قائمة المواضيع :
الشيعة الإمامية في الفروع والأُصول (2)
إدعى ضيف إحدى الفضائيات في بعض الحلقات أن ما رواه الشيعة الإمامية من أحاديث غير ثابتة عن أئمتهم واستند في ذلك إلى أمرين:
1. أنّهم لم يأخذوا بما في مسند زيد بن علي الثائر، وقد اجبنا عن هذه الشبهة بحيث لم يبق لمشكك شك، ولا لمرتاب ريب.
2. تقليل الرواية عن علي (عليه السلام)، قائلاً: (بأن الشيعة الإمامية لمّا لم يجدوا في علم علي ما يسعفهم في تمييز التشيّع وإفراده كمدرسة عن مدرسة أهل السنة والجماعة، بل وجدوا ان فقه علي وعلمه يطابق كثير ما عليه الصحابة ولهذا أهملوا علم علي وفقهه واقتصروا على النزر اليسير).
أقول: ربما يتصور القارئ أن لكلام هذا الضيف مسحة حق أو لمسة صدق، مع أنّه صفر عن البرهنة والاستدلال ، كما سيتضح. أضف إلى ذلك أنّه يتهم الشيعة بتلك التهمة الباطلة ولا يذكر أي دليل لمدعاه ولا يعتمد على أي مصدر لكلامه من كتب معتبرة، بل ولا غير المعتبرة. وسيوافيك أن الشيعة الإمامية عن بكرة ابيهم اكبّوا على أخذ العلم عن علي (عليه السلام)أكثر من غيرهم حتّى في الظروف القاسية، يقول الأُستاذ أبوزهرة:
«يجب علينا أن نقرّ هنا أن فقه عليّ وفتاويه وأقضيته لم ترو في كتب السنة... وكان أكثر الصحابة اتّصالاً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد رافق الرسول وهو صبيّ قبل أن يبعث، واستمرّ معه إلى أن قبض الله تعالى رسوله إليه، ولذا كان يجب أن يذكر له في كتب السنّة أضعاف ما هو مذكور فيها.
وإذا كان لنا أن نتعرّف على السبب الّذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويّات عليّ وفقهه فإنّا نقول: إنّه لابدّ أن يكون للحكم الأُموي أثر في اختفاء كثير من آثار عليّ في القضاء والإفتاء; لأنّه ليس من المعقول أن يلعنوا عليّاً فوق المنابر وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه وينقلون فتاويه وأقواله للناس، وخصوصاً ما كان يتّصل منها بأساس الحكم الإسلامي...».(1)
كيف يمكن أن يكون الشيعة معرضين عن علم علي إلاّ في النزر اليسير، مع أنّهم رووا عن النبيّ
الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» .
وما إدّعاه القائل من اتهام الشيعة بقلة الرواية عن علي (عليه السلام)على طرف النقيض ممّا ذكره الأُستاذ مصطفى عبدالرزاق في سبق الشيعة إلى تدوين الحديث قبل سائر الطوائف والفرق، حيث قال: ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الأحكام الشرعية أسرع إلى الشيعة لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حريّاً أن يسوقهم إلى الحرص على تدوين أقضيتهم وفتاواهم.(2)
كفى الشيعة فخراً أن عند أئمتهم (كتاب علي) وهو كتاب عظيم بخط علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويعبر عنه أيضاً بالجامعة.
روى النجاشي في ترجمة محمد بن عُذَافر عن عُذافر الصيرفي قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(عليه السلام) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر(عليه السلام) له مُكْرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «يابنيّ قم، فأخرجْ كتاب عليّ»، فأخرَجَ كتاباً مدروجاً عظيماً وفتحه (ففتحه) وجعل ينظر فيه حتّى أخرج المسألة. فقال أبو جعفر(عليه السلام): «هذا خط علي(عليه السلام) وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)». وأقبل على الحَكم وقال: «يا أبا محمد إذهب أنت وسَلَمَه وأبو المِقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل(عليه السلام) ».(3)
ولقد كان للإمام علي (عليه السلام)صحابة أصفياء عُرفوا بشيعة علي، حتّى في حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد اقتفوا أثره في كافة المجالات، فدونوا ما سمعوه عن إمامهم من الخطب والحكم والمواعظ والأحكام، وغيرها، فصارت رسائلهم في ذلك العهد مصدراً لمن أتى بعدهم، وها نحن نذكر عدداً من هؤلاء الّذين دونوا كلمات الإمام (عليه السلام):

1. أبو رافع

وأبو رافع: مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، له كتاب السنن والأحكام والقضايا، روى فيه عن علي (عليه السلام)، يشتمل على أبواب الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا.(4)

2. عبيد الله بن أبي رافع

وكان من خواص أصحاب الإمام علي (عليه السلام)وكاتبه وقد شهد معه حرب الخوارج بالنهروان، ذكر له الشيخ الطوسي كتابين: كتاب قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام)يعني أقضيته في المحاكمات والمرافعات،
وكتاب من شهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام)الجمل والنهروان من الصحابة، ثم ذكر سنده إلى الكتابين.(5)

3. ربيعة بن سُميع

كان ربيعة بن سُميع من خيار التابعين من صحابة الإمام علي (عليه السلام)، قال النجاشي: أن له كتاباً في زكوات الأنعام يرويه عن أمير المؤمنين (عليه السلام).(6)

4. الأصبغ بن نباتة

الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي كان ناسكاً عابداً من خواص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)شهد معه وقعة صفين، وعمّر بعده، قال النجاشي والطوسي: أن الاصبغ روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام)عهده إلى مالك الأشتر لما ولاّه، ووصيته إلى ابنه محمد بن الحنفية، ثم ذكرا سنديهما إلى الأصبغ بالعهد والوصية.(7)

5. الحارث الأعور الهمداني (المتوفى 65 هـ)

وهو أحد الاصفياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، روى ابن سعد باسناده عن علباء بن أحمر: أنّ علي بن أبي طالب خطب الناس فقال: مَنْ يشتري علماً بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفاً بدرهم، ثم جاء بها عليّاً، فكتب له علماً كثيراً.(8)
قال الذهبي: كان الحارث من أوعية العلم ومن الشيعة الاُول .(9)

6. عبيد الله بن الحر الجعفي (المتوفّى 68 هـ)

وصفه النجاشي بقوله: الفارس الفاتك الشاعر له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين (عليه السلام).(10)
وقال ابن أبي حاتم: روى عن علي (عليه السلام)، روى عنه: سليمان بن يسار وعمر بن حبيب .(11)

7. ميثم التمّار (المتوفى 60 هـ)

وهو ميثم بن يحيى التمّار الأسدي بالولاء، أبو صالح الكوفي، من اعاظم الشهداء وأوائلهم في
التشيّع، وكان عبداً لأمرأة من بني أسد اشتراه علي منها واعتقه، فكان من خيار أصحابه(12)، وكان خطيباً متكلماً مفسّراً، وله كتاب.
عن صالح بن ميثم التمّار، قال: وجدت في كتاب ميثم: يقول تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال لنا: «ليس من عبد امتحن الله قلبه بالإيمان إلاّ أصبح يجد مودتنا في قلبه»... الحديث .(13)

7. زيد بن وهب

هو زيد بن وهب الجهني ابو سليمان الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهاجر إليه، فقبض وزيد في الطريق، وهو معدود في كبار التابعين في الكوفة .(14)
ولزيد بن وهب كتاب خطب أمير المؤمنين في الجمع والأعياد وغيرها، ذكره بسنده إليه الشيخ الطوسي.(15)
ما ذكرناه عدد يسير من أوائل الشيعة الّذين أناخوا ركائبهم عند باب الإمام علي (عليه السلام)فجمعوا ما سمعوه من الإمام في كتبهم ثم صارت كتبهم مصادر للتابعين وتابعي التابعين، ولهؤلاء عشرات الأحاديث في كتب المتأخرين، فلو كان هناك عتب لأجل قلة الرواية عن الإمام علي (عليه السلام)فهو متوجه إلى خصوص مؤلفي الصحاح والسنن، حيث لم يرووا عن علي (عليه السلام)إلاّ 586 مسنداً .(16) روي غير أصحاب الصحاح عن علي (عليه السلام)روايات كثيرة كما سيوافيك.
***

المقارنة بين ما رواه الشيعة، والسنة عن علي (عليه السلام)

إدعى القائل (أن ما رواه السنة عن علي (عليه السلام)هو أضعاف ما رواه الشيعة عنه).
أقول: هذا ما يدعيه الكاتب غير أن المقارنة بين ما رواه الشيعة وبين ما رواه السنة، تبطل هذا الادعاء، وها نحن نذكر عدد ما روته الطائفة الأُولى عن علي (عليه السلام)وعدد ما روته الطائفة الثانية عنه (عليه السلام).
وقد قام الباحث الكبير الشيخ عزيز الله العطاردي بتأليف موسوعة كبيرة حول الأئمة الاثني عشر فخص لكل إمام مجلد أو مجلدين باسم نفس الإمام فجمع كلّ ما رواه الشيعة والسنة عن كلّ إمام من
الأئمة الاثني عشر، بأسانيدها ومتونها، يبلغ عدد ما رواه الشيعة عن علي (عليه السلام)6157 حديثاً، وفي الوقت نفسه واما ما رواه أهل السنة في مجموع مؤلفات أهل السنة من الصحاح والسنن وكتب الحديث والتاريخ يبلغ 4125 حديثاً، فليس الخبر كالعيان فإن صاحب هذه الموسوعة نقل الروايات عن كلتا الطائفتين بأسانيدها ومتونها عن مصادرها، فمن شاء فليرجع إليها.(17)
ثم إن المستشكل لم يذكر شيئاً ممّا رواه أهل السنة عن بنت المصطفى فاطمة الزهراء ولا عن الإمامين السبطين الحسن والحسين، وإنما تجاوزهم إلى علي بن الحسين (عليهما السلام)ونحن نكمل البحث فيما تركه، فأقول:

عدد الروايات عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)

ذكر الشيخ العطاردي أن الموجود في مصادر الإمامية فيما روي عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)يناهز (93) حديثاً، وفي الوقت نفسه الموجود في مصادر أهل السنة لا يتجاوز عن ستة أحاديث.

عدد الأحاديث عن السبط الأكبر (عليه السلام)

روى الشيعة الإمامية عن الإمام الحسن المجتبى ما يبلغ 275 حديثاً، والموجود في مصادر أهل السنة يناهز (183) حديث.

عدد الأحاديث عن سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام)

روى الشيعة الإمامية عن الحسين بن علي (عليه السلام)ما يناهز (164) حديثاً، وفي مصادر السنة (113) والأسف كلّ الأسف أن الأُمة لم تتوفق لأخذ الرواية عن الإمامين الهمامين(عليهما السلام)، وذلك لأجل وجود الضغط من الأمويين على الشيعة وأئمتهم منذ عصر معاوية.

عدد الأحاديث عن الإمام سيد الساجدين (عليه السلام)

قد تقدّم منا أن المستشكل لم يذكر شيئاً عمّا روي عن فاطمة الزهراء والإمامين الهمامين الحسن والحسين(عليهم السلام)، بل تجاوز عنهم إلى الكلام عن الإمام الرابع أعني زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)فقال ما لفظه: (وهو الرابع من أئمة الشيعة الاثني عشرية وروايتهم عنه قليلة ومحدودة رووا عنه أُموراً تتعلق بالثقافة الشيعية).
أقول: إن المستشكل في هذا المقام كالمواضع السابقة يقضي بلا برهان، ويفتي بلا دليل دون أن يذكر مصدراً لكلامه، مع أن الموجود في مصادر الشيعة يخالف ما ذكره مئة بالمئة، وها نحن نذكر ما نقله الشيخ العطاردي في موسوعته حول ما روي عن الإمام السجاد (عليه السلام)وهو قد صب جهده لجمع كلّ
ما روي عن الإمام (عليه السلام)، وضم كلّ شارد ووارد في هذا الفصل ولم يكن غرضه اتهام طائفة بالتقليل وأُخرى بالتكثير، وإنّما غرضه جمع كلمات الإمام (عليه السلام)في مختلف المجالات، فبلغ عدد ما رواه الشيعة عن إمامهم (1057) حديثاً، كما بلغ ما رواه أهل السنة في مصادرهم (184) حديثاً، وها هو مسند الإمام السجاد مطبوع منتشر جاءت فيه متون الروايات مع أسانيدها ومصادرها.
لقد ركز علماء الشيعة جهودهم على حفظ آثار الإمام زين العابدين (عليه السلام)في أحلك العصور وأظلمها، وإليك ما نقل عنه (عليه السلام)من الأدعية والرسائل، وهي مكتوبة بيده وقلمه بعد مأساة كربلاء الدامية المروّعة. وإليك أهم ما تركه هذا الإمام للمسلمين من ثروة فكرية وعلمية نفيسة.

أ. الصحيفة السجادية

1. الصحيفة السجادية في الأدعية: تحتوي على واحد وستين دعاءً في أبواب الخير وأنواع العبادات وطلب السعادة وتعليم العباد كيف يلجأون إلى ربّهم في الشدائد والمهمّات ويطلبون منه حوائجهم ويعملون بقوله تعالى: (ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ )(18). وبلاغة مضامينها وفصاحة ألفاظها ـ التي لا تبارى وعلوّ مضامينها وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى والثناء عليه والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسل إليه ـ أقوى شاهد على صحّة نسبتها، وأن هذا الدّر من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، وتعدّد أسانيدها المتصلة إلى منشئها (عليه السلام)، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة إلى زين العابدين (عليه السلام).(19)
وقد طبعت الصحيفة طبعات عديدة، وطبعت أخيراً في السعودية بإجازة رسمية من مكتبة الملك فهد.
ثم إنّ العلماء عبر القرون بذلوا جهودهم في جمع ما روي عن السجاد في مجال الأدعية التي خلت عنها الصحيفة المعروفة، فألفوا صحائف متعدّدة كالتالي:
2. الصحيفة السجاديّة: تأليف الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملي نزيل مشهد الرضا (عليه السلام)المتوفّى عام 1104 هـ .
3. الصحيفة السجادية التي جمعها الميرزا عبدالله التبريزي المعروف بالأفندي صاحب «رياض العلماء» المتوفّى عام 1134 هـ .
4. الصحيفة السجادية التي جمعها الميرزا حسين النوري المتوفّى عام 1320 هـ ، فاستدرك ما فات المؤلّفين السابقين.
5. الصحيفة السجادية التي جمعها السيد الأمين صاحب «أعيان الشيعة» .(20)

ب. رسالة الحقوق

وللإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)رسالة معروفة باسم «رسالة الحقوق»، رواها الصدوق بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن زين العابدين (عليه السلام) في «الأمالي» (21) و «الخصال»(22)، وأوردها الحسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول»، وقال في الكتاب الأخير: رسالة علي بن الحسين المعروفة برسالة الحقوق: اعلم رحمك الله أنّ لله عليك حقوقاً محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتَها، أو سكنة سكنتها، أو حال حُلتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرّفت بها، بعضها أكبر من بعض وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقّاً، ولسمعك عليك حقّاً... الخ.(23)
ثمّ إنّ الإمام أشار في هذه الرسالة إلى واحد وخمسين حقّاً، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الرسالة.

ما روي عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)

إن المستشكل لما لم يجد بغيته فيما روي عن الإمامين الصادقين (عليهما السلام)في المصادر الشيعية حيث إنهم رووا عنهما الآلاف من الأحاديث في مختلف أبواب المعرفة والفقه، حتّى عرفت الشيعة بالباقرية والجعفرية.
لما لم يجد بغيته في حياة الإمامين (عليهما السلام)خرج عن الموضوع الّذي عنونه، إلى نقل روايات من كتب أهل السنة تشتمل على ذم الأئمة(عليهم السلام)للشيعة تحت عنوان الرافضة.
أقول: هذه الروايات لا يحتج بها في المناظرة إذ لا يُقام لها وزنٌ ولا قيمة حتّى بمقدار قلامة ظفر، والّذي يدلّ على أن هذه الروايات مدسوسة ومكذوبة على لسان أئمة الشيعة، هو أن المتبادر منها أن (الرافضة) كان علماً للشيعة الإمامية في عصر الإمام السجاد (عليه السلام)وإنّما صار علماً لهم في الاعصار
المتأخرة ـ خلافاً لقوله سبحانه: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ )(24) وأما قبلها فلا يراد به إلاّ كلّ من ترك قائده، يقول ابن منظور: الروافض جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، وكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليه: رافضي .
ثم نقل عن الأصمعي قال: والروافض قوم من الشيعة سُمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي .(25)
والحق إن الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً. هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان ـ الّذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب (عليه السلام)وسلطته ـ بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين; أمّا بعد، فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط ] نزل [ إلينا مروان بن الحكم في رافضة البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(26)
ترى أن معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأن هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.
وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والتعامل معها معالمة الحكومة الحقّة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه وتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة. وعلى هذا فاطلاق الرافضة على خصوص الشيعة الإمامية في عصر الإمام السجاد، بحاجة إلى قرينة غير موجودة في كلام الراوي.
 
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

1 . الإمام الصادق (عليه السلام): 162 .
2 . التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبدالرزاق: 220 .
3 . رجال النجاشي: 360، برقم 966 .
4 . رجال النجاشي: 4، برقم 1 .
5 . رجال النجاشي: 6، برقم 2 ; الفهرست للطوسي: 174، برقم 467 .
6 . رجال النجاشي: 7 برقم 3 .
7 . لاحظ : رجال النجاشي: 8 ، برقم 5 ; الفهرست للطوسي: 85 ، برقم 119 .
8 . طبقات ابن سعد: 6 / 168 .
9 . سير أعلام النبلاء: 4 / 152، برقم 54 .
10 . رجال النجاشي: 9 برقم 6 .
11 . الجرح والتعديل: 5 / 311، الترجمة: 1480 .
12 . رجال البرقي: 36 برقم 17، وصفحة 60 برقم 4; الارشاد للمفيد: 170.
13 . الأمالي للشيخ الطوسي: 148، الحديث 243; بشارة المصطفى لعماد الدين الطبري: 143، الحديث 94 (الجزء الثاني) طبع 1422 هـ .
14 . الاستيعاب: 2 / 559، الترجمة رقم 86 .
15 . لاحظ : الفهرست: 202 برقم 30 .
16 . الفصل: 4 / 137 ; تاريخ الخلفاء للسيوطي في أوائل أحوال عثمان:
17 . مسند الإمام علي (عليه السلام).
18 . غافر: 60 .

19 . أعيان الشيعة: 1 / 638 .
20 . المصدر نفسه.
21 . الأمالي: 301 ـ 306، المجلس (59).
22 . الخصال: 564، أبواب الخمسين وما فوقه، ح 1 .
23 . تحف العقول: 184 .
24 . الحجرات: 11 .
25 . لسان العرب، مادة «رفض».
26 . وقعة صفين: 29 .