قائمة المواضيع :
فلسفة أُصول الفقه
 

أكثر ما يتناقل على ألسنة أهل العلم هو إطلاق لفظ الفلسفة مجرّدة دون أن يضاف إلى شيء آخر، وربما يطلق مضافاً إلى شيء نظير: فلسفة التاريخ أو فلسفة الفقه ونحو ذلك.

أمّا الأوّل فيراد منه الفن الأعلى. وإن شئت قلت: الأُمور العامّة وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود دون أن يكون متحيّثاً بحيثية طبيعية أو رياضية، وربما يعرّف بقولهم: نعوت كلية تعرض للموجود من حيث هوهو.

وأمّا الثاني ـ أعني المضاف ـ إلى علم فقد طال التشاجر في تبيين مفهومه، ونحن نعرض عن تلك الآراء ونذكر ما هو المقصود من هذا اللفظ المضاف فنقول: المراد: العلم الذي يقع في خدمة علم آخر بتبيينه وتوضيحه، مثلاً أُصول الفقه يلاحظ على وجهين:

الأوّل: تارة يلاحظ بما فيه من بحوث ومسائل نظير الأوامر والنواهي والمفاهيم والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد، والحجج الشرعية، ففي هذه النظرة يكون الملحوظ عند الباحث هو نفس العلم بما هوهو، ولا يخرج عنه قيد شعرة.

الثاني: النظر إلى ذاك العلم من الخارج، ففي هذه النظر يكون الملحوظ الأُمور التي لها صلة بهذا العلم وتكون مجيبة لكثير من الأسئلة حول هذا العلم، نظير البحوث التالية:

1. ما هي الغاية من تأسيس علم أُصول الفقه؟

2. الأُسس التي بُني عليها علم أُصول الفقه.

3. تاريخ علم أُصول الفقه.

4. الطرق المختلفة في تدوين علم أُصول الفقه.

5. موضوع علم الأُصول أي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائله.

6. ماهية علم الأُصول ومكانته، فهل هو علم حقيقي أو اعتباري؟ وتدرس هنا آفات ذلك العلم.

7. تعريف علم الأُصول (تعريفاً جامعاً ومانعاً).

8. المراحل التي مرّ بها العلم منذ تأسيسه إلى يومنا هذا.
وممّا يجب التنبيه عليه أنّ قسماً كبيراً من هذه الأُمور داخل في الرؤوس الثمانية التي كان القدماء يذكرونها في مطالع كتبهم.
ولتبيين هاتين النظرتين: النظرة إلى العلم من صميمه، والنظرة إليه من الخارج نأتي بمثال يوضح لنا واقع النظرتين.
نفترض أنّ ظاهرة صناعية كسفينة مشحونة بالركاب والبضائع تسير في البحر وتقطع أمواجه العاتية، فهناك من يريد تسجيل خصوصيات السفينة من داخلها وهناك شخص آخر يريد تسجيلها خصوصيات السفينة من خارجها.
أمّا الأوّل فلا يتجاوز نظره عن داخلها فيسجلّ ما تشتمل عليه السفينة في طبقاتها المختلفة وغرفها المتعددة وما فيها من قاعات الطعام والاستراحة ومحركاتها وغرفة القيادة وابراج المراقبة والحراسة.
وأمّا الثاني أي الناظر إليها من الخارج فيقع نظره على هيئة السفينة وشكلها وإلى المواد التي صنعت منها، وإلى مكان صُنِعَتْ فيه، وينظر إلى سرعتها واتجاهها، وغير ذلك ممّا يقع عليه النظر من الخارج.
فموقف العلم هو موقف الناظر من الداخل، وموقف فلسفة العلم هو موقف الناظر من الخارج.
إذا وقفت على ما ذكرنا فلنبدأ ببيان الجهات التي أشرنا إليها:
***
الأوّل: ما هي الغاية من تأسيس علم أُصول الفقه؟
قد وقف غير واحد من الفقهاء خلال القرن الثاني من الهجرة النبوية على أنّ استنباط قسم من الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة رهن ثبوت عدّة من القضايا قبل عملية الاستنباط، وبعبارة أُخرى: رهن تسليم فروض لا غنى للفقيه عن قبولها قبله، مثلاً ما لم يثبت أنّ الأمر الحاضر أو الغائب وضعا للوجوب لا يمكن إثبات وجوب الكتابة عند المداينة من قوله سبحانه:(وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)([1])، أو ما لم يثبت أنّ النهي موضوع للحرمة لا يمكن استخراج حرمة الأكل بالباطل من قوله سبحانه:(وَ لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)([2])، إلى غير ذلك من المسائل التي لا يمكن استخراجها من مصادرها ما لم تثبت أُمور تُعدّ أسساً للاستنباط وقد سمّيت هذه الأُمور بأُصول الفقه التي هي مبادئ تصديقية لمسائل علم الفقه.
وليس هذا من خصائص علم الفقه بل يعمّ سائر العلوم، مثلاً: التصديق بالقواعد التالية: كلّ فاعل مرفوع، كلّ مفعول منصوب، كل مضاف إليه مجرور، رهن ثبوت أُمور تسبّب التصديق بها ولولاها لما حصل التصديق والجزم بها. وتتلخّص تلك الأُمور في  التتبع في كلمات البلغاء وخطبهم واشعارهم وقبل ذلك القرآن الكريم وخطب النبي(صلى الله عليه وآله) وكلمات المعصومين(عليهم السلام) بما أنّهم من أهل اللسان، فهذه الأُمور تُعدّ مبادئ تصديقية لعلم النحو.
الثاني: الأسس الّتي بني عليها علم أُصول الفقه
إنّ القواعد الأُصولية، وإن كانت مبادئ تصديقية لمسائل علم الفقه ولكنّها في حدّ نفسها مسائل نظرية لا بديهية فلا تثبت إلاّ بالدليل والبرهان، ولذلك لا غنى للفقيه من التعرّف على الأسس الّتي تستمدّ منها مسائل أُصول  الفقه وتوصف بالمباني، وهي في بادئ النظر لا تعدو عن مبان سبعة نشير إليها باختصار:
أ. المداليل اللغوية
بما أنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه تعدّ مباحث لفظية كدراسة مفاهيم الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيّد، فالتعرّف على مفاهيمها رهن الوقوف على قواعد لغوية استنبطها أهل اللغة أو نفس الفقيه من كلام العرب ودواوينهم وخطبهم، وربما يستمدّ في تعيين مفاهيم هذه الألفاظ بالتبادر، وعدم صحّة السلب، والاطّراد، وإن كان الأخير عندنا هو الأرجح.
ب. حكم العقل النظري في باب الملازمات
إنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه يرجع إلى الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته، أو الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه إلى غير ذلك ممّا يبحث عنه في باب الملازمات، والحاكم فيها هو العقل النظري إيجاباً أو سلباً، ونظير ما ذكرنا الحكم بثبوت الشيء عند ثبوت شرطه أو وصفه، وارتفاعه عند ارتفاعهما.
ج. الأحكام البديهيّة للعقل النظري
إنّ قسماً من قواعد علم الأُصول يبتني على امتناع اجتماع الضدين أو امتناع الأمر بغير المقدور، فيعدّ هذا النوع من الحكم أساساً لبعض الأحكام، وعلى هذا بُني قسمٌ من المسائل الأُصولية نظير امتناع  تعلق الأمر والنهي بعنوانين متحدين في الخارج، لانّ الأمر يكشف عن الإرادة، والنهي يكشف عن الكراهة وهما متضادان يستحيل اجتماعهما. ونظيره القول بامتناع الترتب، حيث إنّ لازم تجويزه، طلب الضدين في ظرف واحد، المستلزم للأمر بغير المقدور وهل الاستلزام صحيح أو لا فلسنا في مقام تقويمه.
د. حكم العقل العملي في باب التحسين والتقبيح
تستمدّ بعض مسائل أُصول الفقه من حكم العقل العملي بالتحسين والتقبيح ولذلك
بنوا البراءة العقلية على قبح العقاب بلا بيان، كما بنوا لزوم الموافقة القطعية في مورد
العلم الإجمالي بوجوب أحد المتباينين، على صحّة العقوبة إذا اقتصر بالامتثال الاحتمالي
ولم يصادف الواقع.
هـ  . سيرة العقلاء
إنّ سيرة العقلاء التي يعبر عنها ببناء العقلاء أيضاً، من مباني أُصول الفقه، مثلاً يحتجّ على حجّية الظواهر أو على حجّية قول الثقة بسيرة العقلاء الجارية في عصر المعصومين(عليهم السلام)، إذا كانت السيرة بمرأى ومسمع منهم ولم يصدر عنهم أي ردّ فيها.
و. كتاب الله العزيز
إنّ كتاب الله العزيز من مصادر الفقه وفي الوقت نفسه فهو يُعدّ أساساً لقسم من المسائل الأُصولية، مثلاً البراءة الشرعية فهي مبنيّة على ما تضافر في الكتاب من أنّه سبحانه لا يعذّب أُمّة قبل البيان كما يقول: (وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)([3])وقوله سبحانه:(وَ مَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً).([4])
ز. السنّة الشريفة
إنّ قسماً من مسائل أُصول الفقه تستمدّ من السنّة الشريفة ونشير إلى موردين منها:
1.الاستصحاب
فهي قاعدة أُصولية في الشبهات الحكمية تعتمد في حجيّتها على قولهم(عليهم السلام): لا تنقض اليقين بالشكّ.
2. مرجّحات باب التعارض
إذا وردت  روايتان متعارضتان فالقاعدة الأوّلية هي سقوط الروايتين عن الحجيّة، والرجوع إلى قواعد أُخرى في نفس المسألة غير أنّ قسماً من الروايات ذكر مرجّحات لتقديم إحداهما على الأُخرى، وبالتالي أضفى الحجية لذي المزيّة ككون أحد الخبرين موافقاً للكتاب أو مخالفاً لفتوى العامة.
هذه هي الأسس السبعة التي تبتني عليها مسائل أُصول الفقه.
***
الثالث: تاريخ علم أُصول الفقه
المشهور عند أهل السنة أنّ الشافعي بتأليف كتابه الموسوم بالرسالة يُعدّ أوّل من ألّف في أُصول الفقه. والحقّ أنّ الرسالة كتاب ممتع غير أنّ محتوياته لا تختص بعلم الأُصول فهو يبحث عن الفقه والحديث وشيء من مسائل أُصول الفقه كالإجماع والقياس والاستحسان والنسخ والعام والخاص، ولعلّ الشيء القليل من محتوياته يختص بأُصول الفقه، وأمّا أوّل من عطف نظر الفقهاء إلى قواعد هذا العلم هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأخصّ بالذكر الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) فقد أمليا على أصحابهما قواعد كلّيّة  فقهية وأُصولية، وقد جمعها صاحب الوسائل في كتاب خاص أسماه الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة. وقد قام بعض المتأخرين بشرح ما في هذا الكتاب من القواعد.
***الرابع: الطرق المختلفة في تدوين أُصول الفقه
إنّ الرسالة للشافعي صارت نواة للتأليف حول أُصول الفقه، ثمّ قام بالتدوين بعده طائفتان هما المتكلمون والفقهاء، من علماء أهل السنة.
الطائفة الأُولى كانت تمثّل مذهب الإمام الشافعي الذي ألّف في أُصول الفقه رسالته المعروفة.
والطائفة الثانية كانت تمثل المذهب الحنفي في الفقه.
ولأجل ذلك تميّز تأليف كل طائفة عن الأُخرى ببعض الوجوه، وإليك بعض الميزات التي تمتعت بها طريقة المتكلمين:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهية، فأخذوا بالفروع إذا وافقت الأُصول وتركوا ما لم يوافقها، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول.
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابَع عقلي واستدلالي استخدمت فيها أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليين، وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك.
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع  وإليك شيئاً من أسماء تلك الكتب:
1. المعتمد، تأليف أبي الحسين البصري(المتوفّى 436هـ).
2. البرهان في أُصول الفقه، تأليف إمام الحرمين الجويني(المتوفّى 478هـ).
3. المستصفى في أُصول الفقه، تأليف أبي حامد الغزالي(المتوفّى 505هـ).
4. المحصول في علم أُصول الفقه، تأليف فخرالدين الرازي(المتوفّى 606هـ).
5. الإحكام في أُصول الأحكام، تأليف سيف الدين الآمدي(المتوفّى 631هـ).
6. منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل، تأليف ابن الحاجب،(المتوفّى 646هـ)، الذي اشتهر مختصره باسم مختصر ابن الحاجب في الأُصول.
7. التحصيل من المحصول، تأليف محمود بن أبي بكر الأرموي(المتوفّى 656هـ).
8. منهاج الوصول إلى علم الأُصول، تأليف عبدالله بن عمر البيضاوي(المتوفّى 685هـ).
هذه نماذج من الكتب التي ألّفت على طريقة المتكلمين التي لوحظت فيها المسائل الأُصولية بصورة مستقلّة .
القواعد الأُصولية المنتزعة من الفروع الفقهية
تقدّم أنّ طريقة المتكلمين من اتباع الإمام الشافعي هي النظرة إلى القواعد الأُصولية نظرة استقلالية، حتى تتفرع عليها الفروع الفقهية، غير أنّ طريقة الفقهاء الاحناف على خلاف ذلك ولها ميزات نشير إليها:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأُصولية طبقاً لما قرّره أئمّة المذاهب في فروعهم الاجتهادية الفقهية، ولابدّ أن تكون القاعدة الأُصولية منسجمة مع الفروع الفقهية، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيدها البرهان وعضدها الدليل، فتجد كثرة التخريج تشكل الطابع العام في كتبهم التي ألفت على هذه الطريقة .
ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقلية والقواعد الكلامية.
ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألف على هذا الأسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي(المتوفى 220هـ).
ومن الفقهاء الذين كتبوا على هذه الطريقة:
1. أبو بكر أحمد بن علي الجصّاص الرازي(المتوفّى 370هـ)، مؤلّف كتاب اُصول الجصّاص.
2. فخر الإسلام البزدوي(المتوفّى 482هـ)، مؤلف كتاب كنز الوصول إلى معرفة الأُصول.
3. الحافظ النسفي(المتوفّى 701هـ)، مؤلف كتاب منار الأنوار في أُصول الفقه.
الجمع بين الطريقتين
يوجد بين فقهاء السنة من جمع بين الطريقتين أي طرح كل قاعدة أُصولية ثم ذكر الفروع المترتبة عليها، وبذلك خرج علم الأُصول من كونه قواعد جامدة، نذكر منهم:
1. ابن الساعاتي(المتوفّى 694هـ) مؤلف كتاب البديع في أُصول الفقه لخّص فيه كتاب الإحكام للآمدي الذي ألّف على الطريقة الأولى وكتاب كنزالأُصول لفخر الإسلام البزدوي الذي ألّف على الطريقة الثانية.
2. صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخاري(المتوفّى 747هـ) مؤلف كتاب تنقيح الأُصول.
3. تاج الدين السبكي(المتوفّى 771هـ) مؤلف كتاب  جمع الجوامع.
4. كمال الدين ابن الهمّام(المتوفّى 861هـ) مؤلف كتاب التحرير في أُصول الفقه.
فهؤلاء هم الذين جمعوا بين الطريقتين.
طريقة التأليف عند فقهاء الشيعة
الطريقة المألوفة لفقهاء الشيعة في تدوين ذلك العلم هي الطريقة الأُولى وهي النظرة الاستقلالية إلى القواعد الأُصولية، وهذا هو الظاهر من كتاب التذكرة للشيخ المفيد والذريعة للسيد المرتضى والعدّة للشيخ الطوسي وعلى هذا المنهج سار المتأخرون إلى عصرنا هذا، نعم قام الشهيد الثاني في القرن العاشر بابتكار طريقة ثانية وهي الجمع بين القاعدة والتفريع، فألف كتاباً اسماه بـ«تمهيد القواعد» ذكر كل قاعدة أُصولية مع الفروع التي تترتب عليها. شكر الله مساعي الجميع.
***
الخامس: موضوع علم الأُصول
لو قلنا بلزوم وجود موضوع لكلّ علم، فالذي يمكن أن يكون موضوعاً لهذا العلم ويكون جامعاً لموضوعات مسائله هو «الحجّة في الفقه» والعوارض التي يبحث عنها في ذلك العلم عوارض تحليلية نعبّر عنها بالتعيّنات. هذا هو إجمال النظرية وإليك تبيينها وهو رهن بيان أمرين:
1. الحجّة في الفقه هو الموضوع لذلك العلم.
2. البحث عن التعيّنات بحثٌ عن عوارض ذلك الموضوع.
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه أنّ الداعي إلى تأسيس ذلك العلم ما مرّ من أنّ الفقيه يعلم علماً قطعيّاً أنّ الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة وقد أغنت المجتمع الإسلامي عن كلّ حكم وضعي ولها في كلّ موضوع حكم شرعي مقرون بالحجّة بحيث لو رجع إليه المجتهد لعثر عليه، فهذا العلم المرتكز هو الذي حفّز الفقهاء إلى تدوين ذلك العلم. فضالته المنشودة هي التعرف على الحجج التي تقع في طريق الاستنباط وهذا أوضح دليل على أنّ بحوثه تدور حول هذا الموضوع لا غير.
وأمّا الثاني: أعني ما هي العوارض التي تعرض ذلك الموضوع فنقول إنّ الاعراض الذاتية التي يبحث عنها في كلّ علم أعمّ من أعراض خارجية وأعراض تحليلية، ألا ترى أنّ موضوع الفنّ الأعلى هو الوجود أو الموجود بما هو موجود، ومباحثه هي تعيّناته التي هي الماهيّات، وليس نسبة الماهيات إلى الوجود نسبة العرض الخارجي إلى الموضوع، بل العارضية والمعروضية يتحققان بتحليل عقلي، فإنّ الماهيّات بحسب الواقع تعيّنات الوجود، و متّحدات معه ومن عوارضه التحليلة، فإن قيل الوجود عارض الماهية ذهناً فهو صحيح، وإن قيل الماهية عارضه الوجود وهي تعيّنه، فهو صحيح أيضاً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه فإنّ الفقيه لما رأى احتياجه في الفقه إلى الحجّة توجّه إليها، وجعلها نصب عينيه وبحث عن تعيّناتها التي هي الاعراض الذاتية التحليلية لها، فالحجّة بما هي حجة، موضوع بحثه، وتعيّناتها التي هي خبر الواحد والظواهر والاستصحاب وسائر المسائل الأُصولية من العوارض الذاتية لها، بالمعنى الذي ذكرنا، فعلى هذا يكون البحث عن حجّية خبر الواحد وغيره بحثاً عن العرض الذاتي التحليلي للحجّة، وتكون روح المسألة أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بخبر الواحد أو لا؟  وبالجملة بعد ما علم الأُصولي أنّ لله تعالى حجّة على عباده في الفقه يتفحص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليلية لها، فالموضوع هو الحجّة بوصف اللابشرطية والمحمولات هي تعيّناتها.
وهنا سؤال: وهو أنّه إذا كانت الحجّة هي الموضوع، والتعيّن بخبر الواحد وغيره هو المحمول، فاللازم في تنظيم المسائل أن يقال: الحجة هي خبر الواحد، مع أنّ القضية المعقودة في الكتب الأُصولية هي العكس؟
والجواب أنّ ذلك لأجل السهولة في التعليم، فإنّ المحمول مهما كان أوسع كان أسهل للتعليم نظير ذلك مسائل الفن الأعلى، وقد عرفت أنّ الموضوع هو الوجود بما هوهو، والأعراض تعيّنه بالواجب والممكن، والمجرد والمادي مع أنّ المسائل المعقودة على العكس فلا يقال: الموجود عقل أو جسم، بل يقال العقل أو الجسم موجود.
وقد أشار إليها الحكماء في كتبهم.
***
السادس: ماهية علم الأُصول ومكانته
من الأُمور المهمّة تبيين مكانة كلّ علم يريد الباحث دراسته، فهل هو علم حقيقي كوني، أو هو علم اعتباري.
وبمعرفة مكانة العلم تُعرف آفات البراهين أو صحتها التي تقام عليها مسائل العلم، وأمّا القسم الأوّل فلمسائل ذلك العلم مصاديق واقعية تطابقها تارة وتخالفها أُخرى، ويصحّ الاستدلال عليها بالدور والتسلسل واجتماع النقضين أو اجتماع الضدين إلى غير ذلك، فيقال: لولا هذا للزم الدور، أو التسلسل أو يلزم المحال.
فمسائل تلك العلوم أُمور واقعية لا تختلف هويتها مع اختلاف اللحاظ والاعتبار، فالقواعد الرياضية أو الهندسية أو الفيزيائية قواعد كلية ثابتة عبر الدهور والقرون، فزوايا المثلث تساوي قائمتين سواء اعتبرها المعتبر أو لا.
وفي مقابل ذلك العلوم الاعبتارية وهي مسائل قائمة بلحاظ الملاحظ واعتبار المعتبر، فالاستدلال على صحتها أو فسادها لا يخضع للدور والتسلسل، والذي يشترط في صحّة الأُمور الاعتبارية أمران:
1. أن يكون للاعتبار أثر عقلائي وإلاّ يلزم اللغو.
2. أن لا يعتبر خلاف ما اعتبره إذ عندئذ يلزم نقض الغرض.
لكن مع الأسف أنّ المتأخرين غفلوا عن ماهية علم الأُصول فتلقوه علماً كونياً فاستدلوا عليه بالبراهين التي يستدلّ بها في العلوم الطبيعية  والرياضية والهندسية، حتى الفلسفية، وإليك بيان نظائر ذلك.
1. ذهب المحقق الخراساني إلى وجود الجامع بين أفراد الصحيح للصلاة واستدل على ذلك بقاعدة الواحد لا يصدر إلاّ عن الواحد، وقال: الأثر الواحد أعني النهي عن الفحشاء لا ينفك عن واحد جامع بين أفراد الصلاة فيستكشف ذلك الجامع من أثره وإن لم نعلم اسمه.
وأنت خبير بأنّ مصب القاعدة ـ لو صحت ـ هو البسيط من جميع الجهات، مع أنّ النهي عن الفحشاء كثير، فكيف يكون مصداقاً للقاعدة.
2. أقام المحقّق الخراساني براهين كثيرة على امتناع أخذ الأمر في متعلقه كأن
يقال: صلِّ بداعي أمرها، قائلاً بأنّه يستلزم الدور أو التسلسل مع أنّهما من خصائص
العلم الحقيقي.
إلى غير ذلك من المسائل التي استدلّ عليها ببراهين كونية، فالباحث الحقيقي هو من يعرف مكانة العلم ويستدل على مسائله بالطرق التي تنسجم مع مسائله.
***
السابع: تعريف علم الأُصول تعريفاً جامعاً ومانعاً
عُرّف علم الأُصول في الآونة الأخيرة بتعاريف مختلفة، فصارت مثاراً للنقاش والجدل، والذي يمكن أن يقال: أنّ التعريف الجامع هو عبارة عما يشتمل على أمرين:
الأوّل: البحث عن الحجج التي يستدلّ بها على الحكم الواقعي ويعبّر عنها بالأمارات.
الثاني: البحث عن الحجج التي تحدّد وظيفة المكلّف عند الشك وهذا ما يعبر عنه بالأُصول العملية كالاستصحاب والبراءة والتخيير والاشتغال.
فإذا كان الأمران هما ضالّتا المستنبط، فالتعريف الحقيقي لهذا العلم لا ينفك من الإشارة إلى ذينك الأمرين بأن يقال: ملكة تعريف بها الحجج الشرعية على الأحكام الكلية أو ما تعرف بها وظيفة المكلف عند الشكّ في الحكم الشرعي الواقعي.
***
الثامن: الأدوار التي مرّ بها علم أُصول الفقه
مرّ علم الأُصول في مراحل حتى بلغ القمة من التكامل ويمكن بيان هذه المراحل بالعناوين التالية:
أ. مرحلة النشأة
قد قام غير واحد من متكلمي وفقهاء الشيعة بتدوين بعض مسائل أُصول الفقه فصارت نواة للتبلور، نظير:
1. يونس بن عبد الرحمن مؤلف كتاب علل الحديث.
2. أبو سهل النوبختي مؤلف كتاب الخصوص والعموم وإبطال القياس.
3. الحسن بن موسى النوبختي مؤلف كتاب خبر الواحد والعمل به.
مضافاً إلى ما قام به الحسن بن علي العُماني المعاصر للشيخ الكليني أو أبو علي الاسكافي(المتوفى: 381هـ) من إدغام بعض المسائل الأُصولية في كتبهم الفقهية.
وقد بدأ هذه المرحلة فيما بين القرن الثالث والرابع الهجري.
ب. مرحلة التبلور والتفتح
بدأت هذه المرحلة منذ عصر الشيخ المفيد إلى أوائل القرن العاشر، وأوّل من كتب كتاباً جامعاً لكافة مسائل أُصول الفقه هو الشيخ المفيد في كتابه التذكرة في أُصول الفقه، ولم تصل إلينا وإنّما الواصل خلاصته التي أوردها تلميذه الكراجكي(المتوفّى 449هـ) وأدرجها في كتابه كنز الفوائد المطبوع عدّة مرّات، وأمّا الشخصيات التي ساهموا في بلورة هذا العلم وانفتاحه حيث صارت كتب أُصول الفقه معادلة لكتب الآخرين في الاشتمال على أغلب المسائل، فيمكن أن نذكر منهم من يلي:
1. الشريف المرتضى(ت:436هـ) مؤلف كتاب الذريعة الذي طبع بتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).
2. سلاّر الديلمي(ت:448هـ) مؤلف «كتاب التقريب» في أُصول الفقه.
3. الشيخ الطوسي(ت:460هـ) مؤلف كتاب العدّة في أُصول الفقه.
4. ابن زهرة الحلبي(ت:585هـ) مؤلف كتاب غنية النزوع  إلى علم الأُصول والفروع.
5. سديد الدين الحمصي(ت:600هـ) مؤلف كتاب المصادر في أُصول الفقه.
6.  المحقق الحلّي(ت: 667هـ) مؤلف كتاب المعارج في أصول الفقه.
7. العلامة الحلي(ت: 726هـ) مؤلف كتب كثيرة في ذلك العلم أوسعها كتابه:«نهاية الوصول إلى علم الأُصول» الذي حقق وطبع في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في أربعة أجزاء.
8. عميد الدين الاعرجي(ت754هـ) مؤلف كتاب منية اللبيب في شرح التهذيب الذي حقق وطبع في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في جزئين.
9. فخر الدين الاعرجي الذي كان حياً سنة 740هـ مؤلف كتاب النقول في شرح تهذيب الأُصول.
10. فخر الدين الحلي(المتوفى 771هـ) مؤلف كتاب غاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول.
11. زين الدين (الشهيد الثاني)(ت:965هـ) مؤلف كتاب تمهيد القواعد.
هؤلاء هم أبرز الشخصيات الذين بذلوا جهودهم في تبسيط هذا العلم ودراسة عامة المسائل التي كانت مطروحة في كتب الأُصول عند أهل السنة، ولا يتوهم أنّ هؤلاء استنسخوا تلك المسائل بل أخذوا العناوين منها ودرسوا المسائل دراسة معمقة فربما وافقوهم أو خالفوهم فيها.
ج. مرحلة الابداع والابتكار
ظهر المذهب الاخباري في أواخر القرن العاشر وامتد إلى أواخر القرن الثاني عشر، ورُفع علم المخالفة لهذا العلم بجد وحماس، وأوجد خمولاً وجموداً في تطور هذا العلم، وقلما يتفق لفقيه أن يؤلف كتاباً حول هذا العلم في تلك الفترة إلاّ نادراً، نظير الفاضل التوني(ت:1071هـ) وآقا حسين الخونساري(ت1098هـ) وآقا جمال الدين الخوانساري(ت1131هـ) ولو استثنينا هؤلاء فنحن لم نقف على شخص ألف كتاباً في أصول الفقه خلال تلك الأدوار التي كان فيها الشجار والنقاش بين الأخباريين والأُصوليين محتدماً.
وفي أواخر القرن الثاني عشر ظهر الضعف في المدرسة الأخبارية بسبب قوّة احتجاجات المحقق البهبهاني (ت:1206هـ) على نحو أقنع رئيس الأخباريين أعني المحدّث البحراني(ت1185هـ) بأنّ النزاع في كثير من المسائل لفظي لا حقيقي وفي قسم منها الحق مع الأُصوليين وقد اعترف بأكثر ما ذكره ذلك المحدّث فانقلب الأمر وبزغ من جديد نجم علم الأُصول، فعند ذلك قام المحقق البهبهاني وجملة من تلاميذه أو تلاميذهم بابداعات وابتكارات لم يكن لها وجود في كتب السابقين من السنة أو الشيعة ولذلك توصف هذه المرحلة بمرحلة الابداع التي كانت ثمرة ناضجة لجهود ذلك الأُستاذ الكبير وتلاميذه كالشيخ جعفر كاشف الغطاء(ت:1228هـ) والمحقق القمّي(ت:1231هـ) صاحب قوانين الأُصول، والسيد علي صاحب الرياض(ت:1231هـ)، فصار علم الأُصول عند الشيعة علماً متكامل الأركان، شاملاً لمسائل جديدة لم تسبق إليها أفكار المتقدمين من السنّة والشيعة.
د. مرحلة التكامل
هذه هي المرحلة النهائية إلى يومنا هذا التي دخلها علم أصول الفقه، ورائد هذه النهضة العلمية عدّة من نوابغ العصر وفطاحل الدهر، نظير: شريف العلماء المازندراني(ت:1245هـ) والشيخ محمد تقي الاصفهاني (ت:1248هـ) والشيخ محمد حسين بن محمد رحيم صاحب الفصول(ت:1255هـ) والشيخ مرتضى الأنصاري(ت1281هـ). على نحو صار علم الأُصول لدى الشيعة يغاير ما ما عند السنة بكثرة المسائل الابداعية.
هـ. مرحلة قمة التكامل
ولو أنا اسمينا المرحلة السابقة بالتكامل فيحق لنا أن توصف المرحلة التالية بمرحلة قمّة التكامل فقد تحققت بجهود تلاميذ الشيخ الأنصاري الذين أضفوا على هذا العلم مكانة رفيعة، ونذكر منهم: الأساتذة العظام أمثال:
1. الميرزا الشيرازي الكبير(المتوفّى 1312هـ).
2. السيد محمد الفشاركي:(المتوفّى 1315هـ).
3. المحقق الخراساني(المتوفّى 1329هـ).
4. المحقق  النائيني(المتوفّى 1355هـ).
5. المحقق عبد الكريم الحائري(المتوفّى 1355هـ).
6. المحقق ضياء الدين العراقي(المتوفّى 1361هـ).
7. المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني(المتوفّى 1361هـ) (الذي زُيّن هذا المحفل باسمه وبيان نظريّاته وجهوده العلمية).
8. المحقق السيد البروجردي(المتوفّى 1380هـ).
9. الإمام السيد روح الله الخميني(المتوفّى 1409هـ).
10. المحقق السيد أبو القاسم الخوئي(المتوفّى 1413هـ).
هؤلاء هم فطاحل هذه المرحلة وأعاظمهم، وبقيت هناك شخصيات بارزة أُخرى ساهموا في رفع منار هذا العلم حفلت بهم كتب التراجم ونحن نعتذر لمقاماتهم السامية عن ترك ذكر أسمائهم لانّ المقال ضاق عن التبسط.
***
المنهج الأُصولي للمحقق الإصفهاني(رحمه الله)
الشيخ محمد حسين الإصفهاني(1296ـ 1361هـ) شخصية عظيمة، والتعريف الفني لا يفي ببيان مكانته، فهو نابغة الدهر وفيلسوف الزمان وفقيه الأُمّة.
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فنائله الإفضال والعلم ساحله
كان(قدس سره) متخصصاً في علوم ومشاركاً في علوم أُخرى، ومتحلياً بمآثر جمّة وملكات فاضلة حتى في الشعر والأدب والتاريخ، وكأن وجوده(قدس سره) واقع في مركز الدائرة فخطوط العلوم والفضائل إليه متساوية.
تخرج في الأُصول والفقه على نابغتين:
الأوّل: المحقق الأكبر السيد محمد الإصفهاني الفشاركي(المتوفّى 1315هـ) صاحب النظريات العالية.
الثاني:  العلاّمة المحقق الأكبر المولى محمد كاظم الخراساني(المتوفّى 1329هـ) ذلك المحقق الفذ في مستوى العلوم، فقد حضر دروسه مدة ثلاثة عشر عاماً فقهاً وأُصولاً حتى ارتحل الأُستاذ فاستقل هو بالتدريس.
وقبل أن نشير إلى آرائه الأُصولية نذكر شيئاً من ابداعاته، فقد كان بصدد الابداع في أُصول الفقه وتنظيم مباحثه بشكل آخر يختلف تماماً عن المنهج الدارج، وقد بنى أساس تنظيمه على أركان أربعة:
1. المباحث اللفظية.
2. الملازمات العقلية.
3. الحجج الشرعية.
4. الأُصول العملية.
وقد شرع في كتابة مشروعه ولكن الأجل لم يمهله، غير أنّ تلميذه الجليل الشيخ محمد رضا المظفر(رحمه الله) مشى على نهجه في كتابه «أُصول الفقه».
إذا عرفت ذلك فلنشر إلى بعض آرائه:
1. أداة الشرط تقع موقع الفرض
المعروف بين الأُصوليين أنّ أداة الشرط موضوعة للربط بين الشرط والجزاء، وبينهما صلة قوية، مرددة بين كون الشرط تمام العلّة أو جزئها، ولكنّه(قدس سره) أصرّ على أنّ أداة الشرط لإفادة أنّ مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير: أي لو فرضنا كذا لكان كذا.([5])
2. عدم وجوب المقدمة
ذكر تلميذه الشيخ المظفر انّ أُستاذه أوّل من تنبه إلى عدم وجوب المقدمة، وأقام برهانه بأسلوبه الخاص.([6])
3. الحروف موضوعة لبيان الوجود الرابط
الوجود منقسم إلى نفسي ورابطي ورابط، يقول السبزواري:
أنّ الوجود رابط ورابطي *** ثمة نفسي فهاك فاضبط([7])
4. جريان البراءة قبل الفحص
ذهب المحقق الإصفهاني إلى أنّ قاعدة العقاب بلا بيان تجري قبل الفحص خلافاً للمشهور من القول بعدم جريانه إلاّ بعده.([8])
5. الصحّة في المعاملات ليست مجعولة
ذهب الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ الصحّة في المعاملات كالصحّة في العبادات ليست من الأُمور المجعولة للشارع بل هما أمران اعتباريان.([9])
6. العدلان في الواجب تخييري، واجبان معاً
ذهب الشيخ الإصفهاني(رحمه الله) إلى أنّ الوجوب التخييري عبارة عن وجوب كلّ من العدلين والبدلين لوجود الملاك فيهما معاً غير أنّ تحصيل ملاكهما معاً يعارض مصلحة التسهيل، ولذلك يرخص المولى في ترك أحدهما على سبيل البدل.([10])
7. العلم الإجمالي عنده علّة تامّة للإمتثال القطعي
اختلفت كلمة الأُصوليين في أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة للامتثال القطعي وحرمة المخالفة الاحتمالية فضلاً عن القطعية، أو مقتض لهما، فاختار النظرية الأُولى.([11])
8. العرض الذاتي هو المأخوذ في تحديد المحمول
العرض الذاتي عند المحقق الخراساني تبعاً للحكيم السبزواري هو العارض على الموضوع بلا واسطة في العروض سواء أكان واسطة في الثبوت أم لا، وسواء أكانت الواسطة أعمّ أو أخصّ من ذي الواسطة أو مبايناً له، ولكنّه عند المحقّق الإصفهاني عبارة عن كلّ عارض أخذ في تحديده.
مثلاً نقول: الوجود إمّا واجب أو ممكن والممكن إمّا جوهر أو عرض، فالجميع عارض ذاتي للوجود لأنّه مأخوذ في تحديد المحمول فالواجب هو الوجود الذي يجب وجوده والممكن هو الوجود العاري عن الإيجابين وهكذا الجوهر هو الوجود القائم بلا موضوع، والعرض هو الوجود القائم بغيره.([12])
9. أنّ المصدر ليس مادة المشتقات
المصادر عنده مطلقاً لم توضع لنفس المعاني الخالية من جميع أنحاء النسب، بل المصدر من جملة المشتقات لاشتماله على نسبة ناقصة ومبدأ من دون فرق بين المجرّد والمزيد فيه.([13])
10. اعدام الملكات نظير الاستعدادات له حظ من الوجود
ذهب المحقق الإصفهاني إلى أنّ لأعدام الملكات شأناً من الوجود حيث قال: فعدم البياض ـ الذي هو من اعدام الملكات ـ كقابلية الموضوع من الحيثيات الانتزاعية منه ـ فكون الموضوع بحيث لا بياض له هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد، فمتمم القابلية كنفس القابلية.([14])
تلك عشرة كاملة من آرائه(رحمه الله) ودراسة آرائه في هذه المسائل موكولة إلى محلها.
جعفر السبحاني                   
قم  المشرفة                      
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)             
28 محرم الحرام من شهور عام 1435هـ
 
 


[1]. البقرة:282.
[2].  البقرة:288.
[3]. الإسراء:15.
[4]. القصص:59.
[5]. نهاية الدراية، ج1، ص 609.
[6]. لاحظ أُصول الفقه للشيخ المظفر.
[7].  نهاية الدراية، ج1، ص 51.
[8].  نهاية الدراية، ج2، ص 717.
[9]. نهاية الدراية، ج1، ص 587.
[10]. نهاية الدراية، ج1، ص 494.
[11].  نهاية الدراية، ج3، ص 88ـ 92.
[12]. نهاية الدراية، ج1، ص 22.
[13]. نهاية الدراية، ج1، ص 174، (آل البيت).
[14].  نهاية الدراية(الطبعة  القديمة)، ج1، ص 220.