا كان عارياً عن علّة وما استند إليه في المقام غير خال عنها لوجهين:
أ. ما تواتر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) حسب طرقنا من أنّ الوتر بعد منتصف الليل، وترجيح خبر المسند المروي عن أئمّة أهل البيت على الروايات المتضافرة ترجيح بلا مرجح بل ترجيح مرجوح.
ب. إنّه مخالف لما رواه أهل السنّة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
1. روى البخاري عن عائشة: فكان ينام أوّل الليل ويقوم آخره ويصلّي ثم يرجع إلى فراشه.(16)
2. روى ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة قبل الصبح. والرواية صحيحة صحّحها الألباني.(17)
3. روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينام أوّل الليل ويحيي آخره.(18)
4. وروى أيضاً عن عائشة: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي من الليل حتى يكون آخر الوتر.(19)
نعم ورد في أحاديث أهل السنّة أيضاً خلاف ذلك فالمسألة اجتهادية فلو ذهبت الإمامية إلى أنّها بعد منتصف الليل، فقد أخذت بما ورد عن طرقهم وطرق غيرهم من أنّه بعد منتصف الليل.
وهناك نكتة غفل عنها هذا الضيف فإنّ الشيعة الإمامية قالوا بجواز تقديم صلاة الوتر بل صلاة الليل كلّها لمن يشق عليه القيام بعد منتصف الليل من غير فرق بين الشباب وغيرهم، وبذلك أفتى الشافعي حيث روى في مسنده عن جابر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإنّ صلاة آخر الليل شهود».(20)
***

المورد الخامس: صلاة التراويح سنة لا بدعة

ورد في مسند الإمام زيد عن علي(رضي الله عنه)«انّه أمر الذي يصلي بالناس صلاة القيام في شهر رمضان أن يصلي بهم عشرين ركعة يسلّم في كلّ ركعتين ويراوح ما بين أربع ركعات» هذه صلاة التراويح الذي يراها الفقه الشيعي الاثنى عشري بدعة وينسبون بدعة التراويح إلى أهل السنّة.
أقول: ما تقدم من العبارة نص كلام الناقد وظاهره انّ الشيعة تعتقد أنّ صلاة التراويح بدعة، وهو غير صحيح جدّاً، وإنّما يرون أنّ اقامتها جماعة، بدعة وأما اقامتها فرادى فهو من أفضل السنن في شهر رمضان.
ثمّ إنّه يقع الكلام في مقامين:
1. إقامة صلاة التراويح في المساجد .
2. إقامة صلاة التراويح جماعة.
أمّا الأوّل: فيظهر ممّا أخرجه مسلم في صحيحه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج مغضباً على الذين كانوا يصرّون عليه أن يصلّوا معه غير المكتوبة معه(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد.
1. روى عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله يصلّي فيها قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وابطأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصّبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مغضباً، فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة.(21)
2. أخرج أبو داود عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد حجرة، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج من الليل فيصلّي فيها، قال: فصلّوا معه بصلاته ـ يعني رجالاً ـ وكانوا يأتونه كلّ ليلة، حتّى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم وحصّبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مغضباً، فقال: «أيّها الناس، مازال بكم صنيعكم حتّى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة».(22)
3. أخرج النسائي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً.(23) وقد شبّه النبي البيت الذي لا يُصلّى فيه بالقبر الذي لا يتعبّد فيه.
4. أخرج النسائي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدّه قال: صلّى رسول الله صلاة المغرب في مسجد بني الأشهل، فلمّا صلّى قام ناس يتنفّلون فقال النبي: «عليكم بهذه الصلاة في البيوت».24)
فهذه الأحاديث تدل بوضوح على أنّ التنفل في المساجد حتى إقامة نوافل شهر رمضان فيها جماعة أو فرادى على خلاف السنة النبوية فعلى المسلمين اقامتها في البيوت لا في المساجد ولكن للأسف صارت السنة بدعة والبدعة سنة.
وأمّا الثاني أعني إقامة صلاة التراويح جماعة فما جاء في مسند زيد عن علي(عليه السلام) فهو مخالف لما تضافر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) منع الناس عن إقامة نوافل شهر رمضان جماعة فإليك النص:
1. روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد؟ قال:«لمّا قدم أمير المؤمنين(عليه السلام) الكوفة أمر الحسن بن علي(عليهما السلام) أن ينادي في الناس:«لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة»، فنادى في الناس الحسن بن علي(عليهما السلام) بما أمره به أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: واعمراه، واعمراه، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين: الناس يصيحون: واعمراه، واعمراه، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): قل لهم صلّوا».
قال الشيخ الطوسي: إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لما أنكر، أنكر الاجتماع ولم ينكر نفس الصلاة، فلمّا رأى أنّ الأمر يفسد عليه ويفتتن الناس، أجاز وأمرهم بالصلاة على عادتهم.(25)
2. أخرج الكليني عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل سألوا أبا جعفر الباقر(عليه السلام) وأبا عبد الله الصادق(عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة؟ فقالا:«إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي، فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام(صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم الرابع على منبره، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإنّ تلك معصية ألا فانّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة
سبيلها إلى النار. ثمّ نزل وهو يقول: قليل في سنّة، خير من كثير في بدعة».(26)
فلعل هذا المقدار من الدراسة يكفي في أنّ ترك الشيعة لما جاء في مسند الإمام زيد كان عن حجّة شرعية، وأمّا دراسة الموضوع على وجه التفصيل فهو رهن رسالة مفصلة خارج عن مجال المقال، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف»(27). فقد بسطنا الكلام في أدلة اقامتها جماعة والاختلاف الشديد في عدد ركعاتها.
***

المورد السادس: وضع الأكف على الأكف

يروي الإمام زيد عن آبائه ويقول: «ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع الأكف على الأكف تحت السرة». هذا الذي يراه الفقه الاثنا عشري بدعة، بينما الإمام زيد يروي عن جدّه أنّ وضع الأكف على الأكف من سنن الأنبياء.
أقول: وضع الأكف على الأكف أو قبض اليسرى باليمنى ليس أمراً إجماعياً بين فقهاء السنة، فإنّ المالكية قالوا بندب اسدال اليدين في صلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً به قبلهم منهم عبد الله بن زبير وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ابن جريج والنخعي والحسن البصري وابن سيرين وجماعة من الفقهاء وهو مذهب الليث بن سعد والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل وقال محمد عابد مفتي المالكية في الديار الحجازية إن السدل والقبض سنتان من رسول الله وانّ المؤمن إذا طال عليه القيام وهو سدل قبض وقال بانّ السدل أصل والقبض فرع.(28)
فنقول: فانّه ليس في المسألة دليل مقنع على جوازه في الصلاة فضلاً عن كونه مندوباً فانّ الروايات البيانية عن الفريقين التي تبين كيفية صلاة الرسول خالية عن القبض ولا يمكن للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها وها نحن نذكر الرواية الصحيحة من طرق أهل السنة التي تدل على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يصلي مسدلاً لا متكتفاً، وتكشف أنّ سيرة النبي كانت على السدل في الصلاة وأنّ القبض والتكتف ظهر بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم).

أبو حميد الساعدي يحكي كيفية صلاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: ثم ذكر الاسناد، فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعلمكم ـ خطاباً لجمع من الصحابة ـ بصلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكَبيه، ثم يكبّر حتّى يقرّ كلّ عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا يَنصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود كلّ عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: الله أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقرّ كلّ عظم موضعه معتدلاً، ثم يصنع في الركعة الأُخرى مثل ذلك، ثمّ إذا قام من الركعتين كبّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّر عند افتتاح صلاته، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتّى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متورّكاً على شقّه الأيسر، فقالوا جميعاً: صدَق هكذا كان يصلّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(29)
والذي يوضح الموضوع به، الأُمورُ التالية:
1. تصديق أكابر الصحابة (30) لأبي حميد يدلّ على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الأدلّة.
2. أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك، لأنّهم لم يسلّموا له أوّل الأمر أنّه أعلمهم بصلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي، ومن البعيد جدّاً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة والاحتجاج.
3. الأصل في وضع اليدين هو الإرسال، لأنّه الوضع الطبيعي، فدلّ الحديث عليه.
4. هذا الحديث لا يقال عنه إنّه مطلق وهناك أحاديث تقيّده، لأنّه وصَفَ وعدَّد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا
بعيد عنه وعنهم.
5. بعض من حضر من الصحابة، ممّن رويت عنه أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقلّ أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طوّل في صلاته، وليس من سنن الصلاة ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، ومالك.(31)
قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم انّه قد جاءت آثار ثابتة، نقلت فيها صفة صلاته ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولم ينقل انّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى.(32)
وأمّا الرواية البيانية لصلاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من طرقنا وهي صحيحة حماد بن عيسى عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قام وصلى أمامه وذكر فرائضها وسننها ولم يذكر فيها شيئاً من القبض فمن أراد أن يقف عليه فليرجع إلى المصدر أدناه.(33)
وقد بسطنا الكلام حول القبض في كتاب «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف» ودرسنا كلّ ما يستدل به على كون القبض سنة وأوضحنا جهات ضعفه.
***

المورد السابع: عقد المتعة منسوخ

ينقل الإمام زيد في مسنده عن علي(رضي الله عنه) قال: نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن نكاح المتعة عام خيبر.
هنا الإمام زيد يري نسخ عقد المتعة في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وانّ هذا النسخ قد تم في عام فتح خيبر بينما الفقه الاثنا عشري يعتبر المتعة عقد صحيحاً لم ينسخ.
أقول: انّ الشيعة الإمامية تركت رواية النسخ لانّها محجوجة بروايات صحيحة ذكرها كلا الفريقين على انّ المتعة لم تُنسخ أبداً، امّا من طرق الشيعة الإمامية فغنيّة عن البيان فهي مذكورة في كتبهم الروائية، إنّما المهم الروايات التي أخرجها أصحاب الصحاح والمسانيد والتي تدل على بقائها مشروعة وإليك نزراً منها:
1. أخرج الحفاظ عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله وليس لنا نساء فقلنا: يا رسول الله ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك ثم رخّص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ علينا:(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ)(34).(35)
انّ غرض ابن مسعود من تلاوة الآية هو الاطاحة بقول من حرّمها من غير دليل، فنكاح المتعة عند ابن مسعود من الطيبات التي أحلها الله سبحانه وليس لأحد تحريمها.
2. أخرج مسلم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(36)
3. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آت فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(37)
4. أخرج الترمذي انّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن المتعة، فقال: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟ فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد صنعها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أأمر أبي نتّبع أم أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(38)
5. أخرج مسلم عن ابن شهاب انّه قال: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله انّه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجلٌ فاستفتاه في المتعة فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً ما هي والله لقد فُعِلتْ في عهد إمام المتقين.(39)
6. أخرج أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن نعيم الأعرجى قال: سأل رجل ابن عمر في المتعة ـ وأنا عنده ـ متعة النساء، فقال: والله ما كنّا على عهد رسول الله زانين ولا مسافحين.(40)
7. أخرج أحمد في مسنده عن ابن الحصين انّه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى مات.(41)
8. روى ابن حجر عن سمير(لعلّه سمرة بن جندب) قال: كنّا نتمتع على عهد رسول الله.(42)
وقد ذكر ابن حزم في المحلّى(43) على أسماء المحلّلين للمتعة من الصحابة والتابعين.

إضطراب كلمة القائلين بالتحريم

ممّا يدل على أنّ النهي أو النسخ أمر لا يعتمد عليه هو اختلاف القائلين بالتحريم اختلافاً شديداً فقد ذكر النووي تفصيله ونحن نذكر ملخصه:
1. احلّت وحرّمت في غزوة خيبر، رووه عن علي(عليه السلام).
2. ما حلت إلاّ في عمرة القضاء وهو المروي عن الحسن البصري، وروي هذا عن سيرة
الجهني.
3. احلّت وحرّمت يوم الفتح، وهو المروي عن سيرة الجهني أيضاً.
4. نهى عنها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، كما في رواية إسحاق بن راشد عن الزهري.
5. أباحها يوم أوطاس.
6. أباحها يوم حجّة الوداع.(44)
إنّ هذا الاختلاف يشرف الفقيه على بطلان النسخ لأنّ نسخ القرآن الكريم أو السنة القطعية لا يخضع لهذا الاختلاف.

المتعة علاج مؤقّت

قد تطرأ ظروف خاصّة لا يتمكن الانسان خلالها من سلوك الطريق العام (أي النكاح الدائم) فكان لابدّ للشريعة الإسلامية أن تقول كلمتها في هذا المضمار، من خلال تقنين زواج خاص كعلاج مقطعي فمن الخطأ أن نتصور أن دعوة الإسلام إلى الزواج المؤقت كدعوته إلى الزواج الدائم تماماً، فالزواج الدائم تلبية للحاجة الجنسية في عامّة مقاطع الحياة، أمّا النكاح المؤقت فهو دواء وليس غذاء، وعلاج مؤقت لحالات وظروف خاصّة، فتشريعه يحول دون انتشار الفساد في المجتمع الإسلامي، فالقول بتحريمها يعني انّ الشريعة الإسلامية لم تعالج أزمة الشباب وغيرهم في ظروف لا يستطيعون فيها النكاح الدائم.
ولنقتصر بهذا المقدار ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب والرسائل المؤلفة حول الموضوع.
***

المورد الثامن: لزوم الشاهد في عقد النكاح

يروى الإمام زيد عن علي(رضي الله عنه): لا نكاح إلاّ بولي وشاهدين، بينما الفقه الاثنى عشري يرى انّ الاشهاد لا مدخلية له في صحة النكاح.
أقول: في المسألة أقوال ثلاثة:
الأول: لا يفتقر النكاح في صحّته إلى شهود، وبه قال من الصحابة ابن الزبير وابن عمر وإليه ذهب عبد الرحمن المهدي ويزيد بن هارون، وبه قال أهل الظاهر.(45)
الثاني: قول مالك: من شرطه ترك التواصي بالكتمان، فإن تواصوا بالكتمان بطل، وإن حضره الشهود وإن لم يتواصوا بالكتمان صحّ وإن لم يكن شهود.(46)
الثالث: لا يصحّ إلاّ بشاهدين عدلين ذكرين، وهو قول الشافعي(47). وقال أبو حنيفة من شرطه الشهادة وليس من شرطه العدالة والذكورة، فيجوز بشهادة عدلين وفاسقين.
وعلى هذا فليس القول بعدم الاشتراط من خصائص الفقه الإمامي بل هو قول عدّة من الصحابة ومالك.
ثمّ إنّ القائلين بعدم وجوب الاشهاد تمسكوا بما رواه أنس بن مالك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج جارية ولم يشهد عليها.
قال اشترى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جارية بسبعة أرؤس، وقال الناس: ما ندري تزوجها]رسول الله[ أم جعلها أُمّ ولد، فلما أراد أن يركب حَجَبها فعلموا أنّه تزوجها فاستدلوا على تزويجها بالحجاب.(48)
وعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لما تزوج بصفية أوْلَمَ بتمر وأقط، فقال الناس: ترى أنّه تزوّج بها أم جعله أُمّ ولده؟ ثم قالوا: «إن حجبها فهي امرأته».(49) ولو كان اشهد ما اختلفوا.
وبما أنّ المسألة اجتهادية تحتاج إلى دراسة أدلّة الأقوال وأمّا ما روي عن علي(عليه السلام) فيمكن حمله على الأفضلية كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صدقة وذو رحم محتاج».
أضف إلى ذلك أنّه تعالى ذكر الشهادة في البيع والدين ولم يذكرها في النكاح مع أنّ الحكم في النكاح أولى لما فيه من حفظ النسب وزوال التهم والتوارث وغيرها من توابع النكاح فلو كان الاشهاد عليه شرطاً لما اهمله سبحانه في القرآن.
والعجب أنّ هؤلاء يصرّون على لزوم الإشهاد في النكاح ولا يقولون بوجوبه في الطلاق مع أنّ صريح الذكر الحكيم في سورة الطلاق لزوم الاشهاد قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ...* فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل).(50)
ثمّ إنّ الاشهاد امّا يرجع إلى قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أو له ولقوله: (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف)والظاهر رجوعه إلى الأوّل فقط، وذلك لأنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق وقد افتتحت بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) فذكرت للطلاق عدّة أحكام:
1. أن يكون الطلاق لعدّتهنّ.
2. إحصاء العدّة.
3. عدم خروجهنّ من بيوتهنّ.
4. خيار الزوج بين الإمساك والمفارقة عند اقتراب عدّتهنّ من الانتهاء.
5. إشهاد ذوَي عدل منكم.
6. عدّة المسترابة.
7. عدّة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.
8. عدّة أُولات الأحمال.
وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابعة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق، لأنّه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: (فَأَمسِكُوهُنَّ) وقد ذكر تبعاً.
وهذا هو المرويّ عن أئمتنا(عليهم السلام). روى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)
بالكوفة فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): أشهدت رجليت ذوَي عدل كما أمرك الله؟ فقال: لا، فقال: إذهب فإنّ طلاقك ليس بشيء.(51)
وممن أصحر بالحقيقة من فقهاء السنة عالمان جليلان وهما: أحمد محمد شاكر القاضي المصري في كتابه «نظام الطلاق في الإسلام، ص 119ـ 118»، و أبو زهرة في كتابه:«الأحوال الشخصية، ص 365».
وممّا يؤيد رجوعه إلى الطلاق فقط أنّ الشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة فكثّر قيوده وشروطه بخلاف، الرجوع فإنّه أمر مرغوب فيه يناسب أن تقل شروطه، كالنكاح، والتفصيل في محلّه.
***

المورد التاسع: من مات وليس له إمام...

روى الإمام زيد عن علي(رضي الله عنه) أنّه قال: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية إذا كان الإمام عدلاً برأ تقياً».
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ هذه الرواية رفضها أهل السنة بشهادة أنّهم يفرضون إطاعة السلطان الجائر والصبر تحت لوائه، هذا هو أحمد بن حنبل يقول: والصبر والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر.(52)
وقال الإمام الأشعري: من جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كلّ إمام برّ وفاجر... إلى أن قال: ويرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف وان لا يقاتلوا في الفتن.53)
وثانياً: انّ الإمام الثائر زيد بن علي ذكر للإمام أوصافاً ثلاثة:
1. عدلاً، 2. برأ، 3. تقياً، وأشار بذلك إلى ما عليه آبائه من أنّ المراد بيعة الإمام المعصوم وبما أنّ هذا اللفظ لم يكن رائجاً في تلك الظروف أشار إلى معناه بالقيود الثلاثة وإلاّ لاكتفى بالوصف الأوّل، أي كونه عدلاً.
***

المورد العاشر: كتاب الله وسنتي

الإمام زيد يروي عن علي(رضي الله عنه) حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما ثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أي في مرض وفاته ـ قال: «يا أيها الناس إنّي مخلف فيكم كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي بينما ما ذا يقول الشيعي: إنّ قول: «انّي مخلف فيكم كتاب الله وسنتي» من الموضوعات التي وضعها أهل السنة ليصرفوا الناس عن أهل البيت وإذا بأهل البيت بأنفسهم يروون قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) انّي مخلف فيكم كتاب الله وسنّتي، فالسنة هي الأصل.
يلاحظ عليه: أنّ الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم لا ينكرون ما جاء في مسند الإمام زيد وإنّما ينكرون الرواية التي خلت من العترة. نعم الرواية المتضافرة بل المتواترة هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» وذكر العترة يغني عن السنة، لأنّهم (صلوات الله عليهم) ـ لايروون إلاّ سنّة جدهم(صلوات الله عليه وآله) .

تنبيه:

قد ألفنا حول حياة ثائر آل محمد زيد بن علي كتاباً مستقلاً ذكرنا فيها أوصافه وعباداته وخطبه وكتبه إلى غير ذلك من مواقفه أمام الأمويين أعداء آل محمد.
وفي مسند الإمام زيد ما يخالف ما عليه أهل السنة والمذهب الذي تبنّاه المستشكل أخيراً، وهانحن نذكر نماذج منها:
1. روى زيد بن علي عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى ويرتل في الأذان ويهدر في الاقامة.(54) وأهل مذهبه يفردون أكثر فصول الإقامة.
2. حديث زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين أنّه كان يقول في أذانه:«حيّ على خير العمل، حي على خير العمل».(55)
3. حدثني زيد بن علي عن أبيه عن جدّه(عليهم السلام) عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ أنّه كان يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم.(56) وأهل مذهبه بين من لا يجهر وبين من يترك.
4. روى زيد بن علي عن أبيه عن جدّه الحسين بن علي(عليهم السلام) قال: «أنا ولد فاطمة لا نمسح على الخفين ولا على العمامة ولا كمة(القلنسوة المدورة) ولا خمار ولا جهاز».(57)
5. روى زيد عن أبيه عن جدّه على علي(عليه السلام) قال: «عزائم سجود القرآن أربع، ألم تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربّك الذي خلق».(58)
وتخصيص وجوب السجدة بالسور الأربع من خصائص فقه الإمامية.
6. ثمّ إنّ لزيد الثائر كتاباً باسم غرائب القرآن وفيه روايات لا تنسجم مع مذهب المستشكل قال: انّ قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(59).
قال زيد بن علي (عليهما السلام): هذه لعلي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه خاصة: (واللّه يعصمك من الناس) أي يمنعك منهم.(60)
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
جعفر السبحاني
قم المقدسة


1. تاريخ دمشق لابن عساكر:56/297ـ 298.
2. المائدة:6.
3. الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/41ـ 51.
4. الكافي:3/25، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث4.
5. جامع البيان:6/82; محاسن التأويل:6/111; تفسير القرآن العظيم:2/27.
6. مسند أحمد:5/342.
7. الدر المنثور:2/262.
8. المائدة:6.
9. وسائل الشيعة:3/291، الباب
1.ن أبواب المس، الحديث7.
10. جواهر الكلام:5/334.
11. مختلف الشيعة:1/426; مفتاح الكرامة:1/544.
12. الجواهر:5/203، نقلاً عن المعتبر:1/388.
13. المائدة:6.
14. من لا يحضره الفقيه:1/
57. 213.
15. صحيح البخاري برقم
341. 343.
16. صحيح البخاري:2/53، باب من نام أوّل الليل وأحيا آخره، برقم 1146.
17. سنن ابن ماجة:1/371، برقم 1175.
18. مسند أحمد:43/244، برقم 26156.
19. مسند أحمد:43/244، برقم 26158.
20. مسند الشافعي: ترتيب السندي:1/
195. رواه أيضاً مسلم في صحيحه:1/520.
21. صحيح مسلم:2/188، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
22. سنن أبي داود:2/69، حديث 1447.
23. سنن النسائي:3/197، باب قيام الليل وتطوع النهار.
24. سنن النسائي:3/198، باب قيام الليل وتطوع النهار; وأخرجه أحمد في المسند:5/
427. 428.
25. التهذيب:3، باب فضل شهر رمضان، الحديث30.
26. الكافي:4/154.
27. الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف، ص 383ـ 422.
28. لاحظ: رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد بن مبارك:5.
29. سنن البيهقي:2/72، 101، 102; سنن أبي داود:1/194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730ـ 736; سنن الترمذي:2/98، باب صفة الصلاة; مسند أحمد:5/424; وابن خزيمة في صحيحه، باب الاعتدال في الركوع، برقم 587.
30. منهم: أبو هريرة، وسهل الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحمد بن مسلمة.
31. رسالة مختصرة في السدل:11.
32. بداية المجتهد:1/99.
33. الوسائل:4، الباب
1.ن أبواب افعال الصلاة، الحديث
1.لاحظ: الباب17، الحديث
1.2.
34. المائدة:87.
35. صحيح البخاري:7/4، باب ما يكره من التبتل والاحضاء; صحيح مسلم:4/130، باب نكاح المتعة.
36. صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
37. صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
38. سنن الترمذي:3/
186.رقم 824.
39. صحيح مسلم:4/133ـ 134، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
40. مسند أحمد:2/95.
41. مسند أحمد:4/436.
42. الاصابة:2/181.
43. المحلّى:9/519.
44. راجع للوقوف على مصادر هذه الأقوال: شرح صحيح مسلم للنووي، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.
45. المحلّى:9/465; المغني لابن قدامة:7/339.
46. بداية المجتهد:2/17; المغني لابن قدامة:7/239.
47. المغني لابن قدامة:7/339.
48. الطبقات الكبرى لابن سعد:2/116ـ 117; مسند أحمد:4/134; صحيح مسلم:2/1045; المغني:7/340; الشرح الكبير:7/458.
49. مسند أحمد:4/134، ح
13163.غيره.
50. الطلاق:1ـ2.
51. الوسائل:15، الباب
10.ن أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث
7.
3.لاحظ بقية أحاديث الباب.
52. تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة:2/322.
53. مقالات الإسلاميين:323.
54. أهل السنة يروله بدعة.
55. مسند الإمام زيد، كتاب الصلاة، باب الأذان:93.
56. مسند الإمام باب القراءة في الصلاة:104.
57. مسند الإمام زيد:92.
58. مسند الإمام زيد:150.
59. المائدة:67.
60. غرائب القرآن:129، ط بيروت، 1412.